على ضفافِ الانتظار(17)

على ضفافِ الانتظار(17) بقلم: الشيخ حسين الأسدي الانتظار.. انطباعاتٌ من المعنى اللغوي. الانتظارُ لغةً: توقُّعُ حضورِ غائب . وبمُتابعةِ هذا المعنى اللغوي وما يوحي به من معانٍ، يمكنُ أنْ ننتهيَ إلى أنَّ هذا المعنى اللغوي يستبطنُ التالي: أولًا: الاعترافُ بوجودِ ذلك الغائب، وأنّه لا شكَّ سيعودُ لأحبابِه في يومٍ ما، عندما تُتاحُ له الفُرصةُ أو يؤذَنُ له، إذ لا معنى لتوقُّعِ عودةِ غيرِ الموجود كما هو واضح. ويترتبُ على هذا: ثانيًا: إمكانُ التواصُلِ معه بطريقةٍ وبأخرى، نعم، قد ينقطعُ الاتصالُ به لسببٍ ولآخر، لكنّه على كل حال أمرٌ ممكنٌ، وليس ممتنعًا، إذ كونه غائبًا يعني أنّه موجودٌ، والموجودُ يمكنُ التواصُلُ معه. ثالثاً: أنَّ المعنى اللغوي للانتظار وإنْ كانَ يشملُ انتظارَ كُلٍّ من المكروه والمحبوب، ولكن انتظار الإمامِ المهدي (عجل الله (تعالى) فرجه) لا شكَّ أنّه انتظارُ المحبوب، ومن ثَمّ، سيُسبِّبُ فراقُه وعدمُ التواصلِ المباشر معه ألمًا في القلب، ربما لا يُظهِرُه العاشق، بل قد يبقى يُكابِدُ غصةَ الفراق من دونِ أنْ يعلمَ به أحد. رابعًا: وهذا يعني: أنَّ العاشقَ سوف لا يرضى على حاله من فراقِ محبوبِه. صحيحٌ أنّه ربما لا يستطيعُ أنْ يفعلَ الشيءَ الكثيرَ لأجلِ استجلابِ محبوبه، أو تقليلِ المسافة بينهما، أو تقليصِ فترةِ الفراق، ولكنَّ قلبَه لنْ يهدأ من دونِ أنْ يُقْدِمَ على فِعْلِ ما يُمكنه لأجلِ اللقاء به. وهذا الأمرُ يستدعي العملَ على تهيئةِ الظروفِ الملائمة له عندَ حضوره، خصوصًا إذا توقّعَ حضورَه بصورةٍ مفاجئةٍ ومن دونِ سابقِ إنذار. خامسًا: وهو في كُلِّ ذلك يعيشُ الأملَ بلقاءِ محبوبه، فعلمُه بحياةِ محبوبه واحتمالُ رجوعِه إليه في أيّ لحظة يجعلُ من قلبِه ينبضُ بأملِ اللقاءِ ولو بعد حين. وهذه المعاني التي يستبطنُها المعنى اللغوي للانتظار كُلُّها موجودةٌ في انتظارِ المولى الأعظم والمعشوقِ الأكبر صاحبِ العصرِ والزمان (عجل الله (تعالى) فرجه). ببيان: أولًا: أنَّ انتظارَ الإمامِ المهدي (عجل الله (تعالى) فرجه) يستلزمُ الاعترافَ بحياتِه وباستمرارها، وإلا فلا موضوعيةَ للانتظارِ مثلما هو واضح؛ إذ عرفنا أنَّ الانتظارَ هو توقُّعُ حضورِ الغائب، أيّ الحي الذي يتوقّعُ المُنتظِرُ رجوعَه إليه، مما يعني الاعتقاد بحياته واستمرارها إلى حين العودة. ثانيًا: أنَّ التواصُلَ مع المولى (عجل الله (تعالى) فرجه) يكونُ بطريقٍ معنوي، حيثُ نعتقدُ أنّه مُطلِّعٌ على أعمالنا ويعلمُ بما يجري علينا؛ لأنّ عندَه علمًا لدنيًا من الله (تعالى)، الأمر الذي بيّنه هو (عجل الله (تعالى) فرجه) في رسالته إلى الشيخ المفيد حيثُ يقولُ فيها: "نحنُ وإنْ كُنّا ناوين [ثاوين] بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين... فإنّا نحيطُ علمًا بأنبائكم، ولا يعزبُ عنّا شيءٌ من أخباركم... إنّا غيرُ مُهملين لمُراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزلَ بكم اللأواء ، أو اصطلمكم الأعداء ثالثًا: أنَّ المؤمنَ العاشقَ يعيشُ الألمَ لفراقِ مولاه، الأمر الذي يشرحُ بعضًا من تجلياته في دعاءِ النُدبةِ حيثُ يُردِّد: لَيْتَ شِعْرِي ايْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرى؟! أَبِرَضْوى أَوْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوى؟! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرى الخَلْقَ وَلا تُرى، وَلا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيسًا وَلا نَجْوى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوى، وَلا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلا شَكْوى.... إِلى مَتى أُحارُ فِيكَ يا مَوْلايَ وَإِلى مَتّى، وَأَيُّ خِطابٍ أَصِفُ فِيكَ وَأيُّ نَجْوى؟ عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ اُجابَ دُونَكَ وَأُناغى عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَبْكِيَكَ وَيَخْذُلَكَ الوَرى... هَلْ إِلَيْكَ يَا بْنَ أَحْمَدَ سَبِيلٌ فَتُلْقى هَلْ يَتَّصِلُ يَوْمُنا مِنْكَ بِعِدَةٍ فَنَحْظى... مَتى تَرانا وَنَراكَ... رابعًا: أنَّ على المؤمنِ أنْ يكونَ (مُمهِّدًا) وعاملًا فاعلًا لتهيئةِ الأرضيةِ المُناسبةِ لحضورِ المولى صاحبِ العصرِ والزمان، سواء على المستوى الفردي أم المستوى الجماعي، فالمؤمنُ لا بُدّ أنْ يكونَ أشبهَ بناقوسِ تنبيه، يعملُ على إلفاتِ أنظارِ المؤمنين عمومًا على ضرورةِ تهيئةِ أنفسِهم لاستقبالِ المولى الغائب، فضلًا عن تهيئة نفسه هو. خامسًا: والمُنتظرُ الواعي، يعلمُ أنّ حضورَ الإمامِ (عجل الله (تعالى) فرجه) مُتوقعٌ في كُلِّ حين، طبقًا لما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): «فتوقعوا الفرجَ صباحًا ومساءً» ، مما يعني أنّه سيعيشُ كُلَّ لحظةٍ وكأنّ الإمامَ قد ظهرَ فيها، ويوطِّنُ نفسَه على أنْ يكونَ جُنديًا طوعَ أمرِ الإمامِ في أيّ لحظة، ومهما كانتِ الظروف.

