خسارةٌ لا تُعوّض

بقلم: أُمّ باقر الربيعي قالَ أميرُ المؤمنين علي (عليه السلام): "أخسرُ الناسِ من رضيَ بالدُنيا عوضًا عن الآخرة"(1). الدنيا والآخرةُ مخلوقتان للهِ (تبارك وتعالى)، خُلِقتا لأجلِ الإنسان، وما يترتبُ عليه من تكاليفَ يُثابُ عليها إذا أتى بها، ويُعاقبُ إذا تركها. الدُنيا وما فيها من ملذاتٍ ومُغرياتٍ من مالٍ وجاهٍ وولدٍ، هي ممرٌّ ضيّقٌ يُوصِلُ إلى الآخرة، ويضيقُ أكثر إذا تشبّثَ الإنسانُ بمُغرياتها وتمسّكَ بملذاتِها، وقادتْه بزمامِها، وألجمتْه بلجامِ الطاعةِ العمياءِ وراءَ أهوائها، حينئذٍ تُرديهِ في وادٍ سحيقٍ لا يتمكّنُ من الخروجِ منه ولا يستطيعُ أن يُنجدَه أحدٌ.. فالدُنيا خُلِقتْ للعملِ، وأُجرةُ هذا العملِ آجلةٌ في الدارِ الآخرةِ تُعطى على طبق، واختيارُ هذا الطبقِ بيدك أنتَ، إمّا من نارٍ أوقدتَ شرَرَها في الدُنيا، أو من ذهبٍ هيّأتَ معدنَه وأحسنتَ اختيارَه وأخلصتَ في عملهِ؛ لتُعطى أجره على أتمِّ ما يكونُ في الآخرة.. والدُنيا كالأفعى؛ ليّنة الملمس؛ ولكنْ في جوفِها سمٌ قاتلٌ لا ينجو منه إلا من أخذِ الحيطةِ والحذرِ منها، وهي أيضًا كالبحرِ المالحِ كُلّما شربَ الإنسانُ منه ازدادَ عطشًا. وكُلّما حرصَ الإنسانُ عليها ألقتْ عليه حبائلَ مكرِها وخُدَعِها والتفّتْ عليه بزينتِها؛ حتى لم يكدْ يرى غيرَها. وعلى العكسِ من ذلك كُلّما كانَ الإنسانُ مُدبرًا عنها زاهدًا فيها أقبلتْ عليه وتزيّنتْ له كالعروسِ ليلةَ زفافِها، لعلّه يرى زُخرفَها ويغرُّه لمعانَ بريقِ لذائذِها وشهواتِها، وهو يتزوّدُ منها لآخرتِه ويجمعُ من الصالحاتِ ما أمكنَه لاجتيازِ عقباتِها.. لذا حذّرَنا أهلُ البيتِ (عليهم السلام) منها في كثيرٍ من الروايات، منها ما روي عن أميرِ المؤمنينِ علي (عليه السلام) إذْ يقولُ: "يا دُنيا إليكِ عنّي، أ بي تعرّضتِ أم إليّ تشوّقتِ؟ لا حانَ حينكِ، هيهاتَ غُرّي غيري، لا حاجةَ لي فيكِ، قد طلقتُك ثلاثًا لا رجعةَ فيها..."(2). فالخاسرُ الأولُ والنادمُ على خسارتِه، هو من يشري دُنياه بآخرتِه بثمنٍ بخسٍ؛ لأنّ ملذاتِها زائلةٌ والآخرةَ نعيمُها باقٍ، فالأولى للإنسانِ أن لا يُطيلَ أملَه في الدُنيا، ولا يتعلّقُ بمُغرياتِها ويعملُ لآخرتِه، ويُعِدُّ العُدّةَ لمُستقرِّه لأنّها الحياة الدائمة التي ينبغي عليه أنْ يُمهِّدَ لها في دارِ الدُنيا، فالنعيمُ الباقي بعدَ التعبِ والعناءِ هو الفوزُ الأكبرُ والتجارةُ الرابحةُ التي لا تبور. فائدةٌ مُهمةٌ: 1ـ عدمُ الاغترارِ بالدُنيا والانجرارِ وراءَ أهوائها، فقد وردتْ عن أهلِ البيت (عليهم السلام) الكثيرُ من الرواياتِ في ذمِّها والتحذيرِ منها، والعاقلُ من اعتبر. 2- عدمُ طولِ الأملِ في الدُنيا؛ لأنَّ ملذّاتِها زائلةٌ، ولا يبقى إلا العمل الصالح، فهو رفيقُ دربِ الإنسانِ ومؤنِسُه في قبره. 3- عدمُ شراءِ الدُنيا الفانية بالآخرةِ الباقيةِ؛ لأنَّ الدُنيا دارُ عملٍ بلا حساب، واغتنامَ العمرِ في طاعةِ اللهِ (تعالى) هو الفوزُ العظيمُ والنجاةُ في الآخرةِ من العذابِ الأليمِ، وهذا هو الفلاحُ والنجاحُ الذي أعدّهُ اللهُ لعبادِه المؤمنين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-عيون الحكم والمواعظ: 120، لعلي بن محمد الليثي الواسطي، المتوفى في القرن السادس الهجري، الطبعة الأولى، سنة 1418 هجرية. 2-بحار الأنوار- العلامة المجلسي - ج 40 - الصفحة 345.

