الدلال وأثره السلبي على شخصية الطفل

يقع الكثير من الآباء والأمهات في اخطاء كبيرة عندما يلبّون كل رغبات اطفالهم ولا يرفضون لهم طلباً، معتبرين ذلك جزءً من الحب الصحيح الذي يقوي روابط المحبة بينهما، بل يعجز البعض عن رفض اي طلب مهما كان نوعه بحجة عدم كسر نفسية الطفل. إن تصرف الأب او الأم هنا إنما هو صادر عن طريق العقل اللا واعي الذي يستجيب للأوامر نتيجة انعكاس حالة شعورية عاشها الأب أو الأم في ايام طفولتهما، وهذه الحالة يمكن ان تكون بسبب الحرمان الذي مرّ به الأبوان، فهما لا يريدان لطفلهما ان يعيش او يشعر بما شعرا به وعاشاه أيام طفولتهما فيحاولان التعويض لحرمانهما عن طريق تلبية كل رغبات الطفل، وهنا المصيبة والطامة الكبرى، فالأولاد يتمادون في كثرة الطلبات وخصوصاً اذا لمسوا ضعفاً من والديهم في عدم رفض طلباتهم وتلبية نزواتهم حتى وإن كانت خاطئة وفيها أضرار مستقبلية وآنية. فمن الخطأ الكبير أن نعود الاطفال على تلبية كل ما يفكرون فيه وكل ما يرغبون به بحجة الحب ، فهذا يعتبر من الحب الخاطئ الذي يجعل الابناء يتحكمون بالآباء ويسيطرون عليهم ويقودونهم، مما يضعف مكانة الاب والأم. فترى كثيرا من الآباء والامهات يخضعون ويتوسلون لأبنائهم من اجل كسب رضاهم ، وهذا ما يشكل خطرا عظيما على مستقبل الأسرة ويهدد كيان المجتمع. وتبدأ صفة الانانية لدى الابناء بالظهور والنمو بسبب الدلع والدلال ، وتولّد لديهم شعور بعدم المسؤولية اتجاه أنفسهم واتجاه أسرهم ومجتمعهم. فهو لا يبالي الا بتوفير طلباته واحتياجاته ، فترى البعض من الاطفال يتمادى في الصياح والبكاء بوجه ابيه او امه اذا قوبل طلبه بالرفض ، بل يصل الحال الى الزعل ومقاطعة الاهل بعدم الحديث معهم ، من اجل الضغط عليهم في توفير كل طلباته، وهنا يسارع الاهل بتلبية رغبات طفلهم المدلل الذي بدأ يشعر بان من حقه ان يطلب ما يشاء وما يرغب. بل نلاحظ ان البعض من الاباء يقوم بشراء سيارة لولده وهو في سن الثانية عشرة، ظناً منه ان هذا يعد جزءً من الحب ، مما يدخل نفسه في دوامة من المشاكل العديدة اولها مشاكل الحوادث واصدقاء السوء والمصلحة الذين يستغلونه... اذن وجب على الأهل والحالة هذه توفير احتياجات الطفل الضرورية والمهمة والتي لاتعد اسرافا ولا بذخا لكي لا يعتاد الطفل على التبذير وتكثر طلباته بدون مبرر، فاذا كان لديه ملابس لابأس بها فلا داعي لشراء ملابس جديدة بمجرد ان يطلب الولد ذلك ، بل يجب ان نوفر له باعتدال ، ونرفض ما نراه غير مناسب وغير ضروري ، وهنا سيفهم الطفل ذو السبع سنوات والعشرة سبب الرفض ليتشكل لديه مفهوم ما هو ضروري، ويكون قنوعا بما يطلب من حاجات تكون مناسبة لشأنه مع أقرانه ومع وضع عائلته الاجتماعي. إن من سلبيات تدليل الاطفال هو:_ ١:_يدفع الاطفال الى البكاء والعويل بمجرد رفض طلباتهم.. ٢:_يجعلهم غير مسؤولين ولا يتحملون نتائج اخطائهم مما يدفع بالأهل إلى الدفاع عنهم في اغلب الاحيان وحل مشاكلهم.. ٣:_يضعف شخصية الطفل ويجعله اتكالياً وغير مبالي بإتعاب والديه.. ٤:_يلقي بأخطائه على الاخرين وعلى الزمن . ٥:_تنمو لديه صفه الانانية والغرور ... ٦:_لا يقبل عذر والديه إن عجزا عن توفير ما يريد اذن بعد ان عرفنا مضار تدليل الابناء وجب علينا ان نقدم لهم الحب باعتدال وبدون مبالغة ، فكل شيء يجب ان نوفره لهم يجب ان يكون باعتدال وباتزان لكي يكون الاطفال متزنين ومعتدلين في كل شيء، في تصرفاتهم وفي طلباتهم ، والابناء يتشكلون وفق طريقتنا في التصرف معهم، فلنختر طريقة مناسبة في التعامل معهم تدفعهم الى فهم متطلبات الحياة بشكل واقعي غير مبالغ فيه.. ومن الله التوفيق قاسم المشرفاوي

