Profile Image

نورا كاصد العبودي

لستُ بخير!

بقلم: نورا گاصد العبودي لم أعتدْ قولها أو كتابتها حتى ... لكنّي اليوم أشعرُ بها ... بعد ما زارتني الخيبة أمس، جلست بكلِّ وقاحةٍ أمامي تحملُ مرآةً بيدها ... وتُريني قباحة أفعالِ سُكّان القلب... وأخذت تضحكُ بصوتٍ عالٍ، مُردّدةً عباراتِ الانتصار ... ثم سألتني: كيف تعامل معكِ آخر جنودي؟! -تقصد خُذلان الكلام- أشحتُ بناظري عنها، وقلت لها: أنا من صمتُّ؛ فالكلام لم يعُدْ يُجدي نفعًا مع الوحوش البشرية، الذين يصبّون جامَ غضبِهم بكلامٍ يحملُه الغبار فيرميه في مزبلةِ النسيان! أنا أتمسكُ بالشيءِ الخالد فقط! قلمي.. سينصُرُني، وهو ينزف أملًا، ويبثّه عشقًا... رغم أنف الخيبات..

اخرى
منذ سنة
310

يا مالكًا قلبي

بقلم: نورا كاصد العبودي هوِّنْ عليك؛ فالعالمُ قاسٍ جدًا ليس بيني وبينك سوى ستين عامًا من البعد... ومئات الجراح، وألف ميلٍ من الحزن! بعد أنْ هربتُ من العالمِ جئتُك بكاملِ جراحي الأنيقة! لا أزالُ طفلًا، وجراحي غائرةٌ كبيرة.. حزني سرمدٌ يقتلُ أحلامي الصغيرة أتلقّى الكلماتِ خناجرَ مدججة بصدري... فيما كنتُ أتصورُ أنَّ العالمَ يُشفِقُ على القلوبِ البريئة.. هربتُ، وأعتقدُ أنَّ النوم يهزمُ الألم... وأنَّ العُزلةَ ملجأُ الأرواحِ الكسيرة... فقصتي غريبة، اخترتُ غيمةً جميلة، ناصعةَ البياض كالأميرة... لكنّها بعد أيامٍ تبخّرت وتركتني في حيرة... عُدتُ يائسًا، جلستُ على صخرةٍ عظيمة... نظرتُ نحو السماءِ، وجدتُ نجمةً وحيدة... اتخذتُها خليلةً، لكنّ القمر اعترض وطردني.. وما تزالُ روحي لها أسيرة.. اصطحبتُ جراحي، وجئتُك أتكئ على جراحِك الهزيلة... كي أخلعَ معطفَ الحزنِ وأتمسك بقلبٍ طالما أشعرني بالسكينة... دعْ رأسيَ الصغيرَ المليءَ بالهمومِ يخلُدُ على كتفك المحني... فالزمانُ موحشٌ، والدنيا تدعوني لأنطفئ، وتُضيء هي، وتشمت بروحي الرهينة... أشعرُ أنّي مُتُّ منذُ زمن، وقلبي مُعلّقٌ بجدارِ الانتظار والحياة الرتيبة ... والذاكرةُ تتآكلُ داخل رأسي.. ما أعلمُه أنّي أشيخُ بسرعةٍ يا سندي العتيد... وجدتُك كموجِ البحرِ الغاضب، ورياحِ الخريف العاصف، تُبعثِّرُ وريقاتِ الربيع قربَ كلَّ بحيرة... وأنتَ ما زلتَ تحتضنُ قلبي الرقيق المتألم، وتلتقطُ أنفاسَك حسراتٍ أخيرة... بيني وبينك وفاءٌ، ووعدٌ، وعامٌ من الغربة...

الخواطر
منذ سنة
515

سفيرُ الحُسين (عليه السلام)

