من أقوالِ سيّدِ الشُهداءِ (عليه السلام) (4)

بقلم: شيماء المياحي رويَ عن الإمامِ الحسين (عليه السلام) أنّه قال: "من قبلَ عطاءك فقد أعانَك على الكرم"(١) الكرمُ من الصفاتِ النبيلةِ، والأخلاقِ العربيةِ الأصيلةِ التي كانتْ تُعرَفُ بها القبائلُ العربيةُ، قبل الرسالةِ المُحمديةِ، وبعدها أقرّهُ الكتابُ العزيزُ، وحثتْ عليه الرواياتُ الشريفة، حيثُ قالَ الله (تعالى): "وَمَا تُنفِقُونَ مِن خَيرٍ يُوفَ إلَيكُم وَانتُم لَا تُظلَمُونَ"[البقرة:٢٧٢] وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "جودوا بما يفنى تعتاضوا عنه بما يبقى"(٢) ولأهميةِ الجودِ والكرمِ في حياةِ الإنسانِ الاجتماعية، ولما له من فضائلَ تبعثُ روحَ المودةِ والتآلفِ والتكافلِ الاجتماعي بين الناس؛ أكّدتْ عليه رواياتُ أهلِ بيتِ العصمة (عليهم السلام)؛ فمدحتْ حتى من يُعينُ على السخاءِ والكرمِ بقبولِ العطاء، فقد وردَ عن الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "من الجفاءِ أنْ يُدعى الرجلُ إلى طعامٍ فلا يُجيبُ، أو يُجيبُ فلا يأكل"(٣). فقبولُ العطاءِ له أثرٌ إيجابيٌ في نفسِ المُعطي، وحافزٌ للاستمرارِ على السخاء والبذل. ولكن! لابُدّ للإنسان- ولاسيما المؤمن- من الموازنةِ في كُلِّ سلوكياته "لا إفراطَ ولا تفريط"؛ فلا ينبغي له أنْ يأخُذَ هذه الروايات حُجّةً في اتكالهِ على أهلِ السّخاء والجود، في قضاءِ احتياجاتِه وتلبيةِ مطالبِه؛ لما لذلك من تبعاتٍ ونتائجَ لا تُحمَدُ عُقباها، نوردُ بعضًا منها: ١ - العادة: الإنسانُ بطبيعتِه يعتادُ على كُلِّ فعلٍ يقومُ به باستمرار، وبمرورِ الزمنِ يُصبِحُ عندَه طبعٌ وعادةٌ يصعبُ عليه الخلاص منها، وقد وردَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "العادةُ طبعٌ ثانٍ"(٤)، وما أقبحَ بالمؤمنِ أنْ يعتادَ على هكذا سجيةٍ وطبع! ٢ - اضمحلالُ عزّةِ النفس: إنَّ أكثرَ ما يؤدي إلى تلاشي واضمحلال عزّةِ نفسِ المؤمن؛ هو الاتكالُ على الناس واستغلالُ كرمِهم وسخائهم في قضاء حوائجه. ٣ - فقدانُ الإرادةِ والحُرية: الإنسانُ إذا اعتادَ على تقبُّلِ العطاءِ من أيّ شخصٍ أو جهةٍ؛ سوف يضعفُ وتصعبُ عليه المقاومةُ أمام المُغريات؛ وبهذا يفقدُ إرادتَه وحُريتَه، ويُصبِحُ حاجةً تُشترى وتُباع من قِبلِ المُغرضين وعديمي الضمائر، والواقعُ يشهدُ على ذلك، فكم وكم من البُسطاءِ والمعوزين أصبحوا وسيلةً لـ(تكثيرِ السواد) في كثيرٍ من المحافلِ والتجمُّعاتِ، حتى أنّ البعضَ منهم يؤيدُ ويُعطي صوتَه لمن لا يعلمُ عنه شيئًا، مُتبعين معهم مقولة "أطعِمِ الفمَ تستحي العين"؛ ولذلك يحتاجُ الإنسانُ لوعيٍّ وبصيرةٍ في تقبُّلِ العطاء؛ حتى يحفظَ حُريتَه ولا يبتاعها بثمنٍ بخسٍ لمن لا يستحقُّها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) ميزان الحكمة: ج٣ (٢)غرر الحكم (٣) الوسائل: ج١٢ (٤) غرر الحكم

اخرى
منذ 5 أيام
84

المنبرُ الحُسيني بين تحدياتِ الحاضرِ وتطلُّعاتِ المستقبل/ المجلسُ الحُسيني النسوي إنموذجًا

