تشغيل الوضع الليلي

سفر الروح

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 2969

بقلم: عُلا حُسين
أخذت الحمى تشتد بيّ وبدأت نبضات قلبي تتزايد، وأحسستُ بثقلٍ بلساني حتى أني لم أستطع أن اُنادي أمي لِتُسعفني، الى أن أغمضت عيني رغم إرادتي... وكأن روحي حلّقت بعيدًا عن جسدي
لوهلةٍ شعرتُ بخفةِ روحي وكأن لي جناحين أطير بهما... نظرتُ يمينًا ويسارًا، وجدتُ أني لوحدي... ثُم لمحتُ من بعيد مجيء نورٍ ساطع... تساءلتُ: من هو يا ترى القادم؟
شيئاً فشيئاً بدأ يقترب أكثر وأكثر إلى أن وصل وألقى السلام وبروحيةٍ عجيبةٍ، رددتُ السلام أنا... أحببتُ أن أسأله من أنت، لكن انتظرت لِيتكلم هو... وهنا عَلى صوت البكاء والعويل... فزعت من الصوت وإذا بي أهرول؛ لِأعرف مصدر الصوت، فأرى نفسي ملقاةً على الأرض، وأهلي يلتفّون حولي، هذا من يطلب الإسعاف وهذا من يحاول رفعي وتلك هي أُمي جالسةً تبكي... حاولت تهدئتهم لكن دون جدوى لا أحد يسمعني، فقدتُ صبري ما الذي يجري؟
جاء صوتٌ "أتسأل ماذا يجري؟"
شعور خوفٍ دخل قلبي: "أجل"
"أنت الآن في غيبوبة ومن المُفترض أن تُقبض روحك"
ما أن سمعتُ قبض الروح حتى اُغشي عليّ... عاد أحدهم وحاول إيقاظي "عزيزي استيقظ، أنت الآن في عالم الغيب وكان من المُقرر قبض روحك لكنك بعملٍ صالح عملتهُ قُرر أن يطول عمرك لذلك ستعود لدُنياك لذا أعمل صالحًا"
كان صوتٌ عجيبٌ وكأنما جُمعت كُل الحنيةِ فيه.
فتحت عينَيّ وحاولت أن أحدّق جيدًا في الملامح، وجدت أنهُ نفس الشخص الذي ألقى السلام وتساءلتُ :من هو يا ترى؟
ثم بادر وقال "أعلمُ جيدًا أنك تساءلت منذ اللحظة الأولى عن معرفتي، كُنت آتٍ لِأُؤنسكَ قليلًا في غربتك، إذ لا مؤنس لك في غربتك، لكنك كبعض عادتك ذهبت لأهلك وتركتني..."
- ولكن أنا لم أعرفك أصلًا! فكيف من عادتي تركك؟
-كيف لا تعرفيني وأنت الذي تعودت ندبتي كُل جمعة، أنت الذي حاولت إدخال فرحةٍ لقلبي، أنت الذي دعيت الناس إلى معرفتي، أنت الذي أرسلت لي هدايا على شكل سور وأدعية وصلوات وختمات، أنت الذي تعودت أن تتلو على مسامعي دُعاء الفرجِ، أنت الذي زرت الحُسين نيابة عني، أنت الذي دعوت لي بالفرج عند الإفطارِ، أنت الذي استيقظت صباحاً لقراءة دُعاء العهدِ، أنت الذي سبقت حاجتك بقول: اللهم عجل لوليك الفرجِ!
كُنت عرفت من هو لكن لم أكُن لِأصدق نفسي... إنهُ أنت؟
-أجل أنا…
-أنت عزيز قلبي، أنت طبيب جروحي، أنت أملُ حياتي، أنت مؤنس وحشتي، أنت مهدي روحي؟
-أجل هو أنا…

اخترنا لكم

شبهاتٌ عقائدية حول التشيع/ في الـنبوة(1) حـول عصمة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

