عُلا حُسين

سفر الروح

بقلم: عُلا حُسين أخذت الحمى تشتد بيّ وبدأت نبضات قلبي تتزايد، وأحسستُ بثقلٍ بلساني حتى أني لم أستطع أن اُنادي أمي لِتُسعفني، الى أن أغمضت عيني رغم إرادتي... وكأن روحي حلّقت بعيدًا عن جسدي لوهلةٍ شعرتُ بخفةِ روحي وكأن لي جناحين أطير بهما... نظرتُ يمينًا ويسارًا، وجدتُ أني لوحدي... ثُم لمحتُ من بعيد مجيء نورٍ ساطع... تساءلتُ: من هو يا ترى القادم؟ شيئاً فشيئاً بدأ يقترب أكثر وأكثر إلى أن وصل وألقى السلام وبروحيةٍ عجيبةٍ، رددتُ السلام أنا... أحببتُ أن أسأله من أنت، لكن انتظرت لِيتكلم هو... وهنا عَلى صوت البكاء والعويل... فزعت من الصوت وإذا بي أهرول؛ لِأعرف مصدر الصوت، فأرى نفسي ملقاةً على الأرض، وأهلي يلتفّون حولي، هذا من يطلب الإسعاف وهذا من يحاول رفعي وتلك هي أُمي جالسةً تبكي... حاولت تهدئتهم لكن دون جدوى لا أحد يسمعني، فقدتُ صبري ما الذي يجري؟ جاء صوتٌ "أتسأل ماذا يجري؟" شعور خوفٍ دخل قلبي: "أجل" "أنت الآن في غيبوبة ومن المُفترض أن تُقبض روحك" ما أن سمعتُ قبض الروح حتى اُغشي عليّ... عاد أحدهم وحاول إيقاظي "عزيزي استيقظ، أنت الآن في عالم الغيب وكان من المُقرر قبض روحك لكنك بعملٍ صالح عملتهُ قُرر أن يطول عمرك لذلك ستعود لدُنياك لذا أعمل صالحًا" كان صوتٌ عجيبٌ وكأنما جُمعت كُل الحنيةِ فيه. فتحت عينَيّ وحاولت أن أحدّق جيدًا في الملامح، وجدت أنهُ نفس الشخص الذي ألقى السلام وتساءلتُ :من هو يا ترى؟ ثم بادر وقال "أعلمُ جيدًا أنك تساءلت منذ اللحظة الأولى عن معرفتي، كُنت آتٍ لِأُؤنسكَ قليلًا في غربتك، إذ لا مؤنس لك في غربتك، لكنك كبعض عادتك ذهبت لأهلك وتركتني..." - ولكن أنا لم أعرفك أصلًا! فكيف من عادتي تركك؟ -كيف لا تعرفيني وأنت الذي تعودت ندبتي كُل جمعة، أنت الذي حاولت إدخال فرحةٍ لقلبي، أنت الذي دعيت الناس إلى معرفتي، أنت الذي أرسلت لي هدايا على شكل سور وأدعية وصلوات وختمات، أنت الذي تعودت أن تتلو على مسامعي دُعاء الفرجِ، أنت الذي زرت الحُسين نيابة عني، أنت الذي دعوت لي بالفرج عند الإفطارِ، أنت الذي استيقظت صباحاً لقراءة دُعاء العهدِ، أنت الذي سبقت حاجتك بقول: اللهم عجل لوليك الفرجِ! كُنت عرفت من هو لكن لم أكُن لِأصدق نفسي... إنهُ أنت؟ -أجل أنا… -أنت عزيز قلبي، أنت طبيب جروحي، أنت أملُ حياتي، أنت مؤنس وحشتي، أنت مهدي روحي؟ -أجل هو أنا…

