دراسةٌ عقائديةٌ في علمِ السيدةِ فاطمةَ الزكيّةِ عليها السلام، وحُجيتِّها (ج7)

بقلم: إشراق الخاقاني/ والحوراء المبحث الثالث فاطمةُ الزهراء صلوات الله عليها وحجيتها بعدَ أنْ أثبتنا العصمةَ للزكيةِ المطهرةِ عليها السلام، نشرعُ الآنَ في هذا المبحثِ لإثباتِ حجيتها صلواتُ الله عليها على الخلائقِ أجمعين، على الأئمةِ والأنبياءِ والمرسلين والملائكةِ وأنَّها مفروضةُ الطاعةِ عليهم جميعًا، وسيكونُ هذا المبحثُ على ثلاثةِ مطالب: المطلب الأول: مفهوم الحُجة والحُجيّة. المطلب الثاني: أقسام الحُجج الإلهية. المطلب الثالث: حُجيّتُها على الخلائق. المطلب الاول: مفهوم الحُجةِ والحُجية الحُجة: البُرهان، وقيل: الحُجةُ: ما دوفعَ بهِ عن الخصم؛ وقال الأزهري: الحُجةُ: الوجهُ الذي يكونُ بهِ الظَفرُ عندَ الخصومةِ، وهو رجلٌ مِحجاج أيّ جَدِل. والتحاجُ: التخاصم، وجمعُ الحُجةِ: حُججٌ وحِجاجٌ (1). والحُجّةُ عندَ المُحَدِّثين: من أَحاطَ علمه بثلاثِ مِئَةِ أَلفِ حديثٍ مَتْنًا وإسنادًا، وبأحوالِ رُواتِهِ جَرحًا وتعْديلاً وتأْريخًا. والجمعُ: حُجَجٌ ، وحِجاجٌ. فالحُجيّةُ لغةً: الدليلُ والبرهان . واصطلاحًا: ما دلَّ بهِ على صحةِ الدعوى(2)، وهي مصدرٌ صناعيٌّ. والحجيةُ في القرآنِ والسنةِ: كونُ كلٍّ منهما يدلُّ على صحةِ وحقانيةِ ما يُرشدُ إليه. المطلب الثاني: أقسامُ الحُججِ الإلهية: القسمُ الأول: مقامُ النبوّة. إنَّ هذا القسمَ من أقسامِ الحُججِ الإلهيةِ يُعدُّ من المقاماتِ الساميةِ التي يؤتيها اللهُ لمن يشاءُ من عبادِهِ الصالحينَ الذينَ يختارُهم، ويشملُ الأنبياءَ والمرسلينَ، قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾(3). القسم الثاني: مقامُ الرسالة. ويختص هذا المقامِ بالمُرسلينَ فقط، فلا يشملُ سائرَ الأنبياءِ؛ حيثُ إنَّ الرسالةَ أعلى درجةً من النبوّةِ، فكلُّ رسولٍ نبيٌّ وليس كلُّ نبيٍّ رسولاً، والمرسلون هم أصحابُ الشرائعِ الناسخةِ لما قبلها، إذ كلٌّ منهم أتى بشريعةٍ خاصةٍ به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾(4). القسم الثالث: مقامُ الإمامة. وهو المقامُ الأرفعُ من سابقيهِ لقول الله تعالى: ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ* قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا * قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي * قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(5). فإنّ النبيَّ إبراهيم (عليه السلام) لم ينلْ شرفَ هذا