حسين فرحان

نوستالجيا المجتمع العراقي والأجندات السياسية

بقلم: حسين فرحان (الحنين إلى الماضي) هو التعريف المناسب لمصطلح النوستالجيا، حيث يلجأ الأنسان إلى استذكار مراحل مضت من حياته محاولًا استرجاع ما تناثر من تفاصيل للماضي، حيث المنزل القديم والزقاق وأصدقاء الطفولة والمغامرة وحتى الأشخاص الذين فقدهم بالموت أو بالهجرة. القضية طبيعية - ضمن هذه الحدود - لكنها تحولت عند البعض الى حالة مرضية حيث يقع الأفراط في أن يصبح الشخص جزءًا من الماضي، وقد عزاه بعض المختصين بهذا الشأن الى الهروب من الواقع السيء والغرق في هموم هذه الحياة أو بسبب تقدم العمر، فالماضي بالنسبة لمن أفرط بالتعلق به يعد حياة تم اكتشاف تفاصيلها ولم يعد فيها ما يخيف أو يسبب قلقًا، بخلاف الحاضر ومشاكله والمستقبل وما يخفيه. لم تكن النوستالجيا ذات يوم ظاهرة تمارس بشكل جماعي بقدر ما هي حالة طبيعية يعيشها كل إنسان، وتختلف حدتها من شخص لآخر بحسب الظرف الذي يعيشه، ولكن وبعد تطور وسائل الإعلام بصورة عامة ومواقع التواصل الاجتماعي عبر الانترنت بصورة خاصة ظهرت النوستالجيا بشكلها الجديد الذي يتيح للجميع ممارستها بطريقة أخرى تتخذ شكلًا جماعياً تتقارب فيه الرؤى والانفعالات، حتى أننا شهدناها بهيئة لم نعهدها سابقا - حين كان استذكار الماضي يتم بشكل فردي- وهي أن المادة الاعلامية المصدِّرة لها صنفت الماضي الى عقود زمنية أطلقت عليها (ذكريات جيل الستينيات والسبعينيات والثمانينيات وغيرها....)، مما سهل على المتلقي أن يعيش ذروة ذكرياته بيسر ودون خلط بين العقود والسنوات. اشتهرت هذه العاصفة الإعلامية بأسماء من أشهرها: (ذكريات الزمن الجميل) و (ذكريات جيل الطيبين)، وكل يرى الجمال والطيبة في زمانه دون زمان غيره، رغم أن بعض الأزمنة حملت الويلات والحروب والكوارث، لكنها تبقى قناعات شخصية يضفي عليها الإعلام صبغة هو يريدها. المجتمع العراقي كأي مجتمع آخر دخل في متاهة مواقع التواصل الاجتماعي واتجه الى نوستالجيا مخطط لها تخطيطًا محكمًا قد وضع فيها السم في الدسم، ولكن قبل أن نخوض في بعض التفاصيل ينبغي التعرف على تصنيف من نوع آخر أشارت إليه «سفيتلانا بويم»، في كتابها «The Future of Nostalgia»، حيث قسمت النوستالجيا إلى نزعتين: ((الأولى: نزعة استعادة (Restorative Nostalgia)، وتجعل من مفهوم «Nostos» أو العودة، المحرك لها، وتركز على إعادة بناء المفقود، ولا يفكر أصحاب هذه النزعة في أنهم يمتلكونها، بل يعتقدون أن مشروعهم السياسي يدور حول «الحقيقة». ونجد هذا جليًّا في الحركات السياسية والقومية خصوصًا في أنحاء العالم، والتي تتشارك محاولة إعادة صنع التاريخ واستلهام الرموز الوطنية والأساطير والحكاوي، وأحيانًا نظريات المؤامرة. صعود الحركات القومية التي تدعو إلى استعادة الأمجاد في أوروبا وأمريكا، كمثال، يأتي نتيجةً مباشرةً لاقتناع الناس بأن الأحوال كانت أفضل في الماضي، رغم الحروب العالمية والأهلية والعنصرية ضد الأقليات والمهاجرين، التي بدأت تعود من جديد لتتصدر المشهد. وحتى على الجانب الآخر من العالم، لا يزال الروس يبكون أيام الاتحاد السوفييتي. النزعة الثانية: اجترارية (Reflective Nostalgia)، وتدور حول «algia» المتمثلة في ألم الفقد، وهي نظرة أكثر شاعريةً نجد تأثيرها في الفن والأدب والشعر، وأيضًا حياتنا الخاصة. ترتبط هذه النزعة، بشكل وثيق، بمحاولة الهروب من إحباطات اللحظة الراهنة وتسارع وتيرة التحديث والاستهلاكية. وتتحدث «سفيتلانا بويم» عن حركة التحديث والثورة الصناعية التي فرضت إيقاعًا جديدًا للوقت لا يترك للإنسان المعاصر فرصة للتفكير، والذي يأخذ حيزًا من الوقت لم يعد متاحًا.)). الذي يهمنا من هذا الاقتباس هو النزعة الاولى (نزعة الاستعادة) وشواهدها - كما ورد - حيث تقوم بعض الحركات السياسية والقومية بمحاولات إعادة بناء المفقود واستعادة الأمجاد ومحاولة إعادة صنع التاريخ، وقد اتضح أن مصاديق هذه النزعة كانت حركات قومية في أمريكا وأوروبا وبكاء روسي على اتحاد سوفيتي سابق، ولا ننسى أن دونالد ترامب رفع شعار «أعيدوا أمريكا عظيمة كما كانت»، في انتخابات الرئاسة، وهو يعول على تأثير النوستالجيا وقدرتها على خداع الجماهير. عودا على بدء، السم الذي وضع في الدسم لمجتمعنا العراقي هو أن منشورات الزمن الجميل وجيل الطيبين التي تحاكي آلام هذا الشعب لم تخل من إشارات لحركات وجهات سياسية تدعو لنفسها ضمنا وتحلم بالعودة مجددا كالبعث ومن على شاكلته حين يصور للناس أن الجمال والطيبة كانت في زمانه ولن تعود الا بعودته.

