دقائق في بيت الشهيد

بقلم: وفاء لدماء الشهداء بيت الشهد علي الأنصاري رحمه الله تعالى كانت دموعها تسبق كلماتها، وتتعالى بين كلمة وأخرى آهاتها وزفراتها، وفي نفس الوقت كانت تبتسم باطمئنان وهي تحمد الله المنان؛ أن مَنّ عليها فاختار حبيب قلبها، وقرة عينها وولدها الوحيد لأمر عظيم، وفتح له بابًا لا يفتحه سبحانه إلا لخاصة أوليائه، فاختاره شهيدًا، تلك هي أمّ الشهيد: علي الأنصاري رحمه الله. بالفعل تلك الدقائق التي قضيناها في بيتها لم تكنّ عادية، فهناك رأينا وجهًا آخر للرزيّة، وصورة أخرى للبلية، حينما تستقبلها النفوس الحرّة الأبيّة، التي اتّخذت من الإمام الحسين (عليه السلام) قدوة، ومن نهضته هوية. هناك كانت الكلمات تترجم صدق الانتماء للرسالة والدين، وحقيقة الولاء لآل البيت الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين)، وتطبيق مقولة لطالما ردّدناها مفتخرين، يا ليتنا كنا معكم سادتي... هناك رأينا كيف يمتزج الألم بالوعي والبصيرة، وكيف تدع الأم الرؤوم فلذة كبدها يقرّر نهاية حياته ولحظاته الأخيرة، رأينا الصمود وصلابة الإيمان، كيف يصنع المعجزات في حياة الإنسان، كيف يجعله قويًا في وجه الشيطان، ليرسم طريق العروج للرحمن. هناك رأينا زوجته وطفلته التي كُتب لها أن تكون يتيمةً، ومن حنان الأبوّة محرومة، لكنّها بكلّ تُراثه مفتخرةً، وإلى علياء جنانه بعين البراءة ناظرةً. ومن العجيب المؤلم أن ابنته الصغيرة زينب قد تمسكت به قبل خروجه الأخير، إلّا أنه لاطَفها وقبّلها ثم خرج وعينه تترقب فجرًا جديدًا ينال فيه رضوان الربّ القدير، كانت آخر صورة في مخيلتها هي صورة والدها، وكانت آخر كلمة على شفته هي وصيته بابنته. ذهب الشهيد كمن سبقه إلى عليائه غير نادم، وخلّف وراءه أمًّا يحق أن يفتخر بها العالم، لما لها من دور في مسيرة ولدها الشهيد قبل نيله وسام الشهادة المقدس، وبعد شهادته في حفظ عائلته وتراثه الأنفس. رحل الشهيد وترك رصيدًا من الذكريات، لم تكنّ خاصة بأهله وذويه، بل بكلّ من أراد أن يفهم ماذا يصنع حبّ الله وأهل البيت (عليهم السلام) بمريديه. كان عمله في ميدان النضال مصورًا وموثقًا للبطولات، وامتزجت صوره الأخيرة بدمائه السائلات، لتضع في أعناقنا جميعًا مسؤولية الاستمرار في أداء الرسالة دون التحجج بالموقع والرتبة والإمكانات، فمهما كُنّا، وفي أي مكان وجدنا، لا ريب أن هناك دورًا ينتظرنا، ينادي فينا: أن اخلصوا النية، وحافظوا على سلامة الطوية، لتكونوا أهلًا للرحمات الإلهية، والفيوضات الربانية، التي تبحث عن مستحقيها في زمن عزّ فيه الثبات على درب الصادقين، وفشل الكثير فيه بعدم التمسك بالحق المبين، وبانت في مسرح حياة الكثير منّا الهوة الكبيرة بين الادعاء والتطبيق، والشعارات والمواقف التي تعكس الولاء الصادق العميق. فشلال الدم الطاهر الذي انحدر من أجساد الشهداء، جعلهم أقمارًا في سماء البطولات والفداء، وغدت تضحياتهم وسير حياتهم نشيدًا يتغنى به الأحرار والشرفاء، وباتت كل كلمة وموقف منهم صارمًا مسلولًا في وجه الطواغيت الجبناء من الأعداء، ومعلمًا يدل المؤمنين على سبيل السمو والارتقاء، وهذا الإرث النفيس لا بد أن نحفظه ونحافظ عليه، ونجعله منارًا للأجيال ونرشدهم إليه، ونبين على الدوام أن رسالة الدم التي امتزجت بزفرات الزوجات، ودموع الأطفال الصغار، ولوعة قلوب الأمهات الصالحات، ينبغي أن تبقى ماثلة أمام أنظارنا، وعلى ضوئها نترجم خطواتنا، ونقطع طريقنا حتى ظهور قائمنا (عجل الله تعالى فرجه الشريف).

