نجاة رزاق شمخي جبر الكناني

رحلة العشق

وقفت على ساحل بحر الجود فوجدت سفينة النادمين توشك ان تبحر .أدركت أنها آخر رحلة لي فطالما ركبت تلك السفينة ولكن عدت .أريد ان أصل إلى محبوب فارقته منذ سنين في داخلي خوف وجل وخجل .. وألف سؤال .... هل يقبلني بعد هذا الفراق ؟ هل يصفح عن تلك الأخطاء ؟ هل أستطيع ان أقدم عذرا مقبولا ؟ كيف حلقت روحي في رياض الأحلام ؟ على اي غصن وقفت ؟ ماذا طلبت ؟ عشاً صغيراً وهل اكتفت؟ طارت، تخبّطت، سقطت، ثم قامت وحلّقت، مضت سنوات نامت طويلاً حتى استيقظت. لكن عندي املاً فرغم هذا البعد ماقطع أياديه عني، وكم مرة وصلني. كم مرة دعاني فلبّيتُ ثم نسيت، وشغلني حب الدنيا والأولاد. والآن أنا نادمة متأسفة، راجية مستغفرة أريد الرحيل حيث لارجعة مشتاقة للّقاء، ومعي كنز ثمين أعرف أنه وسيلتي . وبعليٍ وفاطمة وابنيهما وساطتي . نجاة رزاق الكناني

اخرى
منذ سنة
552

سن التكليف

الأب مقاتل في جبهات القتال .. قائد بطل شارك في معظم عمليات التحرير . الأم امرأة صالحة ترعى أطفالها وربّتهم على الأخلاق الحميدة والعادات الصحية الصحيحة . زينب طفلة على أبواب سن التكليف الإلهي… وخلال هذه الفترة تسمع والدها يخاطب والدتها: يجب أن تعلمي زينب ما هو التكليف، وماذا يجب عليها فعله؟ سمعت زينب بهذا المفردة من معلمة الإسلامية، لكن لماذا أبي يريد من أمي أن تعلمني؟ في كل مرة يأتي الأب محمّلاً بالهدايا لها ولأخوتها، لكن هذه المرة الأمر مختلف، جاء وقد خبأ هديته عن ابنته، اقترح أبوها أن يقيم حفلة صغيرة واختار ليلة الجمعة، تلك الليلة المباركة، ليبارك الله لابنته بتكليفها. وفي عصر الخميس جاءت زينب وقالت يا أبي لا أريد التكليف! ضحك الأب بصوت عالٍ وقال ما هو التكليف ياحبيبتي ؟ قالت: أنا أحبك وأحب جميع هداياك، ولكن الحجاب الشرعي الذي جلبته لي لا أريد لبسه، لا أريد غطاء الرأس. تألّم الأب لأنه أحس أنه مقصر بحقّ ابنته، وقال: اذهبي وغيّري ملابسك، سوف نخرج في نزهة لوحدنا . ذهب وقال لزوجته معاتباً: أنا طوال الوقت أغيب وأحامي عن وطني وأرضي ولا أستطيع أن أحمي ابنتي؟! وخرج مع ابنته إلى إحدى الحدائق القريبة، وعندما جلسا أراد أن يقطف زهرة، قالت له: لا يا أبي إنها جميلة، قال: ولكنها لجميع الناس، قالت: هكذا قالت المعلمة. جلسا قليلاً وهي تنظر إلى الزهرة الجميلة، كل من جاء فإنه يشمها من غير أن يمنعه أحد. ثم أخذها إلى أحد الأسواق، وأراد ان يشتري لها الحلوى، قال: يا ابنتي هل نشتري من هذه المعروضة أم من تلك المغلفة؟ قالت: تلك أنظف وليس عليها غبار. بعد عودتهما إلى البيت ناداها: يازينب، يازينب، يا ابنتي إن سن التكليف نعمة من الله سبحانه لنبحث ونعرف تكاليفنا، وأنت يا حبيبتي أغلى من تلك الزهرة وأجمل لا أريد أن تكوني كزهرة المتنزه كل من جاء يشمها أو يقطفها، لا أريد غبار الذنوب يلوثك هل رأيت كيف اخترتي الحلوى المغلفة؟ أريد أن افتخر بك عندما يقولون: أبو زينب المحجبة. وجاء بهديتها ووضعها على رأسها وقال: أنت الآن أقرب إلى ربك وأعز على قلب أبيك يا حبيبتي.