اخرى
منذ 9 أشهر
537

العراقيون، بين تقييم أهل البيت لهم وتقييم أعدائهم

بقلم: حسين فرحان لطالما ترددت كلمة (يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق...) على الألسنة معلنة لمتلازمة كلامية تبعها اعتقاد في نفوس البعض بأن الشقاق والنفاق من الصفات المتأصلة في طبيعة المجتمع العراقي، ولطالما نسبت هذه المقولة لأمير المؤمنين (عليه السلام) فزاد الاعتقاد بها مع هذه النسبة الجائرة التي لا تمت إلى الواقع بصلة لا من قريب ولا من بعيد كونها استغلالًا لنص عدائي صدر من الطغاة بحق الشيعة والتشيع العراقي، وهذا لا يخفى على من له الدراية والخبرة في اكتشاف الحقائق وأخذها من المصادر التاريخية. لقد أشيع لهذه المقولة مع نسبتها للإمام علي (عليه السلام) ما لم يشع لأي مقولة أخرى، فهي أكذوبة شائعة لم تخل منها الأزمنة الماضية، أضفى عليها الشياع وزنًا واعتبارًا يستدعي من العقلاء ردودًا مكثفة توازي حجم ذلك الشياع الذي أورث البعض اعتقادًا راسخًا بصفتين سيئتين هما: (الشقاق والنفاق) وكم هو مؤلم أن يصطدم الإنسان في حياته بحكم مسبق يظن أنه صدر عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بحقه، ألا يدعوه ذلك لليأس؟ ألا يدعوه ذلك للتخبط؟ ألا ينتفع أعداء التشيع من اعتراف البعض بحقيقة صدور هكذا تقييم؟ إذن لا بد من ذكر حقيقة هذه المقولة والتي اعتبرناها (الأكذوبة الشائعة)، ولا بد من ذكر أحاديث لأهل البيت (عليهم السلام) في مدح أهل العراق وشيعتهم فيه كرد على من اكتفى بالأكاذيب تقييمًا، وأن نظهر هذه (الحقيقة المغيبة) وأن تعطى حقها من الشياع المفيد للعلم والاطمئنان بل جعلها من المسلمات، لنضرب بهذه المؤامرة الأموية الجائرة عرض الجدار. وقد انتفعنا بما جاء في جواب مركز الأبحاث العقائدية لأحد الأخوة المؤمنين وبيان مصدر المقولة: (1ـ معاوية : فانه قال للوليد بن جابر الطائي: ((وانك لتهددني يا أخا طي بأوباش العراق، أهل النفاق ومعدن الشقاق...)) (١) 2- الحجاج: فأنه قال في أحدى خطبه: (يا أهل العراق، يا أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق، أما والله لألحونكم لحو العصا، ولاعصبنكم عصب السلم ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل...). وفي خطبة أُخرى: (يا أهل العراق يا أهل الشقاق والنفاق، إن الشيطان استبطنكم...) (٢). أما الأحاديث التي تمدح أهل العراق وشيعته على لسان أهل البيت (عليهم السلام) ونتمنى أن تكون شائعة ويروج لها لتصبح من المسلمات فهي: 1- قال الإمام علي (عليه السلام) مخاطبًا أهل العراق (أنتم الانصار على الحق والاخوان في الدين والجنن يوم البأس والباطنة دون الناس بكم اضرب المدبر وارجو طاعة المقبل). - بحار الانوار ج 32/ صفحة 236. 2- قال الامام علي (عليه السلام) يصف الكوفة: (هذه مدينتنا ومحلنا ومقر شيعتنا) عن الإمام الصادق (عليه السلام): (تربة تحبنا ونحبها) وعنه أيضًا أنه قال: (اللهم ارمي من رماها وعادي من عاداها) (٣). 3- قال الإمام الحسن (عليه السلام) عندما رحل عن الكوفة بعد معاهدة الصلح (وما عن قلبي فارقت دار معاشري هم المانعون حوزتي وذماري) (٤). 4- قال الإمام الصادق في مدح أهل العراق (واهل كوفة اوتادنا واهل هذا السواد منا ونحن منهم) (٥). وغيرها من الروايات كالتي اقتبسناها من موقع منتدى الوارث في العتبة الحسينية المطهرة وكما يلي: (ولنذكر طائفة من الأخبار الدالة على مدحهم حتى ينظر في تلك الوجوه المتقدمة، ولكي لا يقتصر الأمر على ما أشتهر بين الناس في ذمهم. عن حنان بن سدير عن أبيه قال: دخلت أنا وأبي وجدي وعمي حمامًا بالمدينة فإذا رجل في بيت المسلخ فقال لنا: ممن القوم؟ فقلنا: من أهل العراق، فقال: وأي العراق؟ قلنا كوفيون، فقال: مرحبًا بكم يا أهل الكوفة أنتم الشعار دون الدثار... الحديث والرجل الذي في المسلخ هو علي بن الحسين (عليه السلام)، وقوله: (أنتم الشعار دو الدثار) كناية عن القرب والمنزلة، فإن الشعار أقرب إلى البدن من الدثار. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (يا أهل الكوفة حباكم الله (عز وجل) بما لم يحب به أحدًا، ففضل مصلاكم وهو بيت آدم وبيت نوح وبيت ادريس ومصلى إبراهيم الخليل ومصلى أخي الخضر (عليه السلام) ومصلاي، وإن مسجدكم هذا أحد الأربعة مساجد اختارها الله عز وجل لأهلها...) الحديث. وعن الرضا (عليه السلام) في حديث طويل نقتبس منه موضع الحاجة: (يا أهل الكوفة لقد أعطيتم خيراً كثيراً، وإنكم لممن امتحن الله قلبه للإيمان، مستقلون مقهورون ممتحنون يصب عليكم البلاء صباً، ثم يكشفه كاشف الكرب العظيم...). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): (يا أهل الكوفة إنكم من أكرم المسلمين وأقصدهم وأعدلهم سنة وأفضلهم سهمًا في الإسلام وأجودهم في العرب مركباً ونصاباً أنتم أشد العرب وداً للنبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وإنما جئتكم ثقة بعد الله بكم للذي بذلتم من أنفسكم...). والأمر متروك للعقلاء فهم أمام تقييمين أحدهما ينتقص من أهل العراق صادر من الأعداء، وتقييم يمدح أهل العراق صادر من أهل البيت (عليهم السلام). وللعقلاء أن يختاروا. ______________ (١) انظر شرح نهج البلاغة ج16 ص 130 (٢) انظر شرح نهج البلاغة ج1 ص 243 ـ 345 (٣) بحار الانوار – العلامة المجلسي ج57 صفحة210 (٤) صلح الحسن ج20/ عبد الحسين شرف الدين. (٥) بحار الانوار العلامة المجلسي ج57/صفحة 214 .

