أنعام العبادي

بعض النِعم المُحاطة بكورونا الجزء (٢)

بقلم: أنعام العبادي في تقلُّبِ الأحوال تظهرُ الحقائق، وعند الامتحان يُكرمُ المرء أو يُهان، على هذا القانون قامت فلسفة وجود الإنسان، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ }(١).. لقد وهب الله (عز وجل) الإنسان طاقاتٍ لكنها بهيئة موادٍ خام، وقد اقتضى العدل الإلهي أنْ ينال كلُّ أنسانٍ درجته بفعله واختياره؛ لذا كان لابُدَّ من أنْ يمرَّ باختباراتٍ لِصقل هذه المواد ولتتبلور، ولتُخرج المكامن النفسية التي ربّما لا يعرفها الإنسان إلا بمروره بهذا الاختبار. بمعنى آخر: إنَّ الابتلاء هو الأستاذ الذي يتعلم الإنسان على يديه، ونحن الآن تحت يدي المُعلم (كورونا)، هذه البلية التي هي ربما بل إنها مُحاطة بالخير من قِبل الله (عز وجل)؛ لما روي عن النبي(صلى الله عليه واله) :( إذا أراد الله بقومٍ خيرًا ابتلاهم)(٢)، فبهذا المرض البدني من الممكن أن يكتشف الإنسان بعض أمراضه المعنوية ويسعى لِعلاجها، ومن ثم فهو كرامة لمن عَقِل؛ لأن في التعرّض للبلاء وعدم نكرانه والثبات في مواجهته ترتفع نسبة الإيمان، كما أنَّ واحدًا من أهم دروس هذا الوباء هو أن يكتشف المؤمن ممَ يخاف في الحقيقة. ففي عاصفة هذه الوباء ارتفعت نسبة الخوف من المجاعة، والخوف من تدهور الوضع الاقتصادي، والخوف المُفرط على حُطام الدنيا الذي هو زائلٌ بكلِّ الأحوال، والخوف من هذه القضايا بإفراط من كيد الشيطان، قال (تعالى): {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ}(٣)، ولأنَّ الخوف يُضعفُ التفكير، لذا كان هو السبب الرئيسي للانجرار وراء الذنوب وعدم التأني بالتفكير فتبرز صفة العجلة المذمومة، أو سوء الظن، أو الغضب وغيرها من الذنوب. على حين أنَّ المطلوب من المؤمن أنْ يكون مطمئنًا ومتوازنًا يتعامل مع تقلبات الدنيا بمنهاج الوسطية بلا إفراط ولا تفريط، كما يروى عن الإمام الصادق (عليه السلام): " ليس منا من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه "(٤). فمن آمن بالله (تعالى) فهو يسعى لِطلب الرزق ويعمل وفقًا لتوجيهات الإسلام في الحفاظ على النظافة والحذر من الأوبئة واتباع التوصيات الصحية، وفي الوقت نفسه فإنّ قلبه مُطمئنٌ، لا يخشى إلا على إيمانه وحسن خاتمته، فيحرص على أنْ لا تقل نسبة يقينه بل يحرص على أنْ ترتفع؛ لأن اليقين سبيل نجاته في الدارين، روي عن الإمام الصادق(عليه السلام): (مسكينٌ ابن آدم لو خاف من النار كما يخاف الفقر لأمنهما جميعًا، ولو خاف الله في الباطن كما يخافه في الظاهر لَسُعِد في الدارين)(٥) نسأل الله (تعالى) أنْ يَمُنَّ علينا بأنْ يجذبنا إليه كما جذب الصالحين، وأنْ يَمُنَّ على قلوب المؤمنين والمؤمنات في مشارق الأرض ومغاربها بالسكينة والأمان وأن لا يخيفهم إلا منه (سبحانه وتعالى). ____________________ ١- سورة العنكبوت، آية (٢) ٢- ميزان الحكمة، الجزء (٢) ٣- سورة البقرة، آية (٢٦٨) ٤- من لا يحضره الفقيه، الجزء(٣) ٥- ميزان الحكمة، الجزء(١)

