عندما تزيف الحقائق / الجزء الثاني / سيف بن عمرو

أن تزييف الحقائق، وإطلاق الأكاذيب العارية عن الصحة، تعتبر سمة شائعة عند المؤرخين المعادين لمنهج الاسلام الحق وإن الحرص على فضح الأكاذيب والتصريحات المضللة ، المنتزعة من سياقها، لهو امر مهم وضروري ولاسيما في وقتنا الحاظر الذي يشهد تحولا وتبدلا كبير في المعتقدات والمسلمات . الشخصية التاريخية التي سنتحدث عنها في هذا المقال متهمة بالزندقة وحديثها متروك وضعيف وقد قال فيها رواة الحديث (انه ضيف الحديث ،وحديثه متروك ، وفلسٌ خير منه ، وهو متهم بالزندقة) ولد سيف في الكوفة وتوفي في بغداد في حدود الثمانين ومائة1 لعب دور البطولة في تحريف وتزييف التاريخ وتفصيله حسب مقاس السلطة العباسية الجائرة . لقد كان سيف بن عمر التميمي اداة اعلامية ذكية استطاعت حكومة بني العباس ان تغير مجرى ومسار التاريخ من خلاله ،فقد عمد سيف الى دس الخرافات والاساطير في عمق التاريخ واسس منهجية تاريخية منحرفة لازالت انيابها الحادة تُغرس في جوف الامة وتنشر السم في الاذهان، فقد وضف احاديثه لخدمة الدولة العباسية وقد ذمه وضعف احاديثه الكثير من الشخصيات واهمها الالباني، الرازي ،ابو داود ،الحاكم النيسابوري الذي قال عنه (سيف متهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط )2 وقال النسائي (ضعيف متروك الحديث، ليس بثقة، ولا مأمون)3 وقد الف سيف بن عمر عدة كتب اهمها كتاب الردة ، وكتاب الفتوح الذان يتحدثان عن مرحلة تاريخية حساسة جدا في تاريخ الإسلام، وله كتاب اخر بعنوان الجمل وسير عائشة وعلي 4 ويقال انه لم ترد في سيف كلمة توثيق واحدة إطلاقاً من جميع علماء الرجال، ولا حتى من المراتب الأخيرة، على اختلاف تصنيفاتهم لتلك المراتب، في المقابل هناك الكثير من الاقوال التي تذم وتقدح هذه الشخصية التي اشعلت نيران الفتنة في الامة الاسلامية. ولم يمدح سيف بن عمرو الا ابن حجر العسقلاني الذي لقبه بعمدة في التاريخ5 واعتمد على رواياته واساطيره وخرافاته العمياء التي اعتمدها ايضا الطبري في كتابه تاريخ الطبري الذي يعد وللاسف من اهم كتب التاريخ المعتمدة في كتابة المناهج التربوية وكذلك تتخذ الصدارة في الاعمال الدرامية التاريخيه . وقد تشربت الاجيال هذه الحقائق ومن الصعوبة ازالتها او تغيير مسارها واشهر اساطير سيف بن عمرو هي شخصية عبد الله بن سبأ والقعقاع ذاك المحارب الاسطوري الوهمي التي استهوته بعض النفوس دون تحقيق في حيثياته وصحة وجوده . يروي ابن الاثير في كتابه اسد الغابه مانصه ( قاله سيف وللقعقاع أثر عظيم فِي قتال النفوس فِي القادسية، وغيرها، وكان من أشجع النَّاس، وأعظمهم بلاء، وشهد مَعَ عليّ الجمل وغيرها من حروبه، وأرسله عليّ رَضِي اللَّه عَنْهُ، إِلَى طلحة والزبير، فكلمهما بكلام حسن، تقارب النَّاس بِهِ إِلَى الصلح، وسكن الكوفة، وهو الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو بَكْر الصديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: صوت القعقاع فِي الجيش خير من ألف رَجُل.)6 ويروي ان حجر في كتابه الاصابه (قال سيف، عن عمرو بن تمام، عن أبيه، عن القعقاع بن عمرو، قال: قال لي رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه و آله و سلم: «ما أعددت للجهاد؟» قلت: طاعة اللَّه و رسوله و الخيل. قال: «تلك الغاية»، و أنشد سيف للقعقاع: و لقد شهدت البرق برق تهامة يهدي المناقب راكبا لغبار في جند سيف اللَّه سيف محمّد و السّابقين لسنّة الأحرار قال سيف: قالوا: كتب عمر إلى سعد: أيّ فارس كان أفرس في القادسيّة؟ قال: فكتب إليه: إني لم أر مثل القعقاع بن عمرو حمل في يوم ثلاثين حملة، يقتل في كل حملة بطلا.)7 واما مرويات مدرسة ال البيت فهذا بعض من رأيها حول سيف وحول شخصياته المخترعة (خالف سيف الرواة في ما ذكر عن الفتن في عصر عثمان وما اختلق من أساطير وما نسب إلى بطل أسطورة القعقاع من عمل)8 واخيرا اذكر ماقاله المفكر والمؤرخ حسن فرحان المالكي في حق سيف و مروياته ( أنّه من مختلقات سيف بن عمر، بل إنّك تجزم مع البحث أنّه من مختلقاته، وليس له وجود أصلاً..هل يعقل أنّ رجلاً مثل القعقاع: صحابي.، شهد القادسية ، وكان سبب النصر فيها، ودوخ الفرس في العراق والمشرق ……هل يعقل أنّ أحداً من المؤرّخين والمحدّثين بل القصاص في القرنين الأوّل والثاني لا يعرفه أحد منهم، ولم يأتِ على ذكره ولو اسماً؟!هل يعقل أن يكون مجهولاً عند كلّ هؤلاء مع شهرته وبطولاته!! حتّى جاء سيف بن عمر في أواسط القرن الثاني وعرفه؟)9 ………………… 1/ الوافي بالوفيات - الصفدي - ج ١٦ - الصفحة 39 2/ تهذيب التهذيب 4: 259 3/ تاج العروس 6: 149" 4/الفتنة ووقعة الجمل - سيف بن عمر الضبي - الصفحة 27 5/ تقريب التهذيب ج1ص344 6/ اسد الغابة / ^ابن الاثير ابو الحسن / ج4 ص 390 7/ الإصابة في تمييز الصحابة  / لابن حجر العسقلاني مجلد  5 صفحه 342 8/ خمسون ومائة صحابي مختلق / مرتضى العسكري 1: 172 9/ نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي/ حسن فرحان المالكي : 73 الفصل الثاني.