اخرى
منذ 8 أشهر
4181

هي العمامة إن كنت تجهلها!

بقلم: حسين فرحان ما يزال البعض يتنكر لتاريخه.. لتراثه.. لانتمائه.. والطامة الكبرى حين يتنكر لدينه ولمقدساته. تبدي صفحات وجهه وفلتات لسانه ما أضمر، وما هي إلّا انفعالات وردود أفعال لا ركيزة لها سوى عشق القعود بل الاضطجاع في ثكنة الهمج الرعاع، حيث الفئة الثالثة من الناس. قد يصعب على هذا البعض أن يتسامى إلى مرتبة أعلى تنجيه من ناعق يسوقه وآخر يلقي به في قعر الهاوية، إلّا أن الرجاء بصلاح الحال غير منقطع، وكم من صاحب غفلة أيقظه التذكير والتنبيه. نسمع هنا وهناك أنباء وهنبثة وكلام فيه التشفي وإظهار الشماتة والحقد على (العمامة) و (المعمم)، ولماذا العمامة والمعمم تحديدًا؟ ربما سيتضح الجواب بعد بيان بعض التفاصيل وربما لن تنفع المقاربات والتفاصيل لمن يأبى أن تتضح له. الظاهرة التي نشهدها اليوم هي تلك الهجمة على العمائم وأهلها، والذرائع إلى ذلك واهية، بل هي أوهن من بيت العنكبوت، وديدن أصحابها تعميم الحكم استنادًا للرؤية القاصرة والتركيز على جزئيات تافهة وجعلها هي المحور في قضية الانتقاد والانتقاص وهذا من الجهل المركب الذي امتازوا به. (العمائم تيجان العرب).. والعرب أمة قديمة وشعب من شعوب الأرض له تاريخه وتراثه، ولطالما افتخر مفتخر بعروبته، فإذا كان انتقاص هؤلاء من العمامة لأنها رمز ديني، فما الذي يمنعهم من التباهي بها كونها إرثًا قوميًا؟ فمن مكانتها أن العرب كانوا يعقدون بها ألوية الحرب، وفي ذلك قال الشاعر: جاءت به عبل القوام كأنما *** عمامته فوق الرجال لواء وورد: أن الأحنف بن قيس سيد بني تميم وفاتح مرو حين عقد لعبس بن طلق اللواء، نزع عمامته من رأسه وعقدها له لواءً. وفي شأن عمامة العرب التي كان يسود بها الرجل قومه ويقضي بينهم قول عمرو بن امرئ القيس يخاطب مالك بن العجلان حين رد قضاءه في واقعة الأوس والخزرج: يا مالِ والسّيّدُ المُعَمَّمُ *** قَدْ يبطرهُ بعضُ رأيهِ السرف نحنُ بما عندنا وأنتَ بما *** عِنْدَكَ راضٍ، والرَّأيُ مختلِفُ وقال آخر: إذا لبسوا عمائمهم لووها *** على كرم وإن سفروا أناروا وقال شاعر آخر: إذا المرء أثرى ثم قال لقومه *** أنا السيد المفضي إليه المعمم ولم يعطهم شيئاً أبوا أن يسودهم *** وهان عليهم رغمه وهو ألوم وقال الجاحظ في البيان والتبيين: كان أبو أحيحة سعيد بن العاص القرشي إذا اعتمّ لم يعتم معه أحد لشرفه، لذلك يقول الشاعر: وكان أبو أحيحة قد علمتم *** بمكة غير مهتضم ذميم إذا شد العصابة ذات يوم *** وقال إليّ المجالس والخصوم وفي الأمثال ورد ما نصه "أجمل من ذي عمامة" وقد سئل أبو الأسود الدؤلي عن العمامة فقال: «هي جُنَّة (وقاية) في الحرب، ومكَنَّة (حافظة) من الحرّ ومِدْفأة من القُرّ (البرد) ووقار في النَّديِّ (المجلس) وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وعادة من عادات العرب». وقد قيل لأحد الأعراب: إنك تكثر من لبس العمامة فقال: «إن شيئًا فيه السمع والبصر لجدير أن يُوَقَّى من الحرّ والقُرّ». وهي تضيف مظهرًا جميلًا لمن يرتديها، وقال علي (عليه السلام) كما ورد: «جمال الرجل في عِمَّته وجمال المرأة في خُفِّها». وكانت ألوان عمائم العرب بحسب أحوالهم الاجتماعية وأذواقهم، وقد سُئِل بعضهم عن الثِّياب وألوانها فقال: «الأصفر أشكل، والأحمر أجمل، والخضرة أقبل والسَّواد أهول والبياض أفضل» وقد «اختصَّت العرب بأربع: العمائم تيجانها، والدروع حيطانها، والسيوف سيجانها، والشِّعر ديوانها». قد تبين: أن العمامة إرث عربي فإذا كنتم لا ترون فيها من القداسة الدينية ما يزعكم عن التعرض لها (فارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون). أما قضية قداستها - لمن آمن بسنة النبي (صلى الله عليه وآله) وهدي أهل بيته (عليهم السلام) فهي بلا شك ينبغي أن تكون محل اعتبار واهتمام.. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (العمائم تيجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضع الله عزهم)، وقوله (صلى الله عليه وآله): (اعتموا تزدادوا حلما). وقوله (صلى الله عليه وآله): (ركعتان بعمامة أفضل من أربعة بغير عمامة). وقال الإمام الباقر (عليه السلام): (كانت على الملائكة العمائم البيض المرسلة يوم بدر). وأن لبسها من مظان إجابة الدعاء، ففي المأثور عن الصادق (عليه السلام): (إنّي لأعجب ممَّن يأخذ في حاجة وهو معتمّ تحت حنكه، كيف لا تقضى حاجته). وقد بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خمّ إلى عليّ (عليه السلام) فعمَّمه، وأسدل العمامة بين كتفيه، وقال: هكذا أيدني ربي يوم حنين بالملائكة معمَّمين، وقد أسدلوا العمائم، وذلك حجز بين المسلمين وبين المشركين...). اتضح إن للعمامة تاريخها ومنزلتها وقدسيتها، وإن ظاهرة التهجم على المقدسات الاسلامية وبالخصوص (العمامة) تندرج ضمن خطة محكمة وضعتها الدوائر المخابراتية المعادية للإسلام عموما، ووضعتها يد السلفية الوهابية ضمن منهاجها المشؤوم لطمس معالم الدين الحنيف وإفراغه من مضامينه، وجعله دينًا شكليًا يلائم توجهات السلفية. ولسائل أن يسأل: لماذا تخلى ما يسمى بعلماء الوهابية عن (العمامة) مع ورود ما يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله والصحابة وأئمة المذاهب كانوا يلبسون العمائم؟ فأين التمسك بالسنة وأين اتباع السلف في هذه القضية؟ لماذا الاصرار على الثوب القصير والسواك دون العمامة؟ أنها مفارقة مضحكة.. أما أصحاب نظريات التحرر والانفتاح، فقد كان الأجدر بهم أن يشاهدوا بأعينهم آلاف المعممين على السواتر يصدون هجمة الدواعش فيستشهد من يستشهد منهم؛ ليصنع النصر لوطن يعيش فيه الجميع، لكن على ما يبدو أن مرض الحقد والجهل قد تفشى، وأن آثار الانغماس في الافكار المستوردة من الصهاينة والسلفية قد فعلت فعلها، ولم تبق لهم سوى الثرثرة الفارغة ولا لوم على من فقد الحياء.