اخرى
منذ 6 أيام
69

ظُلامةُ السيّدةِ فاطمةَ الزهراءِ (عليها السلام)

بقلم: وسن فوزي منصور إنَّ الوقوفَ على ساحلِ بحرِ هذهِ السيّدةِ العظيمةِ، والغوصَ في أعماقِ أسرارِها المليئةِ بالخفايا العجيبةِ، يجعلُكَ تُدرِكُ اضطرابَ الخواطرِ في أمواجِها العتيدةِ؛ بحيث ما إنْ أردتُ أن انتهلَ من مائها حتى ازددتُ عطشًا. فلا شيءَ يجعلُني أرسو على شاطئها غيرَ أنْ أقِفَ بينَ هذه الأحرفِ لأجعلَها الدفّةَ التي تُحرِّكُ البحثَ عن هذه اللؤلؤةِ المكنونةِ.. بدايةً أنقلُ لكم ما وردَ في رسالةِ الشيخ محمد فاضل المسعودي المعنونةِ بعنوان الدُرّةُ البهيّةُ في الأسرارِ الفاطمية والتي كانتْ للسيدِ عادل العلوي لتكونَ مقدمةَ البحثِ في الأسرارِ الفاطمية الذي كانَ بحقِّ يحمِلُ أسرارًا فاطميةً تُذهِلُ العقولَ، فقد وردَ فيها هذا النص: (إنّ من الأصولِ معرفةَ الصدّيقةِ الكُبرى فاطمة الزهراء (عليها السلام) فمن عرفَها حقَّ معرفتِها فقد أدركَ ليلةَ القدرِ التي خيرٌ من ألفِ شهرٍ، إلا أنّها سُمّيت فاطمة؛ لأنَّ الخلقَ فُطِموا عن معرفتِها) كما وردَ في مقطعٍ آخر من الرسالةِ أيضًا: (وممّا يدلُّ على مقامِها الشامخِ وعظمتِها الذاتيةِ والكُلّية كما في الأنبياءِ والأوصياء (عليهم السلام) أنّ اللهَ يغضبُ لغضبِها ويرضى لرضاها كما وردَ عندَ الفريقينِ السُنّةِ والشيعة). وقطعًا لا شكَّ في ذلك؛ فهي الكوثرُ وبضعةُ المُصطفى؛ فمن آذاها فقد آذى رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، ومَن آذى رسولَ اللهِ فقد آذى الله (تعالى)، ومن آذى الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) عليه لعنةُ اللهِ أبدَ الآبدين.. وبعدَ أنْ وقفَنا على بيانِ بعضِ مقامِها السامي لابُدّ لنا أنْ نقفَ أيضًا على ظُلامتِها؛ لنعرفَ على من غضبتْ وماتتْ وهي واجدةٌ عليهم.. ولمعرفةِ الظُلمِ الذي جرى عليها بدايةً لنأخذَ فكرةً عامةً عن الظلمِ وأسبابِه وعقابه في القرآن والسنة… من خِلالِ استقراءِ القرآنِ الكريمِ نجد أنّ أكثرَ الآياتِ القرآنيةِ الواردةِ في كتابِ الله (تعالى) صريحةٌ وواضحةٌ في تحريمِ الظُلمِ سواءَ أكانَ بذكرِ لفظ الظلمِ بصورةٍ مباشرةٍ أم عن طريقِ نقيضهِ (العدل). والظلمُ عرفًا يعني بخسَ الناسِ أشياءَهم وحقوقَهم، والاعتداءَ عليهم سواء كان قولًا أو عملًا. أما شرعًا فهو وضعُ الشيءِ في غيرِ موضعِه الشرعي، وأصلُه الجورُ ومُجاوزةُ الحدّ… ولأنَّ النفسَ البشريةَ فيها نوازعُ الخيرِ ونوازعُ الشرِّ ظهرتِ الحاجةُ لتعاليمِ الدينِ الإسلامي وتنميةِ النفسِ نحوَ الأخلاقِ والفضائلِ التي هي الميزانُ الذي يُبرِزُ ذلك النوع من البشرِ. والظُلمُ من عواملِ الشرِّ التي تُسيطرُ عليها القوى الغضبية ودوافعُها الكراهيةُ والحسدُ، وهو مرضٌ من أمراضِ النفسِ المُتوغلةِ بالشرِّ.. ولهذا جاءتِ الكثيرُ من الآياتِ القُرآنيةِ الكريمةِ حاملةً بينَ طيّاتِها التأكيدَ على هذا الأمرِ المُهمِّ والضروري لتكامُلِ البشريةِ وهو حُرمةُ الظُلمِ وعدمُ معونةِ الظالمين. جاء في قوله (تعالى): (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) كما أكّدَ (سبحانه) حقيقةَ أنَّه (تعالى) حرَّمَ الظُلمَ على نفسِه؛ فلا يظلم عبادَه كما وردَ في الحديثِ القُدسي: (يا عبادي إنّي حرّمتُ الظُلمَ على نفسي وجعلتُه بينكم مُحرّمًا فلا تظالموا). وحذّرَ من الركونِ إلى الظالمين، وذلك في قوله (تعالى): "وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ" ثم إنَّ الله (تعالى) يُجزي الظالمين نار جهنم، وعندئذٍ لا يجدون لهم من أنصار، جاء في القرآن الكريم: "رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ"] روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): (الظلم ثلاثة: ظلمٌ يغفرُه اللهُ (تعالى)، وظُلمٌ لا يغفرُه اللهُ (تعالى)، وظُلمٌ لا يدعُه الله، فأمّا الظلمُ الذي لا يغفرُه اللهُ (عز وجل) فالشرك، وأمّا الظُلمُ الذي يغفرُه اللهُ (عزَّ وجل) فظُلمُ الرجلِ نفسَه فيما بينَه وبينَ الله، وأمّا الظلمُ الذي لا يدعه فالمُداينةُ بينَ العباد) وبناءً على هذا الحديث فإنَّ الظلمَ ثلاثةُ أنواعٍ: *ظلمٌ لا يغفرُه اللهُ (تعالى) أبدًا إلا بالتوبةِ؛ لأنّه أشدُّ أنواعِ الظلمِ وأخطرها وهو (الشرك)، قال (تعالى): (إنَّ الشركَ لظلمٌ عظيمٌ). *وظلمٌ يغفرُه اللهُ (تعالى)، وهو ما بينَ العبدِ وربِّه، كالنظرِ المُحرّم وسماعِ الحرام، أو اقترافِ معصيةٍ وتركِ طاعةٍ وغيرِها، وهذا الظلمُ يغفرُه اللهُ (تعالى) إذا أعقبَ الذنبَ استغفارًا قال (تعالى): (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا) *وأمّا الظلمُ الذي لا يتركُه اللهُ (تعالى) فهو ظُلمُ العبدِ أخاه المسلمَ وهذا النوعُ من الظُلمِ يقتصُّ اللهُ من الظالم للمظلوم يومَ القيامة بقدرِ ظلمه وإساءته. عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): (اتقوا الظلمَ؛ فإنّه ظُلُماتٍ يومَ القيامة) عن أيّ ظُلُماتٍ نبّهنا الرسولُ الكريمُ (صلى الله عليه وآله)؟! وهل يوجدُ أقسى وأشدّ من ظُلُماتِ يومِ القيامة؟! إذن لماذا لا يتداركُ الإنسانُ ظلمه ويردُّ ما بذمّتِه من حقوقٍ للآخرين لكي يتّقي ظُلُماتِ يومَ القيامة؛ فقد ورد في ثوابِ ردِّ المظالمِ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): (درهمٌ يردُّه العبدُ إلى الخُصَماءِ خيرٌ له من عبادةِ ألفِ سنةٍ وخيرٌ له من عِتقِ ألفِ رقبةٍ وخيرٌ له من ألفِ حجةٍ وعمرةٍ) فإنْ لم يتدارك الظالم ظلمه فإنَّ الله (تعالى) لا يتركُ ظُلامته، وسيقتصُّ من الظالمين حتمًا. فإذا كان الظلمُ ظلماتٍ يوم القيامة كما تقدّم فكيف بظُلمٍ بحجمِ ظُلامةِ الزهراء (عليها السلام) من غصبِ حقِّها من فدك وإحراقِ بابِها وكسرِ ضلعِها وإسقاطِ جنينها وغير ذلك؟! كيف يقتصُّ اللهُ (تعالى) من ظالميها، وهي التي يرضى (سبحانه) لرضاها ويغضب لغضبها؟! وهذا ما أشارتْ إليه (عليها السلام) في خُطبتِها في مسجد أبيها حيثُ قالت: (والجُرحُ لمّا يندمل، والرسولُ لمّا يُقبَرْ، ابتدارًا زعمتم خوفَ الفتنةِ إلا في الفتنةِ سقطوا وإنّ جهنمَ لمحيطةٌ بالكافرين) أي إنَّ جرحَ فقدِ النبي (صلى الله عليه وآله) لم يندملْ بعدُ، ولم يُدفنْ (صلوات الله عليه وآله) وبادرتم إلى ظلمنا فادعيتم وأظهرتم للناس كذبًا وخداعًا أنكم اجتمعتم في السقيفة دفعًا للفتنة مع أنَّ الغرضَ الحقيقيَ غصبُ الخلافةِ عن أهلِها وهو عينُ الفتنة. فعصفت بعترة رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيبة بعد وفاته الأحداثُ المؤلمةُ والظروفُ العصيبةُ في أقلِّ من أُسبوعٍ، فبدأتِ المصائبُ تنهالُ على الزهراءِ (عليها السلام) وكأنّي بها تقفُ خلفَ بابها ذاك الباب الذي كانَ الرسولُ الأكرمُ (صلى الله عليه وآله) يستأذنُ للدخولِ عليها ويقول: (إنّ اللهَ أمرَ بذلك)؛ وذلك لحُرمةِ بيتِ علي وفاطمة (عليهما السلام) فلم يرعوها... ولما هجمَ القومُ لاذتِ السيدةُ خلفَ البابِ لتستر نفسَها عن أولئك الرجال فعصروها عصرةً شديدةً كسّرتْ ضلعَها وأسقطتْ جنينَها، وبسبب تلك الأعمالِ الشنيعةِ والأفعال الفظيعة التي ارتكبَها القومُ مرضتْ سيدةُ نساءِ العالمين، حتى ماتت وهي ساخطةٌ على على كُلِّ من آذاها.. وقد يُشكلُ البعضُ على هذا ويُنكرُ هذه الأحداثَ بالرغمِ من ذكرها من قبلِ المُحدثين والمؤرخين في الأخبارِ بالتفصيل بحيث لم يبقَ لأحدٍ مجالٌ للإنكارِ وهذا بعضٌ من كُتُبِهم المُعتبرة ومصادرهم المشتهرة: *ذكر المسعودي صاحب تأريخ مروج الذهب: فهجموا على علي وأحرقوا بابَه واستخرجوه