اخرى
منذ شهر
68

عندما تزيف الحقائق / الجزء الثاني

أن تزييف الحقائق، وإطلاق الأكاذيب العارية عن الصحة، تعتبر سمة شائعة عند المؤرخين المعادين لمنهج الاسلام الحق وإن الحرص على فضح الأكاذيب والتصريحات المضللة ، المنتزعة من سياقها، لهو امر مهم وضروري ولاسيما في وقتنا الحاظر الذي يشهد تحولا وتبدلا كبير في المعتقدات والمسلمات . الشخصية التاريخية التي سنتحدث عنها في هذا المقال متهمة بالزندقة وحديثها متروك وضعيف وقد قال فيها رواة الحديث (انه ضيف الحديث ،وحديثه متروك ، وفلسٌ خير منه ، وهو متهم بالزندقة) ولد سيف في الكوفة وتوفي في بغداد في حدود الثمانين ومائة1 لعب دور البطولة في تحريف وتزييف التاريخ وتفصيله حسب مقاس السلطة العباسية الجائرة . لقد كان سيف بن عمر التميمي اداة اعلامية ذكية استطاعت حكومة بني العباس ان تغير مجرى ومسار التاريخ من خلاله ،فقد عمد سيف الى دس الخرافات والاساطير في عمق التاريخ واسس منهجية تاريخية منحرفة لازالت انيابها الحادة تُغرس في جوف الامة وتنشر السم في الاذهان، فقد وضف احاديثه لخدمة الدولة العباسية وقد ذمه وضعف احاديثه الكثير من الشخصيات واهمها الالباني، الرازي ،ابو داود ،الحاكم النيسابوري الذي قال عنه (سيف متهم بالزندقة وهو في الرواية ساقط )2 وقال النسائي (ضعيف متروك الحديث، ليس بثقة، ولا مأمون)3 وقد الف سيف بن عمر عدة كتب اهمها كتاب الردة ، وكتاب الفتوح الذان يتحدثان عن مرحلة تاريخية حساسة جدا في تاريخ الإسلام، وله كتاب اخر بعنوان الجمل وسير عائشة وعلي 4 ويقال انه لم ترد في سيف كلمة توثيق واحدة إطلاقاً من جميع علماء الرجال، ولا حتى من المراتب الأخيرة، على اختلاف تصنيفاتهم لتلك المراتب، في المقابل هناك الكثير من الاقوال التي تذم وتقدح هذه الشخصية التي اشعلت نيران الفتنة في الامة الاسلامية. ولم يمدح سيف بن عمرو الا ابن حجر العسقلاني الذي لقبه بعمدة في التاريخ5 واعتمد على رواياته واساطيره وخرافاته العمياء التي اعتمدها ايضا الطبري في كتابه تاريخ الطبري الذي يعد وللاسف من اهم كتب التاريخ المعتمدة في كتابة المناهج التربوية وكذلك تتخذ الصدارة في الاعمال الدرامية التاريخيه . وقد تشربت الاجيال هذه الحقائق ومن الصعوبة ازالتها او تغيير مسارها واشهر اساطير سيف بن عمرو هي شخصية عبد الله بن سبأ والقعقاع ذاك المحارب الاسطوري الوهمي التي استهوته بعض النفوس دون تحقيق في حيثياته وصحة وجوده . يروي ابن الاثير في كتابه اسد الغابه مانصه ( قاله سيف وللقعقاع أثر عظيم فِي قتال النفوس فِي القادسية، وغيرها، وكان من أشجع النَّاس، وأعظمهم بلاء، وشهد مَعَ عليّ الجمل وغيرها من حروبه، وأرسله عليّ رَضِي اللَّه عَنْهُ، إِلَى طلحة والزبير، فكلمهما بكلام حسن، تقارب النَّاس بِهِ إِلَى الصلح، وسكن الكوفة، وهو الَّذِي قَالَ فِيهِ أَبُو بَكْر الصديق رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: صوت القعقاع فِي الجيش خير من ألف رَجُل.)6 ويروي ان حجر في كتابه الاصابه (قال سيف، عن عمرو بن تمام، عن أبيه، عن القعقاع بن عمرو، قال: قال لي رسول اللَّه صلّى اللَّه تعالى عليه و آله و سلم: «ما أعددت للجهاد؟» قلت: طاعة اللَّه و رسوله و الخيل. قال: «تلك الغاية»، و أنشد سيف للقعقاع: و لقد شهدت البرق برق تهامة يهدي المناقب راكبا لغبار في جند سيف اللَّه سيف محمّد و السّابقين لسنّة الأحرار قال سيف: قالوا: كتب عمر إلى سعد: أيّ فارس كان أفرس في القادسيّة؟ قال: فكتب إليه: إني لم أر مثل القعقاع بن عمرو حمل في يوم ثلاثين حملة، يقتل في كل حملة بطلا.)7 واما مرويات مدرسة ال البيت فهذا بعض من رأيها حول سيف وحول شخصياته المخترعة (خالف سيف الرواة في ما ذكر عن الفتن في عصر عثمان وما اختلق من أساطير وما نسب إلى بطل أسطورة القعقاع من عمل)8 واخيرا اذكر ماقاله المفكر والمؤرخ حسن فرحان المالكي في حق سيف و مروياته ( أنّه من مختلقات سيف بن عمر، بل إنّك تجزم مع البحث أنّه من مختلقاته، وليس له وجود أصلاً..هل يعقل أنّ رجلاً مثل القعقاع: صحابي.، شهد القادسية ، وكان سبب النصر فيها، ودوخ الفرس في العراق والمشرق ……هل يعقل أنّ أحداً من المؤرّخين والمحدّثين بل القصاص في القرنين الأوّل والثاني لا يعرفه أحد منهم، ولم يأتِ على ذكره ولو اسماً؟!هل يعقل أن يكون مجهولاً عند كلّ هؤلاء مع شهرته وبطولاته!! حتّى جاء سيف بن عمر في أواسط القرن الثاني وعرفه؟)9 ………………… 1/ الوافي بالوفيات - الصفدي - ج ١٦ - الصفحة 39 2/ تهذيب التهذيب 4: 259 3/ تاج العروس 6: 149" 4/الفتنة ووقعة الجمل - سيف بن عمر الضبي - الصفحة 27 5/ تقريب التهذيب ج1ص344 6/ اسد الغابة / ^ابن الاثير ابو الحسن / ج4 ص 390 7/ الإصابة في تمييز الصحابة  / لابن حجر العسقلاني مجلد  5 صفحه 342 8/ خمسون ومائة صحابي مختلق / مرتضى العسكري 1: 172 9/ نحو إنقاذ التاريخ الإسلامي/ حسن فرحان المالكي : 73 الفصل الثاني.