اخرى
منذ سنتين
6094

كذب مفترى

انتشر على الشبكة العنكبوتية مقولة نسبوها إلى أمير المؤمنين – عليه السلام- (لا تبك على وسادتك فلن تغيّر من الأمر شيئًا وابك على سجادتك وسيرزقك الله بعد العسر يسرًا). أن هذه المقولة ليست من الروايات أصلًا. فهو كذب نسب إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ). مضافاً إلى أن القرآن الكريم يقول (فإنّ مع العسر يسرًا) ولم يقل (بعد العسر). المقولة نفسها من حيث المعنى تهدف إلى اللجوء إلى الله والتضرع له بالصلاة والسجود والبكاء، بدل حالة اليأس التي تصيب الإنسان وقت وقوعه بمشكلة ما، وهذا أمر لا بأس به بلا أدنى شك. ولكن علينا أن نتذكر أن من آداب الدعاء هو أن يدعو العبد في الرخاء على نحو دعائه في الشدة ، لما في ذلك من الثقة بالله ، والانقطاع إليه ، ولفضله في دفع البلاء ، واستجابة الدعاء عند الشدة ، ولا ينتظر أن يقع في الشدة ليدعو الله تعالى. قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه : ( وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ..) الزمر : ۸ وقال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ( من سَرَّهُ أن يُستجابَ له في الشدة ، فليكثر الدعاء في الرخاء ).(١) وكان من دعاء الإمام السجاد ( عليه السلام ) : ( ولا تجعلني ممن يبطره الرخاء ، ويصرعه البلاء ، فلا يدعوك إلا عند حلول نازلة ، ولا يذكرك إلا عند وقوع جانحة ، فيضرع لك خدَّه ، وترفع بالمسألة إليك يده ) .(٢) إنها مسؤولية عظيمة أمام الله عز وجل، فلا ينبغي للإنسان أن ينشر كل ما يقرأ أو يسمع إلا بعد التحقق من صحة الحديث والرواية من حيث السند والدلالة. قال تعالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36]، فالإنسان مسؤول عن سمعه وقلبه وبصره فالواجب عليه ألا يقول: سمعت كذا إلا عن بصيرة، ولا يقول: نظرت كذا إلا عن بصيرة ولا يحكي إلاعن بصيرة أو يعتقد بقلبه إلا عن بصيرة، لأنه لابد أن يكون مسؤول، فالواجب عليه أن يتثبت وأن يعتني؛ حتى لا يتكلم إلا عن علم ولا يفعل إلا عن علم ولا يعتقد إلا عن علم؛ ولهذا قال جل وعلا: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36]، قال أمير المؤمنين( عليه السلام )في وصيته لابنه محمد ابن الحنفية رضي الله عنه: يا بني لا تقل ما لا تعلم بل لا تقل كلما تعلم فان الله تبارك وتعالى قد فرض على جوارحك كلها فرايض يحتج بها عليك يوم القيامة ويسألك عنها وذكرها ووعظها وحذرها و أدبها ولم يتركها سدى، فقال الله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا " وقال الله عز وجل: " إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هنيئا وهو عند الله عظيم " (٣). وعليه فإننا مسؤولون أمام الله تعالى يوم القيامة عن أي حركة أو سكنة ومنها نشر الكلام المنسوب لأمير المؤمنين ( عليه السلام ). على أن نشر مثل هكذا احاديث وروايات منسوبة يفتح بوابة الابتداع ونشر الخرافات. وفي الختام نقول: إن المقولة المنسوبة للأمام علي عليه السلام هي مجرد كلام لغط واضح لا يمت بصلة لبلاغة و لا تحتضنه فصاحة فكيف يصدر عمن كانت البلاغة و الفصاحة دأبه وهو أمير البلغاء، ولا يوجد لها دليل في الكتب الحديثية. رغم إمكان قبول بعض من معناه كما تبين. ---------------------------- (١) -الكافي ج ٢ص ٤٧٢ (٢)- الصحيفة السجادية (٣)-جامع أحاديث الشيعة - السيد البروجردي - ج ١٤ - الصفحة ١٢٨ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
3438

" مُحَمَّد الجَواد بين الأنبياءِ والأوصياِء "