اخرى
منذ أسبوع
176

حديث المرآة

بقلم: أم قنوت مرآتي ... هربتُ منها إليها متعطشةً لكلمات إعجاب.. فأخبرتني حديثًا لا أفهمه.. تركتني أستجدي هنا وهناك بلا جدوى.. كلّما زادت الكلمات حرفًا كلما غصتُ في التيه.. لأعود بروح تجرّ الخيبة علّها تسمع ما تريد.. مرّت السنون عبثًا وهي تحاول إقناعي بالحقيقة: أنت القوية، أنت الجميلة، أنت الصبورة، كتلة المشاعر أنت، الأم والأخت والابنة أنت، أنت وأنت.. فما كان مني إلّا الفرار إليها من جديد متوسلّة: أخبريني هل هذه هي الحقيقة؟ ولكن! لم تُجبني هذه المرّة، يبدو أنه قد سئمت مرآتي من الشكوى فمَن يلعب دور الضحية هو وحده من يشتكي، فلا بد إذن أن مرآتي أقوى مني.. أحسستُ بالضياع، تبعثرتُ كأشلاء روح ميتّة داخل جسد يبدو صحيحًا، تاهت حروفي، فقدتُ معرفة شرقي من غربي، أضحى جزئي يشكو من كلّي، وشمالي يبحث عن جنوبي.. شهدت دموعي المعركة... انتبهي! لا وجود للعدو... انتبهي! أنت الضحية وأنت العدو، لملمي تلك الأشلاء المتناثرة، وصدقّي ما قالته لك المرآة سابقًا: أنت قوية، لذا قومي أبهريها.. لحظة صمتٍ جلدَت ضعفي، فانسلخ عنه الجلد القديم، فخرجتُ من شرنقة ال "آه والحسرة"، إلى دنيا الجمال والرضا، استمعتُ لأول مرة لما حاولت تكرارًا أن تخبرني إياه مرآتي، فوجدتني قد خُلقت بأحسن تقويم، وأن كل هم ألمّ بي كان قد شحذ همتي لأنمو وأقوى، فركضتُ إليها مجددًا بروح ناضجة... أنا: هربتُ منك إليك، فماذا لديك لتخبريني؟ ابتسمت مرآتي، ورحبّت بالروح الجديدة وكأن هذا أول لقاء لنا... شكرًا لك مرآتي...

