دمعة ياسمين

فكرة القصه مستوحاة من قصة حقيقية بقلم :نرجس مرتضى الموسوي والكاتبةالمغربية:إيمان مصطفى الحسن أتقن الردى قبضته، تسابقت نبضات قلبي وأصدرت حفيفا مع أنفاسي، القشعريرة سرت بجوارحي حين هوت روحي تلهث من شاهق كالبرق لتتحد مع جسدي، انتشلني صوت أمي من الوجل الذي انتابني من الكابوس الغامض: -فاطمة..فاطمة، هيا انهضي حان وقت صلاة الفجر، وكأن الملائكة ستدنو منك لتسحرينا بصوتك الشجي، وتروينا بآيات القرآن. -سمعا و طاعة أمي. و بعدها نادت أمي مردفة: -تقبل الله بنيتي، سوف أجمع الحطب لأشجر التنور حتى تعدي الخبز، وسأذهب لأحلب البقرة ونعد الفطور ليذهب أبوك إلى عمله في البستان. -حاضر سوف ألحق بك بعد قليل. دنوت من تلك المرآة التي كانت تقطن في ذلك الدولاب الذي أكل الزمن منه و شرب، تكسرت صورة الزمن وأنا أرى لون عيني الذي سلبته من غابة النخيل، وأمشط ضفائر الليل بلمعان النجوم، تلبدت السحب وجهي الذي تلاطمت عليه أمواج الديجور، استنفرتني رعشة الشتاء القارص، كنت بين ألف طيف أضمد حلمي الذي أحرقته أمي بسبب الفقر، شممت شواء كتبي المدرسية، فلم نملك المال لعلاج أخي ذي الست أشهر وعانقت روحه السماء، قطعت أشجارعمري ثلاثون عاما مرت فلا أعلم هل سأتذوق الربيع أم سيمزق الخريف زهوري. ففي ليلة من الليالي كأن السماء صبت لعنتها على الأرض، والظلام يثأر عن الكون والشمس انطفأت، الرياح تولول من كل حدب وصوب ولا نسمع سوى زئيرها المخيف، الأمطار تهطل بغزارة، المياه تتسابق في السواقي، وعلى حين غفلة توالت طرقات متوالية على الباب، وثب والدي متثاقلا بعد أن أنهكه العمل في البستان، فتح الباب وإذا بامرأة في العقد الخامس من العمر، ترتعش كغصن خاو، عيناها العسليتان كادت أن تفر هربا من زمهرير البرد، من معطفها الفرو لاحت عليها بوادر الثراء صوتها يأخذك إلى عمق روحها الهادئة.ظهر من طريقة حديثها أنها ليست من العراق، أو من محافظة أخرى فلهجتنا تختلف من مكان لآخر. أصابنا الذهول لأننا لم نفقه ما تقول ولأني تعلمت القرآن في مسجد بعيد عن بيتنا فأنا أتقن اللغة العربية. - وعليكم السلام. لطفا سيدتي تفضلي إلى الداخل، تحدثي رجاءً بالفصحى لكي نتمكن من فهمك، لعلنا نستطيع أن نخدمك بشيء.. - اسفة بنيتي، أنا مغربية مستقرة في العراق منذ عشرين سنة، زوجي رحمه الله كان رجل أعمال يعمل في هذا البلد، وترك لي ضيعة هنا في القرية، آتي لها لأستمتع بهدوء الطبيعة، لكن الشتاء والظلام غلبني، وعلقت سيارتي في الوحل، أحتاج المساعدة منكم، لأنني لم أستطع الاتصال بولدي لانعدام الشبكة.. رد أبي متفهما ومواسيا: - أختي لن نستطيع فعل شيء الآن، عندما يتوقف المطر سوف نكون بخدمتك، أنت ضيفة عندنا اليوم، لدي هاتف نقال صغير اتصلي بولدك منه.. نظر إلى والدتي .. - تعالي يا أختي سوف نعطيك الثياب فسوف تمرضين .. قدمنا لها بعض الخبز والثمر كانت الغبطة تفيض من عيونها امتنانا لنا. .......... لطالما حلمت أن أكون رجل أعمال مهم، وهذا ما حدث بالفعل، عشت حياة الغنى و الترف بكل ما تحمل الكلمة من معنى، لقد بالغت أمي في تدليلي نظرا لكوني الأصغر بين أولادها، سافرت إلى الخارج لأكمل دراستي و تعرفت على أصدقاء سوء، أصبحت حياتي كلها سهرات، علاقات غير شرعية مع النساء، و كل ما يخطر على البال، كنت شابا طائشا لا أنكر ذلك، مات والدي بعد تخرجي مباشرة، ذلك الرجل المكافح الذي تشهد بصلابته الصخور، العصامي الفذ الذي كان يقاتل ليجعل مني رجلا يعتمد عليه، فعلا لقد نجحت في حياتي ماديا و صرت من أغنى الأغنياء في البلد، لكن لم أستطع أن أصير سعيدا، فأنا يتيم السعادة.. في ليلة من ليالي الشتاء الباردة عدت متأخرا كعادتي للبيت، توجهت للمطبخ لأجد رسالة من أمي على الثلاجة، مكتوب فيها:" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا بني، لقد ذهبت للضيعة، اهتم بنفسك.." عقدت حاجبي بضيق، ورميت باستنكار الورقة في سلة المهملات، أمي تحب تلك الضيعة، ذكريات مخلدة زرعتها مع والدي هناك، كنا عائلة سعيدة لا ينقصها شيء، لكن ما لبث أن تشتتنا بعد موت والدي، وهاجر كل إخوتي بعد حصولهم على الميراث، ونسوا الأم الأرملة تحيك ثوب الحداد قهرا ووحدة.. صعدت لغرفتي وبينما أنا أمام المرآة أتأمل هالات عيني البندقيتين وسارح أتلمس شعري المجعد، وحينما كنت أغير ملابسي، وضعت ساعتي الغالية الثمن فوق المنضدة، فإذا بضربة رعد زلزلت المكان، فقطع التيار الكهربائي على مضض، جلست على الأريكة المركونة بزاوية الغرفة قرب النافذة و بقيت أردد "سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته". تذكرت أمي المسافرة في مثل هذا الجو المكهرب، وقلقت عليها، حاولت الاتصال بها مرارا وتكرارا بدون جدوى، ظللت أراقب قطرات المطر تنهمر بسخاء على زجاج نافذتي وتحمل مع كل قطرة ذكرى، ومع كل غيمة قطوف حياة.. يتبع........