اخرى
منذ 8 أشهر
1341

أفواه وأرامل...

بقلم: حسين فرحان ببالغ الحزن والأسى ننعى واقعنا المليء بذكريات موجعة، وننعى أيامًا مضت من أعمارنا غطاها نقع غبار الحروب، فما بانت ملامحها في واضحة النهار ولا شهدنا فيها صفاء الليل، فانخسف بدرها وانكسفت شمسها وما يزال صوت داعية الخراب يردد: (إني أرى رؤوسًا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وإني لأرى الدم يترقرق بين العمائم واللحى.) و (إن للشيطان طيفًا، وإن للسلطان سيفًا). ببالغ الحزن والأسى ننعى أجيالًا أجهزت عليها الحروب فانقطعت ثمرتها، وننعى أجيالًا أثمرت فخلفت ثمرتها تعيش اليتم. قد تكون لغة الأرقام مؤلمة إن استعرضنا بها مصيبتنا، لكنها قد تكون تذكرة لمن يمارس ترفًا فكريًا أو بطرًا أو يقبع في ملذاته متجاهلًا أمة الأيتام والأرامل التي تحيط به وتعيش حياة التقشف والحزن دون أن تزعج صفو أيامه ودون أن يعلم بأن عدد الأرامل قد بلغ أكثر من مليون يصاحب كل واحدة منهن يتيم أو أكثر من يتيم وله أن يقدر العدد النهائي، فبحسب وزارة التخطيط إبان حكم العبادي أن العدد قد وصل الى 600 الف يتيم باستثناء محافظتي الأنبار ونينوى. ولو أعدنا النظر بحسابات الوطن لوجدنا أن حرب الثمان سنوات قد خلفت مليون قتيل مع خسائر مالية بلغت 400 مليار دولار تلتها حرب الكويت والحصار الذي خلف أيضًا ضحايا الجوع والمرض هذا بالإضافة لضحايا الاجرام البعثي الذي كان يمارس القتل بدم بارد وسط تعتيم إعلامي مشدد كشف عنه بعد سقوطه من خلال المقابر الجماعية التي انتشرت في البلاد ومن خلال اعترافات تلك الرموز العفنة بجرائمها ومن خلال ما تم العثور عليه من وثائق سرية ولم نجد رغم ذلك الحصيلة النهائية للضحايا لكنها بكل تأكيد تشكل أرقاما مرعبة تفصح عن واحدة من أقذر عمليات التصفية العرقية والطائفية في تاريخ البشرية. ولم يكن العراق بعد الغزو الأمريكي بأحسن الأحوال ولم تكن نسائم الحرية المصطنعة إلّا بداية الأعاصير التي عصفت بهذا الشعب لتأكل منه الفتنة الطائفية والصراعات السياسية واستهتار القوات الأمريكية والتفجيرات الارهابية الآلاف من الضحايا وهي كما يلي لغاية 2014 قبيل دخول الدواعش: -12 ألفا و133 سقطوا في 2003 -11 ألفاً و736 في 2004 -16 ألفاً و583 في 2005 -29 ألفاً و451 في 2006 -26 الفاً و36 في 2007 -10 آلاف و271 في 2008 -خمسة آلاف و373 في 2009 -أربعة آلاف و167 في 2010 -أربعة آلاف و153 في 2011 -أربعة آلاف و622 في 2012 -9 آلاف و851 في 2013 -20 ألفاً و169 في 2014 أما بعد ذلك فقد فتحت صفحة جديدة كان عنوانها الأسود هو ( داعش ) ليفتتح مشروعه بقتل 1700 شهيد في قاعدة سبايكر، بالإضافة إلى مجازر أخرى خلفها هذا التنظيم الشاذ الذي استعان ببقايا الشذاذ من حملة الفكر البعثي حيث أعانوهم على احتلال الأرض والعبث بالمقدسات، الأمر الذي استدعى أن تعلن المرجعية العليا تلك الفتوى المقدسة ليقف الحشد موقفه المشرف ويعطي الثقة والاسناد لسائر صفوف القوات المسلحة فكانت معركة التحرير بسنواتها الأربع ملحمة عظمى خلفت هي الأخرى عددًا كبيرًا من الشهداء وتضيف لقائمة الأرامل والأيتام أرقامًا جديدة: ٨٠٠٠ قوات امنية ٨٠٠٠ قوات حشد ١٧٠٠٠ جرحى حشد ٣٠٠ مليار دولار الخسائر المادية قد تكون الأرقام غير دقيقة، لكنها بالنتيجة حقائق مؤلمة فالكيان الأسري العراقي قد تعرض لأبشع الصدمات ولك أن تتخيل (شهيدًا.. أرملة.. يتيمًا) والأعداد تفوق