اخرى
منذ أسبوع
132

هوية العراق

بقلم: زهراء حسام تريد أن تكون متحررًا عن الأخلاق والدين، يزعجك صوت المآذن، يغيظك منظر العقال والعمامة، تريد أن ترى الملاهي بدل الحوزات، تريد أن تعمق علاقتك بالمرأة بلا أي حد، تريد أن تعيش في الشارع بدل بيت أبويك، تريد أن ترى الشباب تتراقص في كل أحوالها، تريد أن تكون اللغة المتبادلة بين العوائل هي لغة الشتم والإيحاءات غير الأخلاقية، تريد أن نعيش بلا احترام للكبير، تريد أن تسلب هويتنا بكاملها؟ وماذا تريد بعد؟ هذه أحلام اليقظة، ولابد أن تصحو منها، أنت تريد ومَن على شاكلتك يريد، وتاريخ العراق وأهل العراق ليسوا كما تريد، هوية العراق ولدت معه وتَقوّم بها فكأن القضاء عليها هو قضاء عليه، العراق بهوية وطنية إسلامية، بحكم ديمقراطي يحترم جميع الأقليات. واصل أحلامك، ولا تدعو الناس إليها؛ كي لا تبين الفضيحة أكثر، واصل أحلامك ولكن بدون هاشتاگ. اترك مبررات فساد الأحزاب الإسلامية، فتغري الناس بالتمرد لأنها شوهت الدين، من يتمرد إنما يتمرد على فطرته ولن يضر الحزب بشيء، لن ينخدع الناس بذلك، لذا كان أول السخط على الأحزاب بسبب استغلالها للمقدس، للإسلام والعنوان الإسلامي. لو أردت فقط، لو أردت أن تتعرف على هوية هذا الشعب لنظرت الى الجهة الأخرى، ولو احترت بشأنه وبتماسكه لصوبت نظرك بعيدًا، وسأدلك على بعض العناوين وانظر متى ما أردت: -الزحف البشري من معظم المحافظات العراقية لأداء زيارة الأربعين. -مقاتلو الدفاع الكفائي واستجابتهم وسلوكهم. -اللجوء الشعبي في الأزمات الى العمامة الموجودة في النجف الأشرف. -صدقات العراقيين للمحتاجين والأيتام. وغيرها. كلمة أخيرة: جمهور الفيس بوك وتويتر واليوتيوب، هو جزء قليل لن يفصح لك عن هوية شعب بكامله فلا تغتر.

اخرى
منذ 3 أيام
118

قرة العين

بقلم: مرتضى الشاطي مهما كنت جبلًا، يبق أبوك سماء وإن كنت سماء صار لك فضاء ومهما طال بك العمر ستزال تشعر بصغرك في جنبه ليس استصغارًا بل حبًّا وشوقًا وشغفًا وبدونه تشعر بالضياع وبوجوده تتذوق العزة والأمان تتذلل روحك بجنب أبيك وتتجرد من كرامتك عنده لأنه هو كرامتك هل أقول نعم، إنه الأب، واختم كلامي؟! أم أبقي الحديث مفتوحًا مدى الدهر يضيف إليه كل من تنفس منه العذوبة وهدر في أذنه الأبوة الأب أصفه بكلمة أبي ثم سكوت ثم جلوس ثم يد على يد وإطراق برأس ودمعة بخد وثلاث كلمات بحرقة: عاجز عن وصفه لأبي وآبائكم جميعًا

اخرى
منذ أسبوع
149

أبي سر الحياة

بقلم: مرتضى الشاطي ذات مرة، سأل المعلم تلاميذه: ما هو سر الحياة؟! رفع كل تلميذ يده للإجابة فاختار المعلم تلميذ وأجاب: الماء سر الحياة. وجلس بقية التلاميذ إلا واحدًا بقى واقفًا رافعًا يده وهو يبتسم وينظر بعينين واسعتين. استغرب المعلم للتلميذ وقال: لقد أجاب زميلك. فرد التلميذ: إجابته خاطئة. ازداد الاستغراب والتعجب ورد: وما هو سر الحياة؟ قال التلميذ: إنه أبي. المعلم: وكيف؟ التلميذ: قالت لي أمي: لولا أبوك لمات كل من تُحب. المعلم: وماذا يعمل أبوك؟ التلميذ: إنه شهيد.