اخرى
منذ شهر
66

عندما تزيف الحقائق / الجزء الاول كعب الأحبار

ان تزييف الحقائق يبدأ من وميض صغير يكاد ينطفا من شدة ضعفه ولكن سرعان ما يتسارع ويكون وهجا ملتهبا إذا ما وجد له مستمعون وساعون ورائه فيزداد توهجا بصورة مهوله حتى يكون من الصعب السيطرة عليه ، فالأمة بمفكريها ومثقفيها وكتابها معنيون بالتصدي للتزييف من خلال تعريف الجمهور حقيقة مايجري وكشف الأسرار والوهم لدى المجتمع من خلال تكثيف الجهود والبحث عن مصادر تلك المعلومة الكاذبة وكشفها أمام الرأي العام لتبيان الحق وإعلاء كلمته . الشخصية التاريخية التي سنتحدث عنها في هذا المقال هي شخصية تحيط بها الشكوك من كل حدب وصوب ،استعانت به الحكومة الانقلابيه لتزييف الحقيقة وتضييع الاثر ، دس الكثير من الاساطير والنبوءات المستقبلية في الاسلام وكان له الاثر الواضح في حدوث التداخل الإسرائيلي في التراث الإسلامي. عرفه شمس الدين الذهبي في كتابه سير اعلام النبلاء ( بأنه هو كعب بن ماتع الحميري اليماني العلامة الحبر ، الذي كان يهوديا فأسلم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدم المدينة من اليمن في أيام عمر ، فجالس أصحاب محمد - صلى - فكان يحدثهم عن الكتب الإسرائيلية ، ويحفظ عجائب ويأخذ السنن عن الصحابة . وكان حسن الإسلام ، متين الديانة ، من نبلاء العلماء ) 1 كانت مرويات كعب من المسلمات ومن اهم المصادر والمراجع التي اعتمد عليها المؤرخين واصحاب السير ومن أبرزهم الكسائي في قصص الأنبياء،و الثعلبي في عرائس المجالس اذ ينقل عنه اكثر من ثلاثين رواية تتحدث عن انبياء الله صالح وزكريا وعيسى والخضر . وكل تلك الروايات والقصص العجيبة المنقولة على لسان كعب، ساهمت في إثراء شخصيته و جعلته في المقام الاول لجملة من الكذّابين و الوضّاعين الذين زيفوا الحقائق وروجوا للاساطير والاباطيل ولقد أغتر بشخصية كعب الاحبار الكثير من الصحابه فسلموا لمروياته واحاديثه واخذوا يتداولونها ويرونها للناس ، ولعل اشد المتأثرين به هو ابو هريره الذي تتصدر احاديثه كتب الحديث عند علماء العامه اذ بلغت مروياته عن الرسول محمد صلى الله عليه واله 5374 حديثا واستطاع كعب الاحبار ان يستحوذ على ابي هريره بمكره وخداعه ويلقنه كل مايريد وجعله تحت وطأته ومنفذا لامره ومن ابرز اساليب مكره ان كعب قال في حقه (ما رأيت أحداً لم يقرأ التوراة أعلم بما فيها من أبي هريرة) ومما يدلك على أن هذا الحبر الداهية قد طوى أبا هريرة تحت جناحه حتى جعله يردد كلام هذا الكاهن بالنص ويجعله حديثا مرفوعا إلى النبي ما نورد لك شيئا منه:روى البزار عن أبي هريرة أن النبي قال: إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة!فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك عن رسول الله وتقول ما ذنبهما؟2 ومع كل ماتميز به من دهاء وخدعة استطاع ان يحضى بماكنة سامية عند المسلمين وسمحوا له مع بالغ الاسف بالمشاركة في تفسير النصوص القرانية التي لها علاقة بحياة الانبياء والرسل معتمدين على خليفته العلمية اليهودية ، الأمر الذي ادى فيما بعد الى فتح أبواب واسعة للمرويات الاسرائيلية والاحاديث الكتابية المنحولة والمكذوبة للولوج والاندماج والتماهي مع تفسيرات القران الكريم وبمرور الزمن اصبح الفصل بينها وبين الموثوقة صعب جدا بل مستحيل . والجدير بالذكر ان مرويات كعب الاحبار لو توثق عند مذهب الامامية وقد ورد عن الأئمة عليهم السلام مما يدل على كذبه وانحرافه عند جادة الصواب فقد ورد عن (زرارة قال كنت قاعدا إلى جنب أبي جعفر عليه السلام وهو محتب مستقبل الكعبة فقال اما ان النظر إليها عبادة فجائه رجل من بجيلة يقال له عاصم بن عمر فقال لأبي جعفر عليه السلام ان كعب الأحبار كان يقول إن الكعبة تسجد لبيت المقدس في كل غداة.فقال أبو جعفر عليه السلام فما تقول فيما قال كعب فقال صدق القول ما قال كعب فقال أبو جعفر عليه السلام كذبت وكذب كعب الأحبار ) 3 وفي روايه اخرى نصها ( دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وآله عشيا فرأيناه كئيبا حزينا فسلمنا عليه فلم يرد علينا السلام فلما أصبحنا اتيناه فرأيناه ضاحكا مستبشرا فقلنا له بآبائنا وأمهاتنا دخلنا إليك البارحة فرأيناك كئيبا حزينا ثم عدنا إليك اليوم فرأيناك فرحا مستبشرا فقال نعم كان قد بقي عندي من فئ المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسمتها وخفت ان يدركني الموت وهي عندي وقد قسمتها اليوم واسترحت منها فنظر عثمان إلى كعب الأحبار، وقال له يا أبا إسحاق ما تقول في رجل أدى زكاة ماله المفروضة هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيئا؟ فقال لا ولو اتخذ لبنة من ذهب ولبنة من فضة ما وجب عليه شئ فرفع أبو ذر عصاه فضرب بها رأس كعب ثم قال له يا بن اليهودية الكافرة ما أنت والنظر في أحكام المسلمين قول الله أصدق من قولك حيث قال " الذين يكنزون الذهب والفضة)4 ويروي لنا ارباب التاريخ أن كعب انتقل للعيش في بلاد الشام في زمن الخليفة الثالث وبعد أن استلم معاوية الحكم عين كعبا مستشاراً وذلك لكثره علمه ودرايته كما يعزم البعض ولم يكتف معاوية بذلك فحسب بل جعله قصاصا اخباريا للناس واخذ كعب يسرب وينشر أقاصيص التلمود والمرويات الاسرائيلية واتخذ من دهائه العجيب طرقاً غير مألوفة استحوذ فيها على الباب المسلمين، فكسب ثقتهم وصدقهم حتى امتلأت كتب التفسير والحديث والتاريخ بترهاته وسمومه، الى ان تشبع بها الجمهور وصارت جزءاً من دين المسلمين، وهي حقيقة لا ينكرها إلا جاهل أو مكابر. والمتتبع لمجرى الناريخ يرى ان اليهود هم من أكثر الفئات التي اثرت على الحضارة الاسلامية ونرى اثارهم واضحة جليه في تاريخ الاسلام وهذا ما يؤكده الشيخ الوائلي اذ يقول مانصه أن اليهود ( استأثروا بالتفسير وبالقصص الديني لأنهم أهل كتاب وفيهم كثير من الأحبار الذين يحفظون أحكام التوراة وقصص الأمم التي حفظتها الحضارة العبرية والأساطير التي رافقت تلك القصص، ولما كانت الجزيرة العربية فقيرة إلى الأفكار الدينية والمضامين الثقافية لعب الفكر اليهودي دورا هاما في ملء هذا الفراغ وخصوصا في الفكر السني الذي حاول أن يتخلص من هذا الرداء ويخلعه على الشيعة عن طريق الشخصية الوهمية عبد الله بن سبأ كما سنبرهن لك على وهمية هذه الشخصية قريبا. ولكن حقائق الأمور والبحث الدقيق يثبت عكس ما ادعاه هؤلاء القوم وما نسبوه للشيعة. أجل إن آراء اليهود انتقلت إلى الفكر الإسلامي عن طريق كعب الأحبار ووهب بن منبه وعبد الله بن سلام وغيرهم وأخذت مكانها في كتب التفسير والحديث والتاريخ وتركت بصماتها على كثير من بنود الشريعة. إن بوسع أي باحث الوقوف على ذلك في كتب كثيرة مثل تاريخ الطبري، وتفسيره جامع البيان، وفي كتاب البخاري وغيره )5 وهذه دعوة لكل مهتم بالتاريخ ان يبين للناس حقيقة هذا اليهودي المدسوس حتى يكون المسلمون على بصيرة من أمرهم، ولعلهم بعد ذلك يعملون على تطهير كتب التفسير والحديث والتاريخ من مفترياته واكاذيبه ليشرق نور الاسلام توجهاً في محكم آياته، وتتجلى لهم فضائله ومناقبه ومكرماته في ناصع بياناته. ……………………………… 1/ سير اعلام النبلاء جزء 3ص 490 2/ أضواء على السنة المحمدية - محمود أبو رية - الصفحة 702 3/ جامع أحاديث الشيعة - السيد البروجردي - ج ١٠ - الصفحة 63 4/ تفسير القمي - علي بن إبراهيم القمي - ج ١ - الصفحة 52 5/ هوية التشيع للشيخ احمد الوائلي / ص 54