الخيال لو قورنت بالواقع السكاني، والقضية برمتها لا ينبغي أن تترك دون إعادة نظر واقعية وجادة لتلافي أخطار كارثية كالانحراف والتشرد مع هذا الواقع الاقتصادي السيء، وهي بكل تأكيد مسؤولية تقع على كاهل الدولة بكل مؤسساتها المعنية، وما تزال الدولة مقصرة أشد التقصير بحق هذه الفئات التي أصبح الكثير منها يعيش على هامش الحياة لولا التفاتة بعض الجهات الخيرة كمؤسسة العين التي تعمل برعاية المرجعية الدينية العليا وغيرها من مؤسسات أخرى تعمل جاهدة للتخفيف عن كاهل هذه الفئات المظلومة . قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (ظلم اليتامى والأيامى ينزل النقم، ويسلب النعم). فلينظر أصحاب القرار -ومن بيدهم إدارة شؤون هذا الشعب- في هذا الأمر، فلهؤلاء حق في وطنهم فلا تبخسوه فنحن في بلد الأفواه والأرامل.. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (الله الله في الأيتام لاتغبوا أفواههم ولا يضيعوا بحضرتكم).

اخرى
منذ 8 أشهر
475

مرجعيون من المهد إلى الحشد

بقلم: حسين فرحان فأتت به وقد لُف في خرق القوابل تحمله، تطوف بطفولته حول الضريح الذي توسد في كنفه الأمام المعصوم، يشم عطر المزار وينصت للصلوات تصدح بها حناجر الزوار.. تلتمع عيناه بأضواء ثريات القباب، مهده يُهز في بيت من بيوت الولاء، وطينته أُخذت من فاضل طينة آل النبوة ومعدن الرسالة، مليح، فيه بشاشة أهل الجنوب، حيث هم ملح الأرض والوعد الصادق وأهل الوفاء. ترعرع وهو ابن المرجعية وابن الشعائر الحسينية، لا ينفك عنهما وإن ضيق عليه جلاوزة الأنظمة المستبدة، لم تنجسه جاهلية البعث بأنجاسها، ولم تمل به ريح الحركات المشبوهة حيث مالت، فهو مرجعي حين قامت ثورة العشرين، ومرجعي حين ظهرت البدع، ومرجعي حين عادت أمية من جديد تحكم بمنهاجها العفلقي ومشروعها الاجتثاثي لكل ما ينتمي ومن ينتمي للحسين (عليه السلام) ونهجه، لم يعترف بقضية غير قضيته، فهو طائر يطير بجناحين هما (المرجعية العليا والشعائر الحسينية). حسيني.. شعائري.. مرجعي.. يحمل إرثًا كبيرًا لقضية كبرى عجز أهل الأرض عن إدراك كنهها ومعرفة ماهيتها ووفِق هو لحملها.. وما يزال يعبر عنها بتلك البساطة (صورة الإمام على جدران البيوت.. راية عاشورائية.. يد تتخذ من قطعة القماش الخضراء سوارًا لها من بركات الزيارة.. تربة.. ومسبحة من طين.. مجلس حسيني ومنبر.. دمعة وعبرة.. موكب وخدمة.. مسيرة لكربلاء وانتظار للفرج.. ومرجع تقليد عالم عامل عادل لكل زمن). طبع على وجه الأرض قبلة وخر ساجدًا شاكرًا حيث أدرك تلك الساعة التي صدرت بها فتوى السيد السيستاني فتوى الجهاد الكفائي: (وإن من يضحي منكم في سبيل الدفاع عن بلده وأهله وأعراضهم، فإنه يكون شهيداً إن شاء الله تعالى)... استحضر تراثه بجميع تفاصيله، استعار من ذاكرته صورًا قديمة لمراجعه وبعضًا من تراثه وحزنه الكربلائي.. اتخذ قطعة القماش الخضراء سوارًا وعصابة، وأنزل من سطح داره راية العباس (عليه السلام) ليجعلها على السواتر يرهب بها عدو الله وعدوه.. أخرج سلاحه وارتدى ثيابه، وحمل معه جراحات الطف والعطش والخيام، انصت للفتوى وهي تنقذ العراق كأنها صوت الحسين (عليه السلام): (أما من ناصر ينصرنا).. برز لهجمة الدواعش شاهرًا سيفه مجردًا قناته طائرًا بجناحيه (الشعائر والمرجعية) وهو يختزل حياته بهذه الهيئة المشرفة، ويفنيها معلنًا: أن كيانه طاعة وولاء لقضيته ولمرجعيته من المهد إلى الحشد.