اخرى
منذ أسبوع
162

الشائعات... الطُعم الملغوم

بقلم: أم قنوت انتفض الشعب العراقي المُسالم مطالبًا بحقوقه المسلوبة من الشرذمة السالبة لها بعد أن نفذ صبره وامتلأ صدره قيحًا، فتنوعّت أساليب الرد على مظاهراته السلمية كما اختلط الحابل بالنابل لكثرة الأحزاب وتقاطع المصالح أو تنافرها، فبرزَت الشائعات المُغرضة المربكة واحدة من أهم وأخطر الأساليب المستخدمة لاستغلال المظاهرات السلميّة ولنشر الفوضى. اُستخدمَت الشائعات على مر العصور لضرب المصالح التجارية أو تسقيط الشخصيات النافذة في المجتمع، وتُعَّد من الاستراتيجيات والتقنيات العسكرية المُستخدمة في الحروب بشكلٍ مُمنَهج ومدروس، هي في أحد تعاريفها الاصطلاحية تعرف بأنها: كل قضية أو عبارة مقدمة للتصديق، دون أن تكون لها معايير أكيدة للصدق (١)، وقد تُطلَق نتيجة حدث حقيقي ظهر على أرض الواقع ليُستغَّل لصالح الجهة المُطلقة لها، مثلما قد تُنسَج من وحي خيال مؤلفها بُغية نشر الرُعب مثلاً أو تأجيج الفتن الخامدة الخاملة، (فالشائعة تطير وتزحف وتتعرج وتعدو، وهذا ما يجعلها على المستوى المادي أشبه بحيوان مباغت وسريع الحركة يتعذّر أسره ولا ينتمي الى أي فصيلة معروفة، أما تأثيرها في البشر، فأشبه بالتنويم المغناطيسي، وخصوصاً أنها تبهر وتغوي وتسحر الألباب وتلهب الحماسة) (٢). أضاف التطور التقني ميزةً جديدة للإشاعة بأن جعلها تنتشر انتشار النار في الهشيم متزيّنة بلباس الصورة المرئية تارةً والمقروءة تارةً أخرى، مما شجّع الباحثين في مجال التعرّف على الشائعات المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي الى طرح تقنيات وبحوث مازالت في طور الحبو قابلة للتفريق بين الإشاعة والخبر الصحيح في غضون ساعات بعد النشر (٣) ولكن هل يعني هذا أن يقف الشخص عاجزًا أمام الإشاعة منتظرًا للتقنيات الحديثة؟ بالطبع لا! فصانع التقنيات هو نفس العقل المميِّز القادر على تصفية ما يصله إلى أخبار حقيقية وشائعات وذلك عن طريق الآتي: ١- الاعتماد في تحصيل الأخبار على الجهات الإعلامية والأشخاص الثقات المالكة للتاريخ المشرّف غير المزيِّف للحقائق ولا المتلاعب بمشاعر الناس. ٢- التوقف عن إعادة نشر الرسائل غير الموثوقة أو معروفة المصدر ومحاولة استقصاء الحقيقة من أصحاب الشأن قبل إعادة تدويرها. ٣- التثقيف المتواصل ونشر الوعي عن طريق ذكر أحداث تاريخية مثلًا أو ربط الأحداث الآنية بشكل منطقي. ٤- غرس الطمأنينة الداخلية عن طريق تعزيز الإيمان بالله تعالى لتجنّب تخبّط وعشوائية ردود الأفعال عند وصول الإشاعات المغرضة. نسأل الله تعالى أن يمنّ على عراقنا الحبيب بالأمن والسلام، وأن يعجّل في ظهور صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) وأن يرحم مَن ضحّى بنفسه من شهداء العراق. ______________ ١- سيكولوجية الإشاعة، جوردوت أولبورت/وليم بوستمان. ٢- الشائعات الوسيلة الإعلامية الأقدم في العالم، جان-نويل كابفيرير. ٣- ‏Early Detection of Rumor Veracity in Social Media Anh Dang, Abidalrahman Mohammad, Aminul Islam, and Evangelos Milios.

اخرى
منذ أسبوع
206

الهارب من الموت

بقلم: مرتضى الشاطي أنا واحد من الكثيرين الذين قرروا أن يهربوا من الموت أن يسعى نحو الحياة والموت خلفه يسعى جعل من نفسه فريسة سهلة ضعيفة تتصيده المنية رغم أني أعلم علم اليقين بأنني يومًا ما سأسقط بين أنيابه الفتاكة ولا أعلم أين سيفتك بي ومتى... ولكن كان هنالك من قرر أن يسعى خلف الموت العزيز أن يُطلّق الدنيا الدنيئة التي صغّرها في عينيه وقرر أن يصطاد ذلك الوحش الكاسر الذي لم يفتك به أحد مع علمه بأنه رغم مقاومته وقتاله وشجاعته سوف يسقط أمام ذلك الوحش الذي يسمى الموت؛ كي ينال شرفًا لا يضاهيه شرف بأن ينحني له الموت ويصغر عند قدميه ويقول له: لقد قتلتني حينما أصبحت شهيدًا... فإذا ما أراد إنسان أن يقتل الموت فليس بالضروري أن يقتله حرفيًا.. لا.. بل أن يصبح شهيدًا هكذا يسقط الموت أمام الإنسان انتهى...