بقلم: نجاة رزاق كانَ وما زالَ للمنبرِ الحُسيني دورٌ مهمٌ في حفظِ الدينِ الإسلامي والمذهب الجعفري من خلالِ الأبحاثِ التي يطرحُها فُضلاءُ الحوزةِ العلميةِ والخُطباء الحُسينيون التي تتناولُ الآياتِ القرآنية الكريمة والرواياتِ الشريفة بالشرحِ والتوضيحِ وربطِها بسيرةِ أهلِ البيت (عليهم السلام) باعتبارِهم عِدلَ القرآنِ الكريم وترجمانه، ثم يستحضرُ الخطيبُ مأساةِ سيّدِ الشهداء وما جرى على أهلِ بيتِه من الظلم والعدوان. وقد حرصَ أهلُ البيتِ (عليهم السلام) على إقامةِ المجالسِ الحسينيةِ وترغيبِ شيعتِهم بالاقتداءِ بهم في هذا الأمر، وبيانِ ما للباكين على سيِّدِ الشهداءِ (عليه السلام) من الثواب والأجرِ، إضافةً إلى الفائدةِ الدُنيوية الاجتماعية والسياسية، فقد قال الإمامُ علي بن الحسين (عليه السلام): "مَن قطُرتْ عيناهُ فينا قطرةً، ودَمِعَتْ عيناهُ فينا دمعةً بوّأهُ اللهُ بها في الجنةِ غُرَفًا يسكنُها أحقابًا"(١) والسؤال: هل أنّ للمجلسِ الحسيني النسوي ذلك الدور؟ وماهي هيكلية هذه المجالس؟ قبل الجوابِ عن هذين السؤالين لا بُدّ أنْ نعرفَ متى بدأ المجلس الحسيني النسوي؟ يُمكِنُ القولُ إنّ أولَ مأتمٍ هو المجلسُ الذي أقامته السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) حيث وردَ أنّه: "لما حملوا النساءَ أُسارى مرّوا بهن على الحُسينِ (عليه السلام) وأصحابه وهم صرعى فصِحْنَ النسوةُ وصاحتِ الحوراءُ زينبُ: "يا مُحمّداه صلّى عليكَ مليكُ السماءِ، هذا الحُسينُ مُرمَّلٌ بالدماءِ، مُقطَّعُ الأعضاءِ، وبناتك سبايا، وذُريتُك مُقتّلةٌ..."(٢) وعندما وصلوا بالركبِ إلى الكوفةِ وطافوا بهم في السككِ والطُرُقاتِ خَطَبَتْ عقيلةُ الطالبين خُطبةً عظيمةَ الشأنِ بعدَ أن حمدتِ اللهَ وصلّت على النبي وآله؛ بيّنتْ حقيقةَ المُجتمعِ الكوفي قائلةً: "أمّا بعدُ، يا أهلَ الكوفةِ، يا أهلَ الختل والغدر، ألا فلا رقأت العبرة، ولا هدأت الرنة ...ثم ذكرتْ مصيبةَ الإمامِ الحسين قائلةً: "أتدرون أيّ كبدٍ لرسولِ الله فريتم؟ وأيّ كريمةٍ له أبرزتم؟" كما خطبتْ أُمُّ كلثوم ابنةُ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) خُطبةً مثل هذه قائلةً: "يا أهلَ الكوفة، مالكم خذلتُم حُسينًا وانتهبتُم أموالَه وورثتموه ..." وخطبتْ بعدَها فاطمةُ الصُغرى بنتُ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) قائلةً: "الحمدُ للهِ عددَ الرملِ والحصى، وزِنَةِ العرشِ إلى الثرى، أحمدُه وأؤمنُ به وأتوكلُ عليه، وأشهدُ أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأنّ مُحمّدًا عبدُه ورسولُه …" فبهذِه الكلماتِ بيّنَتْ حقيقةَ إيمانِهم وأنّهم لم يخرجوا من الدين كما وصفَهم الطغاةُ، ثم ذكرتْ مصيبةَ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) قائلةً: "وإنّ أولادَه ذُبِحوا بشطِّ الفُراتِ بغيرِ ذحل ولا تراث ..." ثم بيّنَتْ مكانةَ البيتِ العلوي والكرامةَ التي فضلّهمُ اللهُ بها على سائرِ خلقِه وأنَّ المصائبَ التي ابتلاهم اللهُ (تعالى) بها لا لهوانٍ بهم عليه (سبحانه)، بل إنّ ذلك في كتابٍ واستشهدتْ بقوله (تعالى): "إنّ ذلك على الله يسيرٌ لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يُحِبُّ كُلَّ مُختالٍ فخور"(٣) كما وردَ في بحارِ الأنوار أنّ يزيدَ لمّا أصبحَ وبعدَ رؤيا قصّتها عليه زوجتُه (استدعى بحرم رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) فقال لهن: أيُّما أحبُّ إليكن: المقامُ عندي أو الرجوعُ إلى المدينة؟ ولكم الجائزةُ السنية، قالوا: نُحِبُّ أولًا أنْ ننوحَ على الحُسين، قال: افعلوا ما بدا لكم، ثم أخليَتْ لهن الحُجَرُ والبيوتُ في دمشقَ ولم تبقَ هاشميةٌ ولا قرشيةٌ إلا ولبسِتِ السوادَ على الحُسين، وندبوه على ما نُقِلَ سبعةَ أيامٍ"(4) وبعدَ هذهِ المقدمةِ نعرفُ ما للصوتِ الزينبي من أثرٍ في بقاءِ الصوتِ الحسيني مُدويًا في سماءِ الولاء، ومُزعزِعًا لعروشِ الظالمين في الأرض. وقد قامَ أئمتُنا بإشراكِ النساءِ في المجالسِ التي كانوا يُقيمونها من وراءِ الستار. فقد حدّثَ شاعرُ أهلِ البيتِ الكُميتُ بن زيدٍ الأسدي (رحمه الله) قائلًا: "دخلتُ على أبي عبدِ الله الصادق يومَ عاشوراء فأنشدتُه قصيدةً في جدِّه الحُسين (عليه السلام) فبكا وبكا الحاضرون، وكان قد ضربَ سترًا في المجلسِ وأجلسَ خلفَه الفاطمياتِ فبينما أنا أُنشِدُ والإمامُ يبكي إذ خرجتْ جاريةٌ من وراءِ الستار وعلى يدِها طفلٌ رضيعٌ مُقمّطٌ حتى وضعتْه في حِجرِ الإمامِ الصادق (عليه السلام) فلمّا نظرَ الإمامُ إلى ذلك الطفل اشتدَّ بكاؤه وعلا نحيبُه وكذلك الحاضرون"(٥) وما هذا إلا دليلٌ على شرعيةِ البُكاءِ، وشرعية اشتراكِ النساءِ في العزاء، وأحقيّةِ تمثيلِ الواقعة.. كما يتبيّنُ من هذا ما للصوتِ النسوي من دورٍ حيثُ لم يتوانَ أو يتأخرَ في فترةٍ زمنيةٍ عن قرينِه الصوتِ الرجالي في إقامةِ الشعائرِ على سيّدِ الشهداءِ (عليه السلام). أمّا عن جوابِ السؤال الثاني: فإنّ مراجعةَ الخُطبةِ الزينبية والفاطمية في الكوفةِ يتبيّنُ لنا ما ينبغي اتباعُه في تحقيقِ أهدافِ النهضةِ الحُسينيةِ وذلك عن طريقِ اتباعِ الخطواتِ التالية: 1- البدءُ بذكرِ اللهِ (تعالى) وحمدِه والصلاةِ على مُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ (صلّى اللهُ عليه وآله وسلم). ٢- تلاوةُ آيٍ من الذكرِ الحكيم وانتخابُ الآياتِ التي لها علاقةٌ بأهلِ البيت (عليهم السلام)، أمّا الخاصةُ بإمامةِ أميرِ المؤمنين وأهلِ بيته أو تلك التي تتحدّثُ عن أخلاقِهم (عليهم السلام)، وأخلاق الصفوة من المؤمنين. ٣-بيانُ علاقةِ أهلِ البيتِ بالنبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ومحبتِه لهم، واتباعُ توصياتِهم لما له من أهميةٍ في ردِّ الجميل للرسولِ الأعظم ووصلٍ قُرباه الذين هم أهل بيته (عليهم السلام أجمعين). ٤-بيانُ أنّ أخلاقَ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) هي أخلاقُ القرآنِ التي أوصى بها على لسانِ نبيّه الأكرم (صلَى اللهُ عليه وآله). ٥- بيانُ مظلوميةِ سيّدِ الشهداءِ وأهلِ بيتِه من بعدِه والأسباب التي أدّتْ بطاغيةِ عصرِه إلى ارتكابِ فاجعةِ الزمانِ من قتلٍ وتمثيلٍ وسبيٍ وحرقٍ وتشريدٍ لا لشيءٍ سوى لانتمائهم لبيتِ الرسالة! ٦- الفحصُ والتدقيقُ في نقلِ الأخبارِ والرواياتِ بشكلٍ لا يُسيءُ إلى الشعائرِ ولا إلى المذهب. ٧- اتباعُ توصياتِ المرجعيةِ وفتاوي العلماء الأعلام من الالتزامِ بالحجاب، وعدمِ التبرج، وعدمِ استخدامِ مُكبّراتِ الصوتِ زائدا عن الحد المناسب، أو التغنّي بالقصائدِ بحيثُ يكونُ صوتُ المرأةِ فتنةً للسامعين. ٨- يُفضّلُ اجتماعُ النساءِ في حُسينياتٍ أو أحدِ البيوتِ بدلًا من الدوران بينَ البيوتِ المُتعددةِ، ولا يكونُ هدفُ القارئةِ العددَ والكمَّ وليسَ النوع. ٩- قراءةُ الأشعارِ والقصائدِ، وإثارةُ الحُزنِ والبُكاءِ، وإبداءُ اللوعةِ لمصابِ سيّدِ الشهداء، فلا تنس الخطيبة ما لذلك من أثرِ نفسي في هدايةِ الكثيرِ من الشابات. ١٠- عدمُ طردِ الصغيراتِ من المجلسِ بحُجةِ كونِهن صغيرات؛ لأنّ هذه الشعائر سوف يتحمّلُها أولئك الفتيات في المستقبل. وبعدَ هذه التوصيات البسيطةِ، ولضيقِ المقامِ ندعو لجميع الخطيباتِ ونبتهلُ إلى الله (تعالى) أنْ يوفقَنا لمراضيه، ويجعلَنا من خَدَمَةِ سيّدِ الشهداء وأهلِ بيته (عليهم السلام)، وأنْ يُعجِّلَ بظهورِ صاحبِ الثأر الإمامِ المنتظرِ (عجَّل اللهُ فرجه الشريف). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١-كامل الزيارات، جعفر بن محمد بن قولويه :٢٠٢ ٢- ثمرات الأعواد، علي الهاشمي ج ٢ :٤ نقلا عن مقتل الخوارزمي. ٣- سورة الحديد :٢٣ ٤- بحار الأنوار، العلامة المجلسي ج ٤٥: ١٩٦ 5- مأساة الحسين (عليه السلام) بين السائل والمجيب، عبد الوهاب الكاشي :١٥٤