اخرى
منذ أسبوع
11

فنجان قهوة

فنجانُ قهوة (86) قد تأتيك دعوةٌ لشربِ فنجانِ قهوةٍ من شخصٍ غيرِ مُتوقّع، لا تتردّدْ، اقبلْها؛ فقد تحملُ لك رسالةً رحمانيةً تُنوِّرُ لك دربك. فلا تفوِّتِ الفرصةَ، وانتبهْ دومًا إلى تلك الرسائلِ، وخُذْ منها عبرة.

اخرى
منذ أسبوع
14

هي والله مريم الكبرى

مما ورد عن النبي الأعظم(صل الله عليه واله) إنه قال في حق السيدة الزهراء (عليها السلام): «والله هي مريم الكبرى»(١)، إذ إن هذه الرواية تُنبئنا إن سمات ومقامات وأدوار السيدة مريم(عليها السلام) إنما هي وسيط لنتعرف على مريم الكبرى(عليها السلام) بمنظور قرآني، فالسيدة الزهراء(عليها السلام) المقياس، وهي سيدتهن جميعًا بلا استثناء. لذا هنا سنورد عدة اوجه نستدل بها على أفضلية وكمال السيدة الزهراء(عليها السلام) الذي أشار إليه الحديث النبوي: الوجه الاول: كرامة ما قبل الولادة قال تعالى: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} (آل عمران :37)، إن المقدمات التي حصلت قبل ولادة السيدة مريم(عليها السلام) هي إنها كانت نذر بأن يكون هذا المولود لله تعالى، فحصل القبول من الله تعالى لها. بينما السيدة الزهراء(عليها السلام) كانت المقدمات مختلفة لمجيئها لهذا العالم، إذ كانت باختيار إلهي محض، وليس من خلال دعوة او نذر، كانت عطية الله تعالى لنبيه الأعظم(صلى الله عليه واله) بهيئة آية وحجة الهية للعالمين. الوجه الثاني: حجيتها ودلالتها الله تعالى عبر عن السيدة مريم (عليها السلام) بأنها آية، حيث ورد عن الأئمة في قول الله عزَّ وجلَّ: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً}،« يعني حجة»(٢)، فكونها حجة أي إنها دليل للناس وشاهد عليهم. وقد روي عن الإمام العسكري(عليه السلام)إنه قال: « نحن حجج اللَّه على خلقه وجدّتنا فاطمة حجة اللَّه علينا»(٣)، أي إن السيدة الزهراء(عليها السلام) حجة على عامة الناس، وحجة على الحجج الالهيين وهذا يدل على وسع حجيتها وعظمتها. الوجه الثالث: البُشارة بكلمة الله قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}(آل عمران :45)، في هذه الآية بُشرتْ السيدة مريم(عليها السلام) بأنها ستكون إم لكلمة الله تعالى وحجته في أرضه. والسيدة الزهراء(عليها السلام) بُشرت كما قال رسول الله(صلى الله عليه واله):"أبشري يا فاطمة أما المهدي منك"(٤)، فهي أم لكلمات الله التامات وأبن السيدة مريم(عليهما السلام) سيكون مأموم خلف خاتم ولدها. الوجه الرابع :مقام حديث الملائكة ورد في كتاب الله تعالى ذكر خصيصة حديث الملائكة للسيدة مريم(عليها السلام) بقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ}(آل عمران :42)، وقوله تعالى:{يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}(آل عمران : 43). والسيدة الزهراء(عليها السلام) كانت محدثة الملائكة أيضا، فعن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنَّه قال: "سُميَتْ فاطمة مُحدّثة؛ لأنَّ الملائكةَ كانت تهبط من السماء فتناديها، كما كانت تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة، إنَّ اللهَ اصطفاك وطهّرك واصطفاك على نساء العالمين، يا فاطمة، اقنتي لربك، وتحدثّهم ويحدثونها،..."(٥). والملفت في الرواية إنها تجيب عن وجه من أوجه تفضيل السيدة الزهراء(عليها السلام)، إذ لم يرد في الرواية ذكر طلب الملائكة الوارد في آية السيدة مريم(عليها السلام) بقولهم: {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ}، كونها جسدت مرتبة العبودية بكل وجودها وبأعلى الدرجات، كما روي عن الحسن البصري أنه قال: " ما كان في هذه الأمة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتى تتورم قدماها".(٦) كما إن فيها إشارة -كما يبدوا- لاستمرارية ودوام نزول الملائكة وتحديثهم لها، وفي ذلك إشارة لمقام أن السيدة الزهراء(عليها السلام) من أهل الأنس والانكشاف على موجودات ذلك العالم، بينما السيدة مريم(عليها السلام) الآية لم تَذكر وجود تحادث بل النزول كان على قدر التبليغ. الوجه الخامس: مقام الأمومة والصديقية قال تعالى:{وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ}(المائدة:75)، الآية الكريمة نسبة صفة الامومة لسيدة مريم (عليها السلام) لحجة الله في ارضه عيسى عليه السلام، بينما السيدة الزهراء (عليها السلام) نالت مقام الامومة لخاتم الانبياء ولحجج السماء من الأئمة الاوصياء بشكل خاص، وهي أم لكل مؤمن ومؤمنة من أهل الولاء. اما