اخرى
منذ 8 أشهر
421

المرجعية الدينية العليا وتحذيرات تستدعي الاهتمام…

بقلم: حسين فرحان الملاحظ في تعاطي المرجعية الدينية العليا مع التظاهرات التي انطلقت في ١ / ١٠ / ٢٠١٩ تأكيدها ومنذ الخطبة اللاحقة لهذا التاريخ أي في ٤ / ١٠ / ٢٠١٩ على مجموعة من الشروط والمطالب، فاشترطت سلميتها وأكدت عليها ودعت لنبذ العنف والعنف المضاد، وطالبت بمطالب ترقى إلى مستوى التغيير الحقيقي وأعطت الحل الأمثل لذلك بمطالبتها بقانون انتخابات عادل يرعى حرمة الأصوات وقانون لمفوضية الانتخابات يبتعد بها عن المحاصصة والمحسوبيات، لتختصر بذلك الطريق على المتظاهرين وتكفيهم مؤونة التخبط في سبل المطالب المتشعبة المبعثرة التي يسهل على أصغر ثعالب السياسة أن يمارس أمامها التسويف والمماطلة وبأبشع الصور. ومنذ الجمعة الأولى بعد انطلاق الاحتجاجات كانت النصوص التي ترد لمنبر الصحن الحسيني الشريف تتضمن شرط سلمية التظاهر وتتضمن التأكيد على أهم المطالب لا سفاسفها، ومع الشروط والمطالب العالية المضامين كانت هناك (تحذيرات) و (إشارات) لمخاطر جسيمة ترى المرجعية العليا ضرورة الالتفات إليها في هذه المرحلة التي وصفتها بـ (المحنة الراهنة) ووصفتها بـ (معركة الإصلاح)، فما هي هذه المخاطر وما هي هذه التحذيرات؟ وهل سيتم الالتفات إليها ولا يتم تجاهلها كيوم حذرت المرجعية من داعش فصُمّت الآذان عن سماع صوتها حتى وقع المحذور؟ لنتأمل في بعض ما جاء في هذه النصوص وهي نصوص حديثة الصدور ترى ما غفل عن رؤيته البعض ممن ركنوا إلى النفوذ والسلطة والحزبية والعشائرية وغيرها من مسميات طغى الإفراط في اعتناقها على منطق الحكمة. ١- ورد في خطبة الجمعة ٤ / ١٠ / ٢٠١٩ ما نصه: "نأمل أن يُغلّب العقلُ والمنطقُ ومصلحة البلد عند مَنْ هم في مواقع المسؤوليّة وبيدهم القرار، ليتداركوا الأمور قبل فوات الأوان، كما نأملُ أن يعيَ الجميعُ التداعياتِ الخطيرةَ لاستخدام العنف والعنف المضادّ في الحركة الاحتجاجيّة الجارية، فيتفادون ذلك في كلّ الأحوال". ٢- ورد في خطبة الجمعة ٢٥ / ١٠ / ٢٠١٩ ما نصه: "إنّ تأكيد المرجعيّة الدينيّة على ضرورة أن تكون التظاهرات الاحتجاجيّة سلميّةً خاليةً من العنف، لا ينطلق فقط من اهتمامها بإبعاد الأذى عن أبنائها المتظاهرين والعناصر الأمنيّة، بل ينطلق أيضاً من حرصها البالغ على مستقبل هذا البلد الذي يُعاني من تعقيداتٍ كثيرة، يُخشى معها من أن ينزلق بالعنف والعنف المقابل الى الفوضى والخراب، ويفسح ذلك المجالَ لمزيدٍ من التدخّل الخارجيّ، ويُصبح ساحةً لتصفية الحسابات بين بعض القوى الدوليّة والإقليميّة، ويحدث له ما لا يُحمد عقباه ممّا حدث في بعض البلاد الأخرى من أوضاعٍ مريرة، لم يمكنهم التخلّص من تبعاتها حتّى بعد مضيّ سنواتٍ طوال." . ٣- ورد في خطبة الجمعة ١ / ١١ / ٢٠١٩ ما نصه: "إنّ الدماء الزكيّة التي سالت خلال الأسابيع الماضية غاليةٌ علينا جميعاً، ومن الضروريّ العمل على منع إراقة المزيد منها، وعدم السماح أبداً بانزلاق البلد الى مهاوي الاقتتال الداخليّ والفوضى والخراب، وهو ممكنٌ إذا تعاون الجميعُ على حلّ الأزمة الراهنة بنوايا صادقةٍ ونفوسٍ عامرة بحبّ العراق والحرص على مستقبله." . ٤- ورد في خطبة الجمعة ٨ / ١١ / ٢٠١٩ ما نصه: "أمام القِوى السياسيّة المُمسكة بزمام السلطة فرصةً فريدةً للاستجابة لمطالب المواطنين وفق خارطةِ طريقٍ يُتّفق عليها تُنفّذ في مدّةٍ زمنيّة محدّدة، فتضع حدّاً لحقبةٍ طويلة من الفساد والمحاصصة المقيتة وغياب العدالة الاجتماعيّة، ولا يجوزُ مزيدُ المماطلة والتسويف في هذا المجال؛ لما فيه من مخاطرةٍ كبيرة تُحيط بالبلاد. الثانية: إنّ المحافظة على