اخرى
منذ 6 أيام
84

الضبطُ النفسي للسيّدةِ زينب (عليها السلام) في مواجهةِ عنفِ السلطة/ الجزء الثاني

بقلم: فريال ياسر الأسدي *وسائلُ ضبطِ النفس. لابُدَّ للنفسِ المُنضبطةِ أنْ تتحلّى بوسائلِ الضبطِ النفسي؛ لتشعرَ بالتكاملِ الداخلي، ولتدركَ بأنّها قادرةٌ على ضبطِ أفعالها وسلوكياتِها، ومن هذه الوسائل: 1. العلمُ الذي يمنعُ عن التصرفات الهوجاء، "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". 2. الحكمةُ التي هي عبارةٌ عن العدلِ والمعرفةِ والتدبر، "ومن يؤتَ الحكمةَ فقد أوتي خيرًا كثيرًا". 3. رجاحةُ العقلِ والرزانةِ التي تمنعُ النفسَ الإنسانية من التصرفاتِ التي لا تحسبُ نتائجَها. 4. التربيةُ الجادةُ وحسنُ الخلقِ إذ يجبُ على الوالدين أنْ يربوا أبناءهم تربيةً صالحةً تؤدي بهم إلى ضبطِ النفس. 5. الصبرُ، فالصبرُ من أعظمِ الأخلاقِ التي تؤدّي إلى ضبط النفس. 6. التقوى، وهي محافظةُ الإنسانِ على نفسِه وصونِها من ارتكابِ كُلِّ ما يراهُ الدينُ خطأ وإثمًا وقبحًا، والتقوى أيضًا هي لازمةٌ لحياةِ الفرد الذي يُريدُ أنْ يكونَ إنسانًا وأنْ يحيا تحتَ سيطرةِ العقل. 7. التجردُ لله (سبحانه وتعالى)، ومعنى التجرد أنْ تكون أفعالُ الإنسانِ خالصةً لله (تعالى) وهذا الأمرُ يحتاجُ إلى عبادةٍ حقّةٍ وقوّةٍ وعزمٍ. 8. التأسّي والاقتداء بالشخصياتِ التي تكونُ هي قدوة وأسوة للبشرية، وهم رسلُ الله (تعالى) وأنبياؤه وأوصياؤه، وقراءةُ حياتِهم ومواقفِهم بتمعُّنٍ والاستفادةُ من هذا المعين الذي لا ينضب. ونتيجةُ كُلِّ ما تقدّم عن ضبطِ النفسِ أنّه ثقافةٌ سلوكيةٌ يحتاجُ إليها الفردُ ليُحسِنَ التصرفَ في المواقفِ التي تعترضُ حياته، وليصونَ نفسَه من الأفعالِ السلبية التي تؤدي به إلى الانزلاق في الغضب والتهور والانفعال. والشخصيةُ الإسلاميةُ المُتكاملةُ هي الشخصيةُ التي تتمتعُ بالضبطِ النفسي؛ لأنّها وضعتِ الإيمانَ والتقوى سلاحًا لها، والصبرَ والحكمةَ وكظمَ الغيظ والتاسّي بالرسول وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) زادًا لها. ومن الشخصياتِ الإسلاميةِ التي برعت في ذلك هي سيدتُنا زينبُ بنت علي (عليها السلام)، حيثُ استطاعتْ تلك الشخصيةُ أنْ تقودَ المعسكرَ الحُسيني بالانضباطِ النفسي، حيثُ ملكتْ وسائله التي تحدثنا عنها. *السيّدةُ زينبُ (عليها السلام) ووسائلُ ضبطِ النفس العلمُ والحكمةُ ورزانةُ العقلِ والتربيةُ الصالحةُ والصبرُ والتقوى، إذا اجتمعت فإنّها حتمًا ستُنتجُ شخصيةً تتمتعُ بالضبطِ النفسي في مواجهةِ الأزماتِ والرزايا والعنفِ. ولقدِ اكتملتْ في السيدةِ زينب (عليها السلام) كُلُّ وسائلِ ضبطِ النفس، ونتجَ من هذا كُلّه شخصية إيجابية قادرة على ضبطِ نفسِها وفقَ الحكمةِ والإيمانِ المُتكامل، فـ(سلامُ اللهِ عليها) كانتْ وبشهادةِ الإمامِ السجاد "عالمةٌ غيرُ مُعلَّمةٍ، وفهمةٌ غيرُ مُفهَّمة". تدخل (سلام الله عليها) إلى قصرِ ابن زياد (لعنه الله) فيسألها: "كيفَ رأيتِ فِعلَ اللهِ بأهلِ بيتك؟ فأجابته بكُلِّ حكمةٍ وتدبر: "ما رأيتُ إلا جميلًا؛ هؤلاءِ قومٌ كتب اللهُ عليهم القتلَ فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمعُ اللهُ بينك وبينهم، فتُحاجَّ وتُخاصم ". أمّا رجاحةُ العقلِ التي اتصفت بها (سلام الله عليها) فلا تخفى عن أحد، حتى إنّها لُقِّبت بـ(العقيلة)، والعقيلةُ ليس اسمًا وضِعَ لزينب (سلام الله عليها) بمعنى أنّها لم تُسمَّ بذلك، وإنّما سمّاها الناسُ بـ(عقيلة الطالبين)، وسمّاها بذلك أيضًا العلماءُ العارفون، وهذا النحو من الأسماءِ يُسمّى بـ(الأسماء الاستحقاقية)، أيّ إنّ زينبَ (عليها السلام) لعقلِها الراجحِ ولذكائها سُميَت بـ(عقيلة الطالبين) ومن وسائلِ الضبطِ النفسي التربيةُ الجادّةُ، ويكفي أنْ نقولَ: إنّ الخمسةَ أصحابَ الكساء هم الذين قاموا بتربيتها وتثقيفها وتهذيبها، لنعرفَ أيَّ تربيةٍ رائعةٍ حظيت بها تلك السيّدةُ العالمةُ والحكيمةُ. أمّا آخرُ وسيلتين من وسائلِ الضبط النفسي فهما كتاجٍ تزيّنت به (سلامُ الله عليها)، وهما الصبرُ والتقوى. وما قولها "ما رأيتُ إلا جميلًا" إلا عبارةٌ تُلخِصُ كُلَّ شخصيتها (سلام الله عليها)، وما تحتويه وتضمّه من تقوى وصبر وتجرُّدٍ لله (تعالى)، كما تُلخِّصُ نظرتها (سلام الله عليها) للأمور، فأيُّ جمالٍ تجلّى لسليلةِ بيتِ النبوة ولا تراهُ العيونُ القاصرةُ والمحجوبةُ عن رؤيةِ الجمالِ الحقيقي في هذا الكون. ولندعِ المواقفُ التي سوف نذكرها في كربلاءَ تتكلمُ عن مدى صبرِ السيّدةِ زينب (سلام الله عليها) وتقواها أمامَ العنفِ الذي مثّلَ أبشعَ صورةٍ عرفتْها الإنسانيةُ، هذه الصورةُ الأليمةُ التي وضّحتْ افتقارَهم لأبسطِ معاني الإنسانيةِ والرحمةِ التي فُطِرَ عليها الإنسانُ في وجوده، حيثُ إنّهم أثبتوا في هذه الصورة عدمَ انتمائهم للنوعِ الإنساني؛ فهم أجسادٌ خاليةٌ من العقلِ والعطفِ لا تعرفُ سوى الهمجية. يتبع إن شاء الله تعالى.