اخرى
منذ سنة
1378

ابحث عن مفقود

قالت حواء… نشأتُ في بيئة ريفية، وتعلقتْ في ذاكرتي صور من الماضي، صور جميلة، صور تلونت بلون الطبيعة -زاهية ناصعة -لم يستطع الزمن رغم عواصف الهموم وأمطار الحزن ان يغير ألوانها. كلّما نظرتُ في جدران مخيلتي أقف أمام واحدة. كان أبي كل يوم يأخذني معه إلى البستان، كنت طفلة صغيرة ألعب وأمرح، فإذا سقطتُ في الوحل وابتلّت ملابسي يضربني، وبعد حين إذا غسلتُ وجهي وجفّت ملابسي يقبّلني ويحملني. كان البستان قريباً من الشارع المؤدي إلى قريتي. رأيتُ جدتي إذا مرت سيارة شيخ القرية تجلس وكأنها تبحث عن شيء وتغطي وجهها. رأيت نساء القرية عندما تمر إحداهن ويأتي رجل تتأخر حتى يتقدمها! لم أسال أمي ولا جدتي لماذا؟ ثم مرّت الأيام ومات والدي قبل بلوغي سن التكليف واخترت طريقي، قرّرتُ أن أكمل تعليمي. لبستُ العباءة في الصف الخامس كانت تحميني من برد الشتاء وحرارة الصيف ....كانت تجمّلتي وتزينني.... وحين وصلتُ إلى ماوصلت إليه وتوظفتُ في أحد مؤسسات الدولة وجدت نساءً غير تلك النساء وجدتُ المرأة تصافح الرجل عند اللقاء. وجدتُ الجميع يجلس ويتشاطر الحديث بل البعض أصدقاء. وجدت مجتمعاً يقلد الغرب. ولا أحد يحب عباءة جدتي. ثم عدتُ لأبحث عن مفقود في ذاكرتي .عدتُ لأقول لأختي وصديقتي: علّمي ابنتك أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يأخذ زينب (عليها السلام) ليلاً لزيارة أمها الزهراء (سلام الله عليها). عدتُ لأنصح كل أم أن تعلّم الحياء لابنتها. عدتُ لأبحث عن مفقود في مجتمعي. نجاة رزاق شمخي

اخرى
منذ سنة
591

سودت صحيفة اعمالي

أعددت أمتعتي... جهزت حقائبي ....كنت متفائلة ....وضعت كتاب الفقه الوجيز في حقيبتي الصغيرة ...طريقي طويل وأملي كبير وشوقي أكبر ... فأنا نويت الدراسة في جامعة أم البنين عليها السلام ...أعددت جواباً لكل سؤال أتوقعه وحين وصلت إلى مركز الصديقة الطاهرة روحي لها الفداء . ...... دخلت ومن معي من المتقدمات تلقينا من الأخوات كل الترحيب وحسن الضيافة .وحين جاء دوري سألتني المشرفة :- إذا نصحت إحدى المتبرجات ولم تلتزم فماذا يكون شعورك هل تشعرين بأنك أفضل منها؟ قلت وبدون تردد: نعم، أنا أكيد أفضل منها فإن الله هداني للإيمان. قالت المشرفة وهل اطلعت على سريرتها لتحكمي عليها ؟ عند ذلك شعرت بأني فشلت في الاختبار !!!! من أنا لأحكم على الناس ؟ من أنا لأزكي نفسي ؟ فعلاً هل اطلعت على سرائر القلوب؟ لقد أرداني هواي وغرتني نفسي .سودت صحيفة أعمالي. ....عدت والحسرة تملأ قلبي على أعوام كان العُجب قائدها والغفلة حاديها. عرجت إلى مولاي علّي أردّد: سودت صحيفة أعمالي واوكلت الأمر إلى حيدر سودت صحيفة أعمالي ووكلتُ الأمر إلى حيدر.