بقلم: نورا كاصد العبودي بعدَ أنْ حطَّ الظلامُ في حُجَرِ بيوتِ أهلِ الكوفة، ومكثَ الشرُ داخلَ نفوسِ بعضِ أهلِها...وبالأخصِ عندما حدَّدَ ابن زياد الجائزةَ العُظمى: (من أتاني بمسلمٍ بن عقيل فلهُ عشرةَ آلافِ درهم، والمنزلةُ الرفيعة من يزيد بن معاوية، ولهُ في كلِّ يومٍ حاجةٌ مقضية) راحَ صدى هذه الكلماتِ يغزو أزقةِ المدينةِ ويعلو، فيتلاطمُ الناسُ فيما بينهم كأمواجِ بحرٍ لا قرارَ له! نقودٌ تكفي لغرسِ الجوعِ في عقولِ البعضِ، فتمرِّدَ الحقدُ والضلالُ في دواخلهم.. وبينَ حسراتِ الخوفِ والوجومِ والطمعِ والغضبِ والرضا، تبزغُ شمس منتظرة، سيّدة ملتحفة بالصمتِ، تلوكُ الصبرَ حنظلًا.. تنتظرُ عندَ بابِ بيتِها ذلك الذي يعملُ شرطيًا في جيشِ ابنِ زياد.. يقرعُ في قلبِها طبولَ معركةٍ عنوانُها (ولدٌ عاقّ)، هي الأشدُّ ضراوةً من تلك التي ستقع، وتُمطرُ سحابةُ أفكارِها بسيولٍ من الجمر، وهي ترى الكوفةَ غارقةً بالتفكير، كيف ستحصلُ على الجائزة، فيتعالى حزنُها على آلِ النبي (صلى الله عليه وآله)... وبعدَ أنْ ملّتْ انتظارَ ولدِها وكادتْ أنْ تدخلَ بيتها لمحتْ قمرًا شعَّ نورُه من ظلامِ الزقاق، يسيرُ ببطءٍ شديدٍ، قد أنهكَه التعبُ والعطشُ ... بشرٌ من نور... ألقى عليها السلام وطلب منها ماءً ليشرب ... أحضرت له الماءَ والدهشةُ تنثرُ بلؤلؤِها على ملامحَ السيّدةِ النبيلةِ .. سألتْه على استحياءٍ: من أنتَ سيّدي وهل لك حاجة؟ وقف (عليه السلام) متحيّرًا، لا تُطاوعه نفسُه أنْ يطلب منها الإذنَ بالدخول، ولا يعرفُ مكانًا آخر ينصرفُ إليه، فأزقةُ المدينةِ مليئةٌ بحرسِ السلطة، وأصحابُه المخلصون قد زُجَّ بهم في السجون، وعامةُ الناسِ قد تمكَّنَ منهم الخوفُ أو أغراهم المالُ فنقضوا بيعته، وقعدوا عن نصرةِ الحقّ .. وصمّوا آذانَهم عن سماعِ صوتِ الحقيقة .. إجاب: أنا مسلمٌ بن عقيل، وأريدُ مكانًا أبيتُ فيه حتى الفجر.. صكّتِ المرأةُ وجهها حسرةً وألمًا لحالهِ، واعتذرتْ منه، وتنحَّتْ ليدخل.. ليتباركَ البيتُ بدخولِ نسلِ الآل المطهرين. جاءتْ له بالعشاءِ فوجدته مستغرقًا في الصلاة، تركت العشاء وخرجتْ لتجد ابنها قد عاد. كانت هذه المرةُ الأولى التي كرِهَتْ فيها حضورَه إلى البيت، وودّتْ لو أنّه لم يحضرْ.. أو لا يحضرُ أبدًا. ومن شدِّةِ اضطرابِها وخوفِها على مسلم (عليه السلام) لاحظَ الابنُ أنَّ أمَّه تُخفي سرًا، أخذ يُراقبها ويستدرجها بالكلام حتى باحتْ له بالسرِّ بعد ما أخذتْ عليه موثقًا بأنّه لن يُفشيَ السرَّ لمخلوق، لم تعلمِ السيّدةُ الجليلةُ (طوعة)، أنّها كانتْ تأوي ثعبانًا في بيتِها طوال هذه السنين، ابنها الشرير الذي غرسَ سمّه في قلبِها وقتلَ فرحتَها بإيواءِ سفيرِ الحسين (عليهما السلام).. نامَ الابنُ على جمرٍ، ينتظرُ طلوعَ الصباحِ ليُفشيَ سرًا أقسمَ أنْ لا يُفشيه، وأما هي فأرادت أنْ تغفو على أملِ نجاةِ مسلمٍ (عليه السلام)، ذلك الضرغام الذي لم يغمضْ له جفنٌ وقضى ليلَه بالعبادةِ والتهجد ... لم يكتمِ الشيطانُ سرًا، فما أنْ لاحتْ تباشيرُ الفجرِ الأولى حتّى سمِعَ مسلمُ وطوعةُ جَلَبَةِ الخيلِ وصياحِ الفرسان عند الباب... كانوا سبعينَ رجلًا، طوّقوا بيت السيّدة؛ للقبص على مسلم (عليه السلام)، لكنّه واجههم وأستطاع أنْ يغلبَهم، هكذا رأتْ طوعةُ مسلمًا (عليه السلام)، وهي مذهولةٌ تنظرُ إليه... أ هو مسلمٌ حقًا أم علي (عليهما السلام)؟ أ هي معركةُ خبير، وبابُها وسيفُ ذو الفقارِ أم هو باب بيتها؟ كان رجلًا لا يأبهُ الموت، حتى أنهى مهمةَ الرجالِ السبعين الأشدّاء وحده بسيفٍ واحدٍ وضربةٍ قاضية.. كان طلبُ الإمداداتِ لخوضِ معركةٍ مع رجلٍ واحدٍ يدقُّ ناقوسَ الخطر في قلبِ ابن زياد الذي جُنَّ رعبًا وعنَّفَ قائدَ شرطته، ولكنّ ابن الأشعث لم يترك لابن زياد قوله: (رجل واحد) دونَ ردٍّ، فذكّره بأنّه لم يُرسلْه إلى رجلٍ عاديّ، بل أرسله إلى رجلٍ محمديٍ علويٍ باسل.. الأمانُ الغادرُ والنظرةُ الشيطانيةُ لم يقللا من عزمِه الهمام، وكانتْ طوعةُ ترى ملحمةً يرسُمُها هذا الفارسُ لتُطرِّزَ هي أحداثَها في مُخيّلتِها إلى الأبد.. كان ينتفضُ رغمَ كثرةِ الجراحِ التي أصيبَ بها جسدُه كما ينتفضُ الضيغمُ مدافعًا ومحاربًا.. وكانتْ طوعةُ تُذكّرُه بأمجادِ عمّه.. وبعد معركةٍ ضاريةٍ انجلتِ الغبرة كي تلمحَ طوعةُ ذلكَ الجبلَ الأشمّ وهو مُغطى بالدماء، دَنَتْ نحوه لتسمعَ وهو يوصي... أنِ ابعثوا لأخي الحسين (عليه السلام) بأنّ أهلَ الكوفة غدروا بنا .. انتهتْ وشايةُ الولدِ العاقِّ الغادرِ بمسلم (عليه السلام)، وهو فوقَ قصرِ الإمارة، وقد ضُرِبَ عنقُه الشريف، وألقيَ بجسدِه من سطحِ القصر.