اخرى
منذ 11 شهر
1700

صوتٌ داخلي

بقلم: عُلا حسين استلقيت على سريري والتعب قد أعياني، كان بمقدوري أن أُغمض عيني وأخلد للنوم دون أي جُهد أو انتظار لكن أحببتُ أن أُعيد تفاصيل اليوم وأرى ماذا جنيت؟ أكملت إعادة شريط يومي وأخذت وسادتي وأدرت بوجهي للحائط مُسارعةٍ إلى الخلود للنوم، وأنا أُرتل المعوذتين، فكأنّ أحدهم عن بُعد بدأ يروي لي رواية! -أنا أستمع جيدًا -وذاك أحدهم في وسط يومٍ شاق من التعب ترك لذة النوم وذهب متوجهًا لله حاصلًا على لذة المناجاة... -أنا مُتجاهلة تلك الأفكار، أُقنع بنفسي أني مُتعبة، غدًا سأفعل إن شاء الله.. -وكأنه سمع مني ماذا قُلت! - أتعلمين؟ هو كان في وسط نُعاس شديد حيث إنهُ لم يعلم ماذا يقرأ في الركعتين ولكن الله تعالى باهى به أمام جمعٍ من الملائكة وقال: ترك لذةَ نومهِ واتجه إليّ، يا ملائكتي ارفعوا من درجته وأعطوهُ حاجته واغفروا له ذنبه. -أنا ما زلتُ مُتكاسلة.. -هو يحاول تحفيزي، أو تعلمين من تطهّر ثم آوى إلى فراشه بات وفراشه كمسجد، ما أجمل أن تنامي في مسجد يُذكر فيه اسم الله تعالى، هيا قومي.. -قُمت وتوضأت وكأنما انزاح جُزءٌ من التعب عن جسدي، عدتُ إلى غرفتي أرمُق سجادتي عن بُعد... مُحدثة نفسي: إنها رُكعتان لن تأخذ سوى دقائق أُضحي بدقائق اكسبُ فيها محبة الله على ساعاتٍ من النوم؟ أنا وأفرش السجادة عاد وحدثني -أتعلمين ماذا لمن يُصلي صلاة الليل؟ -أجل -ما رأيكِ أن تصلي الشفع والوتر... أن تلتقي فيها مع العزيز وأن تلتقي مع أحبابك بالدُعاء؟ -أنا وفي حالة التنفيذ ... ما أن أكملت نظرت إلى الساعة لقد مرت عشر دقائق فقط، وكأنما خلالها استعدتُ كُل نشاطي ونسيت كُل تعبي.. عدُت إلى سريري أفكر فيمن يستيقظ منتصف الليل دون أي منبه جالسًا لِملاقاة الله أي توفيقٍ ذلك؟ -أجابني: هو ترك ملذات الدُنيا بأجمعها وقرّر أن يُخصص وقتًا لِملاقاة الحبيب. -وبعد صمتٍ حصل، بدأ النوم يُسيطر عليّ… -سألني: لو أن أحد أحبائك الآن مُتعب، كيف لكِ أن تواسيه بكلماتٍ؟ (لديكِ الآن حبيبٌ مُتعب بحاجة كلماتكِ الحنينة). -بصدمةٍ، من؟ -أتسأليني من؟ هو مُتعب من الدُنيا أجمع.. -فدتهُ نفسي... -حسنًا، ساعديهِ، اقرئي المعوذات (الناس والفلق والتوحيد والكافرون) وأي سورةٍ قصيرةٍ أحب إلى قلبكِ وقولي إنها هدية لمولاي صاحب الزمان، أو تعلمين كم سَتدخلين من فرحٍ على قلبه! -أنا: الصوت الداخلي الذي يخبرني بما هو الصحيح إنّما ألهمني الله إياه..