اخرى
منذ سنة
502

منزلة الزهراء عليها السلام

عن انس قال :سألني الحجاج بن يوسف عن حديث عائشة والقدر إنها رأت فاطمة عليها السلام تحركها بيدها وهي أغلب وتفور فقلت نعم دخلت عائشة على فاطمة وهي تعمل للحسن والحسين هريرة بدقيق ولبن وشحن في قدر والقدر على النار أغلب وتفور وفاطمة تحرك مافي القدر بيدها !!! فخرجت عائشة فزعة مرعوبة فدخلت على أبيها وقالت ياابتي اني رأيت من فاطمة عجبا رأيتها وهي تعمل في القدر والقدر على النار تغلي وهي تحرك مافي القدر بيدها فقال يابني اكتميه فإنه أمر عظيم . فبلغ رسول الله ذلك فصعد المنبرفحمد الله وأثنى عليه ثم قال ..... ان الناس يستكبرون ويستعظمون ماراوا من القدر والنار! والذي بعثني بالحق واصطفاني بالرسالة لقد حرم الله عز وجل النار على لحم فاطمة ودمها وعصبها وشعرها وفطم من النار ذريتها وشيعتها . ان من نسل فاطمة عليها السلام من تطيعه النار والشمس والقمر وتضرب بين يديه الجن بالسيف وتوفي إليه الأنبياء بعهودها وتسلم إليه الأرض كنوزها وتنزل عليه السماء بركات مافيها .....الويل الويل لمن شك في فضل فاطمة ولعنه الله ثم لعنة الله على من يبغض بعلها علي بن أبي طالب ولم يرضى بأمانة ولديها . وفاة فاطمة الزهراء عليها السلام للبلاذري ص12 نجاة رزاق

اخرى
منذ سنة
302

الوفاء للشهداء

انتصف الليل، خفتت الأضواء، ملأ الظلام السماء، لاتسمع إلا أصواتاً هنا وهناك... إنه الموعد للّقاء، إنهم سكان جنة الزهراء، كل ليلة لهم جولة في أروقة المدينة يشتاقون إلى من تركوه من الأصدقاء... هذه الليلة هم متوجهون إلى (علي أكبر). أصوات ضحكهم ومزاحهم تعلو إلى السماء، لكن من يسمعهم؟ صاح أحدهم: يامرتضى، أنت قائد كتيبتنا، إلى أين تذهب الليلة؟ قال: اتبعوني، بقي عندنا صديق وهو بالانتظار. قال الآخر: هل سنذهب إلى بيت مسلم؟ اشتقت لرؤيته، كان يمسح أحذيتنا ويقول قربة إلى الله ضحك الجميع. توجه الجميع إلى المستشفى وجدو (علي أكبر) في نزعاته الأخيرة فتح عينيه رآهم مجتمعين حول سريره، وقف مرتضى عند قدميه ومدّ يده، قال: ياأخي لماذا أنت متمسك بهذه الدنيا الدنية، تعال معنا لترى مانحن فيه، إنها الجنة في جنة الزهراء، خرجت روحه وترك البسمة تملأ ثغره وأضاء الغرفة بنور جسده. كبّر الأصدقاء كبّروا جميعاً وذكروا الصلاة على النبي وآله. ثم أعدوا موكب الزفاف لعلي أكبر ومعهم ملائكة الله، وكأن أكاليل الورد على رأس (علي) وهو ذاهب إلى مثواه الأخير. فجأة تركهم وصاح: تعالوا يا أصدقاء أ تذكرون أنه ميدان التحرير؟ هنا، هنا نجتمع بانتظار الحافلة، عندما نذهب لجبهات القتال! أ تذكرون آخر مرة جلسنا هنا وأكلت متاع مسلم؟ صاح الآخرون: نعم، مسلم لماذا تركناه؟ لم يبق إلا هو! شق البرق وسط السماء وكان الرعد يصيح: الله أكبر الله أكبر. أدار مرتضى ظهره، نظر إلى امرأة تقف على جانب الطريق، مالذي تفعله امرأة في هذا الوقت من الليل! اقترب نظر بهار، أنها زوجته ابتسمت فتح عينيه، وقال بهار: مالذي تفعلينه في هذا الوقت من الليل؟ قالت: والدمعة تملأ تلك العينين الجميلة: أنا بانتظارك، جئت لأراك. قال بهار: تلك العينان المليئتان بالأمل وهذا الجمال ماذا ينتظر؟ أنا أعرف أنك مؤمنة بالله وبرسوله، محبة لعلي والزهراء، اذهبي وتزوجي، انجبي أطفالاً استمري بالحياة، بكت وقالت: أنا وفية لك في حياتك وسأبقى كذلك، وأنت أ تعدني أنك لاتدخل الجنة بدوني؟ سأنتظرك على باب الجنة، خذ بيدي أ تعدني يا مرتضى؟ قطع تلك اللحظات الجميلة صوت أحدهم: يا مرتضى، نريد الذهاب لبيت مسلم، هيا معنا، قال مرتضى: سوف نذهب إليه غداً، اليوم يوم (علي أكبر) وقد يكون لنا بمسلم غداً لقاء.