عندما نستقرئ حياة وسيرة الإمام الجواد (عليه السلام) منذ ولادته، إلى حين استشهاده (صلوات الله عليه)، يمكن أن يتضح لنا، أو نستنتج وجود شبه بين الإمام (عليه السلام )، وبعض الانبياء وبعض الأئمة (عليهم السلام)، وفي هذا المقال، نُورِد وبشكلٍ مختصرٍ بعض أوجه الشبه تلك... أولا: الجواد وموسى الكليم (عليهما السلام) كان الإمام الرضا قد بلغ الخامسة والخمسين، ولم يرزق بولد وهذا التأخير كان تمحيصاً شديداً، وابتلاءً عظيماً للمؤمنين "حَتَّىَ يَمِيزَ الْخبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ"(١). حيث إنّ البعض قد بدأ يُشكّك في مصداقية إمامة الإمام الرضا (عليه السلام)، لعدم وجود عقب له، وأخيراً ولد الإمام سنة (195هـ)، وقال الإمام الرضا عليه السلام عند ولادته: "قد ولد لي شبيه موسى بن عمران فالق البحار وشبيه عيسى بن مريم"(٢). فمن هذه الجهة تشابهت قصّة ولادته (عليه السلام) بموسى(عليه السلام)، حيث إنّ بني إسرائيل يئسوا من ظهور المنقذ لهم من ظلم فرعون بسبب تأخيره، حتّى أتاهم بعد فترة من الامتحان والاختبار. ثانيا: الجواد وعيسى بن مريم (عليهم السلام) وجه الشبه بينه وبين عيسى (صلوات الله عليه)، فهو أنّ عيسى (عليه السلام) آتاه الله تعالى الكتاب والنبوّة وهو طفل رضيع، وتكلّم في المهد وهو صبيّ، كذلك الإمام الجواد(عليه السلام) آتاه الله الإمامة وهو طفل، وكان يكلّم الناس بكلام الحكماء والعرفاء، وهو في مرحلة الطفولة، قال تعالى، في كتابه الكريم: " قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ... " (٣) ، وكذلك تحدّث عن يحيى (عليه السلام) فقال : " يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " (٤) . ثالثا: الجواد والحسن المجتبى (عليهما السلام) وجه الشبه بينهما (صلوات الله عليمها)، هو أنّ الإمام الجواد (عليه السلام)، استُشهِد بالسَّم على يد زوجته، أم الفضل بنت المأمون، التي قد سمته بتحريض من الخليفة العباسي المعتصم (لعنهم الله)، مثلما استُشهِد جده الحسن المسموم (عليه السلام) على يد زوجته، جعدة بنت الأشعث، بأمر الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان (لعنة الله عليهم). رابعا: الجواد والحسين الشهيد (عليهما السلام) إنّ أبرز حدث شابه به الإمام الجواد (عليه السلام) جده الإمام الحسين (عليه السلام) كان في استشهاده، ويمكن القول أن الجواد (عليه السلام) شارك جده في بعض مصائبه فقد روي أن الجواد (عليه السلام) قد مات وهو عطشان، الشبه الآخر يكمن في بقاء الجسد الشريف للإمام الجواد (عليه السلام) على الأرض عدة أيام بلا غسل ولا كفن كما حدث للإمام الحسين (عليه السلام). وقد أشار لهذا الأمر صاحب نور الإبصار بقوله “فلما قضى نحبه أمر المعتصم بأن يرموا جسده الشريف من أعلى السطح الى الأرض ومنع الناس ان يحملوه ويشيعوه ويدفنوه ويدنوا منه وبقي جسده على الأرض أياما بلا غسل ولا كفن ولا دفن”. خامسا: الجواد والمهدي الموعود (عليهما السلام) هناك تشابه كبير بينهم (صلوات الله عليهم)، وكالآتي: ١- اسمهما: فكلاهما يبدأ اسمهما باسم النبي محمد (صلى الله عليه و آله) ٢- حضور السيدة حكيمة في ولادتهما: فقد روي عند ولادة الجواد (عليه السلام) أنّ الإمام الرضا (عليه السلام) دعا السيدة حكيمة بنت الامام الكاظم (عليهما السلام) لحضور ولادته كما في ولادة الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه) عندما دعا الإمام الحسن العسكري السيدة حكيمة بنت الامام الجواد (صلوات الله عليهم أجمعين) لحضور ولادة آخر انوار الهدى. ٣- عند ولادته سطع نورا وكذلك المهدي (عجّل الله تعالى فرجه). ٤- تَكَلم الإمام الجواد (عليه السلام) في المهد، وكذلك الإمام المهدي (روحي لتراب مقدمه الفداء)، أيضاً تَكَلم في مهده. ٥- تَقَلَّد الجواد الإمامة في سنٍ مبكرةٍ، وهو في سن السابعة من عمره الشريف، وكذلك المهدي تَقَلَّد الإمامة، في سن مبكرة، وهو في السن الخامسة من عمره الشريف. _______________ ۱ـ آل عمران: ١٧٩ ٢- بحار الأنوار: ٥٠/١٥ عن عيون المعجزات. ٣- مريم: ٢٩، ٣٠ ٤- مريم: ١٢ اَلسَّلامُ عَلى اَئِمَّةِ الْهُدى، وَمَصابيحِ الدُّجى، وَاَعْلامِ التُّقى، وَذَوِى النُّهى، وَاُولِى الْحِجى، وَكَهْفِ الْوَرى، وَوَرَثَةِ الاْنْبِياءِ، وَالْمَثَلِ الاْعْلى، وَالدَّعْوَةِ الْحُسْنى، وَحُجَجِ اللهِ عَلى اَهْلِ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَالاْولى وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ. #إشراقة

اخرى
منذ سنتين
2872

ومـضةٌ توحيدية مِن تراث الإمام الجواد (عليه السلام)