انطلاقاً من الآية الكريمة (رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَىٰ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَىٰ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ) قال متزلزل العقيدة: إنّ هذه الآية تنفي عصمة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله). والإجابة على هذه الشبهة ستكون ضمن المطالب التالية: المطلب الأول: ما هي العصمة؟ المطلب الثاني: هل العصمة تجبر المعصوم على ترك المعصية؟ المطلب الثالث: ما هو زمن العصمة؟ المطلب الرابع: هل العصمة عن الكبائر فقط أم عن الصغائر أيضا؟ المطلب الخامس: ما هي مقامات العصمة؟ المطلب الأول: ما هي العصمة؟ لغةً: "عصمَ: أمسكَ ومنعَ، والعصمة أن يعصم الله عبده من سوءٍ يقع فيه، واعتصمَ بالله تعالى إذا تمنّع"(1). أو "هي الاستمساك بالشيء كقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}(2). أو "هي الاعتصام من شيء، كقوله تعالى: {لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه}(3). أمّا اصطلاحاً: "هي قوة تمنع الإنسان عن اقتراف المعصية والوقوع في الخطأ"(4). وقد عبّرت عنها بعض كتب الكلام بأنّها أعلى منازل التقوى، "والتقوى: كيفية نفسانية تعصم صاحبها عن اقتراف كثير من القبائح والمعاصي، فهي إذا ترقت في مدارجها وعلت في مراتبها تبلغ بصاحبها درجة العصمة الكاملة والامتناع المطلق عن ارتكاب أي قبيح من الأعمال، بل يمنعه[تمنعه] حتى التفكير في خلاف أو معصية"(5). إذاً بإمكان النبي (صلى الله عليه وآله) أن يفعل المعصية إلاّ أنّ تقواه تمنعه حتى من التفكير فيها فضلاً عن اقترافها. المطلب الثاني: هل العصمة تجبر المعصوم على ترك المعصية؟ كيف تحصل العصمة؟ وهل العصمة تسلب اختيار النبي (صلى الله عليه وآله) وتقهره على ترك المعصية؟ ولماذا شخص النبي معصوم دون غيره؟ ولماذا لا أكون أنا معصوماً؟ الجواب: إنّ الملاك في عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) هو علم الله سبحانه الأزلي بمستقبل النبي، وإلاّ لــو أفاض الله سبحانه العصمة على مَن سـيرتكب المعصية لـكانَ سبحانه جاهلاً بسلوكيات هذا العبد، والتالي باطل فالمقدم مثله في البطلان. إذاً العصمة لا تفاض على النبي (صلى الله عليه وآله) إلاّ بعد وجود أرضية صالحة في نفس النبي، كقابليته على المجاهدات الفردية والاجتماعية. وإلى ذلك أشار الشيخ المفيد (قدّس سرّه) بقوله: " العصمة تفضلٌ من الله تعالى على مَن علِم أنّه يتمسك بعصمته"(6). وللعلاّمة الطباطبائي (قدّس سرّه) قولٌ مبارك في بيان عدم جبرية العصمة، حيث قال: "إنّ ملكة العصمة لا تغيّر الطبيعة الإنسانية المختارة في أفعاله الإرادية ولا تخرجها إلى ساحة الإجبار والاضطرار، كيف والعلم مِن مبادئ الاختيار، كطالب السلامة إذا أيقن بكون مائع ما سماً قاتلاً من حينه، فانه يمتنع باختياره من شربه"(7). أي إنّ النبي (صلى الله عليه وآله) تمنعه تقواه واستشعاره بمعية الله تعالى ومراقبته له من ارتكاب المعصية والمخالفات المولوية، وهذا نظير إمكانية صدور القبيح من الله تعالى –فهو ممكن بالذات- إلاّ إنّه تعالى لا يصدر منه القبيح؛ لكونه منافياً لحكمته. مثالان توضيحيان: إنّ الإنسان العادي الذي يعلم بوجود سم في كأس من الماء فإنّه لا يُقدم على شربه؛ لعلمه بعاقبته السيئة. وكالذي يعلم بوجود طاقة كهربائية في سلكٍ عارٍعن العازل فإنّه لا يمسّه؛ لعلمه بالعواقب الوخيمة من وراء ذلك. وهكذا النبي (صلى الله عليه وآله) لا يرتكب المعصية لعلمه علم اليقين بأنّ النار مصير العاصي. فتقواه كانت حاجباً بين الطاعة والمعصية، وقد قرنَ الله تعالى التقوى بالنجاة بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانا}(8). والخلاصة: لقد كانَ النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ذاتاً طاهرةً صافية، متحررٌ من ألوان الموجودات مرتبطٌ باللالون منها، ولهذا اصطفاه المولى ليغير ملوحة أرواح عباده إلى حلاوةٍ وعذوبة بإرشادهم وتربيتهم. المطلب الثالث: ما هو زمن العصمة؟ متى أصبح النبي (صلى الله عليه وآله) معصوماً؟ الجواب: الآراء اختلفت في عصمة الأنبياء من حيث زمن ثبوتها لدى المذاهب الكلامية: أ-الإماميّة قالوا بعصمتهم منذ الولادة وحتّى الوفاة. ب-أغلب المعتزلة قالوا بعصمتهم منذ البلوغ, فقبل البلوغ هو ليس معصوماً! ج-أكثر الأشاعرة قالوا بعصمتهم منذ تنصيبهم أنبياءً، فـالنبي عندهم معصومٌ منذ أن أصبح عمره (40سنة) وقبل هذا السن ليس بـمعصوم! المطلب الرابع: هل العصمة عن الكبائر فقط أم عن الصغائر أيضا؟ اختلفت أيضاً الآراء لدى الفرق الكلامية: أ-الأشاعرة قالوا بعصمة النبي عن الكبائر والصغائر عـمداً فقط. وأجازوا صدورها عن النبي خطأً ونسياناً. ب- بعض المعتزلة قالوا بعصمة النبي عن الكبائر فقط، وأجازوا صدور الصغائر منه. ج-الحشَويّة وبعض أهل الحديث من أبناء العامّة قالوا بجواز صدور الكبائر والصغائر من النبي مـطلقاً (عمداً وسهواً) ! حيث قال الآمدي: "اتفقت الأمة سوى الحشوية ومن جوز الكفر على الأنبياء على عصمتهم عن تعمده من غير نسيان ولا تأويل وإن اختلفوا في أن مدرك العصمة السمع كما ذهب إليه القاضي أبو بكر والمحققون من أصحابنا أو العقل كما ذهب إليه المعتزلة وأما إن كان فعل الكبيرة عن نسيان أو تأويل خطأ فقد اتفق الكل على جوازه سوى الرافضة أما ما ليس بكبيرة فإما أن يكون من قبيل ما يوجب الحكم على فاعله بالخسة ودناءة الهمة وسقوط المروءة كسرقة خبة أو كسرة فالحكم فيه كالحكم في الكبيرة وأما ما لا يكون من هذا القبيل كنظرة أو كلمة سفه نادرة في حالة غضب فقد اتفق أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة على جوازه عمدا وسهوا خلافا للشيعة مطلقا وخلافا للجبائي والنظام وجعفر بن مبشر في العمد"(9). وقال ابن تيمية: "القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر " أبو الحسن الآمدي " أن هذا قول أكثر الأشعرية وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول ولم ينقل عنهم ما يوافق القول وإنما نقل ذلك القول في العصر المتقدم عن الرافضة ثم عن بعض المعتزلة ثم وافقهم عليه طائفة من المتأخرين. وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر ولا يقرون عليها ولا يقولون إنها لا تقع بحال و أول من نقل عنهم من طوائف الأمة القول بالعصمة مطلقا وأعظمهم قولا لذلك : الرافضة فإنهم يقولون بالعصمة حتى ما يقع على سبيل النسيان والسهو والتأويل. وينقلون ذلك إلى من يعتقدون إمامته وقالوا بعصمة علي والاثني عشر ثم " الإسماعيلية " الذين كانوا ملوك القاهرة و كانوا يزعمون أنهم خلفاء علويون فاطميون وهم عند أهل العلم من ذرية عبيد الله القداح كانوا هم وأتباعهم يقولون بمثل هذه العصمة لأئمتهم و نحوهم مع كونهم كما قال فيهم أبو حامد الغزالي - في كتابه الذي صنفه في الرد عليهم - قال: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض. وقد صنف " القاضي أبو يعلى " وصف مذاهبهم في كتبه وكذلك غير هؤلاء من علماء المسلمين فهؤلاء وأمثالهم من الغلاة القائلين بالعصمة وقد يكفرون من ينكر القول بها وهؤلاء الغ الية هم كفار باتفاق المسلمين"(10). وأمّا الشيعة فقد قال الشيخ الصدوق: "اعتقادنا في الأنبياء و الرسل والملائكة و الأئمة صلوات الله عليهم أجمعين أنهم معصومون مطهرون من كل دنس ، وأنهم لا يذنبون ذنباً صغيراً ولا كبيراً ، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ومن نفى العصمة عنهم في شيء من أحوالهم فقد جهلهم"(11). وقال الشيخ الطوسي : "ويجب أن يكون النبي معصوماً من القبائح صغيرها وكبيرها قبل النبوة وبعدها على طريق العمد والنسيان وعلى كل حال"(12). وعلى كلّ عاقلٍ المقارنة بين آراء المذاهب وتحكيم نفسه لمعرفة أي مذهبٍ ينزه رسول الله محمداً (صلى الله عليه وآله). المطلب الخامس: ما هي مقامات العصمة؟ والكلام حول العصمة عقلاً ونقلاً له مقامات: 1- العصمة في تلقي الرسالة 2- العصمة في تطبيق الرسالة 3- العصمة في تبليغ الرسالة وبيان هذه المقامات يأتي في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى. __________________ (1) المقاييس: لابن فارس. ج4،ص331. (2) المفردات: للراغب الأصفهاني، كتاب العين. (3) المصدر نفسه. (4) الميزان في تفسير القرآن: للعلاّمة الطباطبائي، ج8،ص 142. (5) محاضرات في الإلهيات: للشيخ السبحاني، 218. (6) شرح عقائد الصدوق، 61. (7) الميزان في تفسير القرآن، ج1، ص163. (8) الأنفال: 29. (9) الإحكام في أصول الأحكام: للآمدي، ج1، ص 226. (10) مجموع الفتاوى: لابن تيمية، ج25، ص105_106. (11) الاعتقادات: للشيخ الصدوق، ص 108. (12) الاقتصاد: للشيخ الطوسي ، ص 155. وصلِ اللّهم على أوّل الأوائل وأدلّ الدلائل، مبدأ أنوار الأزلي ومنتهى العروج الكمالي، غاية الغايات المتعيّن بالنشئات، وعلى آل بيته بأزكى التحيات والبركات. علوية الحسيني