ما يخص مقام الصديقية فقد ورد بذكر السيدة عن الأئمة (عليهم السلام) بوصفها: "إن فاطمة(عليها السلام) صديقة شهيدة"(٧). ففي آية السيدة مريم(عليها السلام) ذكرت بكونها صديقة فقط، بينما في زيارة السيدة الزهراء(عليها السلام) ذكر إنها بلغت فوق ذلك مقام الشهادة-وكما يبدوا- إنها بذلك بلغت درجة أعلى وأكبر من درجات الصديقين فنالت مقام الشهداء. إذ يمكن أن نستدل بقوله تعالى: { وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}(النساء: 69)، كدليل عام على هذا الفهم لمجيئ مقام الصديق ثم الشهادة تباعًا، كما إن السيدة مريم(عليها السلام) رحلت عن الدنيا بموت طبيعي ولم تستشهد كما جرى مع السيدة الزهراء(عليها السلام) فقد رحلت شهيدة بعد ان بذلت نفسها في سبيل الله تعالى. الوجه السادس: نزول الرزق قال تعالى:{كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} (آل عمران :37)، السيدة مريم(عليها السلام) كان رزقها ينزل عليها وهي في المحراب. بينما السيدة الزهراء(عليها السلام) كانت تنزل عليها بعد أن تؤثر الأخرين وتهبهم ما لديها من طعام، بالنتيجة جهاد النفس في سلوك السيدة فاطمة (عليها السلام) أعظم، فهي لم تكن تأثره على نفسها فقط بل على زوجها واولادها، وبذلك تقرب أكثر وسعي أعظم يُحتسب عند الله تعالى. كما في حديث مطول- نأخذ منه الشاهد- "... قال حذيفة: وكنّا خمسة نفر: أنا و عمّار و سلمان و أبو ذر و المقداد رضي‏ اللَّه‏ عنهم، فدخلنا و دخل عليّ(عليه السلام) على فاطمة(عليها السلام) يبتغي عندها شيئاً من زاد، فوجد في وسط البيت جفنة من ثريد تفور وعليها عراق كثير، وكان رائحتها المسك. فحملها عليّ (عليه السلام) حتّى وضعها بين يدي رسول‏ اللَّه (صلى الله عليه واله) ومن حضر معه، فأكلنا منها حتّى تملّأنا ولا ينقص منها قليل ولا كثير. وقام النبيّ (صلى الله عليه واله) حتّى دخل على فاطمة(عليها السلام)، و قال: أنّى لك هذا الطعام يا فاطمة؟ فردّت عليه ونحن نسمع قولهما فقالت: هو من عند اللَّه، إنّ اللَّه يرزق من يشاء بغير حساب. فخرج النبيّ (صلى الله عليه واله) إلينا مستعبراً و هو يقول: الحمد للَّه الّذي لم يمتني حتّى رأيت لابنتي ما رأى زكريّا لمريم رضى‏ الله‏ عنه كان إذا دخل عليها المحراب وجد عندها رزقاً، فيقول لها: يا مريم! أنّى لك هذا، فتقول: {هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ}".(٨) الوجه السابع: الصبر على التكليف ومحنة اداء الرسالة في قوله تعالى: {فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا}(مريم :23)، هنا نجد شيء من عدم الصبر على عظم الموقف الذي كان عليها أن تتحمل صعوبته. بينما نجد إن الزهراء(عليها السلام) قد نجحت في أداء تكليفها وامتحانها الأرضي وهي في ذلك العالم، وذلك كما نقرأ: {يا مُمْتَحَنَةُ امْتَحَنَكِ اللهُ الَّذي خَلَقَكِ قَبْلَ اَنْ يَخْلُقَكِ، فَوَجَدَكِ لِمَا امْتَحَنَكِ صابِرَةً،..}(٩)، ولهذا لم نجد في أي موقف قد صدر منها يوحي بثقل او صعوبة ما كلفت به. الوجه الثامن : تعظيم الحرمة قال تعالى: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ....(155) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا}(النساء:١٥٦)، فإن كان -كما يعبرون- مجرد الافتراء بالقول على السيدة مريم(عليها السلام) تعالى ذكره وتوعد القائلين بالعذاب الاليم! فكيف لنا أن نتصور عِظم جرم من لم يؤذوا الزهراء(عليها السلام) بالقول بتكذيبها، وعدم الأخذ بقولها، بل أذوها وانتهكوا حرمتها، واسقطوا جنينها، وكانوا سببًا في أن ترحل مظلومة مغصوبة الحق شهيدة؟! فعن موسى بن جعفر عن أبيه، قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه واله) الوفاة دعا الأنصار، وقال: يا معشر الأنصار، قد حان الفراق.. إلى أن قال: ألا إن فاطمة بابها بابي، وبيتها بيتي، فمن هتكه، فقد هتك حجاب الله ". قال عيسى: فبكى أبو الحسن (عليه السلام) طويلًا، وقطع بقية كلامه، وقال: هتك - والله - حجاب الله، هتك - والله - حجاب الله، هتك - والله - حجاب الله، يا أمه صلوات الله عليها"(١٠). _________ (١) الخصائص الفاطمية: ج ١، ص ٢٤٩. (٢) كمال الدين وتمام النعمة: ص١٧-١٨. (٣) الأسرار الفاطمية: ص ١٧. (٤) شرح إحقاق الحق: ج ٢٩، ص ١٥٢. (٥) بحار الأنوار، ج14، ص 206. (٦) البحار :ج٣٤، ص٤٨. (٧) الكافي: ج ١،ص ٤٥٨،ح ٢. (٨) بحار الأنوار: ج ٩٩، ص ٢١٣. (٩) البحار: ج٣٧، ص١٠٥-١٠٦، ح 8. (١٠) مأساة الزهراء(ع): ج ٢، ص ٦٧.