روي عن أبي داود بن القاسم الجعفري أنه قال : "قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام) : ( قل هو الله أحد )، ما معنى الأحد ؟ قال (عليه السلام): المجمَع عليه بالوحدانية, أما سمعته يقول : ( ولئن سئلتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولنّ الله)؟ ثم يقولون بعد ذلك له شريك وصاحبة. فقلت : قوله (لا تدركه الأبصار)؟ قال (عليه السلام): يا أبا هاشم ! أوهام القلوب أدقّ من أبصار العيون ، أنتَ قد تدرك بوهمك السند والهند، والبلدان التي لم تدخلها، ولم تدرك ببصرك ذلك، فأوهام القلوب لا تدركه، فكيف تدركه الأبصار؟ "(1). شــرح الحديث: ما أشار إليه سيّد التوحيد الإمام محمد الجواد (عليه السلام) هو أوّل أقسام التوحيد وهو التوحيد الذاتي, فالإمام يفسّر أحديّة الله تعالى بأنّه سبحانه أحدٌ لا شريك له, بدلالة قوله تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)(2). ولهذا نجده (صلوات الله عليه) عقّب بالآية الكريمة (ولئن سئلتهم من خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر ليقولنّ الله), أي إنّ الجميع يشـهد ويجمع على أنّ الذي خلق السماوات والأرض وسخّر الشمس والقمر هو الله وحــــده لا شريك له. وحينما سأله السائل عن تفسير قوله تعالى (لا تُدرِكهُ الأبصار) أجاب (صلوات الله عليه) مقارناً بين الوهم وبين الرؤية, والوهم أو التخيّل أوســع مِن الرؤية البصرية, بدلالة إمكان توهم –أو تصوّر- الإنسان صورة حصان له عشرة أرجل رغم أنّه في الواقع لا يوجد ليبصره بعينه. فالمعصوم (صلوات الله عليه) يقول للسائل: إنّك لا تستطيع أن تتوهم أو تتخيل أو تتصور ما هو الله تعالى بخيالك الواسع ذلك, فكيف تريد أن تعرفه ببصرك الذي يعجز عن رؤية ما تتوهمه أنت ؟!. - ولعلّ القارئ يتساءل: لماذا لا يمكن أن نعرف ما هو الله تعالى بالوهم أو بالرؤية البصرية؟ - نقول له: الجواب يكون في النقاط التالية: 1/ فلسفياً: لأنّكَ لـو أحطتَ به وهماً أو بصراً لأصبحَ هو سبحانه مُـحاطاً وأنتَ محيط به, وهذا باطل؛ لأنّه تعالى هو المُحيـط بك وبأوهامك ورؤيتك، فهو غير المتناهي في كل شيء. 2/ علمياً: إنّ العين البشرية تستطيع رؤية الأشياء بسبب جزيئات الضوء تُدعى بالفوتونات، التي تسقط على الأجـسام حولنا، ثم ترتد على أعيننا. وتستقبل أعيننا هذه الفوتونات الضوئية على ما يقرب من 126 مليون خلية حساسة للضوء في شبكية العين. فالفوتونات تسـقط على الأجسام ثم ترتد إلى العين فتنطبع صورة ذلك الجسم في الذهن وتبصره العين. لكن الله جلّ جلاله يخبرنا في كتابه الكريم أنّه لا يمكن رؤيته بالعين الباصرة, بدلالة الآية الكريمة: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِير)(3) فالله سبحانه هــو مَن يدرك بصرك ويحيط بك, وليس أنت تدرك الله تعالى وتحيط به, فتأمل فالفارق كبير. كل ذلك لأنه تعالى ليس جسماً ولا جسمانياً. 3/ كلامياً: عقيدتنا في الله تعالى أنّه ليس كمثله شيء, ليس جسماً ولا صورة حتى يمكن رؤيته أو توهمه. روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال واصفاً ربّه: "ليس بشبح فيرى، ولا بجسم فيتجزأ، ولا بذي غاية فيتناهى، ولا بمحدث فيبصر، ولا بمستتر فيكشف، ولا بذي حجب فيحوى"(4). فـالرؤية البصرية ممتنعة عليه تعالى, لأنّ: * المرئـي = جسم * والجسم = مركب من أجزاء * والمركب = محتاج إلى أجزائه * والمحتاج = مخلوق * والله تــعالى خـالق غــير مخلوق. فثبـتَ المطلوب وهو امتـناع رؤية الله جلّ جلاله. _______________________ (1) الاحتجاج : 2 / 338 . (2) الاخلاص: 4. (3)الأنعام: 103. (4) التوحيد: للشيخ الصدوق, ص78. والحمد لله الذي علم السرائر، وخبر الضمائر، له الاحاطة بكلّ شيء، والغلبة لكلّ شيء، والقوة على كلّ شيء، دلّت عليه أعلام الظهور، وأدرك بذاته خفيّات الامور، حمداً دائماً سرمداً أبداً، وصلّى الله على محمدٍ وآله، مخازن سّر الله ومعادن حكمة الله، اللّهم فبحقهم وقربهم وحبهم اجعلنا من أهل توحيدك. علوية الـحسيني

اخرى
منذ سنتين
3437

دراسات قرانية (نظرات في أية السعي)