سلميّة الاحتجاجات بمختلف أشكالها، تحظى بأهمّيةٍ كبيرة، والمسؤوليّةُ الكُبرى في ذلك تقع على عاتق القوّات الأمنيّة، بأن يتجنّبوا استخدام العنف ولا سيّما العنف المفرط في التعامل مع المحتجّين السلميّين، فإنّه ممّا لا مُسوّغ له ويؤدّي الى عواقب وخيمة." . ٥- ورد في خطبة الجمعة ١٥ / ١١ / ٢٠١٩ مانصه: "إنّ معركة الإصلاح التي يخوضها الشعب العراقيّ الكريم إنّما هي معركةٌ وطنيّةٌ تخصّه وحده، والعراقيّون هم من يتحمّلون أعباءها الثقيلة، ولا يجوز السماح بأن يتدخّل فيها أيّ طرفٍ خارجيّ بأيّ اتّجاهٍ، مع أنّ التدخّلات الخارجيّة المتقابلة تُنذرُ بمخاطر كبيرة، بتحويل البلد الى ساحةٍ للصراع وتصفية الحسابات بين قوى دوليّة وإقليميّة يكون الخاسر الأكبر فيها هو الشعب." . ٦- ورد في خطبة الجمعة ٢٩ / ١١ / ٢٠١٩ ما نصه: "إنّ الأعداء وأدواتهم يخطّطون لتحقيق أهدافهم الخبيثة من نشر الفوضى والخراب والانجرار الى الاقتتال الداخليّ، ومن ثَمّ إعادة البلد الى عصر الدكتاتوريّة المقيتة، فلا بُدّ من أن يتعاون الجميع لتفويت الفرصة عليهم في ذلك". ٧ - ورد في خطبة الجمعة ٦ / ١٢ / ٢٠١٩ ما نصه: "لا شكّ في أنّ الحراك الشعبيّ إذا اتّسع مداه وشمل مختلف الفئات، يكون وسيلةً فاعلةً للضغط على من بيدهم السلطة، لإفساح المجال لإجراء إصلاحاتٍ حقيقيّة في إدارة البلد، ولكن الشرط الأساس لذلك هو عدم انجراره الى أعمال العنف والفوضى والتخريب، فإنّه بالإضافة الى عدم المسوّغ لهذه الأعمال شرعاً وقانوناً ستكون لها ارتداداتٌ عكسيّة على الحركة الإصلاحيّة ويؤدّي الى انحسار التضامن معها شيئاً فشيئاً، بالرغم من كلّ الدماء الغالية التي أُريقت في سبيل تحقيق أهدافها المشروعة، فلا بُدّ من التنبّه الى ذلك والحذر من منح الذريعة لمن لا يريدون الإصلاح بأن يُمانعوا من تحقيقه من هذه الجهة." كما ورد فيها هذا التحذير: "ونعيد هنا التحذير من الذين يتربّصون بالبلد ويسعون لاستغلال الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح، لتحقيق أهدافٍ معيّنة تنال من المصالح العُليا للشعب العراقيّ ولا تنسجم مع قِيَمه الأصيلة." . الملاحظ في هذه التحذيرات : التأكيد على تدارك الأمور ( قبل فوات الأوان )، وأن يعي الجميع (التداعيات الخطيرة)، والخشية على البلد من (أن ينزلق بالعنف والعنف المقابل الى الفوضى والخراب).. ويفسح ذلك المجال لمزيد من التدخل الخارجي و (يصبح ساحة لتصفية الحسابات) بين بعض القوى الدولية والاقليمية، ويحدث له (ما لا يحمد عقباه...)… وعدم السماح أبدًا بانزلاق البلد الى مهاوي (الاقتتال الداخلي والفوضى والخراب) .. المماطلة والتسويف في مجال الاستجابة للمطالب فيه (مخاطر كبيرة تحيط بالبلاد) .. العنف المفرط يؤدي (إلى عواقب وخيمة) .. التدخلات الخارجية المتقابلة (تنذر بمخاطر كبيرة) يتحول فيها البلد الى ساحة لتصفية الحسابات... ويكون الخاسر الأكبر فيها هو (الشعب) .. كذلك ورد تحذير من (أن الاعداء وأدواتهم) الذين يخططون لتحقيق (أهدافهم الخبيثة) من نشر (الفوضى والخراب والاقتتال الداخلي) ومن ثم إعادة البلد إلى عصر (الدكتاتورية المقيتة).. كذلك ورد ان الشرط الأساس للإصلاحات هو عدم انجرار البلد ( إلى أعمال العنف والفوضى والتخريب ) لأن لها ( ارتدادات عكسية ) على الحركة الإصلاحية ويؤدي الى انحسار التضامن معها شيئاً فشيئاً… والتحذير من (منح الذريعة لمن لا يريدون الإصلاح.. كما عادت لتحذر من الذين (يتربصون) بالبلد ويسعون لاستغلال الاحتجاجات (لتحقيق أهداف معينة) تنال من (المصالح العليا) للشعب العراقي ولا تنسجم مع قيمه الأصيلة... نرجو أن تكون الأذن واعية فالأمر يستحق ذلك..