اخرى
منذ سنة
766

نداء الحق

ارتفع صوت المؤذن بنداء يوقظ النائمين: الله أكبر، الله أكبر، فتحت عينيها لتردّد معه ما يقول كعادتها، وهي مضطجعة على فراشها، مدّت يدها لتفتح مصباحها اليدوي، ووجّهتْه صوب ابنتها التي وضعت وسادتها قريباً من قدميها لتركلها إذا استفاق أحمد الصغير. حاولت الوصول إليها بأطراف أصابعها، لكن ليلى غيّرت مكانها الليلة، حاولت النهوض لتفتح باب الغرفة لكن ركلة قدم الغيب ضربت ظهرها. صاحت بصوت منخفض: ليلى... ليلى... فتحت عينيها لترى أحمد أخذ كل غطائها وهو متنعم بدفئ صدرها، تسحّبت نحو أمها بهدوء وهي تجيب ماذا تريدين؟ شدّتها إلى صدرها وهي تتحسس خيوط الحرير المنسدلة على كتفها، خفق قلب الأم وقلب البنت أجاب بخفقات، لم تنطق الشفاه، بل تركتا الحديث لقلبيهما. قال قلب الأم: أحبك يا أبنتي سامحيني، أنا خائفة عليك يا ليلى... وأجاب القلب الصغير: أنا لا أُحبك أتسمعين هذا النداء؟، كم مرة قلت لك: أريد أن أكون كزوجة عمي! أريد أن أكون ملاكاً أبيض أطير إلى السماء، وأعود لأضع رأسي على التربة، كم مرة تحججتِ بأنك لاتعرفين ماذا يقول الناس إذا توجهوا إلى ربهم. همست الأم في أذنها: ليلى، افتحي باب الغرفة، ثم تسللي إلى وسادة أبيك، وهاتي المفاتيح، وإياك أن يستيقظ. قامت لتضع قدماً ولا تكاد تضع الأخرى حتى صرخت الأم بصوت عالٍ آآآه... آآآه... إنه ألم الطلق يا ليلى... أسرعي، ركضتْ وصوت بكاء أحمد امتزج مع صراخ أمها، سحبت الوسادة من تحت رأس ذلك الطاغوت السكران في صحن الدار وهي تنادي: بابا... بابا... أمي تناديك. فتح عينيه الملتهبتين ودفعها بعيداً، ثم عاد ليكمل حلمه الذي شاركه الشيطان به، ثم عادت ليلى إليه مرة أخرى: أمي يا أبي سوف تضع الطفل، ساعدها، سوف تموت، جلس وهو ينظر إليها وتمثّلت له أمرأة جميلة بلون عينيها الزرقاوتين وشعرها الذهبي، ابتسم ولم تصدق، ركضت نحوه ومدّ يده ليحتضنها، أنقذها صوت أمها منادية ساعدوني، أين انت يا ليلى؟. سرقت سلسلة المفاتيح وعادت مسرعة إلى أمها وجدتها مغشياً عليها. عشرة أعوام من السنين بلياليها وأيامها لم تعلّمها ماذا تفعل بمثل هذا الموقف. نظرت ثم فكّرت وإذا بمفاتيح السجن بيدها، أسرعت فتحت الباب، وركضت نحو الحسينية، وإذا بالمصلين قد خرجوا وهي تصيح: قد ماتت أمي ساعدني يا عم. أسرع عدد من الخيّرين وأتصل أحدهم بالإسعاف فلما دخلوا وجدوا الشيطان يقوم ويسقط، وحملوا أمها، لم تكن لديها الجرأة لتذهب معهم عادت واحتضنت أحمد، وبدأت تفكر متفائلة: عندما وضعتك أمي أخذني أبي إلى بيت عمي، كانت زوجته طيبة معي تطعمني وتجلسني معها طوال الوقت، هي لم ترزق بأولاد سوف نذهب وأكون مثل أبنتها سوف أطلب منها أن تعلمني الصلاة. بكى أحمد، كان جائعاً نظرت إلى فتحة الباب هذا اليوم لم يضع أحد ماتبقى من الطعام في بابنا، قد لا يعلم أحد بأننا هنا. اقتربت من الباب، أنه مفتوح يا أحمد، أخرجت رأسها، وإذا بإحدى نساء الجيران تبكي وتقول: ساعدك الله يا ليلى تعالي يا إبنتي قد ماتت أمك يا ليلى!