قال تعالى (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعْىَ قَالَ يَٰبُنَىَّ إِنِّىٓ أَرَىٰ فِى ٱلْمَنَامِ أَنِّىٓ أَذْبَحُكَ فَٱنظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِىٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ) (1) الرؤيا هي التي يتعطل فيها الزمان والمكان حيث يجتاز فيها النائم حاجز الغيب الزماني والمكاني ويرى الاشياء قبل حدوثها زمانا او يرى أشياء وقعت قي مكان بعيد عنه .. انواع الرؤيا : قال الأمام الصادق عليه السلام " الرؤيا على ثلاثة وجوه : بشارة من الله للمؤمن وتحذير من من الشيطان وأضغاث احلام " (2) ونحن في صدد البحث " البشارة الصادقة من الله لعبده المؤمن " وقد تكون للأنبياء والأئمة وقد تشمل الأولياء الصالحين لكن هنالك فرقا بين رؤياهم بلا أدنى شك فإن رؤيا الأنبياء وحي من الله كما قال أمير البلاغة الأمام علي عليه السلام " رؤيا الانبياء وحي " (3) فتكون حجة بينما رؤيا الأولياء الصالحين لا تؤدي إلى الجزم اليقيني وبالتالي فلا حجية لها في أمور الدين فهي بشارة لهم .. ورؤيا النبي إبراهيم عليه السلام هي إنكشاف تجريدي حيث رأى الحقيقة كما هي في عالم الحقائق العالم الأول نتيجة لما وصل الى مرتبة من الأرتقاء الروحي وخلع النفس وهي لا تحتاج الى تفسير أو تعبير .. الجانب التربوي والاخلاقي من الآية الشريفة -- وضوح الرؤية : نجد أن النبي أسماعيل عليه السلام يعلم منذ صغره إن رؤيا الأنبياء حق وهي وحي من الله لذا نجده يقول لإبيه ( أفعل ما تؤمر ) -- السمع والطاعة والبديل السريع للبر والطاعة : فقد استسلم النبي اسماعيل لطلب والده على الرغم من صعوبته وعندما يطيع الأنسان ربه او يطيع والديه في امر يكره فعله فأن الله يعوضه خيرا فنال النبي أبراهيم وأسماعيل جائزة فورية نتيجة نجاحهما في الاختبار -- أعمل صالحا وأترك أثرا : فالعمل الصالح عمره طويل واثره كبير لهذا أصبحث قصة الذبح تاريخا للناس حتى قيام الساعة -- الصداقة التربوية : يتضج من الحوار الذي دار بين الأب وابنه إن العلاقة بينهما قوية جدا بحيث وصلت الى مرحلة الصداقة مما يصعب تحصيلها في مرحلة المراهقة --الحوار الناجح : إنه على الرغم من ان النبي ابراهيم تلقى امر الذبح من الله إلا أنه إستشار ابنه وأخذ رايه ( ماذا ترى ) وهي علاقة تربوية تشير الى إن الحوار مع الأبناء حتى في الامور المسلمة من قبل الله ، لأن الأبناء يرون الحوار معهم احتراما وتقديرا لهم اذ إن طبيعة الشاب انه لا يحب الفرض والقسر .. -- الصبر على الامور الصعبة : ستجدني إن شاء الله من الصابرين " فالنبي أسماعيل صبي ولكنه يعرف معنى الصبر ويعيشه بشكل عملي ويستعين بربه ليعينه عليه ، وهذا مؤشر لنجاح تربية النبي أبراهيم عليه السلام فالنبي اسماعيل تربى على قيمتين الأولى الصبر والثانية الأستعانة بالله -- الابتلاء العظيم : " إن هذا لهو البلاء العظيم وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الاخرين " إن النبي أبراهيم لم يرزق بولد حتى بلغ به الكبر وقد جاء بعد انتظار واذا بالامر الالهي يريد منه ذبح هذا الولد المنتظر والأصعب حينما يكون تنفيذ امر الذبح بيده فلما نجحا في الأختبار جازاهما الله بمكافأة عظيمة وصارت سنة للمسلمين حتى قيام الساعة .. ____________________ (1) سورة الصافات اية 102 (2) الكافي ج8 ص 482 (3) الأمالي للشيخ الطوسي 338 بقلم: حوراء مالك

اخرى
منذ سنتين
1576

لا تفرح بسقوط غيرك...