اخرى
منذ سنة
513

زهرةٌ في باقةِ ألم/ قصصٌ من الطفِّ تحملُ في طيّاتِها معاني الصبر (القصة الأولى)

بقلم/ نورا كاصد العبودي في بيوتٍ أذِنَ اللهُ (تعالى) أنْ تُرفَع ويُذكَر فيها اسمُه، بزغتْ زهرةٌ ذاتُ ثلاثة عشر عامًا، استقتِ العلمَ والمعرفةَ والشجاعةَ من بيتِ أبيها بيت العلم، وبيتِ أعمامِها بيت منزلِ الوحي والقرآن، حيثُ كان لها أبٌ تتوارى بقلبِه شجاعةُ آلِ طالبٍ كُلِّها، وأمٌّ سيّدةٌ جليلةٌ من صُلبِ عليٍ (عليه السلام)، كانتْ ترسمُ لها شكلَ الصراط، وتُرسِّخُ في ذهنِها الرضا بقضاءِ الله (تعالى) وقدره. أصبحتِ السيّدةُ حميدةُ (عليها السلام)، تقضي الليلَ كُلَّه بالعبادةِ وتصومُ النهار، زاهدةً، تقيةً، تتجمعُ حولها جميعُ فراشاتِ الكون تُسبِّحُ لله (عزَّ وجل)، بين يديها.. وفي موقفِ الطفِّ كانتْ لها وقفةٌ من بينِ سفوحِ ظلامِ المُخيّم، حيثُ كانت تطوِّقُ بصلاتِها رؤوسَ الفتياتِ تيجانًا مرصعةً بالتقوى، وتُرتِّلُ آياتِ القرآن لتُهدِّئ قلوبُ الأطفالِ وتُنسيهم لهيبَ الظمأ الذي أصابهم، وبنورِها كانتْ تُنيرُ طريقَ عمّاتِها الشائكَ بجُثثِ القتلى، بعدما كانت بين يدي عمّها الحُسين (عليه السلام)، في صحراءِ الطفِّ غصنٌ من وردِ الليلك، فوّاحةَ العِطرِ بالإيمان، والألم، والصبر.. تنتظرُ أباها مُسلمًا والقافلةُ تسيرُ بهم نحو كربلاء الطفوف، وقلبُها الصغيرُ كالجمرِ يلهبُ بل يحترقُ شوقًا، وينفثُ دخانَ الحزنِ أديمًا أبيضًا، تترجّاه أنْ يُخفِّفَ حدّةَ الحرارةِ عن الأطفالِ وجميع النساء، لكنّها صبورةٌ لا تُبدي حزنَها لأحدٍ حتى أمّها.. انقضى الشهرُ ولم يصلْ أيُّ خبرٍ عن أبيها، فما كان من العمِّ العطوف والإمام القائد إلا أنْ يُسلِّمَ أمرَه وأمرها لله (سبحانه وتعالى)، ناداها بصوتٍ يعلوه الأسى وأجلسها في حجره الطاهر، وأخذَ يمسحُ بيدِه الشريفةِ على رأسِها، مُستشعرًا خبرَ استشهادِ والدِها. علمتِ السيّدةُ الصغيرةُ أنّ أباها قد انتقلَ للرفيقِ الأعلى، رفعتْ رأسَها بعدَ أنِ التمستْ العطفَ والحنانَ، وقالت: عمّاه، هكذا يُمسَحُ على رأسِ اليتيم، إنْ كانَ مسلمٌ استشهد فهو فداءٌ لك ولعقيدةِ جدِّك الرسول (صلى الله عليه وآله)، أطال اللهُ لنا بعمرك. نهضت وقصدت خيمتَها، وصيحتُها ترنُّ بأسماعِ عمتِها: وا أبتاه.. وامسلماه.. سالتْ دموعُ الإمام (عليه السلام)، لكلام الصغيرة وإيمانها بالله (سبحانه). أصبحتِ الصغيرةُ في حالٍ ليسَ أفضلَ من حالِ الثُكالى، صوتٌ يرتجفُ من الألم، وقلبٌ فتته الغياب، وعظامُ كُلِّ الأعوادِ تحملُ وريقاتِ وردةٍ ذبلتْ قبلَ أوانِها؛ بسبب حقدِ آلِ أميّة على آلِ طالب، الذين ألقوا بأحلامها البريئة من فوقِ قصرِ الإمارة.

اخرى
منذ سنة
387

خجلٌ وظمأٌ وقلبٌ صريع/ قصصٌ من الطفِّ تحملُ في طيّاتِها معاني الصبر/ القصة الثانية