كرهًا وضغطوا سيدةَ النساءِ بالبابِ حتى أسقطتْ محسنًا. *وفي تأريخ الطبري ج /٣ ص ١٩٨ والإمامة والسياسة ج / ١ص١٣ وشرح ابن أبي الحديد ج/ ا ص ١٣٤ وري الشهرستاني في الملل والنحل ص٨٣ عن النظام قال: إنَّ عمرَ ضربَ بطنَ فاطمةَ يومَ البيعةِ حتى ألقتِ الجنينَ من بطنِها، وكانَ يصيحُ: أحرقوا الدارَ بمن فيها، وما كانَ في الدارِ غيرَ علي وفاطمةَ وحسن وحسين… أمّا عن غصبِ حقّها من فدكَ فما ذكرَه المُحدّثون في تفسيرِ قوله (تعالى): (وآتِ ذا القربى حقَّه) أنّ المقصودَ في القُربى هم أقرباءُ الرسولِ (صلى الله عليه وآله)، وهم عليٌ وفاطمةُ وحسنٌ وحسينٌ (عليهم السلام) وأنّ النبيَّ (صلوات الله عليه وآله) أعطى فاطمةَ فدكَاً وكانتْ فدكُ خالصةً لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله)؛ لأنّه لم يوجفْ عليها بخيلٍ ولا ركابٍ فمنحَها إيّاها وتصرّفتْ فيها، وأخذتْ حاصلَها فكانتْ تُنفقها على المساكين.. ولكن بعدَ وفاةِ الرسولِ الكريمِ أرسلَ أبو بكرٍ جماعةً فأخرجوا عُمّالَ فاطمةَ من فدكَ وغصبوها وتصرّفوا فيها؛ بذريعةِ أنَّ أبا بكرٍ سمعَ من النبي (صلوات الله عليه وآله) قوله: (نحنُ معاشرُ الأنبياءِ لا نورِّثُ وما تركناه صدقة) إنَّ فاطمةَ الزهراء (عليها السلام) احتجّتْ على أبي بكرٍ وردّته وردّت حديثَه بالاستنادِ إلى القرآن الحكيم؛ فإنّه أقوى حُجةً وأدلّ دليلًا وأكبر برهانًا، وأثبتتْ أيضًا في خُطبِها وكلامِها وبإقامةِ الشهودِ أنّ فدكَاً لها وليست فيئًا للمسلمين، وأنّها نحلةٌ من رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، حيث قالت: (يا ابن أبي قحافة! أفي كتابِ اللهِ أنْ ترثَ أنتَ أباكَ ولا أرثُ أبي؟! لقد جئتَ شيئًا فريًّا) واستدلّتْ (سلام الله عليها) بالقرآن الكريم حيثُ ذكرت قولَ اللهِ (تعالى): (وورثَ سليمانُ داوودَ) وفي قوله (تعالى): (فهبْ لي من لدنك وليًا يرثني ويرثُ من آلِ يعقوب واجعله ربِّ رضيًا) وفي قوله (تعالى): (يوصيكمُ اللهُ في أولدكم للذكرِ مثلُ حظِّ الانثيين.. وبعدَ كُلِّ ما تبيّنَ ينقدحُ في الذهن سؤالٌ: ما السببُ وراءَ غصبِ فدكَ؟ وما السببُ في استهدافِ الزهراءِ (عليها السلام) مطالبتها بفدك؟ والجوابُ: إنَّ مطالبتَها بفدكَ ليسَ من أجلِ هدفٍ مادي كما يعتقدُ البعضُ؛ لأنّ الجميعَ يعلمُ ما كانتْ تتمتّعُ به السيّدةُ الزهراءُ (عليها السلام) من علوِ النفس وسموِ المقام والزهدِ لكنّ هذا لا يمنعُ من أنْ تُطالبَ بحقِّها؛ وذلك لفسحِ المجالِ أمامَها للمطالبةِ بحقِّ زوجِها أميرِ المؤمنين (عليه السلام). والواقعُ أنّ فدكَاً صارتْ تتماشى مع الخلافةِ جنبًا إلى جنبٍ؛ فلم تبقَ فدكُ قرية زراعية محدودة، بل صار معناها الخلافةَ والرقعةَ الإسلاميةَ بأكملِها وما يدلُّ على هذا تحديد الأئمةِ لفدك، فقد حدَّها الإمامُ علي (عليه السلام) في زمانِه بقولِه: (حدٌّ منها جبلُ أُحُدٍ، وحدٌّ منها عريشُ مصرٍ، وحدٌّ منها دومةُ الجندلِ) وهذه الحدودُ التقريبيةُ للعالمِ الإسلامي آنذاك؛ ولذلك كانَ هدفُ الخليفةِ الأول في غصبِ فدكَ إضعافَ الجانبِ المادي لأهلِ البيت (عليهم السلام) لأنّهم كانوا يعلمونَ أنّ عليًا (عليه السلام) غنيٌ بالمعنوياتِ وكفّتُه راجحةٌ في الدينِ والإيمانِ والعلمِ والفضائلِ وما إلى ذلك، فلو ملكَ الجانبَ المادي بالإضافةِ إلى الجانب المعنوي التفَّ الناسُ حولَه ولم يرضوا بغيرِه فذلك كانَ السببُ الرئيسي وراءَ غصبِ فدك.. وبعدَ كُلِّ ما ذُكِرَ عن ظلامتها، رحلت السيدة الزهراء عن الدنيا في جو من الكتمان ليكون تشييع جنازتها سراً تعبيراً عن سخطها على السلطة وعلى كل من أيدها وتعاون معها ليبين لنا مدى تألمها من ذلك المجتمع ومدى تذمرها من الجفاة القساة وليكون اسمها رمزاً للمظلومية والحرمان…