اخرى
منذ 7 أشهر
261

الإمام الكاظم (عليه السلام) وتعدُد طُرق الإصلاح

بقلم: أنعام العبادي عندما يُدرك الإنسان هدفًا حقيقيًا سينتقل معه أينما ذهب، وسيجد الطُرق المواكبة للظروف، ويعيشُ متحديًا كلَّ التقلبات، بصيراً بكلِّ الأذواق. فمن كان مشروعه الدعوة لله (تعالى) الذي هو مشروع الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) فإنّه يمارسُ هذا التكليف مواكِبًا لِما تقتضيه المرحلة، مراعيًا التفاوت بطُرق الإقناع، فكما الناس مختلفون في ما يأكلون وما يلبسون، كذلك هم مختلفون بأساليب إقناعهم، وخيرُ من مارس أرقى طرق الإقناع بأنواعها هو رسول الله(صلى الله عليه واله) ، كما وصفه أمير المؤمنين (عليه السلام ) بقوله: "طبيبٌ دوّارٌ بطبه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، من قلوب عمى، وآذان صم، وألسنة بكم، متتبع بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة" (١). وكذلك الأئمة (عليهم السلام) من بعده، فعند تسليط الضوء على نهج الإصلاح في حياة الإمام الكاظم (عليه السلام) نجدُ هذا التعدد في أساليب الهداية للآخرين، إذ انطلقت رسائل الإصلاح حتى من طامورة السندي، فقد روي عن عمّار بن أبان انّه قال: حُبِسَ أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عند السندي بن شاهك، فسألته أُخته أنْ تتولى حبسه، ففعل، فكانت تلي خدمته، فحكى لنا أنها قالت: كان إذا صلى العتمة حمد الله ومجَّده ودعاه، فلم يزل كذلك حتى يزول الليل، فإذا زال الليل قام يُصلي حتَّى يُصلي الصبح، ثم يذكر قليلا حتى تطلع الشمس، ثم يقعد إلى ارتفاع الضحى، ثم يتهيَّأ و يستاك ويأكل، ثم يرقد إلى قبل الزوال، ثم يتوضأ ويُصلّي حتى يُصلي العصر، ثم يذكر في القبلة حتى يُصلى المغرب، ثم يُصلي ما بين المغرب والعتمة، فكان هذا دأبه. فكانت أخت السندي إذا نظرت إليه قالت: خاب قومٌ تعرَّضوا لهذا الرجل، وكان عبدًا صالحًا.(٢) فاعترفت بمقامه واهتدت للحق حتى قيل عنها إنَّها كانت من محبي أهل البيت (عليهم السلام)، وهذه إحدى طرق هداية الآخرين وهي إظهار العبادة بنية التشجيع. ومن الطرق الأُخرى إرجاع الناس إلى فطرتهم، واحدة من أنجع الطرق التي تُعين صاحب المشروع الرسالي هو أنْ يستعين بالمزايا التي فُطر الناس عليها كوسيلةِ إقناعٍ وجذب للحقيقة. روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) أنه اجتازَ على دارٍ بِبغدادَ ، فَسَمِعَ المَلاهي وأصواتَ الغِناءِ والقَصبِ تَخْرجُ مِنْ تِلكَ الدّارِ ، فَخرجَتْ جارِيَةٌ وبِيَدِها قُمامةٌ البَقْلِ ، فَرَمَتْ بِها في الدَّرْبِ : فقالَ لَها: يا جارِيَةُ! صاحِبُ هذِهِ الدّارِ حُرٌّ أم عَبْد؟ فَقالَتْ: بَلْ حُرٌّ، فَقالَ: صَدَقْتِ، لَو كانَ عَبْدًا خافَ مِنْ مَولاه! فَلَمّا دَخَلَتْ قالَ مَولاها وهُوَ على مائِدَةِ السُّكْرِ : ما أبطَأكِ عَلَينا؟ فَقالَتْ: حَدَّثَني رَجُلٌ بِكَذا وكَذا، فَخَرَجَ حافِيًا حَتّى لَقِيَ مَولانا الكاظِمَ عَليهِ السَّلامُ فَتابَ عَلى يَدِهِ .(٣) فقد ايقظ الإمام (عليه السلام) فطرة بشر الحافي بكلمةٍ قدسية خرجت من قلبه المُخلص لله.. وهكذا بقي الإمام (عليه السلام) سببًا في خلاص الغافلين من سجن الدنيا، فمن أراد أنْ يستمر بمهمة الأنبياء (عليهم السلام) عليهِ أن يتبع أساليبهم في الدعوة، موطنًا قلبه على خشية الله (سبحانه)، قال (تعالى): {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَيخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللَّهَ وَكفى‏ بِاللَّهِ حَسِيباً}(٤)، فالخشية من الله (سبحانه) وحده هو سر الثابتين في العمل الرسالي؛ لأنه يحصنهم من أي تردد، ويُنير لهم ظُلمة الظروف، ويجعلهم يشعرون بعظمة التشريف وحجم التكليف، ويُبصرهم بالطريق حسب المكان والزمان ومن هو معني لهدايته، لذلك هم مجاهدون، ومن جاهد في الله (عز وجل) دله الطريق وهداه السبيل ، قال تعالى:{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا}(٥). هكذا هم القادة الإلهيون مجاهدون في سبيل الله (عز وجل)،وكفى به حسيبًا فهو المُحصي الحكيم لجهودهم وهو المُثيب عليها، ساعين لهداية الناس بنور الله (تعالى) الذي لا تقيدهم أغلال الحروب الناعمة ولا طامورة الظروف المؤلمة أسوةً بالإمام الكاظم (عليه السلام ) الذي خرق نور رساليته قضبان الظالمين والطغاة. _________________ ١- نهج البلاغة للشريف الرضي. ٢-تاريخ بغداد للخطيب البغدادي. ٣-منهاج الكرامة للعلامة الحلي. ٤-سورة الأحزاب آية (٣٩) ٥-سورة العنكبوت آية (٦٩)