بقلم: نورا كاصد العبودي غاصتِ الأرضُ حتى اشتدَّت، وطوتِ الرمالَ بعضَها ببعض، ورمحتْ عينُ الشمسِ شاخصةً في مُنتصَفِ قلبِ السماءِ تكظمُ حزنًا... بينما يرتفعُ صهيلُ الخيلِ، وعويلُ النساءِ، والأطفالُ يطلبونَ الماءَ تجرّدتْ صحراءُ ذلك اليومِ من الرحمة! وتلوّنتْ بألوانِ الغضبِ فصارت حمراء.. عانَقَ فيها الحرُّ والظمأ بعضَهما، وأعلنا اتفاقًا حولَ عدّةِ أشياء، وغدتْ أمواجُ الفراتِ تقدحُ وتنثرُ لؤلؤًا، وتجري بسرعةِ نزفِ الدماء، دماء أنصارِ الحُسينِ (عليه السلام)، وزهقتْ أرواحُ الرُضَّعِ مثلما تزهقُ أرواحُ النُجباء.. اشتدَّ القتالُ، والظمأُ يأخذُ منّا مأخذًا، لكنَّ سيفَ الخجلِ ممن يجلبُ لنا الماءَ أمضى عليَّ من رماحِ الظمأ... سأقصدُ عمّي وأطلبُ منه أنْ يجلبَ لنا الماء، فهو لن يرفضَ طلبًا لعزيزتِه سكينة.. قصدتُ الضيغمَ وقد رسمَ في طريقِه أفقًا بعدَ نزفِ دماءِ الأعداءِ يُشبِهُ النهرَ الغائرَ بالذنوب... وجدتُ القمرَ يستعدُّ للخروجِ بعدما أنهى دعاءه، عجيبٌ سِرُّه مع اللهِ (سبحانه وتعالى)، فهو يطلبُ شيئًا ويلحُّ بطلبه، ما علِمتُه فيما بعد أنّه يُريدُ أنْ يُقطَّعَ جسدَه وتخرجَ روحُه المباركة بين يديّ أخيه الحُسينُ (عليه السلام)؛ فداءً لحفظِ العقيدةِ ونهجِ الرسول (صلى الله عليه وآله)... ألقيتُ السلامَ عليه، وكان لقاؤنا هذا مُختلفًا يلحفه الحزن، وتتلاطمُ فيه أمواج الوداع.. ثار الفارسُ ووصل العلقمي المليء بالغموضِ والأسرار، وكفَّه عن التدفق.. وقف النهرُ متعجبًا وكأنّه ارتطمَ بجبلٍ ليس لقمّتِه قرار... اغترفَ الإمامُ منه غرفةً ولا شيءَ في ذهنه سوى طلب سكينةَ (عليها السلام)، لامست يداه الكريمتان جُزيئاتِ الماءِ الباردة العذبة التي تدفعُ بالمرءِ إلى اعتناقها، لكنّ نفسَه أبتْ وشفاهه الذابلة أقسمتْ إلّا ترتوي قبلَ الحُسينِ وآله (عليهم السلام).. ورمى الماءَ من يديه.. ملأ قربته ونهض، لكنّ الأعداءَ تربّصوا به وغدروه، حتى قطعوا يمينَه وأعقبوها بقطعِ شمالِه، وأصابوا عينيه بسهمِ هزيمتِهم، بل أصابوا خيمةَ عمّتي وأطاحوا بأحدِ أعمدتِها! سقطت قربةُ العباسِ (عليه السلام)، فتفرقت كُلُّ جزيئاتِ الماء منها، وعادت مُهرولةً إلى النهرِ تشكو الظليمة.. قال الفراتُ: ليتني أضيقُ بنفسي وأتلاشى.. تحطّم قلبي وقلبُ الأطفالِ وقلبُ الفراتِ معًا.

اخرى
منذ سنة
482

يتيمةٌ قبلَ اليتامى

بقلم: نورا كاصد العبودي يتسابقُ العالمُ لبذلِ الغالي والنفيس في سبيلِ إعلاءِ كلمةِ الحق، لكن لا يعلمون أنَّ هذا الحق ثمنُه غالٍ جدًا، والقائدُ الحقيقي هو من يُضحي بنفسه وإخوته وبنيه، وأما الكلام وحده فقط فلا يُظهر حقًا، ولا يبني صرحًا، ولا يُعلي اسمًا، ولا يُثبِتُ وتدًا للإسلام في أرضه. بين الرماحِ العالية، والرمال الحارقة، والسيوف، والسهام ذات الشُعَبِ المثلثة، وحرقِ الخيام، وسبي العيال، وعطشِ الأطفال، وهناك قضية لا تختلفُ عن قضايا الطفِّ بل منها وإليها، تُثير انتباهي دائمًا... وردةٌ ذبُلَتْ قبلَ أوانِها، بسببِ حقدِ آلِ أُميّة على آلِ طالب، تلك الطفلةُ اليتيمةُ التي استُشهِدَ والدُها عطشانًا مرميًا به من سطحِ الإمارةِ، وحيدًا غريبًا. فثار وجْدُ الحُسين (عليه السلام) واستعرتِ النارُ في قلبه، فابنُ عمِّهِ قضى نحبَه مغدورًا، وربما كان ألمُ الحسين (عليه السلام) عندما وصله خبرُ مقتلِ مسلمٍ بن عقيل أضعافَ ألمِه يومَ الطف؛ لتصوّرِه لمنظرِ ابنِ عمِّه ومقتلِه والعذاب الذي عاناه. كان لذلك الشهيدِ طفلةٌ كانت تجلسُ دومًا عندَ بابِ المخيم، لا تُشاركُ الأطفالَ الحديثَ أو اللعب، كان عمُّها الحسينُ (عليه السلام) يراها تجلسُ دائمًا وحيدةً، وكأنّها غريبة، فكان يُدنيها إليه دائمًا، ويُناديها كُلّما اشتاقتْ روحُه لمعرفةِ خبرٍ عن ابنِ عمه.. وفي يومٍ من أيامِ الطفِّ اقتربَ من تلكَ الطفلةِ حياها وحضنَها بحنان، كما يحضنُ غصنُ الوردِ أوراقَه، يحنُّ ويئنُّ لحالةِ اليأسِ من عودةِ أبيها، سألها: بُنيّة، إلى متى جلوسكِ عند بابِ المُخيم؟ شاركي الأطفالَ في اللعبِ والحديث. أجابت: يا مولاي، أنا أنتظرُ أبي؛ فعندما أرسلتَه يا سيّدي لأهل الكوفة أخبرني وهو يودعني بأنّه سيعود. فعند عودتِه من سفرِه سيراني بانتظاره، وسأروي له حالي بعده، وما فعله آلُ أمية بحُرَمِ رسول الله (صلى الله عليه و آله )، فهم شهروا سيوفَهم بوجوهِ آل بيت الرسول (عليهم السلام). سيّدي ألم يأتِك خبرٌ عن والدي؟ أجاب (عليه السلام): بُنيتي، عندما يصلُني خبرٌ عن أخي سأُخبِرُكِ بالحال.. لم يستطعِ الإمامُ (عليه السلام) إخبارَها أنَّ والدَها قضى شهيدًا، وتوجه إلى خيمةِ أختِه سيّدةِ المخدرات زينب (عليها السلام) وأخبرَها بنبأ استشهادِ ابن عمِّها، بكت (عليها السلام) لمُصيبتها به، فعلِمت نساءُ الحسين (عليه السلام) بالخبر.. ونادى الحسين (عليه السلام) حميدةَ يتيمةَ مسلم بن عقيل، وقفتْ أمامَه فما كانَ من العمِّ العطوف والإمام الرؤوف، إلا أنْ يمسحَ على رأسِها، فعلِمتِ السيدةُ الصغيرة بأنَّ والدَها قد اِستُشهِدَ وحيدًا، غريبًا، مغدورًا، رفعتِ الطفلةُ رأسَها وقالت: إنْ كان أبي قُتِلَ فهو ونحنُ فداك يا مولاي. وأطلقت صيحتها: وا أبتاه وا مسلماه. نستلهمُ معاني التضحية الفذة والقيادة الناجحة من سيّدةِ الطفِّ الصغيرة، تكتمُ آلامها وتداوي جراحها، وتشهق صرخاتها المدوية المنادية باليتم، وتستجمعُ قواها وتُفدي عمَّها بأبيها. هذه الطفلةُ عاشتِ الطف، بما حَدَثَ قبله وما بعده، وأظهرتْ قدرتَها الفائقة على الصبرِ مادام فيه انتصارٌ للدين وموالاةٌ لإمامِ زمانها، على أنَّ الفرقَ كبيرٌ جدًا، بين يتيمٍ منتصرٍ ويتيمٍ منكسر؛ فأيتامُ الطُغاة والفاسقين مصيرُهم للاندثار والزوال، أما أطفالُ معسكرِ الحقِّ الحسيني، فكانوا مصدرَ إشعاعٍ وإلهامٍ، وكانوا قدوةً للطفولة الشامخة.. فحميدةُ عنوانٌ للتضحيةِ ومدرسةٌ للوفاءِ والإباء؛ كيف لا، وهي غصنٌ نديٌ من بيتٍ زُقَّ العلمَ زقًا، وارتوتِ الصبر، وتعلّمته من عمتِها وجدتِها سيدةِ النساء فاطمة الزهراء (عليهما السلام).