اخرى
منذ أسبوع
67

زَهْرَاء

بقلم: كِفَايَة دريول حَمِيدِي يَحِقُّ لِلْعَالِمِ أَنْ يَقِفَ أمَام نَعَشِك انْكِسَارًا مُعْتَذِرًا لَكِ عَمَّا جَرَى مُطَأْطَأ رَأْسَه نَدَمًا وانحسارا فَاطِمَةُ أَنْتِ وَأُمُّ أَبِيكِ، لَيْسَ نُكْرَانًا لِذَاتِك وَإِنَّمَا عُدْوَانًا انْقَلَبَتْ قُلُوبُهِمْ بَعْدَ رَحِيلِ أَحْمَد وَأَنْكَرُوا الْوَصِيَّةَ واسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا

اخرى
منذ أسبوع
62

عِطرُ دُخان

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي هائمةٌ أجولُ في الأرجاء.. هُنا وهُناك.. أنا العودُ فاحَ دُخانُه على صَفَحاتِ الهواء.. حملتُ بينَ أضلُعي عباءتَك على أعتابِ بابٍ محروق.. أينَ أنتِ يا أُمّاه؟! في قلبي نصبتُ لكِ حرمًا ألوذُ به.. يا روحي اخلعي نعليكِ من الذنوب؛ إنّ في فؤادي الطُهرَ فاطمةَ البتول. سلامًا على جنينِكِ وضلعكِ المكسور

اخرى
منذ أسبوع
56

أســـى

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي بغُصّةِ البَوحِ شحذتُ يراعي.. انسلّتْ حروفي على استحياء.. ترقرقتْ مدامعي، سقتْ شجرةَ الجَزَعِ.. ربطتُ جأشي، تنفستُ الصعداء.. خطّتْ أناملي على الثرى: أينَ قبرُكِ أُمّاه؟! نحرتُ إلهامي فلم يطفأ لظى روحي.

اخرى
منذ أسبوع
61

التمهيد الفاطمي للظهور المهدوي علمًا وعملًا(1)