اخرى
منذ 7 أشهر
301

استثمري فترةَ الحظرِ وتألقي

بقلم: أنعام العبادي يواجهُ الإنسان في سياقِ حياته مواقفَ متعددة، وظروفًا متفاوتة، وعليه التسليم لِتقلبِ الأحوال؛ فدوام الحال من المُحال، فيستطيع أنْ يتجنب ضررها، وما نقصده من الضرر هنا هو أنْ لا يتأثر دِينه؛ فهو عصمة أمره، وسلامة الدين أهمُّ من كلِّ شيءٍ، وهذا ما نفهمه من سؤال أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما أخبره رسول الله (صلى آلله عليه وآله) بما سيجري عليه، إذ سأله (عليه السلام) قائلًا: "وذلك في سلامةٍ من ديني؟"(١)، فاستهداف هذه السلامة تُطهر الدوافع لأيِّ سلوكٍ، وتجعله حكيمًا مؤثرًا ومنصفًا لكلِّ الأطراف، وسبيلًا للنجاة في الآخرة. بل ويمكن للمؤمن أنْ يوجّه ظروفه توجيهًا يجعلها تصبَّ في مصلحته، وتتدرجُ به نحو الكمال، ولكن قبل ذلك عليه أنْ يتقبلَها؛ فالإنكار ليس حلًا، ثم يُقرر قرارًا صادقًا على استثمارها والعروج بها. ومن أمثلة تلك الظروف فترة الحظر الراهنة، حيثُ بقاء الناس في منازلهم، فقد تزداد المشاكل داخل الأسرة؛ لكثرة الاحتكاك، وزيادة الضغوط والقلق، مما قد يُعرِّض المرأة والزوجة من بين أفرادها إلى الضغط أكثر من السابق؛ بسبب تدقيق الأب أو الإخوة أو الزوج بكلِّ صغيرةٍ وكبيرةٍ مثلًا، وسلبيات أُخرى نتعرّض إليها لاحقًا مما يؤثر على الصحة النفسية للمرأة، ولكي تَمر هذه الأزمة بسلام، نُقدِّم هذه النصائح: ١- على المرأة أنْ تعلم أنَّ مواجهة الابتلاءات هو اكتشافٌ جديدٌ لنفسها وقوة إيمانها؛ فالمؤمن لا يتضح جوهره ومدى إيمانه الحقيقي في الظروف الاعتيادية غالبًا، فإنْ وُضِع في ابتلاءٍ ما اتضح ذلك؛ ولذا ورد في بعض المرويات ما معناه (أنَّ المؤمن يُجرّب بالبلاء) ٢-أنْ تتقبل الظرف إجمالًا بقصد الاستثمار، وأنْ تعده منحةً من الله (تعالى)، فمنعُ البلاء غير ممكن وخارج إرادتها، لكن إدارته واغتنامه ممكنة، والبيتُ السعيد ليس هو الذي كلُّ أفراده صالحون لا عيب فيهم، وإنّما الذي يمتلكُ أفراده صفةَ الرضا التي تجعل الأمر القاسي هينًا. 3- على المرأة أن تضفي إلى نظرتها للأمور شيئًا من الإيجابية، فلا تنظر إلى كلِّ نقدٍ أو تدخلٍ على أنّه سلبيٌ، فقد يكون فيه تصحيحٌ لِبعض الأخطاء التي لم تكن مُلتفتةً إليها، فاستقبال الملاحظات من قِبل الآخرين بهذه الروحية يُخفف من حدِّة النقد وسلبية الرد، كما من الممكن أنْ تطلب من الناقد المساعدة والإرشاد للطريقة التي يعتقدها صحيحةً ، أو أنْ تطلب منه أن يقوم هو بنفسه بذلك العمل، لا على نحو الأمر، وإنّما على نحو (قد أكون غير مُلتفتة وأودُّ منك أنْ تُعلمني) حتى وإنْ كانت غير مقتنعة! فإنْ كانت طريقته صحيحة فقد حصلت على فائدة وخفف عنها ثقل العمل هذه المرة، وإنْ شعر الناقد بصعوبة القيام بذلك العمل وعدم جدوى اعتقاده وعدم صوابه، فإنّه على الأرجح سيُقلل من