اخرى
منذ 3 أسابيع
115

خاطرة

بقلم: فاطمة الركابي كما أنّ أغصانَ الشجرِ لمّا تُحرَق لا يُلتَفَتُ لتحوِّلِها إلى رماد بل يُنظَرُ إلى ما تُعطيه من نورٍ وقّاد كذلك حرارةُ حُبِّ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) في قلوبِ المؤمنين التي لا تبردُ أبدًا لا تُحرِقُ كُلَّ شائبةٍ وذنبٍ فقط بل تُوقِدُ شُعلةً من النورِ فيه ليُبصرَ بها القلبُ طريقَه عندَ كُلِّ تراجعٍ أو عثرةٍ من جديد حتى يستقيم ويسير صاحبُه في هذه الحياة على نهجِ هذا الحبيب

اخرى
منذ 3 أسابيع
65

خاطرة

An essay in pen for you oh sister: Fatima Al Wa'aly Translated by: Myna Alsaffar; for the sake of Hussein (peace be upon him) take care of your hijab. For the sake of Hussein (peace be upon him) do not hurt the heart of the saviour of our time (may Allah hasten his appearance) with your unlawful clothing. For the sake of Hussein (peace be upon him) follow in the footsteps of Lady Zaineb (peace be upon her) who came out on Ashura and was the perfect example and guide, for despite all the calamities she faced she held tightly onto her hijab and prayers, and never left the nightly prayer... Truly become a follower of Zaineb (peace be upon her)... When the woman lives with a lawful hijab, she feels comfort in her soul, and a calmness in her mind, for no glances follow her, no loiterer follows her and no worries trouble her, because she is within a divine system that connects. #modesty_in_faith