اخرى
منذ سنة
334

كوني حَذِرَةً

بقلم: نورا گاصد العبودي كُلُّ يومٍ تحاولين أنْ تتأكدي بأنّكِ لم تُصبحي سيئةً بعد، مثل أولئكَ الذين رأيتِهم وأنتِ تجتازين غاباتِ الماضي! وأنّكِ ستبقينَ كما عرفكِ زوجكِ بقلبٍ أبيض، ونقيِ جدًا! الواقعُ يبدو لكِ بربرياً، والوقتُ يهرب! دعي تراتيلَ نجاحِكِ تلوحُ بسماءِ أفكاركِ.. نجاتُكِ الحقيقةُ بأنّكِ نجوتِ وإنْ تركَ ماضيكِ أثرًا لمخلبٍ، أو كدمةً لحافرٍ، أو كسرًا في الخاطر.. وإنْ لم تستطيعي تمالُكِ أعصابِكِ.. ستتلبّدُ سماءُ بيتِكِ يا عزيزتي بسحابٍ عقيمٍ إنْ مارستِ عاداتٍ غيرَ صحيحة! فبعضُ الزوجات تُجادِلُ الزوجَ في أمرٍ مُعيّنٍ ممّا يؤدي إلى حدوثِ مُشاجراتٍ قويةٍ بينهما من جرّاءِ جدالِها معه، فالحياةُ الزوجيةُ بهذه الطريقة لا تستقيمُ أبدًا. الجدالُ يعملُ على اختلافِ القلوب، وكثرتُه تؤدي إلى نفورِ زوجك! عن الرسول (صلى الله عليه وآله): "لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم"[ميزان الحكمة ج 1: ص764] حاولي أنْ يكونَ عنصرُ الحوارِ المُشترك بينكما حاضرًا؛ لتعمَّ السكينةُ وينشأَ الهدوءُ، وستكونُ هذه طريقةً جميلةً لبناءِ أسرةٍ سعيدة. عليكِ التحكُّم بأعصابِكِ وضبطِها قدرَ المُستطاع، كذلك تجنبّي طلبَ الطلاقِ منه وأنتِ في لحظةِ غضب؛ فالزوجةُ الصالحةُ والذكيةُ هي التي تتحكّمُ بنفسِها وتتصرّفُ بحِكمةٍ ودرايةٍ مهما حدثتْ خلافات، قال رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): "أيُّما امرأةٍ سألتْ زوجَها الطلاقَ من غيرِ بأسٍ، فحرامٌ عليها رائحةُ الجنةِ"[مستدرك الوسائل ج15: ص280] إنَّ أحدَ أهدافِ الزواجِ هو تحقيقُ حالةِ الاستقرارِ النفسي، والطمأنينةِ الروحية، وفي ظلالِ هذهِ الحياةِ المُشتركة ينبغي على الزوجين العملُ على تثبيتِ هذه الحالةِ التي تُمكِّنُهم من التقدُّمِ والتكامُل. لقد أثبتتِ التجاربُ أنّه عندَما تزدادُ أمواجُ الحياةِ عُنفًا، وحينَ يُهدِّدُ خطرٌ ما أحدَ الزوجين فإنّهما يلجآنِ إلى بعضِهما البعض لتوفيرِ حالةٍ من الأمنِ تُمكنُهما من مواجهةِ الحياةِ والمُضي قُدُمًا. وعليه، فإنَّ الزواجَ ينبغي أنْ يُحقِّقَ حالةَ الاستقرارِ وإلا فإنَّ الحياةَ ستكونُ جحيمًا لا يُطاق. وإنْ كانتْ أحلامُكِ لا تأتي على مقاسِ العالم وأمانيك بعثرتْها الريح فسوفَ يحملُكِ الشريكُ على جناحيه ليُحلِّقَ عاليًا بين طيّاتِ السحابِ حاملًا معه طوقَ النجاة.. لذلك عليكِ بذلُ كُلِّ جهودِك في بناءِ أُسرةٍ مُتكاملةٍ يملأُ الحُبُّ أركانَها.