اخرى
منذ 3 أسابيع
21

الذكاء العاطفي

الذكاء العاطفي  بقلم : وجدان الشوهاني   في ظل عواصف المشاكل الأسرية والاجتماعية والشخصية التي تعصف بالكثير منّا  ممّا يجعل الحياة صعبة نوعاً ما عند البعض ، نحاول بين الفينة والأخرى البحث عن قشة يتمسك بها هؤلاء حتى تنجيهم من الاثار السلبية لتلك العواصف . ترى ماذا نحتاج للخروج من مشاكلنا؟  وحقيقة وعند البحث عن الشخصيات الناجحة ، التي لفتت انتباهنا ؛ لإنه لا يعقل أن تكون تلك الشخصيات خالية تماماً من المشاكل , وهذا ما دفع فضولنا  للوقوف على سر نجاحها ، محاولين  معرفة ما يتمتع به هؤلاء للخروج من تلك العواصف بأقل خسارة ممكنة، فهم قشة النجاة. فمع تفاوت البشر في مستوى علاقاتهم مع الاخرين،ونجاحهم في العمل  وقدرتهم على القيادة ،وغيرها من أمور ترتبط بشخصيتهم، وجدنا إن الشخصيات الناجحة تمتلك حالة من التوزان في حياتهم مما يجعلهم شخصيات تمتلك جاذبية خاصة،يتهافت الكثير للحديث معهم مما يجعلهم بارزين في المجتمع ، بل يصل الأمر إلى اتخاذهم مرجعاً لإرباب المشاكل بغية الوصول إلى حل لمشاكلهم ، وهو ما يعتبر أمر إيجابي ولكنه لا يكفي للخروج من عواصف المشاكل ، فلابد أن نبحث عن أسرار نجاح تلك الشخصيات لكي نسير على خطاها.  والحقيقة إن السر من وراء نجاح هؤلاء هو إنهم  يمتلكون ذكاءً عاطفياً ،بمعنى إنهم يملكون قدرة على إدارة مشاعرهم ومشاعر الآخرين ،تلك القدرة التي يسميّها البعض بالمهارة ، وهذا يعني إننا اليوم بحاجة ماسة للذكاء العاطفي ليس لنكون أشخاص تمتلك جاذبية وإنما لنعيش بسلام ذاتي مع إنفسنا ومع الاخرين، ومن هنا حتى يمتلك الإنسان ذكاءً عاطفياً ،لابد من معرفة المكونات الأساسية له. فالذكاء العاطفي يتكون من إدراك الإنسان بذاته وقدرته على إدارة تلك الذات كما إنه يملك إدراك بالمجتمع والقدرة على إدارة العلاقات الاجتماعية، فالذكاء العاطفي يبدأ من نفس الإنسان وينتهي عند المجتمع ،فمتى ما تفاعل الإنسان مع مشاعره وحقق حالة التوازن فيما بين تلك المشاعر سواء كانت مشاعر فرح أو حزن ،أمكن أن يسخّر العاطفة لخدمة الأهداف التي ينشدها ،ومن ثم تحقيق حالة التوزان في المجتمع من خلال تسخير نفس العاطفة لجذب الاخرين له ،وخلق علاقات طيبة مع مَن حولهم، والسبب في ذلك هو إن ذكاءهم العاطفي أوصلهم إلى حالة يتمكنون فيها من التأثير في الأفراد من خلال حسن إدارتهم لعاطفتهم  ولعواطفهم .  ومن هنا نفهم إن الشخصيات الناجحة تمر بأنواع المشاكل المختلفة بلا فرق بينها وبين غيرهم سوى فرق واحد ،وهو إنها تمتلك وعي عاطفي يمكنها من خلاله تحديد نوعية المشاعر التي تعتريها وتمر بها ومن ثم تسخيرها لخدمة الأهداف التي ينشدها ، بحيث لا يجعلون مشاكلهم التي تمر بهم تؤثر سلبا على سلوكياتهم وإدائهم، وهو ما يجعلهم قادرين على إدارة وضبط عواطفهم مع اهدافهم المنشودة،كما يجعلهم قادرين على ضبط عواطف الاخرين، وهذا هو سر انجذاب الكثير لأصحاب الشخصيات الناجحة .  فالأشخاص الذين يتمتعون بذكاء عاطفي لهم قابلية القيادة والتعاون مع الاخرين و التأثير وتذليل الصعوبات والمشاكل التي تعتري الإنسان، وهذا هو ما نحتاجه اليوم للخروج من مشاكلنا، ويمكن معرفة الاشخاص الذين يمتلكون ذكاء عاطفي من خلال بعض السمات التي يمتاز بها اصحاب الشخصيات الناجحة والتي منها : الانفتاح والتسامح والصدق والابتسامة الدائمة وغيرها من سمات يتحلى بها من يمتلك ذكاء عاطفي، فالوقوف عند المشكلة من دون تسامح يجعل الحل صعب والملامح الحزينة التي لا يحاول البعض اخفاءها وكإنما يريد أن يحمّل المجتمع سبب الحزن لا ينهي الحزن ؛ ولذا ما نحتاجه اليوم ، هو إدارة مشاكلنا بوعي عاطفي ، لا نقول لتنتهي المشاكل وإنما لتذليلها وخلق حالة التوازن في حياتنا لنعيش في سلام ذاتي.