تدخله بمرور الزمن. ٤-أحيانًا يكون تدخُل الرجل بأعمال المرأة وكثرة ما يوجهه من انتقادات إليها بسبب توقف عمله في الخارج، وقرب نفاد أمواله والمؤونة، وهنا يأتي دور المرأة الصالحة المصلحة بالتخفيف عنه، وتذكيره بأنَّ الذي في الحظر هو نحن، وليس عطاء الله (سبحانه)! ورحمته (تعالى) أوسع من البلاء الذي يُحيط بنا، ولتستعِن بالله تعالى لِتصرف همّه إلى الآخرة، فإذا نجحت المرأة بذلك تكون قد حوّلت ذلك القلق والخوف والهم للدنيا الذي يشعر به الرجل إلى غنى وطمأنينة، ومن ثمَّ ربما تقلل من انتقاداته، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: "من أصبح وأمسى والآخرة أكبر همه جعل الله الغنى في قلبه، وجمع له أمره ولم يخرج من الدنيا حتى يستكمل رزقه، ومن أصبح وأمسى والدنيا أكبر همه جعل الله الفقر بين عينيه وشتت عليه أمره ولم ينل من الدنيا إلا ما قسم له"(2). وعلاوةً على ذلك فإنّها ستكتسب أجرًا، فقد روي أنَّ رجلًا جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: "إنَّ لي زوجةً إذا دخلتُ تلقتني، وإذا خرجتُ شيّعتني، وإذا رأتني مهمومًا قالت: ما يهمك؟! إنْ كنتَ تهتم لرزقك فقد تكفّل لك به غيرك، وإنْ كنت تهتمُّ بأمر آخرتك فزادك الله همًا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنَّ لله عمالًا وهذه من عماله، لها نصفُ أجر الشهيد"(3). ٥- إذا لم ترَ ثِمارَ محاولاتِها الحكيمة لا يعني ذلك أنْ تمل، بل عليها أنْ تتمسك بإيجابيتها؛ فهي على الأقل لم تكن سببًا لسوء خلقه، ولتتجاهل هذه السلبيات ولا تستجب للأفكار التي يُحاول الشيطان إنْ يُضخمها ويُركز نظرها عليها. ٦- عليها أن تشعر بالامتنان؛ لِأنها أدت ما عليها، فالسعادة بحقانيةِ العمل لا بثماره، والثمرة هي بمشيئة الله تعالى، ولتتذكر إيجابيات الزوج، فقد يكون كثير التدخل كثير الانتقاد، لكنّه كريمٌ ووفيٌّ وصادقٌ وغيورٌ وصفات أخرى قد تفتقدها نساءٌ أُخريات في شركاء حياتهن، ولتنظر إلى من فقدت زوجها منهن، وتتمنى لو يكون موجودًا ليحمل عنها ثقلَ وصعوبةَ الحياة حتى لو كانت فيه كلّ هذه السلبيات. بهذه الخطوات من الممكن للمرأة أنْ تُدير أزمة الحظر، وتخرج منها بسلامةٍ من دينها وبركةٍ لمن حولها، ولا نجزم بانتهاء الأزمات، ولكنها بهذا ستكون في القادم أفضل وأقوى عندما تتعامل مع البلاء على أنَّه استثمار للتألق، مستعينة بالله (سبحانه) متوكلة عليه، مُرددة هذه الكلمات بتسليم واطمئنان: "اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا(٤). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) عيون أخبار الرضا(عليه السلام)/ الشيخ الصدوق. (٢) ميزان الحكمة/ محمد الريشهري/ ج١ (٣) من لا يحضره الفقيه/ الشيخ الصدوق (٤) مفاتيح الجنان/ الشيخ عباس القمي/ أدعية ليلة النصف من شهر شعبان ويغتنم الدعاء به في سائر الأوقات.