اخرى
منذ 9 أشهر
294

ابنةُ الشمس

بقلم: نورا گاصد العبودي سنونُ ثقالٌ واسمُك يعلو فوقَ الهويةِ يَودُّ الهروبَ مع أوّلِ ساعةِ فجرٍ مُسهَّدٍ.. يقصدُ حقولَ الجوري لتنطقَ به جميعُ الزهور.. ماذا سأفعلُ أكثر؟ أتكئُ على عُكّازِ الأيامِ وأنهضُ.. أستريحُ قليلًا على قارعةِ طريقِ الشمس! أبحثُ كثيرًا دونَ جدوى! عن سببٍ ما.. هلِ الجوري مُذنبٌ أم الشمس؟! أ يُعقَلُ أنْ يكونَ غيابُك حسنًا؟! إنَّ غيابَك أورثَني القسوةَ.. أُقاوِمُ قليلًا أيامًا غيرَ صالحةٍ للعيش! وأنتظِرُ ألتقِطُ أنفاسي وأنهضُ مُجدّدًا! ستتعثّرُ بي يومًا، هذا وعدٌ.. قريبًا سأرافِقُ الليلَ، وأخلعُ قلبي المُمزَّقَ البالي.. هل سيطغى ضوئي على النجومِ أم يختفي؟ وأخيرًا.. لم أعُدْ أُبالي: هل أُضيءُ أم أحترقُ! لم يهدّ فراقُك جدارَ روحي.. ولن يحتلّ جزءًا منها.. فأنا ابنةُ النائباتِ

اخرى
منذ 8 أشهر
320

هجــــران

بقلم: نورا گاصد العبودي في الحقيقةِ... نحنُ عاجزونَ عن مواجهةِ الحياةِ بهذه الفوضى.. ولِدْتُ في بيتٍ مُتكامِلِ الأضلاعِ إلا أنَّ أركانَه ما تلبثُ تعبثُ بها الرياحُ في بعضِ الأحيان، وتتبعثرُ منه حروفٌ وتختفي لبضعةِ أيامٍ، يختفي الألفُ والميمُ فيُمسي بيتُنا وكأنّه يَعرجُ، مُستنِداً على اللاشيء! في المساءِ أتكئُ على عَتَبةِ البيتِ وأنتظرُ، لكنّني لا أجِدُ سوى الإصرارِ على الفِراقِ وليس سوى ثوبٍ عُمُرُه عشرون عامًا من الحُزنِ، معلّقًا ينتظرُني، بل يُلوِّحُ لي بيدِه لارتدائه! فأتركه مُهمِلًا إيّاهُ وأركضُ نحوَ المجهولِ، وألتصِقُ بشعورِ الخوف، ثم أعود لمكاني المعهود في عَتَبةِ الدار وأجلسُ القُرفصاء وأنتظر! أتركُ البابَ مواربًا لأجلك.. ولكن كانَ يدخلُ كُلُّ شيءٍ؛ الناسُ، والطيورُ، والسهرُ، والغُبارُ، والرياحُ، وحتّى المطر! كُلُّ شيءٍ كانَ يودُّ رؤيتي والمكوثَ بينَ يديَّ... سواك! كم حاولتُ أنْ أقومَ بعملٍ جبّار! كأن أُعيد أُمّي إلى أبي مثلًا؛ لأنّني السببُ بفراقِهما، فكنتُ أحقدُ على اليومِ الذي ولِدْتُ فيه.. الجميعُ يروي كيفَ تُعاني الزوجةُ فيما إذا انفصلتْ عن زوجِها، لكنْ ما مِنْ أحدٍ ينقلُ مُعاناةَ الأبناء! لم يكنِ الاسمُ الذي اختارَه لي والدي إلا شؤمًا علينا جميعًا؛ فقد ولِدْتُ يومَها بساقٍ واحدةٍ أو هو ما يُسمّى بـ(التشوّه الخَلْقي). ذلك المنظرُ لم يرُقْ لأبي وكذلك أمّي والأقرباء! وما كانَ من الناسِ إلا أنْ يُلقوا بلومِهم على أُمّي؛ ففي نظرِهم إنّها السببُ فيما أنا عليه، ولابُدَّ أنَّ هناكَ مرضًا ما نقلتْه لابنتها! عانتْ أُمّي في بيتِ أهلِ زوجِها من الكلماتِ الجارحةِ والقذفِ والشتمِ والنظراتِ المليئةِ بالحقدِ، وأبي كانَ ضدَّها أيضًا؛ فلم يقفْ معها ولم يُسانِدْها أبدًا، بل كانَ يُلقي باللومِ عليها هو الآخرُ، بل وأخبرَها بأن لا تُفكِّرَ بأنجابِ طفلٍ أخر أبدًا.. مرّتِ الخمسُ سنواتٍ مُسرعةً ومُعاملةُ أبي لأمّي تزدادُ سوءًا، كنتُ أفهمُ كُلَّ ما يدورُ حولي، وأبي كانَ يُقنعُني أنَّ سببَ عدمِ قدرتي على المشي هي أُمّي! لم تستطِعْ أمّي الصبرَ أكثر، فتركتْ منزلَ أبي وذهبتْ إلى منزلِ أبويها، وطلبتِ الطلاقَ. وما إنْ انفصلا حتى أخذني أبي من أُمّي بقوّةِ القانون.. تزوّجَ أبي بأُخرى وأنجبَ ولدين يمتلكُ كُلًّا منهما ساقين، وتزوّجتْ أُمّي وأنجبتْ طفلتينِ تمتلكُ كُلٌّ منهما ساقين، وأمّا أنا فبقيتُ أنتظِرُ وأنتظِرُ.. سألني الطبيبُ عندَ آخرِ زيارةٍ: هل أشكو من شيء؟ قلتُ: لا شيء.. وكُلُّ شيءٍ يؤلمُني، غُصّةٌ تسدُّ مخارجَ الحروفِ في حلقي. هذا اللاشيءُ يجثو فوقَ صدري ويخنقُني، واللاشيءُ هذا ينمو مع الدموعِ في مُقلتيّ ليتناثرَ هباءً منثورًا.. وبعدَ صمتٍ عقيمٍ نظرَ بعيني وقال: كُلُّ ما في الأمرِ هذا هو قدرُكِ يا ابنتي.. ما هوَ القدرُ؟ وكيفَ يكونُ شكلُه؟ ومن الذي يُعطيني عنوانَه؟ أردتُ أنْ أقولَ له: لم أكنْ أبحثُ عن ساقٍ تُعينُني لو كانتْ أُمّي تسندُني! أُمّي تسدُّ ثقوبَ جراحي، وتُرمِّمُ جُدرانَ روحي، وتملأُ أجزائي الفارغة.. أحيانًا أشعرُ بأنّي أريدُ أنْ أستلقيَ على كَتِفِ أُمّي، وأُفرِغ روحي من كُلِّ ما أتعبني، (الهجران، والقسوة، والانتظار...) لم أكنْ أتوقّعُ أنًّ تلكَ الأشياءَ الثقيلةَ سأحملُها معي طوالَ عمري! يا سادة... هذا جُزءٌ من مُعاناةِ الأبناءِ عندَ الطلاق.