اخرى
منذ 3 أسابيع
21

الخطاب الديني بين الواقع والطموح

الخطاب الديني بين الواقع والطموح بقلم : وجدان الشوهاني مشكلةٌ باتتْ تؤرّق الكثيرين من أصحابِ الفكر السليم، تلك هي الخطاب الديني ، الذي كان يعتبرهُ المجتمع في وقتٍ غير بعيد ملاذاً آمناً يلجأُ لهُ في كلِّ حين ، لنستفيقَ على رؤيةٍ جديدةٍ مغايرة لما كانتْ سابقاً، فواقع الخطاب الديني اليوم  مزري بسبب ذلكَ التزمت الذي يتعاملُ بهِ البعض المحسوب على الدين ، والذي يمتاز عن الخطاب المعتدل والسليم بإمكانياته المادية وإعلامهِ القوي الذي يبثّهُ عبرَ السوشل ميديا وبعضُ القنوات المأجورة واستغلالهِ لبعضِ العقول الساذجة التي تعمل على تسويقه للمجتمع على إنّهُ الدين، ممّا تركَ أثراً سلبياً  فما عاد المجتمع يطيق الدين ، لدرجةِ عدم صمود الخطاب المعتدل وإنْ صمدَ فبشقِ الأنفسِ، أمام  عواصف المشاكل التي لا تنتهِ ، والتي تعصفُ بنا بين  الفينةِ والفينةِ  لتجرفَ المجتمع بعيداً عن دينهِ وقيمهِ وأخلاقهِ ، ولكنَّ هذهِ المرة العاصفةُ شديدة ، وكأنّها تريدُ أنْ تنالَ منَ الدين على وجهِ الخصوص. فكيف أمكنَ للملاذِ الآمن أنْ يكونَ مشكلة ، وكيف حصلَ أغلبُ المجتمع على قناعةٍ بإنَّ  السببَ الذي يقفُ خلفَ مشاكلهِ هو الدين ، وكيف تمكّنوا من تعميمِ بعض السلبيات وجعلها صفةً لكلِّ الخطاب الديني، وكيف صمَّ البعض آذانهم عن الخطاب المعتدل. أسئلةٌ تحتاجُ أنْ نكشفَ النقاب عنها ،لنتعرفَ على الحقيقة التي تغاضى البعض عنها لأسبابٍ واهية ، والتي قد تضاف إلى تلكَ الأسباب وتكون سبباً آخر في بروز ذلك الخطاب وتعميق حجم المشكلة ، حتى وصلنا إلى حالةٍ أشبه بمن يقف على حافة جرفٍ هار. فتزمّت الخطابُ الديني لم يأتِ من فراغ ، وإنما كان بسبب بعض مَن انتسبوا للدين والدين منهم براء، وهذا ما يجب الإنتباه له ،لأنَّ مفتاح الحل يبدأ منه . فاؤلئك البعض الذي يتكلم باسم الدين تحتَ عنوان الإصلاح  بطريقة تنفّرُ المجتمع حتى مِن الأحكام الدينية الصحيحة ،  فيُدخلون هذا إلى النار ويُخرجون ذاك من الجنة ، من دون أن يكلّفوا أنفسهم ولو قليلاً لسماع المجتمع الذي تمَّ فتح كلَّ أبوابِ التواصل مع العالم الاخر وبكلِّ سهولة أمامه ، وأصبح يرى العالم الاخر وهو يعيش الأمن والسلام والحرية مع أنهُ بعيد عن الدين ، في حين أنهُ يعيش حالة الترهيب التي يقومُ بها أؤلئك المتزمّتين ، فما كان منهم إلّا أن يلقوا باللائمة على الدين . فتلك الأحكام التي يُرجم بها المجتمع وإنْ كانتْ في بعض الأحايين صحيحة ؛ ولكنَّ الدين لا يمنع من التعرف على حقيقة المشكلة للعلاج ، فرجم الانحراف لا ينهيهِ ، وإنّما معالجة اسبابهُ هي التي تكفل النهاية لذلك الانحراف. فذلك الخطاب المتزمّت ،جعلنا وسط مجتمع يحقد على الدين ويتهمهُ بالتعصب والتزمّت والجمود على أحكامٍ بدأ يصفها بالبالية والتي لابد أن تتجدد وفق ما تراه أمزجتهم . فبين واقع الخطاب اليوم ،وطموح يكاد يقتل القلة من  أصحاب الفكر السليم  ، نحتاج أن نرى المجتمع بعين حكيمٍ . فلا ينكر أي عاقل إنّ مجتمع اليوم وبعد هذا الانفتاح الواسع والخالي من أي رقابة أسرية أو حكومية واللذان يُعدان سببان رئيسيان يضافان لذلك التزمّت ، بات يتأثر بكلِّ ما يأتيهِ عبر هذا الانفتاح ، مما أدى إلى إصابتهُ بالصمم ، فكان سبباً في عدم إنصاتهِ إلى الوعاظ ، رغم  إن حركة الخطاب الديني اليوم تشهد تكاتف جميع التوجهات الإسلامية على بث الموعظة عبر خطابها الديني وبشكلٍ كبير  جداً ، ولكن من دون جدوى، للأسباب المذكورة آنفاً. بينما نجد إن حالة الصمم هذه تذوب بشكل كلي أمام الانفتاح وكأن المجتمع بدأ يرى سلامته في ذلك الانفتاح رغم إنه حمل معه فايروسات الإلحاد والانحراف الأخلاقي وبدأ يجتاح المجتمع بشكل مهول. ومن خلال تلك العين التي دققتْ في نظرتها للمشكلة لابد من علاج ، والعلاج يكمن في تغيير الخطاب بما يتلائم مع واقع المجتمع ، فلقد بات الأمر ضروريا في كسر ذلك الحاجز الكونكريتي بين المتدينين  المجتمع ، ولا يكون ذلك إلا إذا نزل الوعاظ إلى الشارع وتعايش مع مجتمع اليوم وشاركهم أفكارهم ليتعرف على الأسباب و طريقة التفكير تلك التي جعلته يكره الدين ، ليتمكن من تغيير ملامح الخطاب بما يتناسب مع تفكير المجتمع ، ولا يفهم أحد إننا نريد تغيير الأحكام الدينية لإنها ثابته ،وإنّما نعرضها بطريقة أخرى تلائم واقعنا ، فالترغيب له اشكال متعددة ، فأين الضرر أن تمكنّا من ترغيب المجتمع بالدين باشكالٍ متحضرة. فلنحاول الاقتراب من مجتمعنا عبر الخطاب اللين والذي يحمل معه الرحمة والرأفة ، فلنتشارك مع شبابنا فيما يقرأون أياً كان  ، لنعرف كيف يفكر الشباب وكيف يحلّل الأمور ، ولنتمكن من إبعاده عن المهالك عبر طرق إقناعية بعيدة عن المصطلحات المنفرة ، ولننزل إلى الشارع والجامعات وغيرها من الأماكن التي يلتقي بها كل فئات المجتمع ، ونصنع منبراً دينياً هناك ولكن بعيداً عن التشدد وتصويب أصابع الإتهام ، والمطالبة بإغلاق أماكن الترفيه بالقوة فكل ذلك يزيد من كره المجتمع للدين ، ولنتذكر دائما فرعون وكيف إن الله سبحانه وتعالى عندما أرسل موسى (عليه السلام) أمره أن يتعامل مع فرعون باللين. والنتيجة إننا نطمح أن نقترب من مجتمعنا في خطابنا الديني لنحميه ، فهم أمانة في اعناقنا. ليبقى الدين هو الملاذ الآمن