اخرى
منذ 3 أسابيع
84

حبـــةُ رمــــل

بقلم: شفاء طارق الشمري هُناكَ في صحراءٍ قاحلةٍ وحارقةٍ بشمسِ الأيامِ المؤلمةِ التي تفوحُ منها رائحةُ الدماءِ الطاهرة، رأيتُ المصيبةَ، رأيتُ الدمعةَ الساكبةَ على الوجناتِ، رأيتُ أنواعَ الآلامِ في كربلاء.. رأيت أُمّةً قتلت ابنَ بنتِ نبيها، رأيتُ أمّةً رفعتْ سيفَ الغدرِ بوجهه وهو سيّدُ الإباءِ والشهداء، رأيتُ قمةَ الحُزنِ في دموعِ تلك المرأةِ التي تقفُ في بابِ الخيمةِ، لم أعرفْ من هي إلا حين سمعتُ الإمامُ يناديها: أخيّة زينب! ولكن هل يُعقلُ أنْ تكونَ هذه زينب التي لم يكن لأحدٍ أنْ يرى ظلَّها أو يسمعَ صوتَها؟ هل يُعقلُ أنَّ زينبَ العقيلةَ ابنة علي وفاطمة تتجهّزُ لتودِّعَ أخاها الحسين وتستعدّ للسبي. لقد أحرقتْني الشمسُ بحرارتِها، وآلمتْني الأرضُ المُلطّخةُ بالدماءِ بدمائها، أسمعُ نحيبَ الأرضِ، وأقرأُ شجنَ دموعِها، وأرى السماءَ تبكي دمًا.. فالحُسينُ سقطَ صريعًا على الأرض، لم يجدْ من ينصرُه أو يُنهضه بعدَ أنْ سقطَ عن فرسهِ حين اجتمعوا حولَه بسيوفِ الشرِّ والكره، كم تعجّبتُ مما يقوله في آخرِ لحظاته: "اللهم أنتَ ثقتي في كُلِّ كربٍ ورجائي في كُلِّ شدة" يا الله! ما أعظمَ حروفِ ولائك ومناجاتِك للهِ يا حسين! للهِ درّك يا حسين! ما أروعَ الكلماتِ التي تنطقُ بها! قطعَ مناجاة الحسين مجيءُ الشمرِ اللعين، يحملُ السيفَ بيدِه وهو يقتربُ من الحسينِ ليحزَّ رأسه الشريف.. ما أقساكَ أيُّها اللعين! أتجلسُ على صدرِ الحسين وتنسى ما قالَ الرسول (صلى الله عليه وآله) في حقِّه؟! يسحبُ السيفَ ويضعُه على نحرِ الحسين ليحزّه تأتي زينبُ فيدفعَها فتسقطَ أرضًا، ففاضتْ روحُ الحسينِ الطاهرةِ إلى السماء.. كانتْ ليلةُ الحادي عشر قاسيةً عليهم، أتى صباحُ الحزنِ ليُعلِن موعد مغادرةِ ركبِ النساء والأطفال وهم مُقيّدون بالحبالِ يُضربون بالسياط.. لقد غادروا جميعًا، غادروا تاركينَ الأجسادِ على هذهِ الصحراءِ الحارقة، مضى يومٌ، اثنان، ثلاثُ.. بقيتِ الأجسادُ ثلاثَةَ أيامٍ في العراء لم تجف حينها الدماءُ في الصحراء! وهذه الرمالُ ما زالتْ تبكي على الحسين (عليه السلام) هدوءٌ خيّمَ لثلاثةِ أيامٍ؛ فلا تسمعُ فيه إلا صوتَ ملائكةٍ تبكي وتندبُ، مشعثة مغبرة. كسرَ هذا الهدوءَ صوتُ نساءٍ يبدو أنّهن أتينَ لأخذِ الماءِ من الفرات، أو لأمرٍ آخر.. وصلتِ النساءُ لترى الجثثَ على الأرضِ ملطخةً بالدماء.. لطمنَ على الوجوه وأجهشن بالبكاء، ثم رحلنَ مُسرعاتٍ... وبعد وقتٍ ليس بالطويل جاءَ جمعٌ من الناسِ وتوجّهوا نحوَ الجُثثِ وقد عرفوا أنّ ها هنا الواقعة.. بكوا ولطموا ثم قرّروا أنْ يدفنوا الأجسادَ الطاهرة ... أرادوا حملَ جسدِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)، فاجتمعوا جميعًا لكنّهم لم يستطيعوا.. وبينما كانوا يُحاولون جاءَ أحدُهم ليقولَ: إنّ إعرابيًا قادم إلى هنا، فخافَ القومُ أنْ يكونَ من عصابةِ ابنِ زياد فاختبأوا، وصل الإعرابيُ مُلثمًا. وصل إلى جسدِ الحُسين (عليه السلام) فأجهشَ بالبُكاءِ حتى ابتلَّ لثامه... كانت دموعُه الحارقةُ تسقطُ كالمطرِ في ليلةٍ حزينة.. عَلِمَ القومُ أنَّ هذا الشخصَ يمتُّ إلى أصحابِ الجُثثِ بقرابةٍ... تقدّمَ القومُ ليُساعدوه بالدفنِ ... حفروا حفرةً لدفنِ الجسدِ الحُسيني، ووضعوا معه علي الأكبر والرضيع.... ثم بدأ يبحثُ الإعرابي في الأرضِ، ذهب يمينًا وشمالًا ... وعندما سألوه أجاب: أبحثُ عن خنصرِ الحُسين ... فأجهشَ القومُ بالبُكاء.. أذكرُ كيفَ جاءَ اللعينُ ليسلبَ الخاتمَ من يدِ الحسين (عليه السلام)... وعندما لم يستطعْ أخذه من إصبعِ الإمامِ قطعَ خنصرَه الشريف ... إنّها مشاهدُ قاسيةٌ على الحجرِ، فكيفَ بمشاعرِ البشر؟! كيفَ بمشاعرِ النساءِ والأطفال؟! كيف بمشاعرِ رقيةَ وهي ترى أباها مسلوبَ العمامةِ والرداء؟! كيف بقلبكِ سيّدتي زينب، وأنت ترين الحسينَ مقطعًا بسيوفِ الغدر والغل؟َ! ثم خط هذا الإعرابي بيدِه وكتبَ: (هذا قبرُ الحُسين بن علي المظلوم الشهيد). آهٍ.. وهل جاءَ اليومُ ليضعوا الترابَ عليك يا حسين؟ وهل يدفنُ الترابُ جودَك وذكرَك؟ لا والله، يدفن جسدك، وتبقى روحك واسمك عزاءً في قلبِ كُلِّ مُحبٍّ يذكرُك. ثم حفروا حفرةً ووضعوا فيها الشهداء.. ثم دفنوا حبيبَ بن مظاهر ... ودفنوا مسلمَ بن عوسجة وباقي الشهداء، ثم توجّهَ الإعرابيُ نحو العلقمي لدفنِ جسدِ وبقايا روح الكرمِ والجودِ والإيثار وهي حروفٌ في مدرسةِ الوفاء لسيّدِ الفضلِ العباس (عليه السلام).. وهل يضمُّ الترابُ جمالَك؟ حاشا فأنتَ قمرُ النورِ في سماءِ الولاء... تقدّمَ لدفنِ بطلِ العلقمي أبي الفضل، وخطَّ عليه: (هذا قبرُ العباس بن علي بن ابي طالب). وبعدَ دفنِ كُلِّ الأجسادِ توجّهَ الإعرابيُ بالرحيلِ فسأله بنو أسد عن هويته فقال: أنا عليُ بن الحسين.. آهٍ لهذا القلبِ كيفَ تحمّلَ هذه المشاهدَ؟! ساعدَ اللهُ قلبَكَ يا سيّدي كيف صبرَ على كُلِّ هذه المصائب؟! كيفَ تحمّلَ دفنَ الهواشم؟! كيف تحمَّلَ فقدَ الأحبةِ؟! ساعدَ اللهُ قلبَك يا سيّدي يا علي السجاد وبعدما خطّ الحسينُ حكايتَه التي خلّدَها بانتصارٍ بلونِ الدم فمن حكايةِ الطفِّ إلى حكايةِ دفنِ الأجسادِ ألفُ حكايةٍ وما بعدها ألف حكاية فها هو قبرُ الحسينِ (عليه السلام) اليومَ، قد اجتمعت حولهُ الملائكةُ، وحفَّتْ بقبرِه وانبعثَ نورٌ من قبرِ الحسين إلى السماء؛ ليُعانقَ نورَ القمرِ العباسي فولاءُ أبي الفضلِ للحسين (عليه السلام) حكايةٌ خالدةٌ وبدأتِ الكراماتُ والحكاياتُ تُسجّلُ من عندِ هذا القبرِ الذي بقيَ خالدًا على مرِّ الأزمانِ فنسمعُ ونشاهدُ ونقرأُ الكثير من الكرامات الحسينية وفضل زيارة قبر الحسين (عليه السلام). لقد أعطى الحسينُ كُلَّ شيءٍ لله (تعالى) فوهبَه اللهُ (تعالى) أعلى وأرفع الدرجات وبقيتْ حكايةُ الحسين (عليه السلام) ودفن جسده وأجساد الشهداء حكايةَ خلودٍ تُتناقلُ من جيلٍ إلى جيل ستقولُ: ومن روى هذه الحكاية؟! أقولُ: "رواها من رآها"، فأنا حبةُ رملٍ من تلك الصحراء التي تلطّختْ بدماءِ الأزكياء، في أرضِ الكرب والبلاء، أنا صوتُ حزنٍ ورثاءٍ ودمعٍ ودماءٍ، أنا حبةُ رملٍ رأتْ فروتْ، أنا حبةُ رملٍ رأتْ فبكتْ وعلمتْ أنّ الدنيا لم تخشعْ ولم تُكبِّرْ إلا للحُسين