اخرى
منذ 8 أشهر
238

الحلمُ الذي لا ينتهي

بقلم: نورا گاصد العبودي أيُّها الحلمُ الذي يسكنُ أُفُقًا بعيدًا.. على شاهقٍ هَوَتِ النجومُ لتستضيءَ بنورِه.. شعَّ صداهُ حتّى في زُقاقِ الزاهدين.. سرادقُ الروحِ مدَّتْ يديها تُعانِقُ حروفَ غيابِه... والقلبُ يعتصرُ ألمًا ويختنقُ ويقعُ مُغمىً عليه... أرمي اعتذاراتي في كُلِّ مكانٍ مررتُ فيه وأنا غافلةٌ... ثم أُنادي بصوتي المُتقطِّع وأملي الذي لا زالَ مُعلّقًا على قِمّةِ جبلِ الأُمنياتِ ... أُناديكَ... فهل تسمعُ صوتي الميّتَ بتقطُعِ أحرفِ الروح؟! يا.... مهدي... لديّ أُمنيةُ ثأرٍ لا تزول... حتّى إنْ هوتْ أحلامي من شاهقٍ وتناثرتْ مع ذرّاتِ الرياح... جعلتُها فِداكَ يا مولاي إلا حلم رؤياكَ.. هيهاتَ أنْ أُفرِّطَ فيه.. سأقعُ قبلَه وأحتويه... وقفتُ بينَ شظى ولظى الطفوفِ وأربعةِ أقمارٍ وشمسِ الكونِ ونجومِه... قد نُثِرَتْ جثامينُهم في الغاضرية... هل يرثي قلبي تلك الأُمُّ التي غدتْ مُمّزقةً بين عينٍ وكفين، أم يرثي رأسَ قائدِهم على أعلى الرُمحِ حزين؟!... تمنّيتُ لو أنّ روحي تُسافِرُ إلى السماءِ حيثُ يمكثون تنعى حُسينًا وتبكي من تقطّعَتْ أوصالُهم، وبالدماءِ هم مخضبون... يا صاحبَ الأمرِ متى الفرج؟ أملٌ باللقاءِ ما زالَ يتجدّد.. بظهورِك بحرُ الأوهامِ يتبدّد.. مصاعبُ الزمانِ تتوالى علينا... يا صاحبَ الزمان... والعقلُ شارد ٌفي البراري يبحثُ عن نورٍ لك... يقتبِسُ منه ليُكمِلَ ما تبقّى...