بقلم: علوية الحسيني المقدمـة إنّ المُقارِنَ بينَ الأديانِ السابقةِ والدّينِ الإسلامي يجدُ فارقًا ملحوظًا في رؤيتِهم للمرأةِ؛ فبعضُ عُلماءِ الأديانِ السابقةِ كانَ ينظرُ للمرأةِ على أنّها مصدرُ الإثم، وآخرون منعونها حقَّ تعلُّمِ الكُتُبِ المُقدّسة، فضلًا عن الوأدِ الذي كانتْ تُعاقَبُ به، وهذا أدّى إلى طمسِ دورِها. أمّا الدّينُ الإسلامي الذي شاءَ اللهُ (تعالى) أنْ يختمَ به الأديان، فجعلَ نبيَّه الخاتمَ حبيبَه مُحمّدًا (صلى الله عليه وآله) داعيًّا إلى هذا الدّين، كما وجعلَ من نسلِه امرأةً يرضى لرضاها، ويغضبُ لغضبِها، فاصطفاها على العالمين من الرجالِ والنساءِ أجمعين، حتى سُمّيَتْ بسيّدةِ نساءِ العالمين، وهي السيّدةُ فاطمةُ الزهراء (عليها السلام). وقد نشرتْ ما نشرتْ من حقوقِ المرأةِ والتزاماتِها في كافّةِ شؤونِ الحياة، فكانَ هذا ناقوسًا نبّهَ من غبنِ المرأةِ لمن يُقارِنُ بينَ الأديان، ويُذعِنُ بأنّ للمرأةِ دورًا كما أوضحتِ السيّدةُ فاطمةُ بنت محمدٍ (عليهما وآلهما السلام). كما وإنّ المُتتبعَ من خلالِ منظورٍ أضيق، من خلالِ مُقارنتِه بينَ دورِ المرأةِ في المذاهبِ الإسلامية، يجدُ أنّ دورَ المرأةِ المؤمنةِ أصالةً –وسيأتي شرحُ هذا القيد- أوسعُ من دورِ المرأةِ المُسلمة؛ فبما أنّ المرأةَ المؤمنةَ تستمدُّ نهجَها علمًا وعملًا من سيّدتِها فاطمةَ الزهراء (عليها السلام)، فحتمًا أنّ نهجَ الزهراء (عليها السلام) مُستمدٌ من النبي محمدٍ (صلى الله عليه وآله). فقد روي عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: يا علي، إنّي مُزوِّجُك فاطمةَ ابنتي سيدةَ نساءِ العالمين، وأحبُّهن إليّ بعدك، وكائنٌ منكما سيدا شبابِ أهلِ الجنةِ، والشهداءُ المُضرّجون المقهورون في الأرضِ من بعدي، والنُجباءُ الزُهرُ الذين يُطفئُ اللهُ بهم الظلمَ، ويُحيي بهم الحقَّ، ويُميتُ بهم الباطلَ، عدتُهم عدةُ أشهرِ السنةِ، آخرُهم يُصلّي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفَه"(1) وفي كُتُبِ أبناءِ العامةِ: "المهدي من ولدِ فاطمة"(2). واستفاضَ في كُتُبِ الفريقين أنّ الذي يُصلّي النبيُّ عيسى (عليه السلام) خلفَه هو الإمامُ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). وعقيدتُنا نحنُ الشيعة الامامية هي أن المهديولدسنة255 للهجرة، لا كما تعتقدُ المذاهبُ الأخرى بأنّ المهديَّ غيرُ مولودٍ. والعقيدةُ بهذا الموضوعِ لها مدخليةٌ في تحديدِ سعةِ وضيقِ دورِ المرأةِ كمًا وكيفًا، إذ هي البوصلةُ التي سيخضعُ البحثُ لها مُتعبدًا بالنصوص، متوضئًا بفيضِ الكوثرِ (عليها السلام). ولهذا فإنّ المرأةَ المُتبعةَ لعقيدةِ سيّدتِها، بأنّ إمامَ زمانِها مولودٌ، ولابُدّ من التمهيدِ لظهورهِ سيكونُ دورُها أوسعَ من التي تعتقدُ بأنّ إمامَ زمانِها لم يولدْ بعدُ فينكمشُ دورُها. وسببُ اختياري لهذا الموضوع؛ هو ما له من أهميةٍ جليّةٍ في القضيتينِ الفاطميةِ والمهدويةِ عمومًا، وفي حياةِ المرأةِ المؤمنةِ خصوصًا، لتكونَ على دِرايةٍ تامةٍ بهيكليةِ التمهيدِ في زمنِ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام)، ولابُديةُ الحذوِ حذوِها في زمانِنا هذا، على الرغمِ من الفارقُ الزمني بينَ القرنِ الذي عاشتْ به (عليها السلام) وقرنِنا هذا؛ لأنَّ هناك ثوابتَ لا تتغيّرُ بتغيُّرِ الأزمنةِ، كالعقيدة، والمبادئ الإسلامية. وإن شاءَ اللهُ (تعالى) تُدرِكُ النسوةُ المؤمناتُ دورَ مولاتِهنّ الزهراء (عليها السلام) في التمهيدِ لظهورِ ولدِها القائم (عجّل الله فرجه الشريف)، ويُدركنَ هذا الدورَ العظيمَ الذي أُنيطَ بهن. وبما أنّ التمهيدَ رسالةٌ، فالرسالةُ يلزم تبليغُها... ومن هُنا انطلقتِ السيّدةُ الزهراءُ (عليها السلام) بتبليغِ رسالةِ التمهيد، فرسمتْ قواعدَ كُلّيةً للتمهيدِ ساهمتْ في الحفاظِ على هويةِ المرأةِ المسلمةِ من الاستلابِ، مُشجِّعَةً على تهيئةِ الأرضيةِ المُناسبةِ لزمنِ الظهور ذاتًا وأجيالًا. هيكلةُ البحث: المبحثُ الأولُ: خُصِّصَ للتمهيدِ الفاطمي وكيفيتِه، وفيه مطلبان: الأولُ منه -بفرعيه- سلّطَ الضوء على التمهيدِ تعريفًا ونشوءً، والثاني -بفرعيه- فصّلَ في التمهيدِ الفاطمي؛ من خِلالِ بيانِ عناصرِ القوّةِ في شخصيّةِ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام) وتوظيفِها في عمليةِ التمهيد، ثم بيانِ آليةِ التمهيد. المبحثُ الثاني: ربطَ بينَ عصرِ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام) وواقعِنا الحالي؛ ليُعطيَ للمرأةِ المؤمنةِ خطواتِ التمهيدِ لظهورِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؛ فخُصِّصَ لدورِ النساءِ في التمهيدِ عبرَ العصور، وفيه مطلبان: المطلبُ الأولُ منه انفردَ بعصرِ الغيبةِ الكُبرى تمهيدًا، فتناولَ -بفرعيه- آليةَ تمهيدِ النسوةِ في هذا العصر، والعقباتِ التي تواجههنّ في طريقهنّ للتمهيد، من قبيلِ الشعاراتِ والمشاريعِ التي تُحاوِلُ تذويبَ الهويةِ الإسلامية. والثاني -بفرعيه- تطرّقَ إلى زمنٍ أبعد مدى، وهو زمنُ الظهورِ ودورُ النسوةِ فيه، ميدانيًا –تبليغًا ودعوةً-، وعسكريًا. وحيث إنّ للسيّدةِ الزهراء (عليها السلام) رجعةً إلى الحياةِ الدُنيا في زمنِ الظهور، فيمكن القول: إن ما يثبتُ للنسوةِ من دورٍ من بابٍ أولى يثبتُ لمولاتِهن. ثم أدرجتُ النتائجَ المُتحصِّلَةَ من هذا البحث، وأردفتُها بالخاتمة، ثم الإشارة إلى هوامشِ متنِ البحث، ثم ذكرِ المصادرِ المُعتمدةِ في إظهارِ البحثِ بهذه الكيفيةِ المتواضعة. اعتمدتُ في بحثي هذا على مصادر، أهمها: القرآن الكريم، وكتبٌ حولَ سيرةِ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام)، وأخرى حولَ قضيةِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف). مشاكل البحث: قلّةُ المصادر، وهذا مادعا إلى تحليلِ النصوصِ؛ من خلالِ القياسِ على زمنِ السيّدةِ الزهراء (عليها السلام)، من خلال دراسة حياتِها بالتفصيل. أسألُ اللهَ (سبحانه) أنْ يكونَ جُهدي المُتواضعُ هذا مُدخِلًا السرورَ على قلبِها (روحي وأرواح العالمين فداها)، ومُمَهّدًا لظهورِ ولدِها (عجّل الله فرجه الشريف)، وكما أسألُه (تعالى) أنْ يجعلَ جُهدي هذا مقبولًا عندَه، إنّه سميعٌ مجيبٌ. يُتبَعُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى). _____________________ (*) البحثُ حاصلٌ على المرتبةِ الأولى في مهرجانِ روحِ النبوّةِ الثقافي النسوي العالمي الرابع، سنة 1442هـ. (1) بحار الأنوار: ٣٦ / 272، ح 94. إثبات الهداة: 10 / 619، ح 659. عوالم العلوم: 153 / 135، ح 73 نقلًا عن كتاب الغيبة ج ١ ص٦٤. (2) التاريخ الكبير: لإسماعيل البخاري, ج8, ص406, ح 3497.