اخرى
منذ أسبوعين
17

عطاءُ أبي الفضل

عطاءُ أبي الفضل بقلم : وجدان الشوهاني حارتْ الأفكارُ في رسم الصورة ، حتى سرقتُ من السماء نجومها لأزيّن بها الرسم وما همّني في ذلكَ قطعُ يدي ، فمَنْ أتكلّم عنهنَّ يستحقنَ ، فرغم كمِّ الصعوبات التي كانتْ في طريقهنَ ؛ لكنّها الإرادة التي أبتْ الاستسلام لها ، فكلُّ واحدة منهنَّ اخذت على عاتقها الجهاد . وأيُّ جهاد ،إنّهُ العلم الذي لطالما كان يراهُ البعض من قليلي التدبّر إنّه حكراً على الرجالِ فقط ، فما كان منهن إلّا أن يكسرنَ قيد ذلك العقل الذي مازال يحنُّ للجاهلية ، باجتهادهن، ليغيرنَّ كثيراً من أفكار الجاهلية وكان ذلك أول الغيث . ستُّ سنوات مضتْ من تعبِ القراءة بين علوم فقهية تعلمنَ فيها الحلال والحرام ،فصحّحنَ اخطاءً لم يتعمدنَ ارتكابها ، ولكنّها الظروف التي حالتْ دون أنْ يتعلمنَ مِن صغرهنَ ،فما أنْ أتتْ الفرصةُ حتى وجدناهن يقتنصنها ليدخلوا مدارساً حملتْ اسم الكفيل ، فرعاية أبي الفضل بعتبتها المباركة كانتْ يد العون لهنَّ، وكأنّ الله أرادَ لهنَّ أنْ يكنَّ كزينب (عليها السلام) ، التي كان لها العباس بن أمير المؤمنين (عليه السلام) كافلاً ، ليكونَ كافلاً لهنَّ أيضاً ، فقد رأى فيهنَّ مولاتنا زينب (عليها السلام)، ولمْ تقتصر تلك العلوم التي درسْنها على الفقه ، فالعقيدةُ كان لها نصيبٌ كبير ، كيف لا وهو الأصل الثابت الذي كان فرعهُ في السماء ، فتلك الفطرة التي لا تخلو مِن بعض التلويثات تمَّ تنقيتها تماماً ، واليوم نحن أمامَ نساءٍ قويات الفكر والاعتقاد ، فبالمنطق الذي درسْنهُ تمَّ تصحيح الأخطاء ،وباللغة العربية والسيرة والأخلاق وأحكام التلاوة تعطرن ،فما أنْ تقف إلى جنبِ إحداهن إلّا ورائحةُ عطرِ علوم أهل البيت الزاكية تفوح منهن. انتهتْ تلكَ السنون ومرتْ كالبرق ، وحان موعد القطاف ، إنّه يوم التخرج ، اشرأبتْ أعناق الكثيرات والشوق يملأ قلوبهن ، لإنها الثمرة الاولى ، الكلُّ ينظر إليهن ،كأنهنّ فراشات ، يحلّقنَ بالوانهن من شدة الفرح مرة ، ويقفن على بعض الكتب التي تحملها زميلاتهن ممّن هنّ في مراحلٍ دراسيةٍ أقل مرة أخرى ولسان حالهن يقول : سنشتاقُ لكم، سنشتاق لتلك السُفرة التي تعقد باسم ام البنين ،عاهدونا أن يكون لنا منها نصيب، حتى عجز اللسان على إكمال الكلام فنابَ عنهُ الدمع ، الذي رسم على تلك الوجوه الآف التوسلات. فكنَّ بحق عطاء أبي الفضل كما سمّتهم إدارة المدرسة بدفعة « عطاء أبي الفضل » حقاً هم عطاء ، وستشهد الأيام القلائل القادمة بذلك العطاء ، ليكون لهنَّ نصيب في تزكية علوم أهل البيت (عليهم السلام) ، فهنيئاً لمدارس الكفيل هذا العطاء.

اخرى
منذ أسبوعين
23

دمعة ياسمين -٦-

بقلم/نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية/إيمان مصطفى الحسن أنت امرأة جعلتني أخرج من عمق الظلام، أطفأت نيران هفواتي العاتية بلمسة حانية، يا ليتني لم أرك يا ليتني مت، ياليتني لم أشعر بحرقة العشق، ووخز الضمير لقد انصهرت في روحك الصافية ! - ما بك يا نور عيني يبدو أنك تهلوس حرارتك مرتفعة ؟ صرخ مزمجرا: - ابتعدي عني أهربي لعلك تنجين من فخ نصبته لك أنا وأمي، لقد اغتصبت عمرك قهرا وبعتك بثمن أهوائي، لكن أقسم لك أني أحبتتك ولم أستطع التنازل عنك ... ارتعشت من الخوف ظننت أنه ضجر من كثر إلحاحي بأن يكون لي طفل فكان يمانع بإصرار، وأنا أستغرب وأتسأل: -لماذا؟ حتى قال : -أنا...أنا...مصاب بمرض السيدا (الإيدز) ! هوى على قدمي يقبلها ويطلب السماح والغفران، تجمدت أوصالي لم أكن أفقه ما يقول وكأني هويت من شاهق، جسدي يرتعش، لجج النيران اشتعلت في جوانحي، ساد السكون.. أمطري يا دموعي واقرعي طبول الحزن مع أمواج الدجون، عم وجهي المساء، هل ذبحت وفي قلبي طفل وليد، إنهار قصري وتحول إلى لحد ينتظر أن يلقى مثواه..صرخت : -عبد الرحمن..حبيبي! لم يتنفس، لن يعود عبد الرحمن، راقد بلا حراك، هذه أنا من حسدوها كل الفتيات، ومن كنت أظن أن السعادة بنت لي أوطانا، هل أصبت...هل أصيب والدي؟ هل هي لعنة الأقدار أم صاعقة نزلت علي من السماء؟ آه ...ما هذا الابتلاء؟ ..… وقف المخرج وكل من كان يشاهد التحضير الأخير لتسجيل القصة، وهم مبهورين يصفقون، يشهقون بالبكاء، يصرخون. قال المخرج: - أبهرتموني ! لم نشعر بمرور الوقت، جعلتوني أفكر في أن أصور فيلما بدل أن أسجله في الإذاعة. أخرج منديلا من جيبه وأعطاه لي كي أمسح دموعي أنا..المعلقة الصوتية ياسمين. تمت بحمد الله. ______ بعض المعلومات عن مرض الإيدز كم تستغرق الفترة الفاصلة بين إصابة المرء بفيروس العوز المناعي البشري وظهور أعراض مرض الإيدز عليه؟ تختلف هذه الفترة اختلافاً كبيراً من شخص لآخر. وتظهر على معظم حاملي الفيروس، إذا ما بقوا بدون علاج، أعراض مرضية لها علاقة بالفيروس في غضون 5 إلى 10 أعوام ومن الممكن ان تكون أقل من ذلك. غير أنّ الفترة الفاصلة بين اكتساب الفيروس وتشخيص المرض قد تستغرق فترة تتراوح بين 10 أعوام و15 عاماً أو أكثر أحيانا. وبإمكان المعالجة بالأدوية المضادة للفيروسات القهقرية إبطاء تطوّر المرض بتخفيف تضاعف الفيروس وبذلك تقليل عدد الفيروسات في دم حاملي الفيروس والذي يعرف أيضاً بــ "الحِمل الفيروسي". ولمزيد من التفصيل عن الفيروس ادخل على الرابط 👇 https://www.who.int/features/qa/71/ar/