اخرى
منذ 5 أشهر
257

علامات المودة في الإمام الحسن ( عليه السلام)

بقلم: أنعام يعقوب عندما يطلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمرًا استثنائيًا ويجعله أجرًا حصريًا لِتبليغ الرسالة بل يوجبه، فذلك لأهمية الأمر الذي ينفع كافة البشر ورحمة لهم قال تعال: {وَمَا أَرْسَلْنَكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَـلَمِينَ} (١)، وذلك الأمر هي المودة في القربى، فهي نظام للملة كما ورد عن الزهراء (عليها السلام) في خطبتها الفدكية: "فجعل طَاعَتَنَا نِظَاماً لِلْمِلَّةِ وَإِمَامَتَنَا أَمَاناً لِلْفُرْقَة"، فعندما نقول إن طاعتهم نظام وإمامتهم أمان، أي إن الثروة الروائية التي ثبتت عنهم فيها نظام متكامل لكافة جوانب الحياة. كلمة قد نرددها ونستشعرها كثيرًا في المحافل وهي أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) مظلوم لقلةِ ذكره والحقيقة هي أننا ظلمنا أنفسنا لِقلة ذكره ولا نقصد الذكر له التهنئة وإقامة حفل أو مجلس عزاء، فهذا جزء من المودة له وهو الحب، والرسول (صلى الله عليه وآله) لم يطلب أي مودة كيفما اتفقت وإنما المودة الحقيقة ومن علاماتها: •المعرفة: فالمودة لا تتحقق إلا بالمعرفة، ولا يمكن أن ينتمي الإنسان لأمر إلّا بمعرفته ومحبته، وينبغي أن يزداد الإنسان معرفة بهم في كل ذكرى لهم، وبالتالي تتحقق المودة، ومحور هذه العلامة الأولى لمودة الحسن (عليه السلام) يكون في الإجابة عن سؤال نطرحه على أنفسنا، ما هو مقدار معرفتنا بالإمام الحسن (عليه السلام) الذي تعتمد عليه مقدار المودة؟ •النماء المتواصل: مبدأ رائع يشير إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث مروي عنه يقول: "من اعتدل يوماه فهو مغبون" (٢)، والحديث هنا ليس مُختصاً باليوم، إنما مبدأ يعيشه المؤمن بجميع جوانب حياته عقيدته، سلوكه، علمه، تجارته، وغيرها يسعى دومًا لتطوير هذه الجوانب بهاجس الازدياد المتواصل، ومن هنا نسأل هذا السؤال، ونحن نعيش ذِكرى الإمام الحسن (عليه السلام): هل ازدادت المعرفة عن العام الماضي وعن احياء ذكراه السابق؟ وهل أثر ذلك على جانب من جوانب حياتنا ووقفنا وقفة تغييرية نحو الأفضل؟ إذا كان الجواب نعم فهذه علامة من علامات المودة. • ذِكر سيرته (عليه السلام) ومُذاكرتها على طول العام علامة للمودة. فالمحب يلهج بذكر الحبيب دومًا، والحب علاقة تفاعلية متبادلة من الطرفين وأهل البيت يحبون مجالس ذكرهم، ورد عن -الإمام الصادق (عليه السلام)- لفضيل: "تجلسون وتحدثون؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إنّ تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا" (٣). إذا من علامات المودة بالحسن (عليه السلام) حُب مجالس ذكره وإقامة تلك المجالس، ولا تنحصر بيوم ولادته أو استشهاده، بل كل ما سَنحت الفرصة. •حقيقة المودة لأهل البيت (عليهم السلام) هو أن يروا شيعتهم حيث أمرهم الله تعالى ولا يراهم حيث نهاهم. وهذا ما يقرب المؤمن للإمام حيث روي عن الإمام الحسن (عليه السلام): القريب من قربته المودة وإن بعد نسبه. والبعيد من باعدته المودة وإن قرب نسبه" (٤). وقال (عليه السلام) في وصف أخ له كان صالحاً: "كان لا يقول ما لا يفعل ويفعل ما لا يقول، كان إذا عرض له أمران لا يدري أيهما أقرب إلى ربه نظر أقربهما من هواه فخالفه" (٥). مما تقدم يتضح أنّ مودة أهل البيت (عليهم السلام) وحقيقة ذِكر الإمام الحسن (عليه السلام) هو في التفقه في رواياته وآثاره، والاستنارة بها، وإتباع العلماء العاملين بنهج أهل البيت (عليهم السلام). ___________________ ١- سورة الأنبياء آية (١٠٧). ٢-ميزان الحكمة/ محمد الريشهري/ج٢. ٣-ميزان الحكمة/ محمد الريشهري/ج١. ٤-تحف العقول/ ابن شعبة الحراني. ٥-نفس المصدر أعلاه.