اخرى
منذ أسبوع
69

ظُلاماتُ البتولِ (عليها السلام)

بقلم: السيد عدنان الموسوي نَضَى الدَّهرُ أسيافًا وأضحى خَـــــذولا ودقَّ علـــى آلِ الرســــولِ طُبُــــولا وَجَارت عليهمْ زُمــرَةُ الشَّـرِّ والخَــنَا ومِمَّا جَرَى الأمــلاكُ مَاجَت ذُهُــولا فَمُذ غـابَ نــورُ المسلمــينَ تآمـــروا وَقَد أشهَرُوا في الحالِ سَيفًا صَـــــقَيلا بيومٍ قَضى أهــــلُ السَّقيـفةِ مَـــأْرَبًا فصَبُّوا على الأطهـــارِ حِقـدًا وَبــيلا كأنَّ رســـولَ اللهِ مـــا شادَ شِرعـــةً فَأَفشَوا مَسارَ الغَـــيِّ عَرضًا وُطُـولا بِهِــم صَـــارَ دِينُ اللهِ يُبدي شِكايــةً وَأَضحَى بِهم شَـــرعُ الجَلــيلِ عَليلا فَقَامُـــوا بِمَنعِ المُرتضــى عن ولايـــةٍ وَقَد أظهـروا يومَ الغَديــــرِ قَبُــــولا وَقَد أنكـروا يومــًا عَظيـــمًا وعيَّنوا زَعِيمًا إلى الأوثــانِ يُبـــدي مُيُــولا تَنَاسوا وَصايا المُصــطفى عن دِرايةٍ وَرَاحَــوا جِهارًا يَظلمــونَ البَتُــولا وللطُّــهــرِ إرثٌ قَــد وَعَـــوهُ وَبَعدَ ذا أَقَامُـــوا لِسَلبِ الإرثِ زَعمــًا دَلِيــلا وَجَاءوا حَديـثًا قــولَ زُورٍ وَفِريَـــةٍ لِكَي يَمنَعُــوا الزَّهــراءَ حَقًا أَصِيــلا عِنَادًا عَتَـوا عن أمرِ شَــرعٍ بِلُؤمِهم تَنَاسَـوا بِيومِ الحَشــرِ حِمـلًا ثَقَـيلا فَوَا عَجَــبًا قَطـعُ الوُصَــالِ لِمَعشَـرٍ لَهُــم شَــاءَ ربُّ العالمـــينَ جَمِيــلا وَأَدهى الخُطُـوبِ المُورِثــــاتِ مَرَارةً وَسَالَ لَهُ دَمــعُ الرَّســـولِ هَطُــولا وَمِنهُ السَّـــمــواتُ الطِّبــاقُ تَشَقَّقَـت وَغَطَّت بِدَمـــعٍ حَزنــها والسُّهُــولا وَجِبريلُ عِندَ العـــــرشِ يَبكي بِحُرقَةٍ وَضَجَّـت لـهُ الأمـلاكُ طُــرًّا عَويــلا دُخُــولُ العِــدى قَهـــرًا لدارِ محمـدٍ وَبِضعتُـهُ فـي الدَّارِ تَنعَـــى الرَّحِـيلا وَمَا أُلحِـــدَ المَثوى فَجاءوا لِـحـَــدِّهــا بِحِقــدٍ أتَـــــوا دارَ البتــــولِ سُيــولا وَلَم يختشِ الأنذالُ عن كَشـــفِ دَارِها وَلَهفـي لَهَا في البابِ لاقَــت مَهُـــولا فَمَـــا رَجَعـــوا حَتى تَـوارى لِفاطـــمٍ جَنِيـنٌ كَنَجـــمٍ قــد تهــاوى أفُــــولا وَنَادت أَبــاها يَكسِــرُ القلــبَ صَوتُها الى دارِكَ الأصـــحــابُ جــاءوا قَبـيلا أرادوا بِقَصــدِ الدَّارِ إشفــاءَ غيضِــهم وَمَــا وَجَـــدَ الأنــذالُ غَيري بَدِيـــلا أغِثنـــي فهذا الضِّــلــعُ منِّـي مُهَشَّــمٌ وَمِسمــارُ ضِلعي قَد أَحــارَ عُقــــولا وآثارُ ضَربِ الســـوطِ في الظهرِ لم تزلْ وَجِسمي لعُظمِ الخَـطبِ أضحى نَحِيلا وَنِيـــرانُ تلكَ البابِ للحشـــرِ يا أبـــي تُردِّدُهــــا الأجيـــالُ مِنهـــم فُصُــولا وَصِـــرتُ من الأرزاءِ ثَكلَـــى عَليلـــةً وَغَيرُ دُمُوعــي مـا وَجَـــدتُ سَبيــــلا بَقِيـــتُ أَعـدُّ العُمــرَ بَـعـــدكَ ساعـــةً وإنِّــــي مِــــنَ البلـــوى أراهُ طويــــلا

اخرى
منذ أسبوع
133

أُمنياتُ جلسةِ النور

بقلم: غدير فاضل في تلك الجلسةِ النورانيةِ التي جمعتْ شملَ الأحِبّةِ كما عادتُهم، جمعتْ نورَ مُحمّدٍ وعليّ وفاطمةَ والحسنِ والحُسينِ.. أيُّ نورٍ خرجَ من تلكَ الدارِ؟! أيُّ عطرٍ فاحَ شذاه من ذلكَ البيتِ البسيطِ الذي جعلَ جبرائيلَ يُشاركُهم النورَ؟! كيفَ كانتْ تلك الجلسة؟! ليتني كُنتُ تلكَ الجُدرانَ المُستمٍعةَ لحديثهم.. ليتني كُنتُ تلك البابَ... لبقيتُ صامدةً ولم أحترق.. أو لكُنتُ لا أتحرّكُ من مكاني؛ كيلا أُسقِطَ جنينَ سيّدةِ الدار.. أو لكُنتُ آمرُ المِسمارَ أنْ لا يدخلَ في ضِلعها.. ليتني تلك النارَ لكُنتُ أحرقتُ مُضرِمَها.. ليتني تلكَ الأرضَ التي وقعتْ عليها الزهراءُ (عليها السلام) باكيةً من الألمِ لكُنتُ أمنعُ نفسي من إيذائها.. ليتني كُنتُ فضةً لأواسيها، وأتعلّمَ منها، وأُشاركَها حُزنَها وأنينَها.. ليتني كُنتُ تلك الوسادةَ لأُشارِكَها البُكاءَ.. أو لصِرتُ لها منديلًا يحاولُ تجفيفَ دموعِها.. ليتني كُنتُ تلك الخرزَ الناعمةَ لمسبحتِها لاحتضنتُ أناملَها.. ليتني كنتُ الرمالَ التي على قبرها.. ليتني.. وليتني.. وليتني.. ليتني كُنتُ معها وليتني أستطيعُ اللحاقَ بها..