اخرى
منذ 8 أشهر
468

بيدهِ المُباركة

بقلم: عُلا حُسين دون تأخير، الكُل اجتمع عند الوقتِ المُحدد.. وقوفهُم وترتيبهُم ذكّرني بِمسيرة أربعينية الإمام الحُسين (عليه السلام) حيثُ كانوا يعملون ويسيرون بِهيئة مواكب، نساء ورجالاً، شباباً وشُياباً، وحتى الأطفال، المُختلف أن المسير لم يكن يضج بِصوت الرواديّد بل كان صوت شخص واحد يقرأ والجميع يُردد والدموع كَلحنٍ تُردد معهُم، رُبما لم يكن هُناك داعٍ لرفع تلك الرايات لكن المغزى هذهِ المرة كان مُختلفاً، كان الجميع في ذهولٍ مما يحصل تحت أرجلهُم إذ بِمُجرد مسيرهم خطوات، الأرض تكسوها الخضرة! تحول الطريق من صحراء قاحلة إلى طريق يملأه الخضار ورائحةُ الورود الرائعة، يفوح عطر الوردة المُحمديّة في جميع الأرجاء، حتى السماء كانت تسير معهُم تستمد السَكينة من قلوبهم المُطمئنة، العروش الناصبة كانت مُهدّمة بأكملها والأثار المُتبقية تختفي بمرور المواكب التي بدأت تتوافد من جميع بُلدان العالم والعدد بدأ ضخمًا مُهيبًا.. وصلنا المدينة والرايات تُرفرف بأيدينا وكأنها كانت تنتظر هذهِ اللحظة مُنذُ أمدٍ بعيد، بعد زيارة المسجد النبوي ذهبنا إلى الهدف الأول المقصود، إلى أرض البقيع المُقدسة، وأيُّ أرضٍ كانت، الترابُ يملأها مُبينًا أن لا زائر مَر من هُنا منذُ قرونٍ، تقدمَ صاحب الدولة المهدويّة ووضع يدهُ المُباركة على قلبه الشريف وقال: السلامُ على أئمة البقيع، ثُمَّ خلع نعليه وجلس على الأرض قُربَ تلك القبور يندبُ أصحابها، بدأ بزيارة العم الغالي الحَسن المُجتبى، ثُمَّ استرسل في زيارة الأجداد السجاد والباقر والصادق (عليهم السلام)، وأيُّ زيارة كانت وكأنهُ فقدهُم للتو! يضجُ المكان بالصراخِ والعويل فكيف بنا أن نُفرغ أشواقنا وأشواق من وافاهُ الموت ولم ير هذهِ اللحظات بدون البُكاء؟ قام الإمام مُشمرًا عن ساعديه للبدء في تشييد القبور وتحويلها إلى جنة مُصغرة تلجأ إليها النفوس لِتأنس بها.. الجميع ينتظر أن يُناديهُ الإمام بِاسمه ليخدمهُ بعينه، مرت ساعاتٌ وكأنها ثوانٍ، لم يشعر أحدٌ بشيءٍ من التعب وذلك لأن الكُل قد ساهم في البناء بِمهنتهِ وهِوايتهِ، حتى ذاك الشاب الذي انخدش بيده ركض الطبيبُ بحُب إليهِ فرحًا أنهُ سَيخدم أيضًا، أما النساء فباشرنَّ بِطهيّ الطعام في مضيف أئمة البقيع الذي تمَ بناؤهُ للتو، إلى أن حان موعدُ صلاةِ الظهر، تسابق الجميع إلى الوضوء للصلاةِ جماعةً خلف إمام الزمان، بينما كانوا يتسابقون جاء الإمام بخطواتٍ هادئة وسَبقهُم أجمعهُم، نفضَ ثوبهُ فَتساقطت جميع ذرات الغُبار العالقة بثوبهِ، وفاحت رائحة المسك حول الجميع، أما قطراتُ ماءِ الوضوء فكانت تنزلُ من يديهِ الشريفتين بأحلى وأنقى ما يكون وكأنها لؤلؤٌ منثور .. وقف بطلتهِ البهية وأذن أذان صلاة الظهر.. واخيرًا: أشهدُ أن عليًا وليُّ الله، لأول مرةَ بعد مرور العديد من القرون. تهيأ الكُل للصلاة جماعةً في أرض البقيع تحت أربع قُبب وخلف الإمام، لم تكن صلاةً بل تحليقًا في سماء الحُب، تحلقيًا يملأهُ الخشوع والاشتياق، بعدها جلسوا لِيستريحوا ويرموا بتعبِ الأيام بالجلوس في محضره و النظر إلى وجهه الزكيّ، لا زال الأطفال يلّتفون حول الإمام أينما رحل، يبدو أنهم تعلّقوا بتلك الفراشات التي تُحيط به و رُبما وجدو الراحة في كلامه وملاطفته لهُم! بدأ كلامه بنظرة تغوص في داخلها العديد من المعاني، فقط من نظرتهُ تلك بدأ الجميع بالبُكاء.. يبدو أنهم قد علموا معناها ألا وهو الاشتياق.. تحدث عن المرحلة التالية أين سَتكون؟ وكانت المُفاجأة للجميع، أنهُ حلم الشيعة المُنتظر هو القادم! بعدها تكلّم عن تلك الليلة التي هُدم فيها البقيع وكأن أرض البقيع بدأت تئنُ وهي تسمع وتتذكر ما قد جرى عليها، تبثُ آلام الأيام و السنين في محضرِ الإمام.. أتم كلامه بِشَكرِ كُل شخص بِاسمه وذكر أسماء الأشخاص الذين كانت كُل نواياهُم وأملهُم أن يدركوا هذا اليوم، لكنهُم لم يوفقوا.. قام الجميع إلى حيث مُضيف أئمة البقيع وروائح الطعام أروع ما يكون، أمّا الحمام فكان يُرفرف بأجنحته حول القُبب فرحينَ بأن أرضهم التي اعتادوا أن يبقوا فيها قد أزهرت بوجودِ أصحابها -هتف أحدهم أين الإمام؟ -جاء الصوت؛ هلموا بنا لِأُريكُم قبر الجدة والسيدة الجليلة فَاطِمة (سلام الله عليها) انطلق الموكب مُسرعًا، كأيتام لرؤية قبر حبيبة قلوبهم أمهم المفقود قبرها، يرتمون على قبرها ويبثون أشواقهم، لِيستنشقوا عبير تُراب القبر، حينها ستبدأ الزيارات إلى العتبة الفَاطِميّة المُقدسة .. حينما يدق الشوق في قلبك ولا حيلة لديك، عليك أن تذهب بروحك إليهم.. سَيأتي! سَيأتي إمامُ العصرِ ويبني أرضَ البقيعِ المُبارك بِيدهِ المُباركة..

القصص
منذ شهر
117