اخرى
منذ 3 أسابيع
21

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(69)

فوائدُ من كلماتِ العِترةِ الطاهرة(69) رويَ عنِ الإمامِ علي (عليه السلام): "عقوبةُ العُقلاءِ التلويح، عقوبةُ الجُهلاءِ التصريح"(1) ....... يُشيرُ الإمامُ (عليه السلام) إلى أنَّ العاقلَ إنْ أردتَ مُعاقبتَه أو مُعاتبتَه فما عليكَ إلا أنْ تُلوِّحَ له بسوءِ ما عملَ وتُبدي له الإشارةَ من دونِ أنْ تُصرِّحَ له بما عملَ من زللٍ في القولِ أو الفعل، فإنَّ ذلك أوجعُ له وأوقعُ عليه من أنْ تُصرِّحَ له بذلك. على حين تكونُ عقوبةُ الجاهلِ وعتابُه من خلالِ التصريحِ لا التلويحِ وبيانِ سوءِ ما عمله من قولٍ أو فعلٍ؛ فإنّه أنفعُ له وأوقعُ عليه من التلويحِ والإشارةِ. فما يصلحُ شأنَ الجاهلِ بحسبِ بيانِ الإمامِ (عليه السلام) هو الصراحةُ في التعبيرِ ولا يُناسبُه غيرُ ذلك، والتعبيرُ من قِبَلِ الإمامِ بالعقوبةِ ظاهرٌ في ورودِها موردَ الإصلاحِ والتأديبِ وليس لأجلِ التشفّي به والتعدّي عليه بلا هدفٍ وغايةٍ، بل يأتي ذلك في سياقِ تأديبِ الذاتِ وهدايتِها لما فيه خيرُها وصلاحُها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) غرر الحكم 6328