المقامَ إلا بعدَ سلسلةٍ من الابتلاءاتِ التي تعرَّضَ لها في حياتِهِ. القسم الرابع: مقامُ الحُجة. إنَّ هذا المقامَ الإلهيِّ الرابعِ أو ما يُسمى بمقامِ الاصطفاءِ يختلفُ عن مقامِ النبوةِ والإمامةِ، فإنَّ صاحبَ هذا المقامِ قد لا يكون نبيّاً ولا إماماً، وإنّما يكونُ مُنتخبًا من قبلِ الله جلَّ وعلا كمقامِ مريمَ عليها السلام؛ فإنَّها لم تكنْ نبيّةً قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾(6). ويثبتُ هذا المقامُ للسيدةِ فاطمةَ الزهراءِ عليها السلام كما ثبتَ لمريمَ عليها السلام، إلّا أنَّ للسيدةِ الزهراءِ الأفضلية والأولوية؛ فهي من أهل البيت الذين طهَّرَهم اللهُ في كتابِه الكريمِ حيثُ قالَ جلَّ وعلا: ﴿إنّما يريدُ الله ليذهبَ عنكم الرجسَ أهلَ البيتِ ويطهركم تطهيراً﴾(7)، بل إنَّها الأقربُ لرسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله. كما توجدُ مقاماتٌ أُخرى نتركها طلباً للاختصار كمقامِ الحكمة وغيرها. المطلب الثالث: حُجيّتها صلواتُ اللهِ عليها على الخلائق. هنالك الكثيرُ من الرواياتِ التي تُثبتُ حُجيتَها صلواتُ الله عليها على جميع الخلائقِ من الملائكةِ والأنبياءِ والمُرسلين والأئمةِ المعصومينَ خلا النبيَّ الأعظمَ محمدًا صلّى الله عليه وآله وأميرَ المؤمنينَ صلواتُ اللهِ عليه؛ حيثُ إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله أعظمُ ما في الوجودِ وعليًا عليهِ السلام كفؤها، كما في روايةٍ عن أبي عبد الله عليه السلام أنَّه قال: "لولا أنَّ أميرَ المؤمنينَ عليه السلام تزوجَها لما كانَ لها كفؤٌ إلى يومِ القيامةِ على وجهِ الأرضِ آدم فمن دونه"(8). وفي هذا المطلبِ سنوضحُ حُجيتَها على نحوِ ثلاثةِ أفرعٍ: الفرع الأول: حُجيتُها عليها السلام على الأئمةِ المعصومين صلواتُ اللهِ عليهم قال الإمام الحسن العسكري عليه السلام: "نحنُ حججُ اللهِ على خلقِهِ وجدتُنا فاطمةُ حجةٌ علينا"(9). إنَّ كونَ فاطمة الزهراءِ صلواتُ الله عليها حجةً على الأئمةِ المعصومين صلوات الله عليهم تعني حُجيّتَها عليهم بعلمها الجمّ، حيثُ أصبحت حلقةَ الربط (الوصل) بين النبوة والإمامة، فهي التي أوصلتْ بعضَ العلوم لهم صلواتُ اللهِ عليهم عن طريقِ مصحفِها الذي عُرِفَ ب(مصحف فاطمة)، والذي يُعدُّ مصدراً من مصادرِ علمِ الأئمةِ وأحدَ علاماتِ المعصومِ. مُصحفُ فاطمةَ: هو كتابٌ عظيمُ الشأنِ بإملاء جبرائيل الأمين على المُحدّثة سيدة نساء العالمين بخط علي أمير المؤمنين صلوات الله عليهم أجمعين ، كان جبرائيل عليه السلام يؤنسُها بعد وفاةِ أبيها، وقد قيل إنّه بإملاء رسولِ اللهِ، يُعدُّ أحد مصادرَ العلمِ عندَ الائمةِ، ولولا هذا المصحفُ لما وصلتْ بعضُ العلومِ للأئمةِ عليهم السلام، كما يُعَدُّ أحد علاماتِ الإمامِ المعصومِ، فقد روي عن الإمام الرضا عليه السَّلام في بيان علامات المعصوم أنَه قال:"... ويكونُ عنده مصحفُ فاطمةَ عليها السَّلام"(10) الفرع الثاني: حُجيّتُها عليها السلام على الأنبياء والمرسلين ثبتتْ حُجيّةُ السيدةِ الزهراءِ عليها السلام عليهم في عدةِ رواياتٍ، منها ما وردَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله: "ما تكاملتْ النبوّةُ لنبيٍّ في الأظلّة حتى عُرِضَتْ عليهِ ولايتي وولايةِ أهل بيتي، ومثلوا له، فأقرّوا بطاعتِهم وولايتِهم"(11). وهي سلامُ الله عليها المصداقُ الأولُ من مصاديقَ أهلِ البيتِ الطّاهرين الذين أذهبَ اللهُ عنهم الرجسَ وطهّرَهم تطهيرًا. الفرع الثالث: حُجيّتُها عليها السلام على الملائكة. كانت فاطمةُ الزهراء عليها السلام مفروضةَ الطاعةِ على جميعِ الخلائقِ ومنهم الملائكةُ عليهم السلام، ففي حديث طويل عن أبي بصير عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: "... ولقد كانتْ عليها السلام مفروضةَ الطاعةِ على جميعِ مَنْ خلقَ اللهُ من الجنِ والإنسِ، والطيرِ والوحشِ، والأنبياءِ والملائكةِ ..."(12) خاتمة: يُمكن أنْ تُقدِّمَ لنا هذه الدراسةُ العقائديّةُ على وجازتِها رؤىً تربويّةً وسلوكيّةً في ضرورةِ بناءِ الشخصيّةِ القيميّةِ للإنسان سواء كان رجلًا أو امرأة، بحكمِ أهليّةِ الصديّقةِ السيّدةِ فاطمةَ الزهراءِ عليها السلام لمقامِ الأسوةِ الحسنةِ، والمثلِ الأعلى للذين آمنوا، ولزومِ الأخذِ منها منهجًا وطريقًا، كما أشارَ إليه القرآن الكريم في آياته الشريفة، ومن مقامٍ هو أدنى من مرتبةِ السيّدةِ فاطمةَ عليها السلام، فكيف بمقامِها الأعلى والأكمل؟! قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ"(13). الهوامش: (1) لسان العرب: ابن منظور، ج ٢، مادة الحجة، ص228. (2) التعريفات: للجرجانى، ص36. (3) آل عمران: 79. (4) الصف: 6. (5) البقرة : 124 (6) آل عمران: 42. (7) الأحزاب: 33. (8) دلائل الامامة: محمد بن جرير الطبري(الشيعي)،ص٨٠. (9) الأسرار الفاطمية: الشيخ محمد فاضل المسعودي،ص ١٥٤. (10) بحار الأنوار: مصدر سابق،ج25،ص117. (11) المصدر نفسه:ج ٢٦، ٢81. (12) الأسرار الفاطمية: مصدر سابق،ص83،نقلاً عن دلائل الإمامة: 28. (13) التحريم:11و1