اخرى
منذ شهر
65

شذرات من نهج البلاغة

شذراتٌ من نهجِ البلاغةِ(48) آثارُ الجِهاد رويَ عن أَمِيرِ المؤمِنِينَ (عَلَيْهِ السَّلَام): "بَقِيَّةُ السَّيْفِ أَبْقَى عَدَدًا، وَأَكْثَرُ وَلَدًا" ......... توضيحُ المُفردات: بقيّةُ السيف: الباقونَ بعدَ القتال ........ توضيحُ الحديث: يُشيرُ إلى أنَّ عنايةَ اللهِ (تعالى) اقتضتْ أنْ يخلفَ من بقيَ من استشهدَ، وأوضحُ شاهدٍ هو ما حصلَ لأولادِه (عَلَيْهِ السَّلَام) فإنَّ السيفَ قد أخذَ منهم مأخذه إلا أنّهم بالرغمِ من ذلك قد كثُرَ عددُهم وبقيَ نسلُهم.

اخرى
منذ شهر
69

ماذا لو 167

ماذا لو؟!(167) بقلم: فاطمة الركابي متعلم على سبيل نجاة ماذا لو سألك الإمامُ (عجّل الله فرجه): لماذا لم أجدْك عالمًا أو مُتعلِّمًا؟ أرضيتَ لنفسِك أنْ تكونَ جاهلًا أو من الهمجِ الرُعاء؟! ........ وردَ أنَّ الإمامَ عليًا (عليه السلام) قد صنّفَ الناسَ فقالَ لكميل: "النَّاسُ ثَلَاثَةٌ؛ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، ومُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، ولَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ" إلى أنْ قال: "اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِرًا مَشْهُورًا، وإِمَّا خَائِفًا مَغْمُورًا؛ لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وبَيِّنَاتُه، وكَمْ ذَا وأَيْنَ أُولَئِكَ؟ أُولَئِكَ واللهِ الأَقَلُّونَ عَدَدًا، والأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللهِ قَدْرًا" إنَّ قولَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) يوجبُ على المؤمنِ المهدوي أنْ يَحرصَ على أنْ يكونَ من الصنفِ الثاني إذا ما قلنا إنَّ الصنفَ الأولَ هو خاصٌ بالمعصوم ذي العلمِ الإلهي المُتكامل، فكُلُّ عالمٍ مهما اجتهدَ وبلغَ من درجةٍ علميةٍ فإنّه يبقى مُتعلِّمًا في سبيلِ النجاة، بلى! عندَ من هم السبيل، وسفينة النجاة. ومن معاني السبيلِ هو الطريق، لذا فلا بُدّ للسائرِ من رفيقٍ في مسيره، لذا عرّفَ لنا إمامُنا أبو عبد الله (عليه السلام) في إحدى كلماتِه هذا الرفيق فقال: "إِنَّ الْعِلْمَ خَلِيلُ الْمُؤْمِنِ"(1). والخُلّةُ أي الاقتراب والتلازم والمُرافقة، فالمؤمنُ له دائمًا جنبةٌ فكريةٌ تُغذّي عقلَه بمعرفةِ كُلِّ ما حوله، وكُلِّ ما يحتاجُه في مسيرته، فلحظاتُ عمرِه لا تخلو من التعلُّمِ والتفكُّرِ والاتعاظ من كُلِّ ما يمرُّ به.(2) لذا فهو يكونُ في طريقِه مُبصِرًا؛ لأنّ "العلمَ نورٌ" كما ورد، فيرى كُلَّ ما حوله من شبهاتٍ وفتنٍ وتضليلٍ فيثبت ويستقيم على الحق، فصاحبُ البصيرةِ لا يعمى، وصاحبُ الهدفِ الذي يعرفُ وجهتَه الى أين لا يتوه، فلا قياسَ بينَ من يحملُ نورَ العلمِ المهتدي وبين الجاهلِ الغافل، قال (تعالى): "أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ"(الملك:22). إنَّ الانكبابَ على الوجهِ يكونُ على أثرِ ضعفِ النورِ الذي يُبصِرُ به الماشي تارة، وشدّةِ الظلام الذي يُحيطُ به تارةً أخرى، فلا يرى ما هو موجودٌ أمامه فيتعثر، وقد يسقطُ في موضعٍ يكونُ فيه هلاكه الذي لا خلاصَ ولا نجاةَ له بعده. وكُلُّ ذلك لا يحَصلُ إلا عبرَ العلمِ والتعلُّم، فمن وصايا إمامِنا (عليه السلام) لكُميل: "ما من حركةٍ إلا وأنتَ مُحتاجٌ فيها إلى معرفة"(3) وقد حدَّدَ الإمامُ عليٌ (عليه السلام) مصدرَ تلك المعرفة بوصيةٍ أخرى لكُميل بقوله: لا تأخذْ إلا عنّا تكُنْ منّا.(4) ومعه، فالمؤمنُ المُستضئُ بنورِ ربِّه المُرسلِ إليه المُتمثّل بالإمامِ (عجل الله فرجه) الذي هو شمسُ هذه الوجود التي لا تحجبُها السُحُب، ولا تُغيّبُها شدّةَ الظُلمِ، يكونُ في الدُنيا من أصحابِ النورِ الذين خاطبَهم اللهُ (تعالى) بقوله: "وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ"(الحديد:28)، وفي الآخرةِ يكونُ من أصحابِ اليمينِ ممّن يُرافِقون أصحابَ النورِ الأكمل: "يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم..."(الحديد :12)، لا من أهلِ النفاقِ الذين لسانُ حالِهم يقولُ في ذلك الموقف: "انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ" فيأتيهم الجواب {ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} (الحديد: 13)حيث لا فرصة لهم للتزود بعد! لذا؛ فالمؤمن المهدوي حريص على أن يقتبس من أهل النور الذين هم المثل الأعلى لنور الله تعالى على أرضه، وهو نور صاحب العصر والزمان (عجل الله تعالى فرجه) خاتم الأنوار ليكون شعاعًا من نوره في دنياه، وناجيًا بمعيته في أُخراه. ـــــــــــــــــــــــــــــــ (1) - الكافي للكليني ج2 ص 46 بَابُ خِصَالِ الْمُؤْمِنِ ح1. (2) - قال المازندراني في شرحه على أصول الكافي ج8 ص 144: (والخلة - بالضم - الصداقة والمحبة التي تخللت القلب فصارت خلاله أي في باطنه والخليل الصديق فعيل بمعنى فاعل وقد يكون بمعنى مفعول ، وانما كان العلم خليل المؤمن لأنه ينفعه غاية النفع كالخليل) (3) - تحف العقول للحراني ص 171 (4) - تحف العقول للحراني ص 171