اخرى
منذ سنة
1299

الاختبار الاعظم

علي طالب في السادس الاعدادي ومنذ شهر ونصف بدأ المراجعة للاستعداد للامتحان النهائي وهو يتمنى أن يحصل على معدل عالٍ يمكنه من الدخول إلى الجامعة التي يرغب فيها. وهو شاب مؤمن يحب حضور المجالس الحسينية وصلاة الجماعة التي تقام في منطقة سكناه لكنه هذه الفترة انقطع عن كل ما يحب ويرغب فيه وانصبّ جل اهتمامه بالدراسة، ومع حلول شهر رمضان وصيامه النهار جعل الليل كله للقراءة، ومع اقتراب الأيام أصبح في عزلة تامة حتى عن أهله. كانت أمه قلقة عليه وبين فترة وأخرى تدخل عليه وتحاول أن تهون عليه الأمر. فقالت له: يا بني أنت طوال العام تدرس ودرجاتك جيدة جداً ،فلماذا تكلف نفسك أكثر من طاقتها؟ فأجابها بثقة: يا أمي، أعلم هذا لكن هذه الأيام الأخيرة وأنا جعلتها للقراءة المركزة أريد أن أعدّ جواباً لكل سؤال أتوقعه ولا تقلقي عليّ، كل ما أريده منك الدعاء في هذه الليالي المباركة. ذهبت الأم وقلبها ملتهب على ولدها الأكبر. أسبغت وضوئها وبدأت بتلاوة القرآن والدعاء فتذكرت ما قاله علي، نعم، إنها الأيام الأخيرة لم يبق إلا ليالي معدودة بكت كثيراً وبدأت تناجي ربها! يا رب هذه أيام شهرك الفضيل قد انقضت، ولياليه قد تصرمت، وأنا أي جواب أعددتُ وأي عمل قدمت لكي اطمأن معه بالنجاح والفوز برضاك. إلهي ان لم أكن أهلاً لأن تغفر لي وتفك رقبتي من النار فيما مضى فاغفر لي فيما بقى إنك غفار الذنوب، وبابك مفتوح للطالبين والمقصرين يا أرحم الراحمين . نعم، متى نعرف أننا في اختبار ويجب أن نعد جواباً لكل سؤال قبل أن ينتهي الأجل وحتى البضاعة المزجاة لم نحملها معنا لطول أملنا في الدنيا. اسأل الله ان يقبل منا القليل ويعفو عنا الكثير، ببركة الصلاة على محمد وال محمد…