اخرى
منذ 7 سنوات
7967

دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية ووظيفة الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع (الحلقة الأولى)

بقلم: دينا فؤاد (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) سورة القصص آية (5) المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الغر الميامين. أما بعد... إن القضية المهدوية قد أخذت جانبًا كبيرًا من اهتمام الباحثين والمفكرين في قضايا العصر، وبالذات في العالم الإسلامي خصوصًا بعد محاولات الدس العديدة من قبل المشككين سواء كانت من قبل المسلمين أو غيرهم. ومن هنا كان الواجب إثراء هذه الساحة بالمؤلفات والبحوث التي تدحض هذه الدسائس وإظهار زيفها في وسط الشارع الإسلامي وبالأخص في الوسط الشيعي خصوصًا بعد قيام البعض بدس الشبهات حول مصداقية العقيدة المهدوية في هذا الوسط، ولهذا ينبغي علينا محاربة هذه الشبهات من خلال التأكيد على أن العقيدة المهدوية ليست مجرد فرضية عقلية، أو أنها توهمات نفسية يتوهمها البعض، بل هي قضية خارجية، لأن صاحبها موجود بالفعل ووجوده مرتبط بباقي الأئمة والذين ينتهون في ارتباطهم إلى السماء، فالله سبحانه هو الذي أوجدهم وأمر نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) بالنص عليهم، وقيام كل واحد منهم (عليهم السلام) بالنص على باقي الأئمة عند توليه منصب الإمامة، والتعريف بهم، وبالأخص التعريف بالإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف). ومحور بحثنا عن تعريف الإمام الصادق (عليه السلام) بالقضية المهدوية وترسيخ هذه العقيدة في المجتمع، ومن هنا كان انطلاق البحث ليكون بعنوان: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية ووظيفة الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع. وقد قسمت بحثي إلى ثلاثة محاور: المحور الأول: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في التعريف بالعقيدة المهدوية. المحور الثاني: دور الإمام الصادق (عليه السلام) في التصدي للشبهات الطاحنة بالعقيدة المهدوية. المحور الثالث: دور الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع. مفهوم دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية في اللغة والاصطلاح الدور في اللغة: (هو مجموعة من المسؤوليات والأنشطة والصلاحيات الممنوحة لشخص أو فريق ويتم تعريف الدور في عملية، ويمكن لشخص أو فريق أن يكون له عدة ادوار). (1) الدور اصطلاحًا: (هو السلوك الذي يقوم به الفرد في المركز الاجتماعي الذي يشغله). (2) كما يعرف الدور أيضا بأنه: (مجموعة من الأفعال التي يقوم بها الفرد ليؤكد احتلاله المركز). (3) وأما الإمام الصادق (عليه السلام) فهو غني عن التعريف، ومع ذلك سنتعرض في بحثنا هذا إلى ذكر نبذة مختصرة عنه. ومعنى الترسيخ لغة: ([ر-س-خ].(مصدر رسخ): ترسيخ الفكرة في الذهن:- تثبيتها)(4). فالإمام الصادق (عليه السلام) قام بترسيخ الأفكار والقواعد الصحيحة حول القضية المهدوية، وذاك من خلال التمهيد لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) والتعريف به، وذكر النصوص المفصلة عنه. والعقيدة لغة: (العقد: الجمع بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصلبة كعقد الحبل، وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني نحو: عقد البيع، والعهد، وغيرهما، كقوله تعالى: {عقدت ايمانكم} (5). (6) والعقيدة اصطلاحًا: (هو ما يقصد به الاعتقاد دون العمل، أو هي الجانب النظري الذي يطلب به إيمانًا لا تؤثر فيه شبهة، كعقيدة وجود الله وبعثة الرسل). (7) إن العقيدة المهدوية هي قضية بحد ذاتها كالقضية الحسينية، ولكن الفرق بينهما أن القضية الحسينية كانت تمهيدًا للقضية المهدوية من خلال الترابط في الإصلاح وغيره، ولكن اﻹصلاح مرتبط بصورة خاصة بالإمام المهدي (جعل الله فرجه الشريف) كما ارتبط بسيد الشهداء (عليه السلام)، فهو الذي يطلق عليه المصلح والمنقذ الذي يخرج ليملئ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. والقضية المهدوية تحتاج إلى ترسيخ عقيدي لدى الموالين وخصوصًا في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) والذي كثر في زمنه المغالون والمشككون والمنافقون، وهذه القضية بالذات احتاجت إلى التوضيح وفي نفس الوقت