(لا تفرح بسقوط غيرك فإنك لا تدري ما تضمر لك الأيام) قولٌ تداولته بعض مواقع التواصل الاجتماعي على أنه من أقوال أمير المؤمنين (عليه السلام)، وللوقوف على صحة نسبته للإمام علي (عليه السلام) لابد من دراسته دلالةً وسنداً. فأما من حيث الدلالة، فمعلومٌ أن حال الانسان في الحياة الدنيا لا يعدو إما في صحة أو سقم، وإما في غنى أو فقر، وإما في فراغ أو عمل، وإما أن يكون له ذرية أو يعاني من العقم، وفي كل هذه الأحوال بل وفي غيرها إنما يكون الانسان في امتحان لازم واختبار دائم، إذ لا يكاد ينتهي من اختبار حتى يستلمه اختبار آخر، بل وقد يكون في اختبارات عدة في الوقت نفسه!! ولا يسلم من هذا الحال حتى الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام)... ومما تجدر الإشارة إليه أنّ ما من إنسان يمر في هذه الدنيا ببلاء أو يعاني فيها من بأساء إلا ومن حوله من الأحبة والأهل والأصدقاء لهم في ابتلائه ابتلاء، فهم في اختبارٍ يُعرف به حجم صداقتهم ومحبّتهم إيّاه، ويُكشف به مقدار وفائهم وإخلاصهم له، فينبغي أن يكونوا له نعم المُعين على تجاوز الأزمات، وإلا فالتخفيف عنه بتقديم المواساة، وإلا فكف الأذى عنه في أدنى الدرجات. إلا أن البعض وللأسف الشديد يحسب أن الدنيا ستدوم معه على أحسن حال، فيشمت بهذا ويفرح بسقوط ذلك متسماً بأدنى الخصال، ناسياً أو متناسياً أنها دنيا وأن دوام الحال فيها من المحال؛ ولذا يصح القول الآنف الذكر من حيث الدلالة؛ فالدنيا متقلبة الأحوال دائماً وأبداً، فمن تراه اليوم مستبشراً ضاحكاً لابد وأن يكون يوماً ما حزيناً باكياً، ومن تراه اليوم سليماً يجيء حتما اليوم الذي تراه فيه سقيماً، وهكذا... ولا يوافق القول الآنف الذكر العقل وحسب، بل وإنه يوافق الشريعة الإسلامية أيضاً، فقد ورد عن الإمام علي (عليه السلام):"لا تُظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك"(1)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "من شمت بزلة غيره شمت غيره بزلته"(2)، كما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال:" لا تُبدِ الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويُصيِّرها بك"(3)، وقال: "من شمت بمصيبة نزلت بأخيه لم يخرج من الدنيا حتى يفتتن"(4)؛ ولذا (فينبغي لكل عاقل أنْ يتأمل أولاً: إنّ الشماتة بمسلم بمصيبة لا ينفك في الدنيا من ابتلاءه بمثلها)(5). وبالرغم من صحة هذا القول كما تقدم عقلاً وشرعاً، واشتماله على الحكمة ودعوته الى العبرة، إلا أنه لا تصح نسبته الى أمير المؤمنين (سلام الله عليه) لعدم وروده في الكتب الحديثية فضلاً عن ركاكة أسلوبه واستبعاد كونه صادراً عن أمير البلاغة وسيد البيان (عليه الصلاة والسلام)، فهو إذاً من الأحاديث المكذوبة على أمير المؤمنين (عليه السلام) وإن صحّ معناها. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) غرر الحكم ج1 ص145 (2) المصدر السابق (3) الكافي ج2 ص359 (4) المصدر السابق ج2 ص502 (5) جامع السعادات ج2 ص68 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
6944

حجابي، وعباءتي من حقوق المرأة أيضاً يا سادة!

كثيراً ما تتم المطالبة وترتفع الأصوات تنادي باحترام من لا ترتدي الحجاب، ذلك لكونها إنسانة بغض النظر عن انتمائها وملبسها، وجزى الله المطالبين وأدام تعقّلهم لأن نداءهم صحيح جداً ويعكس جنبة الإنسانية في الدين والتي يدعونا لها أئمتنا وعلماؤنا.. فقول الإمام علي في نهج البلاغة: "الناس صنفان، أما أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق". لا يخفى على أحد. ومما جاء في إحدى خطب الجمعة للمرجعية الدينية بتأريخ (١٩ / ٥ / ٢٠١٧) : "لا يجوز أن تكون هنالك نظرة استعلاء وازدراء واحتقار للآخر مهما كانت عقيدته ولا يجوز بناء علاقة وفق هذه النظرة، فالجميع من أصل انساني ويجب التعامل معه وفق هذا المبدأ". والكلام للمطالبين بأن مطالباتهم لابد أن تتوسع لتشمل تلك التي ترتدي الحجاب في مجتمع السفور، أو التي ترتدي العباءة في المدن غير المحافظة ويُنظر لها نظرة الدونيّة ويشاح البصر عنها مستعلياً، وتحكم العقول عليها بالتخلف! نحن في سنة 2018 حيث نداء احترام الآخر يصدع كأعلى ما يكون، لكنه لم يشمل الى الآن المرأة المحتشمة! يُطلق ليشمل أناساً دون أناس، حتى تنازل منطلقاً لمجرد مواكبة نداءات الحداثة التي على رأسها نداء حقوق المرأة، ومنهم من هو داخل الوسط [المحافظ] لكنه لم يكلّف نفسه بشمول تلك النسوة المخدّرات في صيحاته! على الجميع أن يعيد النظر في المفاهيم، ويأخذها على معناها الحقيقي؛ إذ إن مفهوم الحق يشمل تلك المرأة التي ترتدي الحجاب في وسط يرى الحجاب تقييداً ورجعية، فالرؤية والاعتقاد شيء يحتفظ به الإنسان لذاته ويطبقه على نفسه، والاحترام والتعايش شيءٌ آخر يفرضه الضمير والإنسانية عليه بإبدائه للآخرين.. فالتي تجيءُ من مدينة محافِظة الى أخرى "منفتحة" يكون حجابها وعباءتها داخلين ضمن الحق الوطني والشرعي، حيث أن العباءة تحمل طابع التراث العراقي أيضاً إضافةً لطابعها الديني وشعارها الزينبي، ولابد أن يتم حفظ هذا الحق، حق ارتدائها لزيها الذي اعتادته. إن كان أحد ينظر لحق المرأة على شكل عري، فهناك من ينظر لحقها على شكل ستر، والبروفيسور، والدكتور وغيرهما في الجامعة ممن يحاربون الطالبة المحجبة في حجابها ويُسمعونها عبارات الانتقاص، أو يستهزؤون بعباءتها، هم في الحقيقة سلبوا حقاً من حقوق المرأة مما يجب أن ينتفض من أجله الجميع ويطالب به. كلمة أخيرة لمن تتنازل عن حجابها لأجل إرضاء الآخرين: من لا يحترمكِ كما أنتِ فهو أولاً يقيّم ظاهركِ دون أن يلتفت لمحتواكِ. فلا تتنازلي لعقلٍ قاصر لم يدرك الى الآن بديهة من بديهيات الإنسانية وهي تقبّل الآخر كيفما يكون.. وقبل كل شيء ثقي بنفسكِ أكثر. زهراء حسام