اخرى
منذ أسبوع
51

فاطمةُ (عليها السلام) مظلومةُ أُمّة أبيها

بقلم: أم باقر الربيعي هناك الكثيرُ من الجرائمِ التي يندى لها جبينُ الإنسانية، ارتُكبتْ ظُلمًا وعُدوانًا بحقِّ ثُلّةٍ لهم من الفضلِ والمكانةِ العلميةِ الشيءَ الكثير، تنكيلٌ وتعذيبٌ وقتلٌ بأبشعِ صوره، والمُجرمُ الظالمُ يتفنّنُ في قتلِهم ويتلذّذُ برؤيةِ دمائهم الطاهرة وهي تُسفَكُ؛ لأجلِ إرضاءِ رغباتِهم النابعةِ من الحِقدِ الدفين لنهجِ هؤلاء الخيّرين. وصفحاتُ التأريخِ خيرُ شاهدٍ لتلك الجرائم... يتوالى الظلمُ بعدَ الظلمِ، والجريمةُ بعدَ الأخرى، حتّى نالتْ أياديهم الشيطانيةُ القذرةُ ابنةَ خيرِ مبعوثٍ على وجهِ الأرض، وأشرفِهم خصائصَ وأفضلِهم مناقبَ وأكرمِهم على الله (تعالى)، بالتجاسُرِ على بضعتهِ سيّدةِ نساءِ الأُمَمِ وأفضلِهم شرفًا واعلاهم قدرًا.. هي خُلاصةُ نورِ النبوةِ ومبدأُ الإمامةِ ومُنتهاها، وجوهرةُ عالمِ الوجود المادي والمعنوي، بإيقادِ النارِ ببابِ دارِها.. تلك الدارُ التي أُسدِلَ عليها ستارُ العفافِ والحياءِ والطهارةِ والتُقى، والتي طالما طُرِقَتْ بيدِ سيّدِ الأكوان، دالّاً على فضلِ أهلِ تلك الدار على سائرِ الناس، يتلو قوله (تعالى): "قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ"(1). تلك الدارُ التي كانتْ مهبطًا لجبريلِ، تحفُّ بها ملائكةُ الجليل؛ وإذا بيدِ الغدرِ تضرِمُ نارَ الحقدِ والضغينةِ متناسيةً قرابتَهم من رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، الذي به أخرجهم اللهُ (سبحانه) من ظُلُماتِ الجاهليةِ وترسبات القبلية، ناكرين فضلَهم، رافعينَ أصواتَهم بضجيجٍ وصياح.. - لا يهمُّنا من كانَ في الدارِ وإنْ كانتْ فاطمةَ ابنةَ النبي! لاذتْ وراءَ البابِ لعلّها ترعى حجابَها، لكنّ القومَ أجمعوا على دخولِ الدار، قد أغواهم الشيطانُ وأعمى قلوبَهم حُبُّ الدُنيا والسُلطةِ والرياسة.. ركلوا البابَ بأرجلِهم وعصروا من كانتْ للنبيّ روحه بينَ الحائطِ والباب، مُزمجرين حقدًا على من نصّبَه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) من بعدِه خليفةً على العباد... سقطتْ مكسورةَ الضلعِ، مُحمّرةَ الخدِّ، تئنُّ من شِدّةِ الوجعِ أنينًا يُصدِّعُ الحجر، إلاّ قلوبَهم القاسيةَ لم تتأثرْ من ذلك المنظر، الذي يُدمي القلوبَ ويُقرِحُ الجُفونَ... يقولُ الرسولُ الأعظمُ (صلى الله عليه وآله): "إنّما فاطمةُ بضعةٌ منّي يؤذيني ما آذاها"(2)، فانظرْ يا رسولَ اللهِ ما فعلَ القومُ بفاطمةَ بضعتِك، آذوكَ فيها وهم يعلمون أنَّ أذاكَ يُثيرُ غضبَ الربِّ ويهزُّ العرشَ! إن جريمةُ القومِ لا تُغتفرُ بحقِّ سيدةِ النساء، ووزرُ الظلمِ يُلاحقُهم حتّى يومَ الجزاءِ، فقد كانتْ أعظمَ جريمةٍ ارتُكِبتْ بحقّها من أُمّةِ أبيها، فقضتْ نحبَها محزونةً مكروبةً مغصوبًا حقّها. يا مُدرِكَ الثأرِ، انهضْ وجرِّدْ سيفَك البتّار.. وحُزَّ رؤوسَ القومِ الذين أضرموا النارَ ببابِ الدار.. وقُل لهم: مهلًا مهلًا؛ فهذا قليلٌ من غضبِ الجبّار، وموعدُكم القيامةُ يومَ تُنشَرُ الصحائفُ وتُعرَفُ الأسرارُ.. ويُفتضَحُ الغاصبُ الظالمُ وينالُ أسوءَ الأقدارِ.. عذابٌ دائمٌ من حاكمٍ عادلٍ لثأرِ ضلعِ الزهراء... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1ـ سورة الشورى: آية 23. 2-صحيح مسلم، باب مناقب فاطمة (عليها السلام).

اخرى
منذ أسبوع
55

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
71266

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
53567

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
42394

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
35371

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
32076

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31466