اخرى
منذ سنة
1141

بسمة

بدأت قصتي من حيث انتهت قصتها… (بسمة) طفلة تعيش في وطن الخير، أنا أعرفها لكن كل من حولها يسميها البغدادية.... لحظة، أنا أسكن في محافظاتنا الجنوبية... كانت إذا انجلت ظلمة الليل وبدأت خيوط الشمس ترسل اشعتها على عراقي الحبيب تتقلد (بسمة) لامة حربها لتواجه قسوة عدو رفع الصالحين وآنس العارفين، وأذل الجاهلين... إنه الفقر! لن أتكلم بلسانها فهي تعلمت كيف تخاطبك لتأخذ هديتها، لنتركها تشرح لنا كيف أصبحت مقاتلة في شوارع المدينة بتلك العباءة البنية اللون وذلك الخمار المترب وتلك القوة التي لا يمتلكها طفل بمثل عمرها. بدأت بسمة... نعم أنا من بغداد جئت إلى هنا عندما امتدت يد الغدر فقُتل أبي على الهوية في تلك الفترة التي أراد بها أعداء الحرية تفريق شعبنا بحجة المذهبية، أما أعمامي فهاجروا إلى خارج العراق في زمن الطاغية. عندها جاءت أمي إلى أخوالي وتزوجت هنا فتكفلني خالي الأصغر. بدأت رحلتي حين ارسلتني زوجة خالي لأشتري الخضار، فرأيت الأطفال يمدون يدهم ويسألون الناس المال فيعطونهم، فأعجبتني الفكرة، لم أخبر أحداً وجربت في الأيام التالية وحين جمعت مبلغاً لابأس به أعطيته لزوجة خالي فارتسمت ابتسامة باهتة على وجهها، وقصت القصة لخالي فشد أذني بشدة وقال أنت حرة ولكن لا تبتعدي عن التقاطع والسوق في منطقتنا ورسم لي حدود عملي فامتهنت تلك المهنة! كان يعمل في سيارة أجرة لأحد الأشخاص فمرض ولده الأكبر بعجز الكلى عندها أخذ حصته من بيت جدي واشترى بيتاً في أراضي التجاوز خارج المدينة والباقي يجمعه لكي يشتري كلية لولده. ثم صاحت بسمة: لا لن اسمح لكم لتطعنوا بأخلاق خالي، فهو طيب القلب ويعاملني مثل أولاده، نعم كنت أسمع زوجته، وهي تقول: لماذا لا نجري الفحوصات لبسمة فهي بعمر ولدنا فقد تتطابق معه بدل أن يموت. لكنه كان ينهرها ويقول بأنني أمانة لديه، وعندما أنام يأتي يقبلني ويمسح على شعري. بسمة كانت تقطع طريق القادم والراحل وتستحلفه بالزهراء أن يعطيها مما رزقه الله، تتشبث بتلك السيارة وتلك، كلا بل إن بعض أصحاب المحلات أصبح يبحث عنها في بداية يومه ليعطيها صدقة اليوم فالكل يقول بأنه جرب أنه يفتح له أبواب الرزق إذا بدأ بها. وضعت كيساً في رقبتها ولا تعود إلى البيت حتى يمتلئ بالنقود وتفرغه في يد خالها الذي كان يراقبها عند ذهابه وإيابه في سيارة الأجرة، مرت أربعة أعوام وهي تعمل وتعد المبلغ هي وأسرتها على أمل أن يصبح كافياً لشراء كلية لأخيها وابن خالها. ومنذ شهرين تغير حالها فلم تعد تجري خلف أحد ولم تتعلق بسيارة بل عمدت إلى أحد الحسينيات التي بنيت حديثا وبدأت تجلس على بابها. تقول (بسمة) كنت أجلس على باب المسجد وأسمع الخطيب