إلى التأكيد؛ لأنها قد لاقت الإشكاليات العديدة سواء كانت من أبناء العامة أو من أبناء الخاصة المتوقفين على عدد معين من الأئمة. نبذة مختصرة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) هو الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام علي السجاد بن الإمام الحسين سيد الشهداء بن الإمام علي بن أبي طالب (عليهم السلام). ولد في المدينة المنورة في السنة الثمانين من الهجرة الشريفة (8)، وكان مضي روحه الشريفة إلى بارئها في العام (١٤٨) من الهجرة، في عمر الخامسة والستين. (9) وهو خليفة أبيه الباقر (عليه السلام) ووصيه وأيضًا القائم من بعده بالإمامة (10) وكان من أعبد أهل زمانه وأفضلهم، حتى أن علماء السيرة قالوا عنه: بأنه قد انشغل عن طلب الرئاسة بالعبادة، والذي ينظر إليه يعلم بأنه من سلالة النبيين. (11) لقب بالصادق، وأيضًا بالصادق الأمين كجده المصطفى (صلوات الله عليه وآله)، وقيل في سبب تسميته بالصادق لصدق حديثه، وقيل: تمييزًا له عن أخ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) والذي لقب بالكذاب لادعائه الإمامة بغير حق كما رواه الشيخ الصدوق، (12) وقيل: لم يكن عليه زلل قط ولا تحريف. (13) ولقد تميز الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن إخوته وبرز عليهم بالعلم والفضل، فقد كان أعظمهم في القدر وأنبههم في الذكر وأجلهم في الأمور العامة والخاصة، وكانت له الدلالات والبراهين الواضحة على إمامته التي انبهرت بها القلوب وأخسرت لها ألسن المخالفين. (14) المحور الأول: الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) والعقيدة المهدوية لقد فُتح المجال أمام الإمام الصادق (عليه السلام) لكي يعرّف بالإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) أكثر من باقي الأئمة (عليهم السلام)، بسبب الجوانب السياسية التي عاصرها الإمام من انتهاء الحكم الأموي وابتداء الحكم العباسي والتي بدورها ألهت الحكام في ذلك العصر عنه، وفسحت له المجال لكي يرتقي منبر الرسول (صلى الله عليه وآله) ويظهر العلوم المتنوعة والتي أصبحت مقصدًا للكثير من الطالبين لتلك العلوم. حتى أن عدد الذين كانوا يحضرون دروسه بلغ أربعة آلاف بين فقيه ومفسر ومحدث. (15) وهذا ما ساعد الإمام أن يتكلم ويبشر بكل ما يتعلق بالإمام المنتظر المهدي وترسيخ عقيدته لدى الناس وخصوصًا الموالين من الشيعة. والترسيخ من قبل الإمام الصادق (عليه السلام) لهذه العقيدة مهم جدًا؛ فإن الإنسان المؤمن قد يصاب بالشك أو الغموض أو الإيهام تجاه القضية المهدوية نتيجة مروره باﻵﻻم والمحن والمعاناة، فما بال الحال بغير المؤمن. (16) وفي هذا البحث سوف نسلط الضوء على دور الإمام الصادق(عليه السلام)في ترسيخ العقيدة المهدوية من خلال بذل الجهد في التعريف بها وتشخيصها من خلال أبعاد عديدة ومنها: البعد الأول: التأكيد على الوحدة في الإمامة بالنسبة للعقيدة المهدوية: إن هذا البعد ركز عليه الإمام الصادق (عليه السلام) من خلال إعطاء الصورة الصحيحة للعقيدة المهدوية والتعريف بها، وهذه الصورة تكمن في ارتباط هذه العقيدة بالإمامة، واستحالة الانفكاك بينهما؛ لأنهما مرتبطين بسلسلة تبدأ بالرسول (صلى الله عليه وآله) وتنتهي بالإمام الغائب الحاضر وهو المنتظر المهدي (عجل الله فرجه)، وهذا مايدل على أصالة القضية المهدوية؛ لأنها مما أكده الرسول الأعظم في الوجود الإسلامي وكذلك كل من تولى منصب الإمامة على التنصيص بتولي رجل من ذرية النبي يكون ظهوره في آخر الزمان يلقب بالمهدي. وقد قام الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) بترسيخ أصل عقيدة الإمام المهدي من خلال نصوص عديدة منها ما ذكره (عليه السلام) بقوله: "خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو مستبشر يضحك سرورًا فقال: ...إن جبرائيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال:... ومنكم القائم يصلي عيسى بن مريم خلفه إذا أهبطه الله إلى الأرض من ذرية علي وفاطمة من ولد الحسين (عليهم السلام)". (17) البعد الثاني: التعريف بالإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وتعيينه: لقد اهتم الإمام الصادق (عليه السلام) في هذا البعد اهتمامًا بالغًا حيث قام بالتعريف الشخصي لصاحب العقيدة المهدوية وتعيينه من خلال عدة نصوص وفي الكثير من المواضع التي أكد فيها ذلك ومنها: دفعه الصحيفة لداود بن كثير الرقي ليقرأها وفيها "..