اخرى
منذ 3 أسابيع
13

امرأةٌ غيّرت مسارَ رجل

امراةٌ غيّرتْ مسارَ رجل بقلم: وجدان الشوهاني نَغوصُ في بطونِ الكتبِ بحثاً وتنقيباً، ففي قاموسِ عاشوراء العجيبِ حقائقُ جمّةَ لعطاشى القيمِ ،ينهلونَ منها كأساً تلو كأسٍ مِنْ غيرِ شبع ،فما إنْ تفتحَهُ حتّى ترى عجائباً تقفُ أمامَها مذهولاً، مرةٌ لإنّنا نَسمعُ بها للمرةِ الأولى، وأخرى لإنّنا نتعرّفُ على حقيقةٍ تُعيدُ فينا الحياةَ، أوْ قلْ نُعيدُ مِنٌ خلالِها حساباتَنا بإنفسِنا. ومِن تلكَ العجائبِ هيَ "دِلهم". تلكَ المرأةُ التي غيّرتْ مسارَ رجلٍ يَحملُ هوىً أموياً حدَّ النخاعِ ، لِيَكونَ حسينيّاً يفدي الحسينَ بروحهِ. كيفَ ؟! لِنفتحَ القاموس ونبدأُ رحلتَنا في البحثِ، ونقفُ مطولاً عندَ موقفِ "دلهم" لِنَجدَ أنفسَنا  وكأنّنا نقفُ أمامَ بحرٍ محاولينَ الغوصَ فيهِ لِنرى عجائبَ ما يحمُلهُ ، فَلقدْ كانتْ خيرُ زوجةٍ ل " زهيرِ بن القين" ذا الهوى الأموي ، حتّى جعلَهُ هواهُ أنْ يتخذَ طريقاً مغايراً لطريقِ الحسين ولمْ يكنْ قرارهُ مِنْ محضِ الصدفِ، بلْ عنْ قصدٍ ، ولكنّها الإرادةٌ الإلهيةِ التي كانَ لها رأيٌ آخر. فلقدْ كشفتْ إرادةُ الله (تعالى) عنْ امرأةٍ تدفعُ زوجَها للخيرِ ، وتحثّهُ على تغييرِ قرارهِ التي أيقنتْ إنّهُ خاطيء ، ولكنْ حبّها لزوجِها لمْ يجعلْها تخالفهُ، فكانتْ الإرادةُ الإلهيةِ هيَ العونُ الذي لعلّهُ جاءَ بدعاءِها لزوجِها بالخيرِ . تلكَ الإرادةُ التي جعلتْ مخيّم الحسينِ قريبٌ مِنْ مخيّمِ زهيرِ بن القين ، فأرسلَ الحسينُ رسالةً معَ غلامِهِ لزهيرِ بن القين يدعوهُ للقاءِهِ،  ولكنْ زهير ما زالَ عندَ قرارهِ الخاطيء،  وهنا كانَ ل " دلهم"  موقفٌ يُحسبُ لها لتدوّن اسمها مِنْ خلالِ هذا الموقفِ في قاموسِ عاشوراء . فالمبعوثُ الحسيني كانَ القشّةُ التي تعلّقتْ بها " دلهم " لتحثَّ مِنْ خلالِه زوجُها إلى اجابةِ  الحسينِ ، فليسَ في لقاءِ الحسينِ خسارةً. فعلى أقلِ التقاديرِ ستحظى برؤيةِ نورِ وجهِ الإمامِ ، وكأنّها بذلكِ الأسلوبِ ترسمُ خطةً محكمةِ لزوجِها لِينالَ رضا اللهِ ورسولِهِ بدلاً مِنْ رضا الشيطان وبني أمية . تلكَ الخطةُ التي بدأتْ برؤيةِ نورِ وجهِ الإمامِ  وهيَ تعلمُ إنّها رؤيةٌ ستحملُ معها خطةَ تغييرِ مسارَ زوجِها الحبيبُ لإنّها عارفةٌ بحقيقةِ الحسين وكونُهُ إمامُ زمانِها ومتيقّنةٌ بتأثيرهِ بزوجِها لمجردِ اللقاءِ، وعارفة بزوجِها ومتيقّنةٌ أيضاً بأنّهُ يحملُ في داخلهِ ولاءً مغفولاً عنهُ، فبنتْ خطّتَها مِنَ أقلِ التقادير ليقتنعَ " زهير " بكلامِها ،ويذهبُ لذلكَ اللقاءِ الذي لولا حثُّ " دلهم " لما حصلَ. فما أنْ ذهبَ حتّى عادَ لها معلناً تغييرَ هواهُ الأموي إلى هوىً حسينياً ، لتكونَ " دلهم " المرأةُ التي غيّرتْ مسارَ زوجِها،   فكانتْ سبباً في جعلِ " زهير بن القين " ناصراً ضمنَ صفوفِ معسكرَ الحسين يفديهِ بروحهِ ليسقطَ شهيداً بينَ يدي الحسين. قاموسٌ عجيبٌ ، والأعجبُ هوَ موقفُ تلكَ المرأةَ الذي خلّدها حتّى اصبحتْ ضمنَ ذلكَ القاموس، ومعَ سيدةِ العفافِ مولاتنا " زينب " لِتشاركها المصاب ، وتفدي إمامَ زمانِها بحبيبِ قلبها " زهير بن القين" فكم منّا ك " دلهم " يمكنُها أنْ تغيّرَ مسارَ رجالٍ ليكونوا ضمنَ أنصارِ الحجة بن الحسن (عج ). لنتعلم مِنْ " دلهم" تغييرِ المسارَ، علّنا نكونَ ضمنَ قاموسِ الإمامَ الحجة (عج ) معَ أنصارهِ.

اخرى
منذ 3 أسابيع
10

على ضفافِ الانتظار(11)