يتحدث عن ليالي يسميها الليالي الفاطمية، لم أكن أعرف عن صاحبة الذكرى الكثير سوى أنها ابنة الرسول! لكن هذه الأيام أسمع عنها كلاماً جميلاً عن أخلاقها وصفاتها وحياتها مع زوجها الإمام، بدأت أفكاري تأخذني لحياة تحلم بها كل فتاة، بدأت أنضج، أحلم وأنا جالسة، إنها أنوثتي بدأت تورق أزهارها. كنت أؤمّن على دعاء الداعين وأضع حاجتي معهم عسى أن تصل إلى ربي بوجاهة صاحبة الذكرى. وفي يوم عدت فوجدت خالي أرسل بطلب أمي، الكل مجتمع وكأن مؤتمراً عقد في البيت سمعت صوت خالي ارتفع وأمي تبكي وتقول بأن أولاد زوجها سيئون وبسمة صغيرة لكن خالي بدأ يبدي الشكوك عن وضعي الجديد ويقول بأني متغيرة. وما أن توسطتهم حتى أخذت أمي بيدي وجرتني إلى إحدى زوايا الدار وقالت ماذا فعلتي وأغضبت خالك وبدأت تؤنبني وتوبخني وحين ألحّت بالسؤال أخبرتها بحالي، قلت لها: أصبحت امرأة، لكنها لم تفرح وهدّدتني بأن لا أخبر زوجة خالي. عندها ذهبت إلى فراشي بكيت كثيراً أقسمت على الله بما سمعته من الخطيب من الدعاء وندبت الزهراء كنت أقول لها: أنا يتيمة وزوجك أمير المؤمنين أبو الأيتام أريد أن أعيش كامرأة أريد بيتاً وحياة سعيدة لم أشك ولو لحظة بأنها تسمع صوتي بل شعرت بها. وفي اليوم الثاني خرجت متأخرة وعندما جلست في مكاني المعتاد لم أكن أنتظر أحداً ليضع بيدي بل كنت أنتظر وقت الصلاة وفكري شارد وإذا بسيارة حديثة وقفت أمام المسجد ونزل منها شاب لم أره من قبل وأقبل نحوي، أصوات طبول قلبي سمعتها أذني أطرقت برأسي وإذا به يستخرج عملة اجنبية ويضعها أمامي وسألني ما اسمك وما عمرك؟ لم أجبه. فتركني وغادر... أخذت العملة وشممت العطر لم أضعها في الكيس بل عقدت حولها بطرف حجابي، ثم طارت أحلامي في سماء ذلك الرجل والتفت أتابع طلته البهية حتى اختفى عن ناظري، وعدت لأسرح بخيالي وأُحلق بعيداً عن عالمي. دقائق وإذا بولد خالي الأصغر يأتي راكضاً ويقول: قومي أمي تريدك يجب أن تسرعي، بدأت أنفاسي تنقطع وقلبي يرتجف لماذا، ماذا فعلت؟هل كان خالي يراقبني؟ وحين وصلنا قال: لا تدخلي من الباب الرئيسي بل من الباب الخلفي! وما أن وصلت حتى استقبلتني زوجة خالي بثوب جميل وهي تقول: هيا ادخلي الحمام واغتسلي والبسي هذا! قلت: لماذا؟ قالت: لدينا ضيوف، هيا قبل أن يأتي خالك. ثم خرجت وإذا بخالي منتظر وهو يقبلني! وأمسك بيدي وقال: تعالي سلمي وحين دخلت شممت عطره! نعم، إنه هو! قال خالي: هذه بسمة. وقال لي: هذا ابن عمك جاء ليأخذك معه إلى استراليا، توقفت أنفاسي للحظة ثم قلت: السلام عليكم، فقال ما شاء الله أصبحتِ عروساً. نعم، أنا لم أشك بأن الله سمعني، وأن الزهراء كانت معي طوال حياتي فبفضلها رزقني الله الحياة الكريمة.