اخرى
منذ 3 أسابيع
24

دمعة ياسمين -٥-

بقلم/نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية/إيمان مصطفى الحسن _فاطمة.... أشعر أني خائرة القوى كل أمنيتي أن يكون لي طفل يؤنس وحدتي... -آه ساعدني يارب.. وبينما كنت أصارع هواجسي رن هاتفي... -عبد الرحمن ماذا بك؟ -فاطمة أين أنت والدك يسأل عنك؟ -ماذا حصل لوالدي أخبرني بسرعة؟ - ما بال صوتك هل أنت مريضة؟ هل أصابك مكروه، هل آتي لأخذك أين أنت أجيبي!؟ - لابأس، كل شيء على ما يرام لا تقلق، أنا في سيارتي أين أنت وماذا حدث لأبي؟ - أنا في المستشفى القريبة من بيت والدك لقد تعب واتصلت بي والدتك. -حسنا سآتي أنا بالطريق إليكم. احتسبت أمري لله و دعوته أن لا يحرمني من نعمة وجود والداي، لعل الله يحدث لي أمرا، فصبر جميل يا قلبي الهش .. ....... _عبد الرحمن... أصيب والد زوجتي بوعكة صحية، فاتصلت بي أمها مرتعبة وقلقة عليه لأقدم لها يد المساعدة، اتصلنا بإسعاف المستشفى الخصوصي الذي نتعامل معهم فأتت على عجل، أخذوا السيد وعملوا معه الفحوصات اللازمة، حاولت الاتصال بفاطمة مرارا دون جدوى، خرج الطبيب من غرفة الفحوصات ليخبرني بضرورة إجراء عملية أسترة لعروق قلبه بسبب خلل في الدورة الدموية به أدى إلى تلك الفاجعة، شحب وجه السيدة ولم تعرف كيف تجيب لأنها لا تملك مالا سيساعد على تعجيل العملية لزوجها، هدأتها وأخبرتها بأني سأتكلف، وقلت في نفسي : - لعلي أرد لهما بعض المعروف وأكفرعن أخطائي بحقهم.. عاودت الاتصال بزوجتي فأجابتني بتوتر، أخبرتها بضرورة الحضور للمستشفى للاطمئنان على والدها. أصرت علي فاطمة ألا أكلف نفسي في دفع مصاريف العملية، وأنها ستتكلف، لكنني امتنعت وأخبرتها بالاحتفاظ بمجوهراتها وما تدخره لما تخبئه الأيام، عندما لا أكون موجودا، قلت مواسيا: - والدك هو والدي، لا فرق في ذلك، لا يهمني شيء سوى أن تكونوا بخير جميعا، لن يمسسكم أذى ما حييت. خرج الطبيب وبشرنا بنجاح العملية، وقال أن حالته ستتحسن قريبا إن شاء الله. أحببت فاطمة لدرجة الأنانية، أصبحت جوهرتي الثمينة التي لا أستطيع الاستغناء عنها مهما حدث، كنت أطفئ شمعة الأمل في عينيها كلما رفضت لها أن نصبح أبوين، أنا أيضا أحب الأطفال وأحلم أن أكون أبا، لكن ذلك السر اللعين الذي عقد علي صفو عيشتي ودك أوتاده في صحراء مشاعري يقف كجدار أمام حلم الأبوة، وضميري الذي لا زلت أسميه ضميرا يمنعني من أذية المزيد من الأشخاص، خصوصا أقربهم إلى القلب فلذة الكبد. لم أجد أفضل من زوجتي سندا في ضعفي، ساءت حالتي الصحية لدرجة أنني أصبحت مقعدا لا حول لي ولا قوة، لم تنفعني ثروتي لشراء صحتي، لم أترك طبيبا معروفا إلا زرته ليشخص حالتي بدون فائدة، بعد تعب شديد قررت أن نزور بيت الله لعله يكون السبب في تحسني. ...... اقترح علي عبد الرحمن أن نذهب للعمرة بسبب تدهور حالته الصحية في تلك الفترة، ذهبنا ودعوت الله كثيرا أن يشفيه ويهديه ليستجيب لمطلبي. مع كل تراتيل السعادة حان وقت العد التنازلي بدأت حالة عبد الرحمن الصحية تسوء، فقدان الوزن، ارتفاع درجة حرارة الجسم (حمّى)، سعال، ضيق تنفس، بعد عودتنا من بيت الله وطوال الطريق يهيئني لأمر عظيم، تسارعت نبضاتي، احتضنني وكأنه يودعني الوداع الأخير واغرورقت عيناه بالدموع وهو يقبل جبيني ويعتذر: - اعتذر منك لقد حاولت بشتى الطرق أن لا أنقل لك العدوى لأني أحببتك، فعلا أنت امرأة جعلتني أخرج من عمق الظلام، أطفأت نيران هفواتي العاتية بلمسة حانية، يا ليتني لم أرك يا ليتني مت، ياليتني لم أشعر بحرقة العشق، ووخز الضمير لقد انصهرت في روحك الصافية ! يتبع......

اخرى
منذ 3 أسابيع
27

دمعة ياسمين-٤-

بقلم/نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية/إيمان مصطفى الحسن كان الجميع مستمتعا والموسيقى تتلون بين أهازيج شعبية عراقية وأهازيج شعبية مغربية، وأشكال الطعام المغربي والعراقي تزين الموائد، أما القاعة فرغم تواضعها كانت أنيقة باللمسات التي أضاف إليها المنسق، وجعلت جو الفرح دافئا وممتعا، فكانت فاطمتي تكتفي بابتسامة خجولة في وجه الجميع... ......... أما اليوم فهو اليوم الذي جعل نياط قلبي تقفز وجلا سوف أرحل إلى المجهول إما السعادة أو الشقاء، طريق الذهاب بلا عودة فمن تخرج من بيت والدها بفستان الزفاف الأبيض يجب ان تخرج من بيت زوجها بالكفن الأبيض، وهذا ما ألزمنا به كتب العرف. عندما كنت جالسة في قاعة الاحتفال شعرت بأني أميرة عراقية تزف لملك مغربي، صوت الزغاريد ارتفعت تعلن عن قدوم العريس، وقفت في لحظة قلق، الجميع يبحلق في مع همز ولمز: - ما الذي أعجبه بها، ما هذا الحظ ليس مثل حظنا العاثر؟ هذا ما كان يطرق إلى مسامعي من بعض النسوة، عقدت أصابعي ثم بدأت أحركها بتوتر وأنا أهيء نفسي، اجتاحتني رهبة غريبة أول مرة أحس بها. دخل زوجي الذي لم أكن أحلم حتى أن أقترن به، سحرني جماله وأناقته كان يرتدي جلبابا أبيضا طويلا تمتد من فوق المنكب إلى حذو الكعبين، فضفاض بحيث يعم كامل جسمه، متصل في أعلاه بغطاء للرأس يسمى "القب" حسب ما أخبرني به عبد الرحمن، ذو أكمام طويلة، تصل إلى معصم اليد. يرتدي فوقه ما يسمى "السلهام" لونه أحمرأنيق طويل، حيث أنه يلي الجلباب إلا أنه ليس له أكمام مثل العبائة فهو جزء واحد بغطاء للرأس ما يسمى (قب) متواصل مع بقيته مصنوع من صوف الأغنام ومفتوح تماماً من الأمام. كان يرتدي في قدميه ما يسمى (البلغة) هي النعل التقليدي الجلدي المغربي، لونها أبيض تصميمه بسيط حيث تم تطريزه بشكل خفيف ومقدمته حادة. كانت أجواء العرس ممتعة جدا لحظة ارتداء الخاتم والفستان الأبيض جعلت نياط قلبي تتراقص فرحا على عزف سمفونية عشق أبدي، ما أجمل الحلال حين يكون حبا! …… رغم الابتسامة التي كان يحاول أن يرسمها أبو فاطمة عند رحيلنا لم يستطيعوا أن يخفوا حرقة فراقهم، ودعها والدموع ترقرق، شعرت أنها هي سبب وجودهم وصبرهم على كل تعرجات الحياة من البؤس والفقر، وعلمت أني اقتطفت زهرة الربيع، فلن أجعلها تذبل لفراق والديها وأنا أسمع صوت بكاءها الذي قطع نياط قلبي.. قبلت يد عمي وأخبرته أني سوف أجهز لهم بيتا بقرب بيتنا، حتى يلحقوا بنا قريبا، اشرقت أسارير وجهه وأمسكت فاطمة يدي وهي تبدي شكرها وامتنانها لما قلته.. .... أمضيت أجمل أيام في حياتي مع عبد الرحمن، كان يحقق كل متطلباتي المادية، ساعدني أنا وعائلتي، كان رجلا طيبا جدا، يخاف علي أكثر من نفسه، لكن الغريب في الأمر أن عبد الرحمن لم يكن يحب الأطفال، في مرة سألته: -متى يكون لنا طفل فهو يجعل لوجودنا معنى، ما شاء الله لدينا نعم لا تعد ولا تحصى.. احمرت عيناه من الغضب وقال : -احذري إن حدث هذا الأمر فلن تلومي إلا نفسك ! في ذلك اليوم ضاقت بي الدنيا، قد يحين الوقت المناسب لذلك الأمل في أن أكون أما، كنت متوترة جدا فخطر في بالي أن أتحدث مع عمتي أم عبد الرحمن وأخبرها لعلها تقنع ابنها أكثر مني فهي بالتأكيد تتمنى أن تكون جدة. كانت تجلس في غرفة الصالون وتشاهد برنامجها المفضل، صنعت العصير وجلست بقربها قدمت لها كأس عصير البرتقال ابتسمت قائلة: -سلمت يداك يا فاطمة. -عمتي، أريد أن أخبرك بشيء وأتمنى أن تساعديني -تفضلي.. - أنا...أنا ... - أنت ماذا تحتاجين للمال؟ -لا...لا، في الحقيقة أنا أريد أن يكون لي طفل وعبد الرحمن... لم تصبرلأكمل كلامي حتى تجهم وجهها وانتفضت وكأن السماء اطبقت على الأرض ثم سقط كأس العصير من يدها وتكسر، شعرت أن قلبي أراد أن يخرج من بين أضلعي حين رأيت تقاسيم وجهها وهي تقول بنبرة غضب: -هل جننت؟ وكيف تفكرين في مثل هكذا أمر...لقد أخذتك لولدي ليستأنس بك، لا أن يكون لديه طفل منك، أم نسيتي من أين انتشلتك من قعر الفقر والجوع، احذري سيكون آخر يوم لك مع ولدي إن أصررتِ على فكرتك. ثم نظرت لي بازدراء وذهبت إلى غرفتها وأغلقت الباب بقوة.. من فرط الدهشة من ردة فعلها شعرت أني أصبحت بكماء واغرورقت عيناي بالدموع وجلست وأنا مصابة بالذهول، وقفت وهممت بالخروج وفي جعبتي الكثير من الأسئلة ركبت سيارتي الفارهة التي اشتراها لي عبد الرحمن في عيد ميلادي بدأت بالقيادة بسرعة، لم أعلم إلى أين أذهب إلى اللاشيء وفي الطريق راودتني الأفكار: -ترى ماذا تقصد عمتي بأنها أخذتني ليستأنس بي فقط؟! ولماذا أنا فهناك الآلاف من الجميلات يتمنين الزواج بمثل زوجي؟! فما أنا إلا فقيرة متوسطة الجمال لم أحصل على شهادة جامعية، كنت أعيش في قرية منزوية عن العالم، لماذا أخذوني لعالمهم الغريب؟من سبجيبني على كل هذه الأسئلة؟ يتبع .....