اخرى
منذ يومين
71

بنت أبيها

ما برحت تشارك أباها آهاته، بفرحه وتارة بأفكاره.. لتكون له عونا في لحظات امتنع الجميع أن يشعروه بإنسانيته. تنبلج هي كضياء صبح بعد ليل حالك الظلام. لتنقشع عنه سحابة حزن مكثت طويلا، وحجبت عنه جمال الأفق. هكذا كانت وستبقى، لأنها منه وهو منها، لأنها تغذت الإيمان وزقت العلم منه، وشربت من منهل طيبته. فكانت وفية لما ورثته. انها أكبر بناته وصديقته ورفيقة دربه . فلثمها شاكراً لله على ما أعطاه، وطبع على رأسها قبلة ملؤها الحنان.

اخرى
منذ يومين
50

خواطر...

بقلم: ابنة الأمير 1/ حاروا بها.. قالوا: إنَّ الملاكَ جاءَ بها أولَ مرةٍ، عَبرَ عمودٍ من ضوءٍ وضوعٍ، وشقَّ السماءَ الساكنةَ، نفذَ من بينِ قطعِ الغيمِ، ولامسَ أحلامَ اليمامِ. كان يُخبِّئها تحتَ أجنحتِهِ ثمرةً طازجةً قُطِفتْ من شجرةٍ خالدةٍ، تتروّى بالماءِ الأولِ. وقالوا: إنَّها تأويلُ النورِ، كانتْ في ثُقبٍ في عرشٍ بعيدٍ -قريبٍ، تتغذى على تسبيحٍ يشبهُ صُداحًا في جنةِ الأخيلة. وقالوا: إنَّها طيفٌ لطيفٌ، كانتْ تُحلِّقُ في السماءِ الأولى، جميلةٌ، ريانةٌ، تضحكُ فتنبجسُ نوافير من ضوءٍ، فوارةً وسخيةً، تكشفُ عُتمةً طارئةً. حاروا بها، لكنكَ لم تَحِرْ يومًا، وحين سألوك مرارًا عن سيرتِها، قلتَ لهم: هي الزهرةُ الزهراءُ. 2/ حاروا بها.. حين تُهيءُ خشوعَ وقفتِها، كأنَّها تصعدُ على درجاتِ المعراجِ، كلُّ نأمةِ عطرٍ، كلُّ حرفِ جَناحٍ، تخلقُ من الكلمةِ حيواتٍ وحيواتٍ، تُضيءُ، فتضيءُ كلُّ فوانيس المدينةِ، تشتعلُ جذوة ما في خدِّ السماءِ، و تُطلى الطُرقُ بالبريقِ. 3/ وحاروا بها.. لكنكَ اليومَ ترسمُها على الجدارِ، في بيتِ الأحزانِ. تنحتُها بظفرٍ أعزل، زهرةً كاملةً، لكنَّ حُمرتَها تسيلُ كنهرٍ قانٍ، يصبُّ في عينِ السؤالِ: "أينَ المآل؟" كانت الزهرةُ ومضةً شديدةَ التأثيرِ، سريعةَ النزوحِ، كشهقةِ دهشةٍ، كرَفَّةِ جفنٍ حالمٍ، كرؤيةٍ خاطفةٍ، كلحظةٍ في حضرةِ الحبيبِ، سرعانَ ما فتحتْ المدينةُ عينَها لتبحثَ عنها في كلِّ الشقوقِ، في كلِّ الأمكنةِ، لكنَّها عندئذٍ كانت قد اختفتْ. 4/غرِقوا بالحيرةِ... وأنتَ لا تغرقُ إلا بحزنٍ يطولُ، يدومُ، يتكثّف. في يديك مِعولٌ ورفشٌ وإبريقُ ماءٍ، تُحكمُ إسدالَ ستائر الليلِ، تواري سرّكَ –سرّها.. لقد حاروا بها، ولقد احترنا، نقلّبُ سيرةَ العطرِ والرحيقِ، الدمعِ والشذا، الضوءِ والحرفِ... من يأتي لنا بكاملِ سيرةِ الزهرة؟

اخرى
منذ يومين
86

خاطرة

عادةً ما يكون موعد الامتحان بعد فترة زمنية تتيح للطالب القدرة على التمكن من المادة والسيطرة عليها... ليصبح مستعدًا له. هكذا هو البلاء ... لا ينزل على الإنسان إلا بعد أن يجد الله تعالى بأن له القابلية والقدرة على أن يجتازه وهو صابر شاكر.

اخرى
منذ يومين
62

خاطرة

قال تعالى (لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) جميلة هي هذه الآية، تخبرنا بأن البلاء وإن كنا نراه عظيمًا وشديدًا إلا أنه مُفصّل على مقاس تلك النفس، وإلا لأصبح تكليفاً بغير المقدور... وهذا ظلم، وحاشى الله تعالى منه. إذًا... ابتسم... وقل: الحمد لله

اخرى
منذ يومين
79

خاطرة

أجمل ما يعيشه المؤمن أثناء البلاء بكل ما يحمله من مشاعر جيّاشة وحالات من القلق أو الخوف: هو : علاقة القرب من الله تعالى... واستشعار الأمان المُهدى من أهل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) المؤدية الى حالة السلام الداخلي والى التعلّق بحبل الله المتين موقناً أنّ اللهَ لا يحمّل عبدَه ما لا يطيق فهو الرؤوف الرحيم...

اخرى
منذ 3 أيام
56

خاطرة

كوني مثلهن بعض النساء مثالاً يحتذى به في صولات الفكر الحر... كي تكوني مثلهن ... اقرئي... ناقشي... تنجحي... تتألقي مؤكدا...

اخرى
منذ 3 أيام
96

خاطرة

الدعاء أشبه بجناح تطير به إلى السماء تطرق به باب رحمة الله بيد الرجاء ... وتعود مفعماً بجمال الاستجابة محملاً بالخير.