اخرى
منذ أسبوعين
119

من أقوالِ سيدِ الشُّهداءِ "عليه السلام" (3)

بقلم: شيماء المياحي قال الإمامُ الحُسينُ (عليه السلام): "القنوعُ راحةُ الأبدان"(١) الإنسانُ بطبيعته يبحثُ عن الراحة، راحة البدنِ والقلبِ (الاطمئنان)، ويسعى للحصول عليها ببذلِ الجُهدِ والمالِ والوقتِ (العمر)، وقد يحصلُ عليها وينعمُ بها وقد لا يحصل؛ لعله لافتقاره إلى معرفةِ المُقدماتِ المؤديةِ لها، فقد يطلبُ الإنسانُ الراحةَ بالسعي لتوفيرِ ما يُضاعفُ تعلُّقُه بالدُنيا، وقد وردَ في الحديث عن صادق العترة (عليه السلام): "من تعلّقَ قلبُه بالدنيا تعلّقَ قلبُه بثلاثِ خصال: همٍ لا يفنى، وأملٍ لا يُدركُ، ورجاءٍ لا يُنال"(٢)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من غلبتِ الدنيا عليه عمى عمّا بين يديه"(٣) فالتعلُّقُ بالدنيا لهُ ما لهُ من المتاعبِ ومنها: إنّه سببُ الهم الغم، وطولُ الأمل، ويُعمي الإنسان عن النعمِ التي أنعم اللهُ (تعالى) بها عليه؛ ولذلك يبحثُ المُتعلِّقُ بالدنيا عن الراحةِ ولا يجدها، ومن هُنا فقد أرشد أئمةُ الحقِّ (عليهم السلام) إلى طُرُقِ اكتسابِ الراحةِ، وأهمها القناعة.. والقناعةُ: هي الاكتفاءُ بقدرِ الحاجةِ والضرورةِ من أمورِ الدنيا، ولا يُنافي ذلك السعيُ إلى طلبِ حوائجِ الدنيا فيما يُعينُ الإنسانَ على آخرته. وقد وردَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يُقنِعْه اليسير، لم ينفعْه الكثير"(٤) ومن نتائج القناعة: ١- العِز: فالقناعةُ تورثُ عِزّةَ النفس، فلا يطمعُ القنوع بما يملكُه الآخرون، فضلًا عن الرضا بما يملكُه، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "ثمرةُ القناعةِ العِز"(٥)، وعنه (عليه السلام) أيضًا: "ثمرةُ القناعةِ الإجمالُ في المُكتسبِ، والعزوفُ عن الطلب"(٦) ٢- صلاحُ النفس: فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "كيف يستطيعُ صلاحَ نفسِه من لا يقنعُ بالقليل؟!"(٧)؛ وذلك لأنَّ صلاحَ النفسِ إنّما يكونُ بتزكيتِها عن الطمعِ والجشعِ، وترويضها على الاستقامةِ وإنْ كان بمنعِها عمّا ترغبُ وتشتهي، وذلك من خلالِ التحلّي بالقناعة. ٣- يُسرُ الحسابِ في الآخرة: وقد ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "اقنعْ بما أوتيتَه يخفُّ عليك الحساب"(٨) وعن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): "من رضيَ من اللهِ باليسير من المَعاشِ رضيَ اللهُ منه باليسيرِ من العمل"(٩) ٤- العفاف: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من قنعتْ نفسَه أعانتَه على النزاهةِ والعفافِ"(١٠) فضلًا عن الاستقرار النفسي، الذي يرتبطُ به الاستقرارُ الصحي عند الإنسان والواقعُ خيرُ شاهدٍ على ذلك، علاوة على كثرةِ ما نسمعُ من أهلِ الاختصاص بأنّ نسبةً كبيرةً من الأمراضِ الجسدية؛ سببُها عدمُ الاستقرار النفسي، ورُبّما هذا ما يعنيه الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) بقوله: "القنوعُ راحةُ الأبدان" ومما يؤدي للقناعة الإيمانُ بالله (تعالى) والاعتقادُ بصفاته، وأنَّه عادلٌ حكيمٌ، لا يُعطي ولا يمنعُ إلّا عن حكمةٍ وعدالةٍ، ومن أجلِ ما تتوقّفُ عليه مصالحُ الخلق، سواء في الدنيا أو الآخرة، فإذا ترسّختْ هذه العقيدةُ في قلبِ الإنسانِ وبأدلِّتها اليقينية؛ سوفَ تحصلُ له القناعةُ التامّةُ بكُلِّ ما يُعطى وما يُمنعُ من قِبل الله(تعالى). ولكنّ هناك قسمًا مذمومًا من أقسامِ القناعة، وهي القناعةُ في الأمور المعنوية، فلا ينبغي للإنسانِ أنْ يقنعَ باليسيرِ في هذا الجانب، كالعلمِ، والإيمانِ، والتقوى، والتحلّي بالأخلاق الحميدة؛ لأنَّ الإسلامَ دعا المسلمَ إلى التزوّدِ والتنافسِ فيها، قال (تعالى): "وَفِي ذَلِكَ فَليَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ"[المطففين:٢٦]، وقال (تعالى): "وَتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقوَى"[البقرة:١٩٧] إذن، الأمورُ المعنويةُ ولا سيما العبادة لا مجالَ للقناعةِ فيها؛ فقد قال (تعالى): "وَاعبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأتِيَكَ اليَقِينُ"[الحجز:٩٩] ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) ميزان الحكمة: ج٣ (٢)و(٣) نفس المصدر: ج٢ (٤) بحار الانوار: ج٧٥ (٥) غرر الحكم (٦) غرر الحكم (٧) - (١٠)ميزان الحكمة: ج٣