اخرى
منذ 5 أشهر
226

لماذا العمل بروح الجماعة صعب المنال؟

بقلم: أنعام العبادي إذا ترسخت قيمة البر وقيمة التقوى سيندفع الإنسان نحو كل ما يدخل ضمن هذين الأمرين ونحو كل ما يُعززهما. والعمل الجماعي ليس مطلوبًا مطلقًا وإنما بما يندرج تحت هاتين الفضيلتين، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (١)، فالأصل هنا، إذا ترسّخ البر وما يدخل تحته، و التقوى وما يدخل تحتها، عندها لا نحتاج إلى الكثير من الإقناع بأهمية العمل بروح الجماعة، فبعد أن يدركها الفرد وينتمي لمجموعة تعمل بأحد مصاديق البر والتقوى؛ فالنتيجة قوة فعالة مُستمرة الإنجاز ولا تُهزم، يقول نابليون هيل: "إنّ المبدأ الذي يقوم عليه العقل الموجه هو أنّ اثنين أو أكثر من الناس ينهمكون في ملاحقة هدف محدد مع اتجاه ذهني إيجابي يشكلون قوة لا تهزم" (٢)، فمن أهم المفاتيح لتقدم الشعوب، والوصول إلى الصواب بشكل أسرع هو التعاون وأخذ عصارة الآراء والتجارب المُختلفة وصناعة أنموذج، فذلك يجنب الفرد فضلًا عن الجماعة جزءً كبيرًا من الضغط وإضاعة الوقت، فهو بمثابة طي الزمن للوصول إلى الهدف، ويُعطي للعمل المُنجز قوة أكبر، ومع كل ميزات العمل بروح الجماعة، و رغم الاهتمام الذي تَلَقاه في كتابِ الله تعالى وفي الروايات كما روي عن رسول الله (صلى آلله عليه واله): "يد الله مع الجماعة" (٣)، وكذلك من العلماء والمعلمين إلّا أنه صعب المنال، ويواجه نوع من الاختلال وعدم الإنتاجية المرجوة، وانسحاب الأفراد، وقد تصل إلى انهيار الجماعة بأكملها. وعند البحث عن الأسباب نجد أهمها الآتي: ١- عدم كفاءة القائد أو المسؤول، وأبرز علامات عدم الكفاءة: عدم الأهلية للتصدي، عدم وجود وازع أخلاقي، عدم القدرة على المتابعة لأفراد المجموعة وتقويمهم وتحفيز أفكارهم، عدم مكافأة المبدعين، عدم مشاورتهم للأفراد واستشارتهم. ٢- عدم إعطاء كل فرد من المجموعة حقه من الاهتمام سواء من قِبل المسؤول لأفراد المجموعة، أو بين فرد وآخر، فلا بد من الاهتمام بالجميع من قِبل الجميع، والاهتمام بكل إنجاز وكل رأي مهما كان بسيطًا وصغيرًا، ومعالجة حالة التحفظ والانعزال التي يعاني منها بعض الأفراد ومعرفة الأسباب من قبل المسؤول. ٣-من الأخطاء التي تقع بها المؤسسات التي تعمل بشكل جماعي هو البحث عن أشخاص يتوافقون مع توجهاتهم ووجهات نظرهم، وعدم الصبر والتأني، والتأمل في الآراء المختلفة، يوجد هناك بعض الثوابت والقيم التي ينبغي عدم الاختلاف بها وإحرازها من كل فرد لكن هناك أمور توجد مساحة كبيرة لإبداء رأي مخالف قد يساهم في رفع فعالية وإنتاجية المجموعة. ٤- الخوف من المبدعين والناجحين ومحاربتهم غالبًا، وهذا عائق للفرد الذي يعاني من هذا الخوف قبل أن يكون عائقًا للمجموعة، فإذا خاف الفرد من نجاح الآخرين الذين يعملون معه بنفس المطلب وقاطعهم وحاربهم كيف سيتطور ويستفيد من خبرتهم ويجالسهم؟ روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "جالس أهل الورع والحكمة وأكثر مناقشتهم، فإنك إن كنت جاهلًا علموك، وإن كنت عالما ازددت علما" (٤) ٥- ومن الأسباب و خصوصًا في المجاميع الثقافية الإسلامية، هو الاعتقاد بأنّ النجاح بقدر الأتباع، وتحول الفكر السليم والقيم والمبادئ الإسلامية إلى أرقام، مع هذا القياس لن يتقبل الفرد نجاح الآخر، فما على الفرد إلا القيام بعمله على أتم وجه؛ أما النتيجة والثمرة وعدد الاتباع فهو مرهون بأسباب عديدة، وليست هي غاية ما دام الهدف ساميًا يندرج ضمن البر والتقوى. هذه أهم الأسباب التي ينبغي الالتفات إليها والسعي للتغلب عليها، والتي تحتاج إلى إخلاص، وجهد، ودقة، وعلم، وتواضع، وإيمان بالتعاون، ووضع المصالح الشخصية في الخلف وهدف المجموعة في الأمام، فهم كمن شكّل بنيانًا مرصوصًا لا يُخترق وعندها سيُكتب النصر. وأكثر صفة ينبغي السعي للحصول عليها والاتصاف بها سواء من القائد أو المسؤول أو الفرد في المجموعة، هي تلك الصفة التي ذكرها ضرار بن ضمرة لمعاوية عندما قال له معاوية صف لي علياً (عليه السلام) فقال: " كان والله فينا كأحدنا" (٥)، هذه الصفة لعلّها خلاصة لعلاج كل الأسباب التي ذُكرت أعلاه، وعندها ستعمل المجموعة بعقل واحد وهي روحية العمل الجماعي بأيادٍ متعددة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) سورة المائدة، آية (٢). (٢) كتاب العمل الجماعي/ إبراهيم الفقهي. (٣) ميزان الحكمة/محمد الريشهري/ج١. (٤) العلم والحكمة في الكتاب والسنة/محمد الريشهري. (٥) بحار الأنوار/ العلامة المجلسي/ج٨٤