سطران السطر الأول لا إله إلا الله محمد رسول الله، والسطر الثاني أنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم علي بن أبي طالب، والحسن بن علي، والحسين بن علي، وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي، والخلف منهم الحجة لله...". (18) ففي هذه الرواية يكون الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قد عرف بنسب الإمام المهدي وإلى من ينتهي فهي سلسلة مبدؤها النبي الخاتم ومنتهاها الإمام الخاتم، وبالإضافة إلى ذلك وهو الأهم يؤكد في أن تنصيبه كان من عند الله منذ خلق السموات والأرض، وإن انتخاب الأئمة لا يكون عشوائيًا، وأيضًا عرف الإمام الصادق (سلام الله عليه) بأنه تسلسله هو الثاني عشر من بين الأئمة (عليهم السلام)، والنصوص الأدلة على ذلك كثيرة. وأيضًا قوله عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إذا توالت ثلاثة أسماء من الأئمة من ولدي: محمد وعلي والحسن، فرابعهم هو القائم المأمول المنتظر". (19) البعد الثالث: التعريف بالغيبة وعلامات الظهور وعصره: ولقد ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) الغيبة الطويلة للإمام المهدي منبهًا على عدم التشكيك به من خلال قوله: "إياكم والتنويه، أما والله ليغيبن سبتا من دهركم، وليخملن حتى يقال: مات، هلك، بأي واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، وليكفأن تكفؤ السفينة في أمواج البحر، فلا ينجو إلا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يدري أي من أي". (20) ولقد بين (عليه السلام) حكم من أنكر الغيبة للإمام المهدي بقوله: "من أقر بجميع الأئمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدا (صلى الله عليه وآله) نبوته، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته". (21) وتحدث (عليه السلام) عن غيبة الإمام مبينا أنها في الواقع غيبتين بقوله لأصحابه: "أن لصاحب هذا الأمر غيبتين إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل، ويقول بعضهم: ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره إلا المولى الذي يلي أمره". (22) وقد أوضح أبو عبد الله (عليه السلام) أن هناك خمس علامات تكون في عصر الغيبة وقبل ظهور صاحب الأمر، وهي: "اليماني والسفياني والمنادي ينادي من السماء وخسف بالبيداء وقتل النفس الزكية". (23) ______________________ 1ـ المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، مادة دور. 2ـ إبراهيم ناصر، علم الاجتماع التربوي،ص173. 3ـ نبيل عبد الهادي، مقدمة في علم الاجتماع التربوي، 118. 4ـ المعجم الوسيط،مجمع اللغة العربية بالقاهرة،مادة رسخ. 5ـ سورة النساء/الآية:33. 6ـ الراغب الاصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن،مادة عقد. 7ـالفاضل الفاغوري،داود علي،العقيدة الإسلامية من القرآن الكريم، ص7. 8ـ ينظر،ابن الصباغ، الفصول المهمة في معرفة الأئمة، ج2، ص907. 9ـ ينظر، كبار المحدثين والمؤرخين، تاريخ أهل البيت (ع)، ص81. 10ـ ينظر،الزرباطي،حسين،بغية الحائر في أحوال أولاد الإمام الباقر(ع)،ص91. 11ـ ينظر، الميلاني، علي، شرح منهاج الكرامة في معرفة الإمامة، ص 162. 12ـ ينظر، لاوند، رمضان، الإمام الصادق علم وعقيدة، ص28. 13ـ ينظر، ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3، ص394. 14ـ ينظر، محمد صادق محمد رضا الخرسان، الإمام الصادق عليه السلام والتنظيم للتنمية البشرية،ص7. 15ـ ينظر، القزويني، محمد كاظم، الإمام المهدي من المهد إلى الظهور، ص69. 16ـ ينظر، الحكيم، محمد باقر، دور أهل البيت عليهم السلام في بناء الجماعة الصالحة، ج1، ص198. 17ـ الكليني، محمد بن يعقوب، الروضة من الكافي، ج8، ص50. 18ـ أحمد بن عبيد الله بن عياش، مقتضب الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر، ص30-31. 19ـ الطبري الصغير، محمد بن جرير، دلائل الإمامة، ص447. 20ـ النعماني، محمد بن ابراهيم، كتاب الغيبة، ص154. 21ـ الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص333. 22ـ الغيبة، الشيخ الطوسي، ص161، 120. 23ـ محسن عقيل، الإمام المهدي وعلامات الظهور عند الإمام الصادق، ص118.