اخرى
منذ 3 أسابيع
23

دمعة ياسمين -٣-

بقلم/نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية/إيمان مصطفى الحسن كانت مراسيم الخطوبة عراقية بامتياز، يوم (الشربت) أو كما يُعرف بالمشاية، كنت جالسة بقرب النافذة المطلة على البستان وقد جاء عبد الرحمن مع أقاربه وأصدقائه مشيا إلى منزلي لذلك نسميه ب(المشّاية) قام والدي باستقبال الوافدين، وبعد جلوس الضيوف من الطرفين إلى بعضهما تمت مراسم الخطوبة الرسميّة بطلب من عم العريس للموافقة على اقتراني بابن أخيه، وأجاب والدي بالموافقة، فعلت أصوات الهلاهل، وقدموا العصائر والشربات استبشارًا بهذه الخطوة، وتم الاتفاق على المهر وكافّة مستلزمات الزواج الأخرى. ومن ثم حان يوم عقد القران في بيت والدي، أتى عبد الرحمن ولفيفٌ من أقاربه مع عاقد القِران المُعتمد من قِبل الدولة، ارتديت الثوب التقليديّ الأبيض، ثم جلست على كرسيٍّ وضعت قدمي في وعاءٍ يحتوي على الماء ونبتة اليأس وأمسكت في يدي حباتٍ من الهيل، ووضعوا إلى جانبي صينية العطّار المحتوية على الشموع والحلويات والعطور وأكواب السكر، و ضعوا القرآن الكريم بين يدي ومرآة أمامي لجلب الحظ .. بعد انتهاء عقد القِران أصبحت زوجته شرعا، قامت فتاتين غير متزوجتين من الأقارب بوضع قطعةٍ من القماش الأبيض على رأسي وتغطية وجهي به ثم دخل العريس ورفع ذلك الخمار عن وجهي، اشتعل وجهي بحمرة الخجل، ألبسني الذهب الذي قام بشرائه مسبقا. وبعد انتهاء العقد أدخلوني أنا وهو إلى غرفة المضيف في طريقتنا للتعارف قبل يوم الزفاف.. جلست على استحياء، اقترب عبد الرحمن وأمسك يدي بحنان قربها إلى وجهه وهو ينظر إلي بكل لهفة، اقشعر بدني أطرقت وجهي إلى الأرض حياء، شعرت أن قلبي ينبض بغرابة وكاد أن يقلع من مكانه اقترب أكثر ابتعدت عنه قليلا جذبني إليه بقوة و أردف قائلا: - أنت زوجتي على سنة الله ورسوله.. ابتسمت ونيران الخجل تتقاذف من وجهي، قلت: - نعم، فلكل وقت أوان، فلن أسمح لك بلمسي إلى أن يحين اليوم.. ثم لم أستطع إكمال حديثي ورأيت في عينه ذهولا وهو يقول: - هل حقا هذا ! ما أروع ما أسمعه جعلتني أبهر بك أكثر، عشقت خجلك وبرائتك.. - لكن هل تسمحين لي بلمس خصيلات شعرك التي سرقت ناظري ؟ أمسك شعري بكل نعومة، وكانت أصابعه تراقص خصيلات شعري وسرق قبلة طبعها على جبيني وغردت سمفونية العشق الحلال.. مرت الأيام بسرعة البرق حتى حان يوم الفرشة، حيث توجّه أهلي إلى منزل الزوجيّة حاملين معهم الأغراض والأثاث الخاصّ بي، قاموا بترتيبها واختاروا غطاء سرير أبيض وضعوا عليه النقود والورود ودمية طفلٍ من أجل جلب الفأل الطيب لهذا الزواج بالمال والبنين. ........ كانت الخطوبة عراقية استمتعنا جميعا، قررت أن أتكلف بالعرس ونقيم عرسا مغربيا بلمسة عراقية.. جهزت لكل شيء، واشتريت لها كل الهدايا التي ستحتاجها من حرير وحناء وملابس، كما اشتريت لها فستان العروس التقليدي المغربي، ويسمى "القفطان" مصنوع من الحرير والشيفون بأكمام طويلة، ومطرز بالخرز، وله حزام على الخصر، ألوانه بين الأخضر والذهبي، سترتديه عند (القعدة)، أي عندما تجلس بجانبي يوم الزفاف .وضعناهم في ما يسمى "الطيافر" وهي صناديق تقليدية مغربية كبيرة فاخرة على شكل هرمي مغلفة بثوب أخضر اللون و مطروزة بنقوش ورود بخيوط حريرية ذهبية جميلة..حجزت قاعة حفلات متواضعة حسب طلب فاطمة، وكلفت منسق حفلات بكل أمورها من طعام وغير ذلك.. ..... جاء يوم الحناء السابق ليوم الزفاف وفيه ارتديت أكثر من ثوبٍ بألوان متعددةٍ وسط أناشيد النساء مع الرقصات الشعبيّة المتوارثة، وفي آخرالحفلة وُضعت الحناء على يديّ وقدميّ من قِبل إحدى قريباتي الكبيرات في السِّن. ..... حضرت مع عائلتي ليلة العرس حاملين الطيافرالمملوءة بكل الهدايا التي اشتريتها، غير ذلك القفطان الملكي فقد أصرت فاطمة على ارتداءه اليوم، وبين يدي باقة ورد كبيرة، برفقة فرقة الدقة المراكشية المغربية الشعبية الذين دفعت لهم ليأتوا من المغرب خصيصا لأجل هذه المناسبة من أجل تقديم عرض هائل يناسب فخر تقديم الهدية للعروس، لأتذكر البلاد فكلي حنين إلى وطني ولتتعرف عائلة فاطمة على عاداتنا، عبرت البساط الأحمر وكلي شوق لرؤية أميرتي، استقبلنا النادل بالثمر والحليب عند باب القاعة، كانت زوجتي في كامل زينتها وزادها القفطان الأخضر جمالا، حورية من الجنة أشرقت في دنياي، كانت جالسة في العمارية تنتظرني، رفعت الغطاء عن وجهها كانت كالبدر في ليلة عيد، رفعت عينيها تنظر لي باستحياء وتلك الابتسامة اللطيفة تداعب وجنتيها، وبريق عينها يكاد يذيبني من شدة جمالهما.. و العمارية عبارة عن كرسي خشبي ومزين وعال يحمله أربعة شباب على أكتافهم، ثم بدأ الرقص على أنغام فرقة الدقيقة التي زفتنا وأنغام الاهازيج المغربيةحسب عاداتهم الشعبية في المغرب..لا أعرف أي شعور هذا الذي أحس به هل أفرح أم .. يتبع.......