اخرى
منذ أسبوعين
154

المحن الإلهية

بقلم: زينب ضياء الهلالي يمر الإنسان في هذه الدنيا بالعديد من المحن التي تكون شديدة ومؤلمة وتجعل الإنسان في كثير من الأحيان حبيس في همه وكدره، والتي تجعله مقيدًا وبدون حركة. يتسرب شعور إلى داخله في الكثير من الأحيان أنّ كل شيء انتهى وتوقفت الحياة، ويظن البعض أن الرحمة الإلهية ابتعدت عنه وأنه أصبح منبوذًا، ويبدأ الكثير من الناس عند نزول المحنة عليهم بالتشكيك بالعدل الإلهي والعياذ بالله! وسبب ذلك عدم استحكام الإيمان في قلوبهم بالدرجة الأولى وعدم المعرفة بحكمة المحنة من الله سبحانه وتعالى، متناسين أن الأنبياء والرسل والأئمة (عليهم السلام) أجمعين لاقوا الكثير في حياتهم وتحمّلوا ما تنوء به الجبال، ونجدهم رغم كل التحديات التي واجهتهم كانوا مستبشرين ثابتين... ولم يفقدوا الأمل ولو للحظة واحدة برب العالمين.. ولم يعاتبوا الله -سبحانه وتعالى- على ما أصابهم من ابتلاءات، فهم أحبابه.. ولو شاء أن يجعلهم أسعد الناس لفعل، ولكنهم تقبّلوا كل الآلام والمتاعب بقلوب مطمئنة، وعقيدة راسخة، فهذه هي الدنيا دار اختبار وليست دار قرار. يمتحننا الله سبحانه وتعالى ليظهر معدن الانسان الحقيقي، قال الله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ) (1) الإنسان المؤمن يتعرض إلى أنواع مختلفة من المحن، فأحيانًا يكون الضيق هو المحنة والمرض والخوف وفقدان كل شيء، فكل هذه محن، أحيانًا تكون النعم التي رزقنا بها الله هي المحنة! فهذه حكمة الله (عز وجل) لمعرفة عباده المؤمنين الصابرين. قال الامام الصادق (عليه السلام): "البلاء زين المؤمن، وكرامة لمن عقل لأن في مباشرته والصبر عليه والثبات عنده تصحيح نسبة الايمان" (2) إن ذكر الله تعالى في المحنة يقوي الإيمان بالله تعالى ويعطي الإنسان قوة التحمل على الصعاب وردت آيات وأحاديث كثيرة تعلمنا ما نقول عند نزول البلاء قال الله تعالى: "الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ" (3) الإنسان الذي يريد الآخرة عليه أن يتخلى عن الكثير في هذه الدنيا وأن يتحمل المصائب بأنواعها ليصل إلى الدرجات العليا في الآخرة، لا بد للإنسان أن يتحمل المحن بالشكر والصبر والدعاء وعدم الاعتراض على حكمة الله (عز وجل)، واثقين بأن الفرج قادم لا محالة، عاقدين العزم على تحمّل هذه المحن والخروج منها منتصرين، واثقين من رحمة رب العباد يذلل كل الصعاب ويخفف الأحزان والآلام، والإنسان المؤمن يعد البلاء نعمة يشكر الله تعالى عليها لأنها تقربه من الله، والصبر هو رفيق الإنسان في المحنة فلا بد من التمسك به للوصول لشاطئ النجاة. صحيح أنّ للصبر مذاقًا سيئًا لكن نهاياته دائمًا سعيدة. سلامًا على الذين اتخذوا من الصبر سفينة عبور المحن ___________ 1- سورة آل عمران آية (141) 2- البحار ج67 ص 231 3- سورة البقرة 156