اخرى
منذ 6 سنوات
7533

حب الحسين أجنّني

النهايات تشبه البدايات عادةً هيجان الارض واهتزازها حمله الى الشعور ذاته قبل عشرين سنة، فبين الماضي والحاضر قلب يتلوى بصوت مذبوح يلملم دموعه المختنقة لينثرها مع كل هدهدة يشق بها سكون الليل على مهدٍ بات مسرحاً للأحداث كان يصغي اليها بعمق وهي تترنم بأبيات لقصة وقعت منذ الف عام عشق هذه الترنيمة سمعها الف ليلة حيث الحسين على الثرى خيل العدى طحنت ضلوعه قتلته ال امية ظامٍ الى جنب الشريعة ورضيعه بدم الوريد مخضب فاطلب رضيعه حتى بلغ الحلم ليتمخض ذلك العشق عن موكب صغير ليكون انطلاقه نحو سفر الخلود موكب راهب ال محمد اول مأدبة نصبه احمد على طريق زائري ابي عبدالله عليه السلام هو ابن الاثني عشر ربيعا عله يلتقي بأبطال قصته الحقيقيين فقلبه الصغير مازال يحلق باحثا في الوجوه لعله يلقاهم لم يهدأ قلبه ولن يستكين حتى يعايش الاحداث ولو من خلال تمثل الادوار، فروحه المثخنة بحكايات العاشقين ترنو وتخفق كطائر يصارع تقلبات تشرين ليلتحق بالسرب لكن قلبه انتكس اكثر عاد باكيا الى البيت يواري دموعه عن امه ولما استخبرته عن حاله قال وبمرارة ان دور الشمر في التشابيه اوجع قلبي تراءت لي مولاتي زينب و السياط تتلوى على متنها تقوم تارة وتسقط اخرى من هول المصيبة تنادي ولا من مجيب، عين منها على الخيم وعين منها على الجسد الشريف وروح تظلل اشلاء القمر رأيت شر خلق الله كيف يكشر عن انيابه ليسخط السماء بأفعاله تعثرت في خطاي وخارت قواي وانا امسك السوط فالدور يحتم علي أن اضرب وبقسوة وقلبي ينزف كنزف المنحر صياح الاطفال نحيب اليتامى دخان الخيم نحر ينزف دما عبيطاً كف وقربة مشهد يدمي القلب ولكنه انتصف لدموعه في العام التالي حين تسنّم دور الحر شعور بالرضا ملا حناياه وكأنه اختصر المسافات للحسين المواكب كانت مرتعا لسنوات عمره فعاشوراء لم تكن وليدة مهد وترتيلة بل هي سفر روحي بين طف كربلاء وذاته المتعطشة ليعيش ولو جزء من احداثها حب الحسين أجنّني... يلامس همس العاشق ونبض القلب يثور يمزق اوصاله صبرا ايتها الروح، يوماً ما سيحين الوصال ليختزل كل المسافات فالروح حبلى والمخاض قريب فها هو ابليس يستنفر جنده ويجلب خيله ورجله نعيق وعواء ونباح يعلو في مدائن الموتى ثمة مؤامرة تحاك خيوطها تحت السقيفة المشؤمة العد التنازلي قد ابتدأ.. سقطت موصل والانبار الظالم امتشق سيفه يحصد بالأرواح ويذبح عاد الابقع متكئا على غرائزه، رائحة زفيره المتعفنة سموم ملئت الارجاء اكفهر وجه السماء فالساعات اصبحت اياما والليل زاد حلكة ..