على ضفافِ الانتظار(11) بقلم: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي أشدُّ الأعداءِ وأسلحةُ المنتظِر الحقُّ والباطل، اثنينيةٌ واقعيةٌ لا يُنكرها عاقل. جذورُ الباطلِ امتدّتْ في الماضي السحيق، كما الحق، فإبليسُ توعّدَ آدمَ وذريتَه بالإغواءِ ونحنُ لمّا نُخلقْ بعد، وآياتُ بدءِ خلقِ البشر تحكي ذلك بوضوح.. قال (تعالى): "وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً. قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً" وهكذا هي السنةُ في الحياة، قال (تعالى): "وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفىٰ بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً" العقيدةُ المهدويةُ لم تسلمْ من الضد، والعدو، والمنافي، حالها حال أيّ عقيدةٍ حقّة، والعداوةُ لها مُتجذِّرةٌ في أعماقِ النفوسِ التي أبَتِ الانصياعَ إلى دينِ الحق، بدءًا بأولِ من أسّسَ أساسَ الظلمِ والجورِ على أهلِ البيت (عليهم السلام). يقولُ الإمامُ الصادق(عليه السلام) فيما رويَ عنه: «إنّا وآل أبي سفيان أهلُ بيتين تعادينا في الله، قلنا: صدقَ الله، وقالوا: كذبَ الله. قاتلَ أبو سفيان رسولَ الله (صلى الله عليه وآله)، وقاتلَ معاويةُ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، والسفياني يقاتل القائم (عليه السلام)» . وهذا معناه: أنَّ هذين الخطّين ما زالا علىٰ شاكلتهما، ولا ينقطعان أبدًا. وعليه: فإنَّ أعداءَ القضيةِ المهدويةِ هم بالتالي أعداءُ المؤمنين بها، وأنّ عداوتَهم تختلفُ على درجاتٍ مُتفاوتة، ولعلَّ أشدَّ الأعداءِ هم: أولًا: من يُحسنون حياكةَ الكلامِ الباطلِ بحيث يحسبُه الظمآنُ ماءً، ويحسبُه الباحثُ حقًا، ممّا يشوشون به على المؤمنين، وهو باطلٌ مُبتنٍ على شبهات. ويدخلُ ضمنَ ذلك الإعلامُ المُضلِّل، بقنواته المُتنوعة، الذي يستعملُ أنواعَ الأكاذيبِ والخُدَعِ من أجلِ إيصالِ الفكرةِ إلى الجمهور. من حديث رسول الله رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي، هلاك أمتي على يدي [كل] منافق عليم اللسان. ثانيًا: من يعملون على التصفيةِ الجسدية لأتباعها. ثالثًا: من يدعمون ذينك الصنفين بالمالِ والحمايةِ اللازمين. أمامَ هذا الواقع، هل من أسلحةٍ للمؤمن؟ الجواب: إنَّ أسلحتَه تكمنُ في: أولاً: الدُعاء والتوسُّل إلى اللهِ (تعالى) بأنْ يحفظَ للمؤمنِ دينَه، وأنْ لا يبتليَه فيه، وأنْ يوفِّرَ له الظروفَ المناسبةَ للبقاءِ على الحق، والابتعادِ عن الباطل، وعدمِ الانزلاقِ في مهاوي الباطلِ والشبهات، وعدمِ الانخداعِ بمظاهرِ النفاقِ المتلبسةِ بلباسِ الدين. ثانيًا: دراسة المبادئ الاعتقاديةِ وترسيخ أدلتها بالأدلةِ القطعيةِ اليقينية، الأمرُ الذي يعني تجذُّرَ العقيدةِ المهدويةِ في نفسِ المؤمن، وقدرتَه على الدفاعِ عنها، وكشفَ الشبهاتِ المطروحةِ ضدّها، وهدايةَ طالبِ الحقيقة فيها. ولا شكَّ أنَّ الرجوعَ إلى المُتخصِّصين في العقيدة، له من الأثرِ الإيجابي ما لا يُنكِرُه عاقل. ثالثًا: اتّباع المرجعيةِ الدينيةِ المؤتمنةِ على الدين والدنيا، لما تمتلكه من حنكةٍ وبعدِ نظرٍ يرسمُ الخطواتِ المنهجيةَ للمواجهة، والتي قد تكونُ هي المواجهةَ المسلحة، كما في فتاوى الجهادِ التي أصدرَها علماءُ الطائفةِ الحقّةِ أمسِ واليوم، وقد تكونُ هي التكاتفَ والتكافلَ المادي، وقد تكونُ غيرَها كما تراه المرجعيةُ مُناسبًا.

اخرى
منذ 4 أسابيع
23

كوني زهراءَ زمانِك..