اخرى
منذ 3 أسابيع
22

دمعة ياسمين -٢-

بقلم نرجس مرتضى الموسوي والكاتبة المغربية/ إيمان مصطفى الحسن جافاني النوم، لبست معطفي مقررا اللحاق بوالدتي لعلي أطمئن عليها، فإذا برقم غريب يتصل بي. أجبت على عجلة من أمري فإذا هو صوت أمي المرتجف يخترق سماعة الهاتف: - السلام عليكم عبد الرحمن، أنا أمك يا عزيزي.. فأجبت مؤيدا: - آه يا أمي قلقت عليك، هل أنت بخير؟ أين أنت؟ فأردفت مهدئة: - لا تقلق يا بني أنا بخير، سيارتي تعطلت بسبب المطر، وجدت أناسا كرماء ساعدوني، أتصل من هاتفهم لأن الشبكة عندي ضعيفة. - سآتي حالا عندك أمي لا تقلقي.. - لا الجو خطر عليك، لا تخرج، سأتدبر أمري.. - لا مستحيل سألحق بك، أخبريني أين أنت؟ - قبل ضيعتنا بعشرين كيلومترا تقريبا عندما تصل اتصل بي في هذا الرقم.. انطلقت بسيارتي، وذلك المطر ينهمر بسخط كأنه يعاقبني ويزيل خطاياي، كنت أسوق بصعوبة بسبب الطريق الوعرة المؤدية للقرية والإضاءة المنعدمة في الطريق السيار.ودماغي يفكر في حال أمي عند أناس غرباء لا نعرفهم، حاربت تلك المسكينة في الحفاظ على شمل العائلة بدون فائدة ..بعد مرور ساعة في الطريق اتصلت بوالدتي وأرشدتني إلى طريق ذلك المنزل، حيث رحبوا بي بحفاوة وأصروا علي أنا وأمي أن نقعد لنتناول معهم وجبة العشاء، قبلت دعوتهم وشكرت لهم، أدخلونا لغرفة الضيوف أو ما يسمى "المضيف" في العراق، كانت غرفة متواضعة جدا الجدران مطلية بطلاء أبيض رخيص جدا، على الأرضية سجاد أحمر (بساط شعبي عراقي) مهترئ، وجدت أمي مغطاة بوشاح أخضر صوفي لم أرها من قبل ترتديه، فسألتها بصوت خافت : - هل اشتريت هذا الوشاح مؤخرا؟ لم أرك تلبسينه من قبل. فأجابت أمي مبتسمة: - إنه لفاطمة، كنت أرتجف من البرد فغطتني به، أنت تعرف الجو اليوم بارد جدا، والليلة ممطرة، لعل هذه الأمطار تكون أمطار خير، و تدخل علينا بفرحك يا بني.. - إن شاء الله أمي، بارك الرحمن فيها.. ابتسمت أمي مردفة: - فتاة رزينة وجميلة، تضع البيضة في فمها تنضج، لا يخرج من لسانها إلا الشهد، أعجبتني كثيرا حافظة للقرآن الكريم، طول حياتي كنت أتمنى لك امرأة صالحة تصونك، لا أظن أنك ستجد أجمل من فاطمة امرأة لك، ستراها واحكم بنفسك لا تتعجل في اتخاد أي قرار خد وقتك.. غمزت لي و هي تؤكد: - لن تقبل عليك غيرها..أنت تحتاج لزوجة و هي محتاجة لتحسين وضعيتها المادية ولزوج. نظرت باستحياء لأمي ثم قلت: - و لكن.. ضغطت على يدي وهي تخفت صوتها أكثر وتقول بضجر : - لا ولكن ولا شيء، أسكت أنت، طول حياتك سأظل أعلمك كيف تستغل الفرص..غبي ! أحرجتني كلماتها وأشعرتني بالاختناق استأذنت بالذهاب للحمام، فسمعت والد فاطمة ينادي عليها: - فاطمة، يا فاطمة! جاءت مهرولة إليه على استحياء، ونظرت لي فتلون وجهها بكل ألوان الخجل وزادها ذلك جمالا و فتنة.. - جهزي لضيفنا الحمام.. أسرعت فاطمة إلى داخل المنزل نظرا لأن المضيف غرفة خارج البيت..وجهزت لي الحمام وعادت تعطيني إذن الدخول. بعد تناول وجبة العشاء مع عائلة السيد سعيد شكرناهم لحسن ضيافتهم وتكلفهم رغم فقرهم. اتفقت أمي مع أم فاطمة بزيارة ثانية في المستقبل في ظروف أجمل من هذه، فرحبت السيدة بالفكرة بكل فرح. في الطريق نفخت والدتي رأسي بحديثها عن إعجابها بفاطمة وبجمالها العراقي القروي الأصيل وبتفننها في تجهيز مائدة العشاء .. لم تفارق عيني نظرتها الخجولة الفاتنة، ظللت سارحا في الطريق أفكر، لا أدري ما كان ذلك الشعور أهو ضعف أم حب أم إعجاب أم ماذا.. لم أستطع أن أتنازل لأحصل على تلك الجوهرة الثمينة، نسيت كل ما بي وتخليت عن كل عائق سيجعل زواجي بها مستحيلا. ....... وبعد أيام قلائل جاءت المرأة مع ولدها وطلبت من أهلي أن يوافقوا بأن أكون زوجة لابنها، وأخبرتهم بأنها سوف تجعلني أعيش حياة رغيدة. ولأنني لا أملك القرار في اختيار البعل، خاصة في المناطق البعيدة عن المدن، فيكون القبول والرفض من الوصي أي الأب .. وأنا أسترق السمع لحديث والداي، بعد أن خرجوا أخبروها بأن يتصلوا بعد اتخاذ القرار... قال والدي لوالدتي: - سوف أوافق لعل في هذا الزواج خير لابنتنا، وقد ينجيها من الحرمان .. ارتجفت نبرة صوته وأردف في شجن: - لقد كبرنا وقريبا قد نرحل، فلا أريدها أن تبقى وحيدة، سوف نصبر نحن على فراقها، لنتوكل على الله.. ومن دهاليز الفقر جمعتنا الأقدار بلا موعد، خلقت هذه السيدة الأجواء لتربط خيوط اللقاء، لنشم الفرقعات النارية لإعلان اقتراني بولدها الوحيد عبد الرحمن، الثلاثيني ذو الوجه الملائكي وكأنه احتضنني وقال لي: - تعالي يافراشة عمري، لن تبكي بعد اليوم، سأسقيك من زهور الترف قطرة قطرة، وأقربك للسماء لتلملمي النجوم وأصنعها لك قلادة تضعيها على جيدك اللجين، على السحاب سنعزف سمفونية العشق لتعلو ضحكاتك أرجاء العالم، فقد أضاءت عينيك ظلمة ليلي المعتم، لقد فتحت لي الدنيا أوسع أبوابها وتزينت وتعطرت وتجملت لي.. يتبع.....

اخرى
منذ 3 أسابيع
19

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
138828

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
127628

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
83005

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77211

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
76898

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
71392