اخرى
منذ 4 أيام
80

غيمةٌ بتول في مخيلة الورد

بقلم: زهراء المتغوي (قصيدة شاركتْ بها الشاعرة في مهرجان روح النبوة في كربلاء المقدّسة) هاتِ ما أوردتَ فالعطرُ تَصَبّبْ***غَيْمَةً فُصْحَى مِن الْكَوْثرِ أَعْذَبْ وَاستيافُ الْوَرْدِ في كأسِ المرايا***رشَّفَ الْمَعْنَى بإيقاعٍ محبّب وقِطَافُ الحبّ تُفَّـــاحٌ بقلبي***كلما بلله الشوقُ تَطَيّبْ فتَعلقتُ بِجُنْحــــانِ القوافي***في مسَاراتٍ من الزهراءِ أْقْرَبْ فاطمٌ إكسيرُها بلسمُ همي***رتَّبت في الروحِ ما لا يترتب حبُّها ينعشُ صحراءَ خيالي***ونداها عبْر أحلامي تسرّب في احتمالاتِ ذهولٍ ألهمتني***وصهيلُ الناي إيقاعٌ مذبذب أيُّ تأويلٍ رهيبٍ فاطميٍّ***منه حتى خافقُ الفنّ تعجّب؟! فأنا صفرٌ بلا رقمِ هواها***خارج المكيال بالأشتاتِ يُحسبْ وأنا من دون معناها ضياعٌ***أو كتاريخٍ من التقويم يشطب وإذا جزتُ بأقداسِ رؤاها***نبضةٌ بوحٌ وحلمٌ يتشهب بي من الضوء يقينٌ أبديٌّ***فعلى فُلك هداها أتقلّب لي من الماءِ فصولٌ شابهتها***فاسمها اسمي وللزهراء أنسب فاطمٌ أنوارُها عنوانُ بيتي***وإليها أينَّما حلقتُ أذهبْ وإذا صخرةُ يأسٍ عرقلتني***فبكفيها على الجوديِّ أركبْ والسماواتُ تشهتها صعودًا***لمقامِ الفخرِ من أمٍّ ومن أب والنبيونَ تمنّوها احتفاءً***فالنبوءاتُ إليها تتوثب لا تقل مدرسةٌ تجحف فكراً***صار منه جامعاتُ الكونِ تُطلب تربوياتٌ تجلت وسلوكٌ***وعباداتٌ وأخلاقٌ ومذهبْ وإلى الأسرةِ تشريعُ حياةٍ***نسقٌ من أروع الأمثالِ يُضرب كانبجاس النورِ في ميقاتِ طورٍ***بجلال القربِ حازت أيّ منصب؟ لم تزل تربكُ دنيانا كمالا***واسمها فوق بياضِ العرش يُكتبْ المشيئات بقدسٍ طرّزتها***خمسة الأشباح في العقد المذهّب لم تكن طينًا، ولا لازب أرضٍ***بل من الفردوسِ نورًا ليس يحجب وأتى ميلادها الحلم الموشى***بالمنى والطهرِ والحبِّ تجلبب ولدت حوراءَ بيضاءَ التجلي***وخطى أحمد نبضٌ يترقّب ليميسَ الفرحُ المعسولُ شوقًا***دندناتٍ وأحاسيسًا تعرّب قدوةً أنموذجًا شاهدَ عصرٍ***نهضةً عظمى وتاريخًا مبوّب وجمالًا وجلالًا وكمالًا***إذ محا فجرُ سناها كلّ غيهب واستطالت ألقا روحًا نبيًّا***من صفيّ القول والفعل المهذّب وأتينا بحرها نغرفُ منها***صبغةً منها هدى الشرعِ تأدّب وهي لا تألو محبّيها ادخارا***كلما سهل الضمانات تصعّب آية القربى ومفتاحُ جنانٍ***ودلالٌ أريحيٌ ليس ينضب أيها المشتاقُ مثواها احتضانا***روضة الفردوس قل لي: كيف تطلب؟ لا تسل عن قبرها، زهراء أعلى***من تراب في ثرى الأرض مغيب والتمس للنور في الشمس شعاعًا***ربما يشرقُ منها ما تغرّب أو لعلّ الورد ينبيك بعطرٍ***لوضوء من يد الزهراء يسكب غير أن الضوءَ لا يحكيه نصٌّ***بخيالٍ مطفأ الدهشة متعب ولذا يعتذر الحرفُ خجولًا***كلما قصّر عما يتوجّب حسبُه لو هجر الشعرُ سماهُ***أجملُ الألحان لحنٌ ليس يُكتب

اخرى
منذ 4 أيام
97

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29193

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29073

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29068

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28399

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12834

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12439