كوني زهراءَ زمانِك.. بقلم: نرجس مهدي الكلامُ يكشفُ عن حقيقةِ الإنسانِ ونواياه، بل ويُقيّمُ عقلَه، شخصيتَه وذكاءه.. رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "تكلّموا تُعرفوا؛ فإنَّ المرءَ مخبوءٌ تحتَ لسانه"(١) وهناك كلماتٌ أحدثتْ ثورةً وتغيُّرًا في صفحاتِ التأريخ، رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "رُبَّ كلامٍ أنفذُ من سهام"(٢) فالكلمةُ الصادقةُ لها وقعٌ تصلُ هدفَها ولو بعد حين.. هذا إذا كانَ المُتحدِّثُ إنسانًا عاديًا، فكيفَ إذا تحدّثتْ من يرضى اللهُ (تعالى) لرضاها، ويغضبُ لغضبها؟ لقد كانتِ الخُطبةُ عند العرب الوسيلةَ الإعلاميةَ المهمّة، لها أثرٌ كبيرٌ في نفوس المُتلقين، والعربُ كمُجتمعٍ وحضارةٍ حفظوها وتناقلوها، واحترموا وكرّموا من يُلقيها؛ لتأثيرِها الكبيرِ في تغييرِ مُجرياتِ الأمور، وتصحيحِ ما اعوجَّ منها. فعظيمةٌ كالزهراء (عليها السلام) وحدها من يليقُ بها أنْ تكونَ سيّدةَ نساءِ العالمين من الأولين والآخرين.. وحدها من تليقُ بها تلك الألقابُ التي حظيتْ بها من والدِها حبيبِ إلهِ العالمين.. خُلقِتْ لتكونَ قدوة، وهي من أولياءِ اللهِ (تعالى) المُقرّبين الذين اعترفتْ لهم السماءُ بالعَظَمةِ والرِفعة، ونزلتْ في حقِّها آياتٌ بيّناتٌ تُتلى إلى يومِ الدين.. ولا يخفى على المؤمنِ المُتبحِّرِ في مُحيطِ السيّدةِ الجليلةِ فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها ألقتْ خطبتَها ذاتَ المضامين العالية، التي حيّرتْ ذوي الأفهامِ من رفيعِ المعاني التي حوتها، وهي بحدِّ ذاتِها مُعجزةٌ خالدة، آيةٌ باهرةٌ تدلُّ على عَظَمةِ الثقافةِ الدينية، وعذوبةِ المنطقِ وحلاوةِ البيان، ومتانةِ الدليل.. فمولاتُنا الزهراءُ (عليها السلام) مثالٌ للسيدةِ الرسالية، ما إنْ رأتْ كتابَ اللهِ (تعالى) لا يُعمَلُ به، وسُنّةَ النبيّ قد غُيّرتْ، وإمامَ عدلٍ قد عُزل حتى خرجتْ ثائرةً تصدحُ بصوتِها الملكوتي؛ لتُرجِعَ الحقَّ المُغتصَب، وتدافعَ عن إمامِ زمانها؛ لأنّها أيقنتْ أنَّ سكوتَ الأمّةِ عن نُصرةِ الحقِّ ومُهادنةِ الباطل معناه تلاشِي الدين، وضياعُ أُسُسِ الإسلامِ الرصينةِ التي أجهدَ تشييدُها والدَها طوالَ ثلاثة وعشرين عامًا.. صدعتْ بصوتِها بخُطبةٍ ارتجالية، لم تتهيّأ في كتابتِها بل تحدّثتْ وكأنّها تحفظُها عن ظهرِ قلب.. أدّتْ فريضةَ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المُنكرِ بكُلِّ حذافيرها، وأعطتْ للأُمّةِ صفعةً أعادتْ إليهم رشدَهم بمتانةِ يقينها، وضليعِ منطقِها، والتبحُّرِ في كتابِ اللهِ (تعالى)، ولم تتركْ للخُصماءِ مجالًا لينفذوا بكلامهم، بل تقذفُ بالحقِّ على الباطلِ فتدمغه، حتى أوصلتِ الرسالةَ بصريحِ بيانها، ودافعتْ عن إمامِ زمانِها بكُلِّ ما أوتيَتْ من حزم بالرغمِ من آلامها.. بالرغمِ من انكسارِ قلبها.. أخفتِ الزفرة، فصدعتْ بمنطقٍ مُستحكم.. فحريٌّ بالمؤمنةِ اليومَ أنْ تتسلّحَ بسلاحِ المعرفةِ وقوّةِ المنطق، لتكونَ مُستعدةً لمواجهةِ التياراتِ الخطرةِ التي يتعرّضُ لها المُسلمون عامة، والشيعةُ خاصة من قبل أهلِ الانحرافِ والتشكيك.. وأنْ تتأسّى بقدوتِها السيّدةِ الزهراءِ (روحي فداها) في ثقافتِها الدينية، وحجابها، وتربيتِها لأولادها، ودفاعِها عن إمامها.. هذه دروسٌ يجبُ أنْ تُحفَظَ عن ظهرِ قلب، ولأنّ لنا قدوةً كالسيدةِ الزهراء (عليها السلام)، فلا يليقُ بمُجتمعاتنا الإسلاميةِ أنْ تُبقي المرأةُ مُتقوقعةً في نطاقِها الضيّق، تبحثُ عن هوامشِ الحياة، تُضيّعُ وقتَها في توافهِ الأمور، بل عليها أنْ تقرأ وتتفقّهَ في دينِها، وأنْ تعرفَ كيفَ تتكلّمُ بالمنطقِ الصحيح؛ لتُدافِعَ عن دينِها وعقيدتها، وترسِّخَ مبادئ الإسلامِ الصحيحةِ في تربيةِ أولادِها وبناتها، وتجعلَ من بيتِ الزهراءِ (عليها السلام) منارًا لها يُرشِدُها إلى التعامُلِ الصحيح في بيتها.. جميعنا قرأ دُعاءَ الندبة، فيه عبارةٌ قد استوقفتني كثيرًا: "بعدَ أنْ شَرطتَ عليهم الزهدَ في درجاتِ هذه الدُنيا الدنيّة وزخرفِها وزبرجها فشَرطوا لك ذلك، وعلمتَ منهم الوفاءَ به، فقبِلتَهم وقرّبتَهم وقدَّمتَ لهم الذكرَ العليَّ والثناءَ الجليَّ..." إنَّ من الصفاتِ التي اتصفَ بها أهلُ العصمة الزهدَ عن ملذّاتِ هذه الدنيا الفانية، وكانتْ مولاتُنا الزهراءُ (عليها السلام) مصداقًا لذاك الزهد، وعدم الاكتراثِ بزينةِ الحياة، رضيتْ بالقليل، وقنعتْ بالعيشِ البسيط، بل وإنّها لم تكُنْ تُكلِّفُ زوجَها، ولا تطلبُ منه.. فعاشتْ عيشَ الفقراء، وهي ابنةُ سيّدِ الخلق.. حياتُها (عليها السلام) عبارةٌ عن دروسٍ عمليةٍ من المُمكنِ تطبيقُها اليوم، فلتقرأ النساءُ عن حياتِها ولتتبحّرْ في صعوبتها، ولتتعلّمَ كيفَ تكونُ عونًا لزوجها، لا وبالًا عليه لكثرةِ المُتطلبات.. ولا ترهقه بأمورٍ كماليةٍ غيرِ ضرورية، ولتجهدَ نفسَها في رضا زوجِها من أجلِ تحقيقِ الاستقرارِ والدفءِ الأسري .. مولاتُنا الزهراءُ (عليها السلام) بعُمقِ إيمانِها واجتهادها في بيتها نالتْ محبةَ إمامِ زمانِها ورضاه.. فكيفَ نجحتْ في أنْ تكونَ سندًا وعضدًا ومحاميًا بل وأمًا؟ وكيفَ استطاعتْ أنْ تُخفِّفَ آلامه وتُزيحَ همومَه، وتُضمِّدَ جراحَ فؤاده؟ إنّه ليسَ طريقًا إعجازيًا فحسب، ولا بالمددِ الغيبي فحسب.. بل هو بالجُهدِ التربوي، وهذا تأثيرُ الدورِ كما ينبغي أنْ يكون .. إنَّ مولاتَنا الزهراءَ (عليها السلام) فتحتْ لنا البابَ لنتعلّمَ منها.. ولنعلمَ عظيمَ المسؤوليةِ وحجمَ التأثيرِ الذي نحمله.. وهذا يكونُ أولًا مع إمامِ الزمان (عليه السلام)، ويُمكِنُ أنْ نوفّقَ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى) أنْ نكونَ بخدمته ونصرته وتضميدِ جراحاته، وفي تثقيفِ النفوس وإعدادِ الجيلِ المهدوي.. يا مؤمنات، ويا أيّتُها المُلتحقاتُ بركبِ دولتِه المُباركة.. إنَّ نقطةَ الانطلاقِ كانتْ من بيتِ الزهراء (عليها السلام)، فقد تحمّلتْ دورَها، وأدّته، ولم تتراجعْ.. أيّتُها الفاطمية، لقد كانتْ مولاتُنا فاطمةُ زهراءَ زمانِها، فاسعي لأنْ تكوني زهراءَ زمانكِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١..نهج البلاغة ٢..ميزان الحكمة