اخرى
منذ سنتين
1490

على خطى القرآن

يقول الله عز من قائل "وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" 126/البقرة. ويقول سبحانه في آية أخرى "وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "135/البقرة. الملة إبراهيمية، والنهج محمدي، والسير والاقتداء علوي. ملة النبي إبراهيم (عليه السلام)، هي ملة التوحيد، التي سار عليها النبي محمد (صلى الله عليه واله وسلم) ولم يشق طريقا غيرها، حياته ومماته كانت إبراهيمية توحيدية لأنه (ومن يرغب عن ملة ابراهيم الا من سفه نفسه)130/البقرة ان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، لعلى خلق رباني مشهود له بالآيات القرانية، وحتى أضع النقاط على الحروف، ويتضح مابه بدأت وما أردت التكلم عنه بمقالتي، هو حول كلام، بعضهم يقول أنه كلام منسوب للإمام علي (عليه السلام) كلام لو طابقناه بكلام القرآن واحاديث الرسول المصطفى (صلى الله عليه واله وسلم) لانجد له لا ظلاً ولا أثراً، لاشبيها ولا مثيلاً لمفرداته التي لايقبلها الموالي المحب لرسول الله وعترته صلوات الله عليهم، والكلام هو «أن من أشد أعدائنا هم مجاوروا قبورنا»، ان الإمام علي (عليه السلام)، الذي كان يتبع الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) اتباع الفصيل لاثر امه 1، ورسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، الذي ملته على ملة ابراهيم الخليل (عليه السلام) ، حيث تبين بالآية القرانية كيف أنه دعا لأهل ومجاوري البيت الحرام بالأمن والرزق، فمثلما هناك احبة وموالون قد احسنوا الجوار، هناك أعداء ، لكن هذا الكلام الذي ينسب للامام علي (عليه السلام)، يبين أن مجاوري قبورهم هم أشد الاعداء، وكما يلاحظ فالكلام لم يخصص فئة دون أخرى بل هو شامل لمجاوري قبورهم، فكيف يعقل ذلك، فليس كل من يجوارهم سابقاً او هذه الايام هو عدو، فكيف يكون هذا الكلام مطلقاً! وإذا قلبنا ورقات التاريخ وجدنا المحب الذي يفدي نفسه لهم، وعلى جانب آخر هناك من يحيك المؤامرات عليهم، وإن كان حقا هذا الكلام، فكيف كان رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)، يوصي بحسن الجوار، وان ندعوا للجار ، وعلى خطاه كان الائمة صلوات ربي عليهم يحذون، وطبق كلامه ينطقون ،فسيدتنا ومولاتنا الزهراء (عليها السلام) كانت تدعو لجارها قبل دارها، وحيث أنهم الآن في جوار ربهم، فجارهم يبقى جارهم، ومحبهم يبقى محبهم، ودعاؤهم يبقى والطافهم لا يمنعها استشهادهم ،لانهم احياء بكلام الله تعالى"وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ "169/ال عمران . ___________________ 1:نهج البلاغة. وفاء البطاط

اخرى
منذ سنتين
3021

من صفات واجب الوجود (الله) .