اخرى
منذ 6 أيام
88

خاطرة

رقى سماءَ كربلاء قمــرٌ بازغٌ شعَّ شعاعُه في عالــمِ التكـوين كانتْ أبصارُهم شاخصةً قِبلهِ فصاحَ بهم صائحٌ: دونكم ضيغمُ حيدرة وشبله ذاك هو العباسُ بن علي حاملُ لواءِ سبطِ النبي

اخرى
منذ 3 أسابيع
92

أخبريني كربلاء

بقلم: رشا الشمري كربلا بِالسِّبْطِ مَاذَا قَدْ جَرى؟ إنَّ فيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا.. كربلا قَوْلِي فَمنْ ذَاقَ الحتوف؟ بَيْنَ سَبْعِينَ تُلَاقِيهَا الأَلوف.. إنَّهَا مَلْحَمَةٌ.. وَادِي الطفوف هَمُّهَا فِي كُلِّ قَلْبٍ أَثَّرَا.. إِنَّ فِيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا كَرْبَلَاء أَخْبِرِينَا عَنْ الحُسَيْن عَنْ جَبِينٍ شَعَّ نُورَا كَاللُّجَيْن سَهْمُ حِقْدٍ نَابِتٌ فِي جَفْنِ عَيْن ظامئُ الثُّغَرِ يُحَاكِي أَنْهُرًا إنَّ فِيكَ السَّيْفَ حزَّ المنحرا أَخْبِرِينَا عَنْ رُؤُوسٍ شَامِخَات عَنْ جُسُومٍ تصطلي فَوْقَ الفلاة عنْ عُيُونٍ كُلِّلَتْ بِالنَّائِبَات صَوتُ حزنٍ لِلمَآسِي كَبَّرَا إنَّ فِيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا هَلْ يَقِينًا أَنَّ فِيكَ مِنْ رَضِيع لَاهِثَ القَلْبِ وَفِي الطفِّ صَرِيع يَرْتَوِي مِنْ مَنْهَلِ النَّحْرِ النجيع بَيْنَ أَحْضَانِ أَبِيهِ فرفرا إنّ فِيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا أعْلمِيني عَنْ شَدِيدٍ للفحول صالَ كَاللَّيْثِ بِبَدْرٍ إِذْ يصول عسْعسَ المَوْتُ بكفيَه المُهَول فِي الوغى عَبَاسُ فِيهُمْ زَمْجَرَا. إنَّ فِيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا أَخْبِرِينِي كَرْبَلَاء عَنْ دُمُوع فِي مَآقي الصَّبْرِ مَا لَاقَتْ رُكُوع زَيْنَبُ الحَوْرَاءُ تَشْكُو لِلضُّلُوع صَدْرُ سِبْطٍ بخيولٍ كُسِّرَا إنَّ فِيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا أَخْبِرِينِي عَنْ سَبَايَا.. عَنْ عِيَال قَادَهُمْ لِلأسرِ أَقْوَامُ الضلَال أرْتَجِي مِنْكِ جَوَابًا للسؤال: كَيْفَ سَارُوا فِي الفيافي يَا تُرَى؟ إنَّ فِيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا كَرْبَلَاء أَخْبِرِينِي عَنْ شُمُوس فِي دِمَاهَا كَمْ وَجَدْنَا مِنْ دُرُوس فَوْقَ أَعِنانِ القنا تِلْكَ الرُّؤوس قُدْوَةٌ لِلمَجْدِ فَخْرٌ للورى إنَّ فِيكِ السَّيْفَ حزَّ المنحرا

اخرى
منذ 6 أيام
103

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
58063

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
39137

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
32079

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31092

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30782

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
27538