اخرى
منذ 4 أسابيع
38

ماذا لو 203

ماذا لو؟(203) بقلم: رضا الله غايتي ماذا لو سألك الإمام (عجل الله فرجه): لماذا أغمضتَ في طلبِ المالِ ولم تُميِّزْ بينَ الحلالِ والحرام والشُبُهات؟ ........ وُجِدَ المالُ لتحقيقِ وسائلِ العيش الكريم ومُقتضياته المادية، وهو بلا شك سببٌ في عِزّةِ مُلّاكه واستغنائهم عن لئامِ الناس، بشرطِ أنْ تَطيبَ وسائلُ كسبهِ، لا أنْ يكونَ مُكتسبًا بسُبُلٍ مُحرّمة _لا سمح الله_، بل إنَّ المؤمنَ حقًّا لا يكتفي بتركِ المُحرّماتِ وإنما يتوقّفُ عندَ الشُبُهات؛ خشيةَ أنْ تُفقِدَه توازُنَه شيئًا فشيئًا حتى تُصيّره إلى ركوبِ المعاصي أكثر ميلًا، فقد رويَ عن الإمامِ علي (عليه السلام): "إيّاكَ والوقوع في الشبهات، والولوع بالشهوات، فإنّهما يقتادانِك إلى الوقوعِ في الحرامِ وركوبِ كثيرٍ من الآثام"(1) ولا يُعَدُّ كسبُ المالِ الحرامِ ذنبًا بحدِّ ذاته وحسب، بل تترتبُ على مُكتسِبهِ العديدُ من الآثارِ الوخيمةِ صحيًا وجسميًا وروحيًا ونفسيًا ومعنويًا سواءً علِمَ بها أم لم يعلم، بل وقد تنتقلُ إلى ذُريّته. ومن أهمِّ تلك الآثار: عدمُ قبولِ العبادة وتضييعُها، كما رويَ عَنْهُ (صلى الله عليه وآله):‏ "الْعِبَادَةُ مَعَ أَكْلِ‏ الْحَرَامِ‏ كَالْبِنَاءِ عَلَى الرَّمْلِ‏"(2)، وإثارةُ هوى النفسِ والشهوةِ المُحرّمةِ في الإنسان كما رُوِيَ عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام) أنّهُ قَالَ: "... وَأَصْلُ عَلَامَاتِ الْهَوَى مِنْ أَكْلِ‏ الْحَرَام"(3)، وعدمُ استجابةِ الدُعاء، فقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) أَنَّهُ قَالَ: "أَطِبْ‏ كَسْبَكَ‏ تُسْتَجَبْ دَعْوَتُكَ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَرْفَعُ اللُّقْمَةَ إِلَى فِيهِ حَرَامً فَمَا تُسْتَجَابُ لَهُ دَعْوَةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا"(4)، علاوةً على التأثيرِ السيّئ على الذُرّيةِ فقد رُوِيَ عن الإمامِ جعفرٍ بن محمد الصادق (عليه السلام) أنّهُ قَالَ: "كَسْبُ الْحَرَامِ يَبِينُ‏ فِي‏ الذُّرِّيَّةِ".(5) فعجبًا لمن أحاطَ نفسَه بكُلِّ تلك الأخطارِ الجسام، نتيجةَ أكلِه المالَ الحرام، وهو يدّعي الموالاةَ لصاحبِ العصرِ والزمان، ألم يُفكِّرْ يومًا أو يتأمّل: ماذا لو سأله الإمامُ (عجل الله (تعالى) فرجه): لماذا أغمضتَ في طلبِ المالِ، ولم تُميِّزْ بينَ الحلالِ والحرام؟ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) غرر الحكم: ٢٧٢٣. (2) مصباح الشريعة: 103. (3) مصباح الشريعة، ص103 (4) جامع أحاديث الشيعة، ج ١٥، ص٢٩٤ (5) الكافي، ج ٥، ص١٢٤، باب المكاسب الحرام، ح4

اخرى
منذ شهر
37

خاطرة

انبجاسُ فجرِ أملي بقلم: الحاجة فضيلة شاكر أمسكتُ بيراعي.. عندَ انبلاجِ فجرِ صباحي في السماءِ تُبحِرُ عيناي ارسُمُ لوحةَ قدّاحٍ من صبري مُلوّنةً بألوانِ فصولِ حياتي ما وراءَ الخمسين يلوذُ عمري ارتميتُ بينَ يدي ربّي.. فانهزمَ كُلُّ حزنٍ يعتريني ارتشفتُ أملًا بعدَ وبالِ حكايتي فنثرتُ للهِ تراتيلي لطيِّ بساطِ جراحي وتُزهِرُ وردةٌ في حديقتي مع انبجاسِ فجرِ أملي لنْ يجفَّ حبرُ قلمي حتى مماتي..

اخرى
منذ شهر
52

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
138829

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
127630

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 3 سنوات
83006

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 4 سنوات
77211

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 4 سنوات
76898

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 4 سنوات
71393