بقلم اخوكم علي جابر الهلالي قبل الخوض في هذا الموضوع أنقل كلمة لأحد علمائنا حيث يقول: إن الله يختلف بصفاته عن صفات الممكن المشتركة معه بأنه ( فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى شدةً ومدّة ً وعدّةً) والمخلوقات كلها بالنسبة اليه (تعالى) موجودة بوجود ظلي تبعي بل عند المقايسة لا وجود لها حقيقةً كما قال (تعالى):" يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)"(1) ، فأين التراب من رب الارباب وأين النور من الظلمة وأين الوجود الأزلي الأبدي السرمدي الدائم من الوجود التبعي الظلي الفاني،"وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"(2) إننا قد أثبتنا في مقالاتنا السابقة أن الله موجود وانه واجب الوجود وانه لا يمكن ان يكون له خالق والآن نتكلم عن شيء من صفاته، فبالتأكيد أن لله صفاته المختصة به التي تميزه عن المخلوقات وإلا فأن مجرد إثبات أن الله واجب الوجود لا يكفي لمعرفته بصورته المتميزة. إذ من الممكن أن يعتقد البعض أن المادة العمياء أو الطاقة يمكن أن تكون مصداقاً لواجب الوجود لذلك كان من الضروري إثبات الصفات السَلبية الإلهية من جهة ليُعلم أنه منزه عن الإتصاف بالصفات المختصة بالمخلوقات ومن جهة أخرى لا بد أن نثبت صفاته الثبوتية ليتضح لنا أنه رب صالح للعبادة حقاً ولنمهد بذلك الأرضية لإثبات سائر المعتقدات الاخرى كالنبوة والمعاد وما يتفرع عنهما.. وحيث أن واجب الوجود غير محتاج الى علة وانه هو العلة الحقيقية لوجود الممكنات فإنه يثبت: أولا: عدم إحتياجه لأي موجود آخر وإلا لصار فقيراً والله غني. ثانيا: إن الموجودات الممكنة معلولة ومحتاجة اليه وهو العلة لوجودها وحدوثها. وبما أن واجب الوجود موجود بذاته وغير محتاج الى موجود آخر، معنى ذلك أنه موجود منذ الأزل ولم يسبق بعدم(أزلي) وأنه سنخ موجود لن يعدم في المستقبل(أبدي) وأحيانا نعبر عنه بالسرمدي بملاحظة الماضي والحاضر والمستقبل. وعلى هذا الأساس فكل موجود كان مسبوقاً بالعدم أو أنه يمكن زواله مستقبلا لا يكون واجب الوجود أبدا وبالتالي يتضح بطلان وجوب الوجود لكل ظاهرة مادية كالطاقة والشمس والقمر لأنها مسبوقة بالعدم وستفنى قطعا ومتغيرة ومتحركة وكلها من لوازم الممكنات. فمن خلال النتيجة الاولى نثبت أن الله لا يحتاج الى أي موجود آخر، وان واجب الوجود بسيط لا مركب لأن المركب محتاج ومفتقر الى أجزاءه ولأن كل جزء محتاج جزئه الآخر وحيث أن واجب الوجود منزه عن كل احتياج وبالتالي فهو بسيط لا مركب... علماً ان التركيب من لوازم الاجسام وبالتالي فإن كل موجود جسماني لا يمكن أن يكون واجب الوجود وبالتالي نثبت تجرد الله (تعالى) وعدم جسمانيته وأيضاً عدم إمكانية رؤيته بالعين أو أي حاسة أخرى لأن الحس متعلق بالاجسام والماديات. وبنفي جسمانية الواجب ننفي كونه في مكان أو في زمان، وبسلب الزمان من الواجب نسلب منه الحركة والتحول والتكامل لأن أي حركة أو تحول أو تكامل لا يمكن أن يتم بلا زمان وبالتالي فإن الله ثابت (لا متحركاً ولا ساكناً) . لذلك ان من أثبت لله مكانا كالعرش أو نسبوا له الحركة والهبوط من السماء أو اعتقدوا بأنه قابل للتحول والتكامل لم يعرفوا الله حق معرفته. وبصورة عامة فكل مفهوم يدل على نوع من النقص والتحديد والاحتياج منفي ومسلوب عن الله (تعالى) وهذا هو معنى الصفات السلبية الإلهية. ومن خلال النتيجة الثانية التي تثبت احتياج الاشياء اليه وأنه العلة لوجود الاشياء بمعنى انه تعالى موجد لها.. فمن أهم مميزات العلة الموجدة اولا: يلزم أن تكون العلة الموجدة حائزة على جميع كمالات الموجودات وبصورة اتم واكمل، فإن الزواج يراه الانسان كمالا لكنه نقص بالنسبة لله (سبحانه) وبالتالي فالكمالات المقصودة هي الكاملة او الثابتة حقا حتى يمكن للعلة الموجدة إفاضة الوجود على كل موجود ممكن بمقدار قابليته واستعداده مع بساطة الله وعدم قبوله للانقسام. ثانيا: ان العلة الموجدة توجد مخلوقاتها من العدم بمعنى تخلقها بشكل لا ينقص من وجودها شيء. ثالثا: ان العلة الموجدة هي العلة الحقيقية ومن هنا كان وجودها ضروريا لبقاء المعلول خلافا للعلة المعدة التي لا يحتاج اليها بقاء المعلول. فإن دور العلة المعدة هو التكميل كالبذور واحتياجها الى المزارع الذي هو علة معدة لها بينما دور العلة الموجدة التي وجودها ضروري لوجود المعلول هو دور الايجاد (ياخالق الاشياء من العدم). من كل ذلك ثبت لدينا: ١. ان واجب الوجود الله ليس بفقير ولا يحتاج إلى علة بل هو العلة الموجدة لكل الممكنات. ٢. ان الله ازلي ابدي(سرمدي). ٣. ان الله بسيط لا مركب ومنزه عن كل احتياج. ٤. ان الله ليس بجسم وبالتالي هو منزه عن الرؤية البصرية أو الإدراك بالحس وانه منزه عن المكان والزمان والحركة والتحول والتغيير والتكامل . ٥. ان الله ثابت لا متحرك ولا ساكن . ٦. ان الله حائز على جميع الكمالات وبصورة اكمل واتم . ٧. ان الله علة حقيقية للايجاد لا علة معدة بمعنى أن وجوده ضروري لوجود المعلول. لذلك سيكون مقالنا القادم إن شاء الله عن الصفات الذاتية لله (عز وجل). أرجو من الله ان يتقبل عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم وأن يرزقنا معرفته حتى نؤدي شكره كما ينبغي وأرجو من الاخوة والاخوات التعليق بما هو نافع نقداً أو تأييداً... والحمد لله رب العالمين وصلى الله عل سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فاطر 15 (2) القصص 88

اخرى
منذ سنتين
4749

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
70856

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
52514

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
42269

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
35074

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
32047

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31438