اخرى
منذ سنة
1744

عطر الوفاء

في أحد الأحياء القديمة يوجد زقاق صغير تقاربت فيه أبواب البيوت، حتى أن أحدهم يلقي التحية على ثلاثة أو أربعة من الجيران وهو على أعتاب داره، وهناك باب تم طلاؤه باللون الأخضر الداكن أضحى ساكنوه حديث أهل الحي لطيب أخلاقهم وكمال إيمانهم وعلو منزلتهم... إنه بيت السيد! نعم أنه السيد الذي كان صوته يصدح بالآذان في وقت كل صلاة. السيد الذي كان يوقظ النائمين في أوقات السحر ليالي رمضان. نعم إنه السيد الذي لبى نداء المرجعية وذهب للجهاد في تلال حمرين ثم نال الشهادة بفخر، وترك خلفه أربعة أطفال لم يبلغوا الحلم وترك زوجته العلوية. ومنذ استشهاده فإنها ترفض أي مساعدة يقدمها الجيران، وتأبى أن يطّلع أحد على أحوالها. وفي أحد الأيام أخذني فضول المعرفة لأطرق الباب وأحل ضيفاً على هذه العائلة الصابرة. كنت أريد أن أعرف أحوالهم وكيف تقوم سيدة المنزل بتدبير أمورها وهي قليلة الخروج من البيت. وما أن فتحت لي الباب وتقدمت خطوات في داخل المنزل حتى شممت عطراً نقلني إلى أرض كربلاء بشذاه الزاكي لم أميز هل هو عطر الورد... عطر الشهادة... أم عطر الوفاء... ارتاحت نفسي كثيراً وكانت العلوية تنظر باستغراب وأنا استنشق العطر بشهيق عال. وبعد أن قدَّمت لي الشاي بدأت أسأل عن أحوالهم... قلت: إن السيد رحل وأنتم لوحدكم ولم أكمل عبارتي حتى صاحت العلوية بوجهي... لا... لا، ووضعت اصبعها بين عيني. السيد موجود لم يرحل... إياك أن تذكري هذا امام أطفالي! للحظة انتابني الخوف... ماذا تقصد؟ السيد استشهد ماذا تقول هذه المرأة؟ شككت بأحوالها! قلت: نعم، إن السيد شهيد والشهداء أحياء عند ربهم... قالت: ليس عند الله فقط بل وعندنا ومعنا وتناثرت دموعها كأنها لآلئ على خدها. شدت يدي بقوة وأخذتني إلى غرفة في الدار، وما أن فتحت الباب حتى وجدت مصدر العطر الذي ملأ البيت... أنه هذا المكان... أنه واحة... بل روضة من رياض الجنة. السرير كأنه الأرائك غطته بغطاء أبيض ووضعت اكاليل الزهور في وسطه وزينته بالأشرطة الملونة، ثم التفت يميناً فوجدت السيد جالساً مبتسماً في صورة ملأت نصف جدار الغرفة. يا الله... ارتجفت من خوفي... ثم صاحت بي: انظري، وفتحت خزانة الملابس وقد امتلأت بملابسه وأخرجت واحدة احتضنتها وقبّلتها وهي تجهش بالبكاء وتقول: كيف تقولون إن السيد رحل؟ انظري... هنا ننام... وهنا نجلس... هنا نتناول طعامنا... هنا نهدي له سورة الفاتحة... هنا يتنافس أولادي بأداء فروضهم... هنا يضعون علاماتهم... هنا أصلي... هنا أقرأ القران... هنا أنجز عملي وأشارت بإصبعها إلى زاوية الغرفة. وإذا بماكنة خياطة وسلة مليئة بالقماش. حينها عرفت سر هذا السواد الذي أحاط بعيني تلك المرأة، عرفت أن هذا الذبول الذي في شفتيها أضحى احمرارا على وجنات أطفالها. عرفت أن هذا الشموخ مصدره علوي... فاطمي... زينبي... نعم، لولا الرين على قلوبنا... لولا تسافل أنفسنا... لولا تلوث أجسادنا لكنا معهم وكانوا معنا.

اخرى
منذ سنة
879