الفجر كعجوز اجهضه المرض الهدوء عم الارجاء ثمة كلمات دوّت تحت القبة رددت الايام أصداءها وسمع ترجيعها في الارجاء (الا من ناصر) سالت الف دمعة لتغسل عيون العاشقين فاض الشوق وقرب المراد ستتكلم البندقية بلغة الارواح هبّ احمد والألم يعتصر قلبه فقد ضاقت به الارض بما رحبت لا لن يدخلوا كربلاء كما دخلوا الموصل والانبار اخبر والديه بعزمه على الالتحاق بصفوف المقاتلين رُفض طلبه من قبل والديه بادئ الامر لصغر سنه ، إلا أن احمد ذا العشرون ربيعا استطاع اقناعهم بالقول: ألستم ترددون دائما: يا ليتنا كنا معكم! فهذه هي الفرصة لتكونوا مع انصار الحسين عليه السلام... استطاع اقناعهم وبل جعلهم فخورين به لأنه كان يترقب هذه الفرصة فقلبه المتّقد يتوهج كالجمر في مواقد الشتاء الليل ضيف ثقيل يكتم انفاس الصباح فثمة روح ترتقب تحت استاره بزوغ الفجر ليلتحق بصفوف المجاهدين تنفس الصباح، تألقت عيناه حمل حقيبته تزود من النظر الى وجه والديه ففي غياهب نفسه احتشدت كلمات الوداع الا انه اكتفى بالقول: في حجكم هذه السنة نحو قبلة الاحرار لا تنسوني من الدعاء انسابت كلماته في اعماقهم وتركت صداها: اذكروني في دعائكم. كانه ينعى نفسه! حمل حقيبته ثم لوح بيديه مغادرا: أراكم بخير حل شهر صفر وبدأ كرنفال الزحف الحسيني يشق طريقه من اقصى نقطة على الارض الى كعبة الاحرار. وقعات خطواتهم وتراتيلهم مزجت بعطر النبوات المنعبث من قباب ذهبية عانقت السماء شموخا فبين وقع الخطى وازيز الرصاص كان اليراع يخط في سفر الوجود اجمل القصص عن رجال لهم قلوب كزبر الحديد يترجمون عشقهم تراتيل تعزفها سمفونية الشهادة لتسكب ارواحهم في قارورة الخلود ففي قاطع محكول أزفت لحظة الرحيل واحتشدت الارواح لتلتحق بركب الملكوت الاعلى فها هو الحسين عليه السلام يسقيهم من كأسه الاوفى واقعة الطف تستحضر احداثها في مخيلة احمد التفت الى اصدقائه مودعا وهو يتلو: فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر حتى غفت عيناه على قلادة من دم نحره تزين وجهه ابتسامة رضا لقد نال مبتغاه ارتقى سلم الوصال يشق الناس طريقهم من كل فج عميق ليالي وأيام بخطى تعجز الارض عن عدها وفي كل مرة تنتحب ان فقدت وقع اقدامٍ عهدتها اول الماشين تهتف باسمه في كل غرف النداء الا ان احمد اختصر الطريق واخترق حدود الزمن وعبر العوالم ونال قرب معشوقه صار يرى الماشين للحسين عليه السلام كما لم يرهم من قبل المشهد من الاعلى اكثر عظمة رأى امرأة تحمل صورته تمشي بعنق مشرأب والنساء يرشقنها بعبارات لائمة جارحة ما اقسى قلبك! قذفتيه في اللهوات كان غضا فتيا شبّ لتوه ترد عليهم بحزم: هيهات هذا جمال صحيفتي وزينتها عند الحسين وفداء له رأته ذات ليلة في عالم الرؤيا يحمل مفاتيح وهو يبتسم: مفاتيحكم انت ووالدي بيدي لكل هاتف رمز سري يحتفظ به صاحبه مغلق الا احمد بقى هاتفه مفتوحا برصاصة اخترقت شاشته ليستقر في ساقه..... رجاء الانصاري

اخرى
منذ 7 سنوات
6079

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
85133

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
71181

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
56787

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 6 سنوات
48975

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47105

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
35614