اخرى
منذ شهر
72

ماذا لو

ماذا لو؟(164) بقلم: فاطمة الركابي حفظ الزوج في ماله ماذا لو سألكِ الإمامُ (عجّل الله فرجه): أنتِ أختي الكريمة، لماذا تصرّفتِ بأموالِ زوجِكِ من دونِ علمه بعطاءٍ أو هديةٍ أو ما شابه؟ ...... إنَّ من جمالياتِ دينِنا أنّه أكرمَ المرأة، وكفلَ أمرَها المادي ونفقتَها وجعلها في عهدة ولي أمرها قبلَ الزواج، وعلى من تقترنُ به بعدَ الزواج، وإنْ كانتْ ميسورةَ الحال، وذات ثروةٍ ومال. وهذا ما يوجِبُ على المرأةِ أنْ تُقابِلَ الإحسانَ بالإحسان، فتكون ذاتَ نفسٍ قنوعةٍ وعفيفة، فلا تُكلِّفُ زوجَها ما لا يُطيق، من أمورٍ كماليةٍ لا نفعَ يُرتجى من ورائها سوى حُبِّ التفاخُرِ أمامَ الآخرين، نعم، قد تُدخِلُ هذه الأمورُ الفرحَ على نفسِها، لكنّها فرحةٌ مؤقتةٌ وذاتُ أثرٍ سريعِ الزوال، قياسًا بالآثارِ غيرِ الطيّبةِ التي ستترتّبُ على مثلِ هذا السلوك، والتي منها: التضييقُ على الزوج، وتكليفُه في بعضِ الأحيانِ بدَينٍ يُحمِّلُ نفسَه هَمَّ ثقله، فتفقد بذلك سعادتَها مع زوجها، وقد تُخالِفُ بذلك أمرَ ربِّها؛ لأنّها بذلك قدّمتْ أمورًا ثانويةً على أمورٍ أساسية، تتمثّلُ بكسبِ رضا زوجِها وإسعادِه، وتقديمِ راحتِه على رغباتِها الشخصية، والمُحافظةِ على أموالِه من التبذيرِ والضياع. ومن المفاهيمِ الخاطئة أنْ تتظلّمَ المرأةُ وتشتكي زوجَها لمن هبَّ ودبَّ، أو تأخذَ من أمواله دونَ علمه ومن دون رضاه بحُجّةِ أنّها شريكته! فإنّ اللهَ (تعالى) لم يوجِبْ على الرجلِ النفقةَ بلا شروطٍ وحدود، بل هناك حدودٌ يلزمُ توفُّرها في النفقة، إذ قال (تعالى): "لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللهُ لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا مَا آتَاهَا". كما إنّ فطرةَ الإنسانِ تميلُ إلى البساطةِ وتُحِبُّها، ولكن ما نعيشُه من واقع _مُختلف في كُلِّ مقاييسه عن تلك الفطرة- جعلَ الناسَ تتركُ فِطرتَها وتركضُ وراءَ المظاهر، فما أكثرَ المالئين لجيوبِهم بالأموال، وهم فارغةٌ قلوبُهم من السعادةِ وراحةِ البال! لذا فمن يبحثُ عن حقيقةِ السعادةِ فعليه أنْ يبحثَ عنها من مصدرِها الحقيقي، في ذلك البيتِ الذي كانَ نموذجًا خلّاقًا للبيوتِ جميعًا، حيثُ جمعَ البساطةَ والسعادةَ معًا، إنّه بيتُ عليٍ وفاطمة (عليهما السلام)، تلك الزوجةِ التي كانتْ بنتَ سيّدِ الخلق، إلا إنّها لم تُكلِّفْ زوجَها شيئًا لا يُطيقُه أو يُثقِلُ عليه، عملًا بوصيةِ أبيها (صلى الله عليه وآله)؛ ولذا كانتْ سعيدةً بحياتها، وهل يختلفُ اثنان في هذه الحقيقة؟! فالسيّدةُ (عليها السلام) قدوةٌ لكُلِّ زوجةٍ تُريدُ أنْ تكسبَ رضا زوجها، فلا تُكلِّفُه ما لا يُطيق، وترضى معه على كُلِّ حال، بقلبٍ ملؤه الرحمةُ والمودةُ والوفاء. وهي قدوةٌ لكُلِّ امرأةٍ تُريدُ أنْ تتأسّى بزُهدِ إمامِها وإعراضِه عن الدُنيا وزينتها، ففي الروايةِ عن أبي عبدِ الله (عليه السلام): أَنَّ قَائِمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ إِذَا قَامَ، لَبِسَ ثِيَابَ عَلِيٍّ (عليه السلان) وسَارَ بِسِيرَةِ عَلِيٍّ (عليه السلام)(1) فالمهدويةُ إذن عليها أنْ تُمهِّدَ لنفسِها من الآن، وتوجِدَ في نفسِها مَلَكةَ عدمِ التعلُّقِ بالدُنيا والتحلّي بالقناعةِ بما لديها، وبأقلِّ القليلِ من متاعِ الدنيا، عاملةً بوصيةِ إمامِها علي (عليه السلام) لمّا وصّى ولديه الحسنين (عليهما السلام) بقوله: "أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اللهِ وأَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وإِنْ بَغَتْكُمَا، ولَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا"(2)؛ لأنّها تطمحُ أنْ تكونَ من أصحابِ إمامِها والمُقرّبين منه. ـــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي للكليني ج1 ص 411 بَابُ سِيرَةِ الإِمَامِ فِي نَفْسِه وفِي المَطْعَمِ والْمَلْبَسِ إِذَا وَلِيَ الأَمْرَ ح4. (2) نهج البلاغة - خطب الإمام علي (عليه السلام) - ج ٣ - ص ٧٦.