اخرى
منذ 8 أشهر
248

اللياقةُ والأدبُ في الحوار

بقلم: نورا گاصد العبودي قال (تعالى): {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنا}[البقرة: 83]. بالتحدُّثِ إلى عامّةِ الناسِ (المثقفين وغير المثقفين) يجبُ اختيارُ الكلامِ الفصيحِ؛ إذ هو يُكسِبُ الحوارَ والمُتحاورين وقارًا وهيبةً، ويُلزِمُ الطرفَ المُقابلَ بالإذعانِ والإنصاتِ والأخذِ بالأمورِ مأخذَ الجِد. أمّا إنْ كانَ الموضوعُ فضَّ نزاعٍ أو غيرَ ذلك فوجبَ التحدُثُ بالفصيحِ ممّا يُكسِبُ القضيةَ حلًّا شاملًا، ويُلبِسُ المُتحاورَ جلبابَ الحكمةِ، لا سيما إذا تخلّلَتِ الحديثَ بعضُ العباراتِ المُشرقةِ، وكانَ الأسلوبُ سلسًا سهلًا يجذبُ السامعَ على التقيُدِ في سلسلةِ ذلك الحوار. فكيفَ إذا كانَ المُتكلِّمُ خطيبَ منبرٍ أو مُعلمًا أو ما شابه ذلك، وجبَ عليه في هذه الحالةِ اتباعُ عدّةِ قواعد: *يجبُ أنْ يكونَ الحوارُ المُشتركُ مبنيًا على احترامِ الأطرافِ المُتحاورةِ فيما بينها حتّى وإنْ كانوا أعداءً. *الحِرصُ على أنْ يستهلَّ حديثه بالبسملةِ والحمدِ والثناءِ لله (تعالى) والصلاةِ على رسولِه الكريم (صلى الله عليه وآله). *البدءُ بآيةٍ من الذِكرِ الحكيم؛ لما لذلك من أثرٍ في جذبِ المُتحاورين للإنصاتِ والاستماعِ، وكذلك فيما لو تخلّلَتِ الحوارَ أحاديثُ الرسول (صلى الله عليه وآله) وأقوالُ الأئمة (عليهم السلام) وبعضُ الحكم. *يجبُ أنْ تكونَ المصداقيةُ حاضرةً، وإلا فكيفَ يكونُ الحوارُ مُحترمًا ويتمتّعُ بالجِدّيةِ وحسمِ الأمور. *عدمُ الإكثارِ من الضحكِ والمزاح والاستهزاء بالمُقابل؛ لأنّ ذلك سيُحدِثُ أمورًا من شأنِها أنْ تقلبَ الحوارَ إلى جدلٍ عقيمٍ تضيعُ فيه أصولُ اللياقةِ والأدب. بل يُسمَحُ بمُلاطفةِ الأشخاص المُتحاورين عِبرَ سردِ الحكاياتِ التي تشتملُ على شيءٍ من الطُرفةِ لكيلا يُعتقَدَ أنَّ المُحاوِرَ يُكِنُّ لهم الضغينةَ والبغضاءَ أو يكونَ الحوارُ ثقيلًا يودُّ الطرفُ الآخرُ أنْ ينتهيَ فقط. *يجبُ ربطُ الحاضرِ بالماضي من خِلالِ الاستشهادِ ببعضِ حكايات الماضين ممّا يُكسِبُ الحوارَ روحًا ويدلُّ على ثقافةِ المُحاورِ وتعمُقِه بتاريخِ السابقين والسيرِ على خُطاهم في حلَّ بعضِ الأمور. *اختيارُ أفضلِ الكلامِ وأجملِ العبارات، وترك فضول الكلام، والابتعادُ عن الكلامِ الذي لا جدوى منه في الحوارِ ليحفظَ المُحاورُ هيبتَه، ووقتَه، وأوقات الآخرين، كما جاءَ في الحديثِ الشريف: (طوبى لمَنْ أمسَكَ الفضلَ من لسانِه). *عدمُ الاستهانةِ بالمُقابِلِ أو التقليلِ من شأنِه، وفسحُ المجالِ إمامَه لإبداءِ رأيّه والتعبيرِ عمّا يُريدُ بأسلوبٍ حضاري. *عدمُ اتخاذِ أسلوبِ المُجادلةِ في الحوار؛ لأنّ هذا الأسلوبَ سيُضعِفُ كلامَ المُحاورِ وسيتسبّبُ في ضياعِ الموضوعِ الأساسي، وتقبُّلُ فكرةِ الاختلافِ في الرأي. *اتباعُ المنهجيةِ العلميةِ في التحدُّثِ التي لا يُمكِنُ للعقلِ إنكارُها. *استخدامُ كلمةِ أستاذ أو سيّد في مُحاورةِ الأشخاصِ يُلزِمُ المُقابلَ بالاحترام. *عدمُ رفعِ الأيدي في الحوارِ أو رفعِ الصوتِ عندَ مُخاطبةِ أحدِهم. *استخدامُ أسلوبِ التلميح بالخطأ خيرٌ من التصريحِ به؛ فبعضُ الأشخاصِ لا يتحمّلون أنْ يواجَهوا بقوةٍ أو صرامةٍ عندَ مواجهتِهم بأخطائهم. *تجنُبُ إثارةِ المُشكلاتِ والفتنِ التي من شأنِها تأجيجُ الموقفِ لا سيما إنْ كانَ الحوارُ لأجل فضّ نزاعٍ بين طرفين.

اخرى
منذ 8 أشهر
364

اغترابُ شمسٍ

بقلم: نورا گاصد العبودي التفَّ خيطُ الخوفِ على رحمِ الأيامِ.. وكادَ أنْ يخنقَ الضوءَ المُتسلّقَ عبرَ نافذةِ الأوهام.. مُحطِّمًا بذلك كُلَّ الصورِ المُعلّقةِ على جدارِ الحياة.. أحدثَ شقوقًا في روحي القابعةِ في قبوِ جسدي الهزيل.. وما زالَ الأملُ يزحفُ عبرَ الأساطير.. ويُحاوِلُ تخطّي حواجز صمتِ اليأس قبلَ اغترابِ الشمس! قبلَ أنْ تكونَ الأيامُ غيرَ صالحةٍ للمداولةِ بينَ البشر.. قبلَ أنْ يذبلَ اخضرارُ النخيلِ، وقبلَ هروبِ الريح، وموتِ الياسمين، ونفي الشواطئ والخُلجان... وانقضاءِ السبعينَ محملًا.. قبلَ أنْ يجلسَ الخيرُ والشرُّ، الحبُّ والحقدُ، على طاولةٍ واحدة! قبلَ أنْ يتساوى الصدقُ مع الكذب.. وقبلَ أنْ ينجبَ النفاق! قبلَ أنْ يغيبَ الصالحُ.. وقبلَ أنْ تُقيّدَ الحقيقةُ.. وقبلَ أنْ ترتدي الخطيئةُ لباسَ التقوى! جوعٌ أبكم.. وظمأٌ فارغٌ.. وموتٌ يرتقي حبلَ المشانقِ باسلًا.. وحدتي خوفي صمتي كيفَ تنتهي قبلَ أنْ ينتهيَ الهواء.. قبلَ أنْ تتوقّفَ دقّاتُ ذلك المُحتمي بينَ أقفاص! نحلمُ أنْ تظهرَ يا مولاي قبلَ اغترابِ الشمس..

اخرى
منذ 7 أشهر
267