اخرى
منذ 4 أيام
83

عمائم شرف ح ٢

بقلم: غدير خم حميد الشهيد السعيد الشيخ علي نافع العبودي على مر الزمان كان العدو متربصًا بالعراق بلد الخيرات والمقدسات، تكالبت الأعداء وتوالت الحملات لإذلال شعبه الأبي الشريف ذي البطولات، وكانت داعش خطة جديدة للنيل من هذا البلد وأهله، شرذمة خبيثة جاءت بالقتل وسوء الأفعال والأقوال، حاملة أفكارًا شيطانية لتشويه اسم الإسلام وقتل الشعب العراقي، فانبرت المرجعية الرشيدة وكما عودتنا لحماية الأرض والعرض والدين والإسلام والمسلمين فنادت بالجهاد الكفائي، فتوى مقدسة أنقذت العراق ومقدساته من الكثير من المآسي والآلام، وبمجرد انطلاقها تسارع أصحاب الغيرة وأهل الحق لتلبية النداء، وكان من بينهم علماء أجلاء وطلبة علم كرام فضلاء من الحوزة العلمية الشريفة التي اعتدنا منها العطاء، سارعوا إلى ساحات الجهاد بعد أن كانوا دائمًا مسارعين إلى نيل العلم والمعارف الدينية، وما أكثر من رحل منهم وهاجر إلى العلياء بعد أن عطّر أرجاء الوطن بعبق دمائه، وتعفّرت بتراب الأرض جبهته، فلا يمكن والحالة هذه أن ننسى فضلهم أو لا نذكر تضحيتهم؛ ومن هنا جاءت التسمية "عمائم شرف" سعيًا متواضعًا منّا لتخليد ذكراهم الطيب وجهادهم المبارك.. ومن هذه العمائم المباركة التي ما نزال مدينين لها الشهيد السعيد الشيخ علي نافع العبودي ـ أبو وارث، الذي ولد في مدينة البصرة، منطقة المطيحة، بتاريخ ١٩٦٤م، شهيد أبيٌّ ترعرع على مبادئ الإسلام، واتبع أخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، كان مثابرًا على طلب العلم منذ صغره رغم صعوبة ظروفه المعيشية، فمنذ دراسته الإعدادية انتقل إلى مدرسة مسائية، في سبيل الحصول على لقمة الحلال نهارًا والسعي في طلب العلم ليلًا، كان للشهيد اهتمام بتغذية المجتمع بمفاهيم الدين وأخلاقياته، إذ سعى لخلق ثلة صالحة حوله، كان من بينهم شهداء نالوا شرف الشهادة على أيدي أزلام البعث الظالم، وكان أخوه أحدهم؛ لما له من دور مهم في الانتفاضة الشعبانية المباركة، ورغم استشهاد أخيه فإنه لم يتوقف في مساعيه للثورة بوجه الظلم والطغيان، إذ أظهر بسالة وشجاعة منقطعة النظير في انتفاضة الإباء التي قام بها أهالي قرية مهيجران، لكن جبروت الظلم والطغيان تمكن من إطفاء شعلة الانتفاضة فاضطر للهجرة عن البلد مرغمًا، لكنه عاد بعد عام شوقًا إلى وطنه، فعانى الكثير بسبب ملاحقات رجال البعث له حتى توفي والده العزيز أثر مداهمتهم اللعينة للمنزل بحثًا عنه. إلا أن (أبا وارث) صاحب العزيمة والإصرار والهدف النبيل استمر في دراسة العلوم الدينية في الحوزة العلمية رافضًا الاستسلام لظلام البعث وظلمه، لذا فإن صاحب هذه السيرة العطرة والروح الساهرة في سبيل دين الله أبى إلّا أن ينضمّ إلى قطاعات الحشد الشعبي المقدس بعد انطلاق الفتوى المباركة، وقد سارع مع ثلاثة من أبنائه للدفاع عن المقدسات وحماية العتبات المطهرة، وكان مثالًا في التضحية والفداء رغم ألم المرض وما لديه من المشاكل الصحية، غير أن روحه الأبية لم تسمح له بالتقاعس حتى فاضت روحه الطاهرة بعد أن كتب سيرة حياته بانتصارات باهرة، فقضى نحبه ومضى شهيدًا اثر انفجار عبوة ناسفة غادرة في طريقه في منطقة الدور، فعرج في العارجين، وانضمت روحه إلى أرواح الخالدين بتاريخ ٢١ـ٣ـ٢٠١٥م فالسلام عليك يا ابا وارث ورحمة الله تعالى وبركاته.

اخرى
منذ 4 أيام
87

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
22364

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21814

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21646

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
21604

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
10806

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
9936