اخرى
منذ شهر
66

من وحي الاخلاق

من وحيّ الأخلاق(3) بقلم: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي إنَّ الفضائلَ -وكذا الرذائل- مفاهيمُ مُشكَّكة. إنَّ الفضائلَ ليستْ ذات مرتبةٍ واحدة، إمَّا أنْ يصلَ إليها الفردُ فيتَّصفَ بها، وإمَّا أنْ لا يصلَ إليها فلا يتَّصفَ بها، كلَّا، بل إنَّ لها مراتبَ طوليةً متعدِّدة، تبدأُ بنقطةٍ مُعيَّنة، وتشتدُّ إلىٰ مراتبَ عاليةٍ جدًّا، فالصدقُ قد يكونُ في المواقفِ العادية فقط، ولكن إذا وقعَ الإنسانُ في موقفٍ مُحرج، فربَّما يكذب، ولكنّ البعضَ تجده صادقًا في جميعِ أحواله وأقواله، فلا تجدُ للكذبِ عندَه موضعًا ولو ذهبَ لأجله ما يُحِبُّ. وهكذا بقيَّةُ الفضائل. والكلامُ نفسُه يُقالُ في الرذائل، فليستْ هي ذاتَ مرتبةٍ واحدة، بل هي ذاتُ دَرَكاتٍ تسافليةٍ مُتعدِّدة. وهذا هو معنىٰ كونِها مفاهيمَ مُشكَّكة. روي عن أبي عَمْرٍو الزُّبَيْرِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَه: أَيُّهَا الْعَالِمُ، أَخْبِرْنِي أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَ الله؟ قَالَ (عليه السلام): مَا لَا يَقْبَلُ اللهُ شَيْئاً إِلَّا بِه. قُلْتُ: ومَا هُوَ؟ قَالَ (عليه السلام): الإِيمَانُ باللهِ الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ أَعْلَى الأَعْمَالِ دَرَجَةً وأَشْرَفُهَا مَنْزِلَةً وأَسْنَاهَا حَظَّاً. قَالَ: قُلْتُ: ألَا تُخْبِرُنِي عَنِ الإِيمَانِ، أقَوْلٌ هُوَ وعَمَلٌ أَمْ قَوْلٌ بِلَا عَمَلٍ؟ فَقَالَ (عليه السلام): الإِيمَانُ عَمَلٌ كُلُّه، والْقَوْلُ بَعْضُ ذَلِكَ الْعَمَلِ بِفَرْضٍ مِنَ اللهِ بَيَّنَ فِي كِتَابِه وَاضِحٍ نُورُه ثَابِتَةٍ حُجَّتُه، يَشْهَدُ لَه بِه الْكِتَابُ، ويَدْعُوه إِلَيْه. قَالَ: قُلْتُ: صِفْه لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ حَتَّى أَفْهَمَه. قَالَ (عليه السلام): الإِيمَانُ حَالاتٌ ودَرَجَاتٌ وطَبَقَاتٌ ومَنَازِلُ، فَمِنْه التَّامُّ الْمُنْتَهَى تَمَامُه، ومِنْه النَّاقِصُ الْبَيِّنُ نُقْصَانُه، ومِنْه الرَّاجِحُ الزَّائِدُ رُجْحَانُه...» ولذلك، كانَ أحدُ تفسيراتِ أبوابِ الجنَّة الثمانيةِ وأبوابِ جهنَّمَ السبعة هو تفسيرَها بمراتبِ الجنَّة ودَرَكاتِ جهنَّم حسبَ أعمالِ الإنسان. ويترتَّبُ علىٰ هذه القاعدةِ التالي: أمَّا في جانبِ الفضائل، فعلينا أنْ نلتفتَ إلىٰ التالي: أوَّلًا: أنَّ الفضائلَ مُستمرَّةٌ في مراتبِها الكماليةِ إلىٰ ما لا نهاية، وهو ما يُشيرُ إليه قولُه (تعالىٰ): "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِين". وقد فسَّـروا اليقينَ بالموت، فيكونُ المعنىٰ: اعبدْ ربَّك ما دمت حيًّا. ولو كانَ للفضائلِ سقفٌ مُحدَّد، لأمكنَ أنْ يصلَ فردٌ ما إليها، ومن ثَمّ تنقطعُ العبادةُ عندها، ولكنّا نجدُ أنَّ أعظمَ مخلوقٍ خلقَه اللهُ (تعالىٰ)، وهو الرسولُ الأعظم (صلى الله عليه وآله)، علىٰ ما هو عليه من الكمال، كانَ يُتعِبُ نفسَه بالعبادة، بحيث كانَ يُصلّي علىٰ أطرافِ أصابعه، ولـمَّا عوتِبَ علىٰ ذلك قال: «أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟» وعليه، فلا يتصوَّرَنَّ أحدٌ أنَّه يُمكِنُ أنْ يصلَ إلىٰ مرحلةٍ علميةٍ مُعيَّنة، أو مرحلةٍ كماليةٍ مُعيَّنة، وبعدَها يتوقَّفُ عن تحصيلِ الكمال، فإنَّه وكما قالَ (تعالىٰ): "نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ". ثانيًا: مهما وصلَ الإنسانُ إلىٰ مراتبَ كماليةٍ عالية، فعليه أنْ ينظرَ إلىٰ حجمِه الواقعي، وأنَّه (لا شيء) أمامَ الكمالِ اللّامتناهي لله (تعالىٰ)، بل هو (لا شيء) بالنسبةِ إلىٰ الكمالاتِ التي وصلَ إليها أهلُ البيت (عليهم السلام)، ومن ثَمّ فعليه أنْ لا يُعجَبَ بنفسه، فإنَّ العُجْبَ من أشدِّ الأمراضِ التي تفتكُ بالأعمالِ الصالحة. يقولُ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): «وإيّاكَ والإعجابَ بنفسِك والثقةَ بما يُعْجِبُك منها وحُبَّ الإطراء؛ فإنَّ ذلك من أوثقِ فُرَصِ الشيطانِ في نفسِه، ليمحقَ ما يكونُ من إحسانِ المُحسنين» وقد رويَ أنَّ الإمامَ أبا جعفر دخل علىٰ أبيه زين العابدين (عليه السلام)، فإذا هو قد بلغَ من العبادة ما لم يبلغْه أحد، فرآه قد اصفرَّ لونُه من السهر، ورمصت عيناه من البكاء، ودبرتْ [أي قرحت] جبهته، وانخرم أنفه من السجود، وورمتْ ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «فلمْ أملكْ حينَ رأيته بتلك الحالِ البكاء، فبكيتُ رحمةً له، وإذا هو يُفكِّر، فالتفتَ إليَّ بعدَ هنيهة من دخولي، فقال: يا بُنيَّ، أعطِني بعضَ تلك الصُّحُفِ التي فيها عبادةُ عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأعطيتُه، فقرأ فيها شيئًا يسيرًا، ثمّ تركَها من يدِه تضجُّرًا، وقال: من يقوىٰ علىٰ عبادةِ عليٍّ (عليه السلام)؟!» وباختصار: علينا دومًا أنْ ننظرَ إلىٰ من هم أكملُ منّا، ونُحاوِلُ أنْ نصلَ إليهم، ونتكاملَ معهم، ولا نعجبَ بأنفسِنا مهما وصلنا إلىٰ مراحلَ كماليةٍ عالية. وأمَّا في جانبِ الرذائل، فعلينا أنْ نلتفتَ إلىٰ التالي: أوَّلًا: إنَّ الذنوبَ في حقيقتِها سقوطٌ في الهاوية، في جهنَّم والعياذ بالله، وهو سقوطٌ له دَرَكاتٌ عديدة، وحتَّىٰ يتخلَّصَ الفردُ من الهاوية، عليه أنْ يتركَ جميعَ الذنوبِ وبجميعِ مراتبها، فالذنوبُ التي يعدّها بعضُ المؤمنين صغيرة، قد تتجمَّعُ لتكونَ ركامًا هائلًا من الذنوب، التي قد تهوي بالفردِ في وادي جهنَّم لسنواتٍ طوال، وقد رويَ أنَّ رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) نزلَ بأرضٍ قرعاء (أيّ لا نباتَ فيها) فقالَ لأصحابه: «ائتوا بحطب»، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، نحنُ بأرضٍ قرعاءَ ما بها من حطَبٍ، قالَ (صلى الله عليه وآله): «فليأتِ كُلُّ إنسانٍ بما قدرَ عليه»، فجاؤوا به حتَّىٰ رموا بينَ يديه، بعضَه علىٰ بعض، فقالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): «هكذا تجتمعُ الذنوب»، ثمّ قال: «إيّاكم والمُحقّراتِ من الذنوب، فإنَّ لكُلِّ شيءٍ طالبًا، ألَا وإنَّ طالبَها يكتبُ ما قدَّموا وآثارَهم، "وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِين" » ثانيًا: مهما سقطَ بعضُ المؤمنين في الرذائل، ومهما ابتعدَ عن سُلَّمِ الكمال، فعليه أنْ يعرفَ أنَّ بابَ التوبةِ مفتوح، وأنَّه (تعالىٰ) لن يغلقَه بوجه عبدٍ قصدَه مُخلصًا، فطريقُ الرذائلِ وإنْ كانَ تنازليًا، بل هو عبارةٌ عن سقوطٍ في الهاوية، ولكنّ ذلك لا يمنعُ الفردَ من أنْ يتشبَّثَ بحبلِ التوبة، وسُلَّمِ الرأفةِ والعطفِ والعفوِ الإلهي. عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: إِذَا تَابَ الْعَبْدُ تَوْبَةً نَصُوحاً أَحَبَّه اللهُ، فَسَتَرَ عَلَيْه فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ. فَقُلْتُ: وكَيْفَ يَسْتُرُ عَلَيه؟ قَالَ (عليه السلام): يُنْسِي مَلَكَيْه مَا كَتَبَا عَلَيْه مِنَ الذُّنُوبِ، ويُوحِي إِلَى جَوَارِحِه: اكْتُمِي عَلَيْه ذُنُوبَه، ويُوحِي إِلَى بِقَاعِ الأَرْضِ: اكْتُمِي مَا كَانَ يَعْمَلُ عَلَيْكِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَيَلْقَى اللهَ حِينَ يَلْقَاه ولَيْسَ شَيْءٌ يَشْهَدُ عَلَيْه بِشَيْءٍ مِنَ الذُّنُوبِ. »