القضايا الاجتماعية
منذ 3 أشهر
187

من الذي يسقطُ من الغربال؟

بقلم: أنعام العبادي من التصوّراتِ السطحيةِ لقيامِ دولةِ العدلِ الإلهي المُنتظَرَة، هو أنْ يكونَ قيامًا خارجًا عن السنن الإلهية، ومن مصاديق هذه النظرة، إنّه قيامٌ بظهورِ صاحب الزمان (عجل الله فرجه)، وعددٍ من القادة والمؤازرين، دون التفكير والسعي في أنْ يكون الشخصُ منهم؛ ولهذا التفكير أسبابٌ من جملتِها: اليأس، وسهولة هذه النظرة. إن من مقدماتِ التمهيد لهذه الدولة، هو تغييرُ هذه النظرة، والتصديّ لها بقوة. وقد أشار الله (سبحانه) إلى هذه الحقيقة في كتابه العزيز بقوله (تعالى): "فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا"(١)، فهو قيامٌ لن يخرجَ على الأطلاقِ عن هذه القواعد، والتحرُّك نحو هذه الحقيقة يدفعُ المُنتظِرَ نحو تفكيرٍ أعمق، باحثًا عن مسؤوليتِه في التمهيد، وعن دورِه عند الظهور، ويسعى بشكلٍ مستمر، ويبحثُ عن إجابةٍ لأسئلته، وصولًا إلى معرفةِ دورِه، مُتحركًا ضمنَ توجيهاتِ تلك السنن الإلهية وروايات العترة الطاهرة، حتى يكونَ إيمانُه مستندًا على دعائمَ رصينة.. ومن تلك التساؤلات التي تردُ على ذهن المُنتظر: "كيف النجاة؟ وما السبيل؟ ومن سيسقطُ من الغربال؟ ...."، وسيكونُ تركيزُنا في هذا المقال على السؤال الأخير؛ لأهميته في زمنِ الغيبة، فقد روي عن ابن أبي يعفور أنه قال بأبي عبد الله (عليه السلام): ... واللهِ إنّ من يصفُ هذا الأمر منهم لكثير، قال (عليه السلام): لا بُدّ للناس من أنْ يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، ويستخرج في الغربال خلقٌ كثير"(٢). وقبل البدء في معرفةِ المقدمات التي ستصلُ بهم إلى هذه النتيجة، لابُدّ من الاستعداد لمُضِلّات الفتن؛ لأن التمحيصَ يتحققُ بمرورِ المؤمنين بعدةِ اختباراتٍ وابتلاءات؛ لعزل المنافقين عن المؤمنين، ففي الادعاء وفي الحالاتِ العادية تجد أنَّ كلَّ الناسِ يحسبونَ أنفسَهم صالحين، وأما عند المرور بالامتحانات أو بهجوم الغرائز، أو معرفة الشيطان بتلك الثغرة الضعيفة الخاصة بالمؤمن؛ عندها يقع الاختبار. والنتيجةُ؛ أنَّ هناك من يكون البلاءُ سببًا لمعرفتِه بتلك الثغرة، ويسعى إلى إصلاحها ويرتقي بها، وهناك من يؤدي به البلاء إلى الضلال، ومن أهمِّ السُبل للنجاةِ هو الوقوف على أسبابِ السقوطِ من الغربال، ومن أخطرها السببان الآتيان: ١- حُبُّ الرئاسة: وخطورتُها تتجلّى في التَعّمد على إخفائها في عمقِ نفسِ الإنسان؛ لكونها ذنبًا قلبيًا، بالأخصِّ من يمتلكُ مكانةً اجتماعية. وتكونُ في البدءِ ثغرةً، فإذا عرفَ الشيطانُ أنّها نقطةُ الضعفِ عملَ على تكبيرها؛ لتكونَ مكانًا مقدسًا، تُهاجِمُ كلَّ من اقتربَ نحوها. ومن علامات المُبتلى بهذه المُهلِكة: الثقلُ في إرشادِ غيرِه إلى من هو أعلمُ منه، وانتقاصُ الآخرين بسلوكياتِهم، فإنْ لم يجدْ أتهمَهم بنواياهم؛ ليرفعَ نفسه، خصوصًا عندما يشعرُ باقترابِ شخصٍ من مكانتِه، ويُحتَملُ أنْ يأخذَها منه، ويصنع لنفسه أهميةً غير حقيقية، كادعاءِ مواعيدَ واتصالاتٍ كاذبة ليُشعرَ الناسَ بأهميته، وعندَ تشخيصِ وجودِ هذه العلامات في النفس لابُدّ من الوقوفِ عليها وبإصرار، قبل أنْ تكبرَ هذه الثغرة، وتصير مكانًا لا يضيق على الشيطان لطول مكثه فيه. وهذا ما أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: "اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأمْرِهِمْ مِلاَكًا، وَاتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكًا، فَبَاضَ وَفَرَّخَ في صُدُورِهِمْ، وَدَبَّ وَدَرَجَ في حُجُورِهِمْ"(٣). فكلُّ ما يُخفيه الإنسانُ سيكونُ سببًا في مصيرِه