اخرى
منذ شهر
76

أوراقٌ عقائدية(138)

أوراقٌ عقائدية(138) الإمامُ الأولُ بعدَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)(7) "........ثم قالَ لهم بعدَ أنْ شبعوا من الطعامِ ورووا من الشراب: "يا بني عبدِ المطلب، إنَّ اللهَ بعثني إلى الخلقِ كافة، وبعثني إليكم خاصة، فقالَ (عزّ وجل): "وانذرْ عشيرتك الأقربين"(1)، وأنا أدعوكم إلى كلمتينِ خفيفتينِ على اللسان ثقيلتينِ في الميزان، تملكونَ بهما العربَ والعجم، وتنقادُ لكم بهما الأُمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار، شهادةَ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنّي رسولُ الله ، فمن يُجيبُني إلى هذا الأمرِ ويؤازرني عليه وعلى القيامِ به يكُنْ أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي، فلم يُجِبْ أحدٌ منهم. فقالَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): "فقُمتُ بينَ يديه من بينهم -وأنا إذ ذاك أصغرُهم سنًا، وأحمشهم ساقًا، وأرمضهم عينًا- فقلت: أنا -يا رسولَ الله- أؤازرك على هذا الأمر. فقالَ: اجلسْ، ثم أعادَ القولَ على القومِ ثانيةً فاصمتوا، وقُمتُ فقُلتُ مثلَ مقالتي الأولى، فقال: اجلسْ. ثم أعادَ على القومِ مقالتَه ثالثةً فلم ينطقْ أحدٌ منهم بحرف، فقلتُ: أنا أؤازرك -يا رسولَ الله على هذا الأمر، فقال: اجلسْ، فأنتَ أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي" فنهضَ القومُ وهم يقولون لأبي طالب: يا أبا طالب، ليهنك اليوم إنْ دخلتَ في دينِ ابنِ أخيك، فقد جعلَ ابنَك أميرًا عليك… وهذه منقبةٌ جليلةٌ اختصَّ بها أميرُ المؤمنين (عليه السلام) ولم يشركه فيها أحدٌ من المُهاجرين الأولين ولا الأنصار، ولا أحدٌ من أهلِ الاسلام، وليسَ لغيرِه عدلٌ لها من الفضلِ ولا مقاربٌ على حال، وفي الخبرِ بها ما يُفيدُ أنَّ به (عليه السلام) تمكّنَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) في تبليغِ الرسالة، وإظهارِ الدّعوةِ، والصدع بالإسلام، ولولاه لم تثبتِ الملّة، ولا استقرّتِ الشريعة ولا ظهرتِ الدعوة. فهو (عليه السلام) ناصرُ الإسلام، ووزيرُ الداعي إليه من قبلِ الله (عزّ وجل) وبضمانِه لنبيِّ الهُدى (عليه السلام) النُصرةَ تمَّ له في النبوةِ ما أراد، وفي ذلك من الفضلِ ما لا توازنُه الجبالُ فضلًا، ولا تعادله الفضائلُ حلمًا محلًا وقدرًا"(2). ـــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الإرشاد, الشيخ المفيد, ج 1, ص 48 – 51

اخرى
منذ شهرين
64

العسكري بين الوداع و الأنتظار

مع الدقائق الأخيرة لوداع الإمام العسكري عليه السلام لابنه الوصي.. ترنو العيون..حزنا بتسليم للفراق.. لحظات امتزج فيها ألم الفراق و وحشته.. بأمل اللقاء.. بروح الأنتظار.. لهذا الموعود.. بداية النهاية.. قل جاء الحق و زهق الباطل.. إن الباطل كان زهوقا

اخرى
منذ شهرين
74

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
138829

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
127630

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
83006

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77212

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
76899

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
71393