وعاقبته، روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ما أسرَّ عبدٌ سريرةً إلا ألبسَه اللهُ رداءَها إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًا فشر"(٤). فعلى الإنسانِ إنْ يتفكّرَ أنّ لذةَ هذه المُهلكة أيامًا قليلةً وأنَّ عاقبتَها هلاكٌ أبديّ، ثم إنّ القلوبَ بيدِ الله (سبحانه) فقط، فينبغي أنْ يكون العملُ له وحده، روي عن الإمام علي (عليه السلام): "من حَسُنَتْ سريرتُه، حَسُنَتْ علانيتُه"(٥). وعلامةُ السلامةِ من هذه المُهلكة؛ هي حُبُّ العملِ والرغبةُ في تطوّرِه لذاتِه، وإنْ قام به غيره، تحملًا للمسؤولية لا حبًا للرئاسة. ٢- التولّي لأعداءِ أهلِ البيت (عليهم السلام) والتبرؤ من أوليائهم: فعن الإمام الرضا (عليه السلام): "إنَّ ممن ينتحل مودتنا أهل البيت من هو أشدُّ فتنةً على شيعتنا من الدجّال، فسُئل الإمامُ: بماذا يُفتَنون؟ قال: بموالاةِ أعدائنا، ومعاداةِ أوليائنا، إنّه إذا كان كذلك اختلطَ الحقُّ بالباطل، واشتبه الأمرُ، فلم يُعرفْ مؤمنٌ من منافق"(٦)، وخطورةُ هذه المُهلكة هي عدم الالتفات إلى مقدماتِها المؤدية إلى الخذلان. ومن المقدماتِ الخطيرة لموالاةِ أعداء أهل البيت (عليهم السلام) هو الانبهارُ بنَمَطِ الحياة الماديّ السطحيّ لهم؛ لِضعفِ الروحانية، وحبًا بالراحةِ المادية. فمن لديه هذا الميل إذا لم يقوِّ روحانيتَه، سيشعرُ بالدونيةِ تجاه القوّة الوهمية التي يمتلكُها الطرفُ الآخر ويضعُفُ انتماؤه، ويكونُ سهلَ الانقيادِ لجبهةِ المُنكرينَ للهِ (تعالى) من حيثُ لا يشعر. ومن مقدماتِ التبرؤ منْ أولياءِ أهلِ البيت (عليهم السلام) هو التَعَصُّبُ والانفصالية عن من هم مشتركون معه بنفس العقيدة وهي ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام )، ولعلَّ أبرزَها وأشدَّها ما يُعانيهِ المجتمعُ في مسألةِ التقليدِ وتعدُّدِ المراجع، فلا أحدَ من الفقهاء يقولُ بوحدةِ المرجعية، فهي مُتعددةٌ في زمنِ الغيبة، لكن وفقَ ضوابط في اختيارِ مرجعِ التقليد.. وهذا الأمرُ لابُدّ من بيانِه من قِبل المُتصدّين للمجتمعِ، فمن شأنِه أنْ يُخفف نزعةَ الانفصالية، وقبلَ أنْ يؤديَ بالمؤمنِ إلى التخلّي عن ولايةِ رسولِ اللهِ محمد وآله الطيبين الطاهرين، روي عن الإمامِ زين العابدين (عليه السلام): "فاتقوا اللهَ عبادَ الله، وإيّاكم والذنوب التي قلّما أصرّ عليها صاحبُها، إلا أداه إلى الخذلانِ المؤدي إلى الخروجِ عن ولايةِ محمدٍ (صلى آلله عليه واله)،... قالوا: يا بنَ رسولِ الله!.. ما الذنوبُ المؤديةُ إلى الخذلانِ العظيم؟.. قال: ظلمُكم لإخوانِكم الذين هم لكم في تفضيل عليّ (عليه السلام)"(٧)، أيّ ظلمُ من يوالي أميرَ المؤمنين (عليه السلام). إذن بالوقوف على هذه الأسباب وأشباهها، يكونُ السبيلُ للنجاة؛ لأنّ مُضِلّات الفتنِ رهينةٌ لمُسبباتها، كما أشارتِ الأحاديثُ إلى ذلك، منها قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "أيُّها الناسُ إنّما بِدءُ وقوعِ الفتنِ أهواءٌ تُتبع،.."(٨)، وطلبُ العون من الله (سبحانه) في ذلك، بالتمسكِ بالثقلين كتاب الله والعترة الطاهرة، وتحريكِ العقلِ ببعض الأدعية، ومنها دعاء مكارم الأخلاق، بوضعِ النفسِ في ميزانِ فقراته؛ لِيعرفَ المؤمنُ الحقَّ حقًا فيتبعه، والباطل باطلًا ليجتنبه. ___________________ ١- سورة فاطر آية (٤٣). ٢- الكافي- للكليني- الجزء ١. ٣-كتاب نهج البلاغة- الشريف الرضي. ٤-ميزان الحكمة- محمد الريشهري- الجزء ٢. ه- ميزان الحكمة- محمد الريشهري- الجزء ٢. ٦- صفات الشيعة- للشيخ الصدوق. ٧- جواهر البحار- الشيخ حبيب الكاظمي- المجلد الرابع(باب العِشرة). ٨- الكافي- للكليني- جزء ١.

اخرى
منذ شهر
134