اخرى
منذ 7 أشهر
247

وإن...

بقلم: حسين فرحان احتطب.. وأعدَّ لما احتطب نارًا.. هم بالإحراق فقيل له: يا هذا، إن في الدار فاطمة! قال: وإنْ... لم تكن (وإن) اللا مبالاة واحدة، فقد كانت اللبنة الأولى لأساس الظلم والجور ومسيرة الانقلاب على الأعقاب، وإن كانت نواتها (إنَّ الرجل ليهجر) لكنها جسدت عين البغض والحسد وفتحت الباب على مصراعيه لتكشف حقيقة المعتنقين لعقيدة (لا خبر جاء ولا وحي نزل). فما عاد للتنبيه نفع ولا للتذكير دفع ولا في الإنذار وسع لنهي أهل البغي عن بغيهم وغيهم فلم يلق التذكير والإنذار غير (وإن..). - يا بن ملجم إنه علي.. - وإن.. يا معاوية إنه الحسن.. - وإن .. - يا يزيد ويا ابن ذي الجوشن إنه الحسين.. - وإن - يا بني أمية.. يا بني العباس.. إنهم أهل البيت والثقل الأصغر.. - وإن.. هكذا أفصحت اللا مبالاة عن ذاتها ونطقت الأحقاد معلنة استهتارها وعبثت أيادي ندماء القرود والغلمان وحملة أسفار الجاهلية المخطوطة بيد الشيطان بتلك المراتب المقدسة التي خصها الله بالكرامة (فَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً اَسَّسَتْ اَساسَ الظُّلْمِ وَالْجَوْرِ عَلَيْكُمْ اَهْلَ الْبَيْتِ، وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً دَفَعَتْكُمْ عَنْ مَقامِكُمْ وَاَزالَتْكُمْ عَنْ مَراتِبِكُمُ الَّتي رَتَّبَكُمُ اللهُ فيها..) اللهم (واجعل لعائنك المستودعة في مناحس الخلقة ومشاويه الفطرة دائرة عليهم، ومؤكلة بهم، وجارية فيهم كل مساء وصباح، وغدو ورواح .. ) السلام على الصديقة الطاهرة .. السلام على الحجة على الحجج ورحمة الله وبركاته.

اخرى
منذ 8 أشهر
387

المرجعية الدينية العليا والنظام السياسي في العراق

بقلم: حسين فرحان مما يدعو للاستغراب أن ترتفع أصوات البعض للمناداة والمطالبة بتغيير الواقع السياسي العراقي الذي أقر في دستور كتبته الأيادي العراقية. ومما يدعو للدهشة أن يعود البعض للمطالبة بتغيير يقاد بالفكر الانقلابي بعد عقود من مهزلة التجارب الحكومية التي تقاد بفكر الحزب الواحد والقائد الضرورة وشعارات الحرية والديمقراطية والعدل والمساواة التي لم تجد طريقها للتنفيذ إلا بنحو يثري صفحات جرائد الحزب التي سأم هذا المجتمع تداولها وهي المستهلة في كل صباح مضى بالتمجيد والتقديس للقائد الضرورة. أصبحنا نؤمن بأن الذاكرة المثقوبة التي يمتلكها هؤلاء الدعاة إلى العودة للوراء هي حقيقة وليست وهما... أصبحنا نؤمن أن العقلية التي تنتظر (البيان رقم ١) هي عقلية موجودة بالفعل.. أصبحنا نؤمن بأن ثقافة السحل والتنكيل ما تزال حاضرة وأنّ كل الطرق في عقول هؤلاء معدة للعودة إلى الأنظمة الديكتاتورية المستبدة ولسنا نعلم لعل جلد العبد اشتاق لعصا سيده. جميع هذه الأصناف والفئات التي تعشق العبودية هي نفسها التي تمتلأ صفحاتها في الفيس بوك بمنشورات المنبهر من تقدم الغرب وسياسة الغرب وثقافة الغرب وإنسانية الغرب.. وهي نفسها التي تتغنى بأمجاد الزمن الجميل وهي نفسها التي تؤمن بالفكر الانقلابي.. فأي تناقض هذا وأية ازدواجية؟ فالغرب الذي تتمنون الوصول إلى عشر معشار ما وصل إليه من تقدم تخلى منذ عقود عن الفكر الانقلابي وصار يؤمن بالتداول السلمي للسلطة عبر صناديق الاقتراع التي تعطي لكل ذي حق حقه.. فإذا رجُحت كفة حزب على حساب حزب آخر أو كتلة انبرى الآخر ليقف موقف الرقيب المعارض الذي ينتقد نقدًا بنّاء دون أن يكون له دور في المسؤوليات التنفيذية إذ إن المنطق يفرض عليه أن يكون طرفًا من أطراف المعادلة لا أن يضع قدمًا هنا وأخرى هناك. الغرب الذي يعيش الديمقراطية ويمارس هذا التداول السلمي للسلطة ويزدهر بفضل حسن اختياره للأشخاص هو النموذج الذي نطمح إليه جميعًا، لكن هل إن طموحنا هذا متزامن مع انعدام وجود نظام ديمقراطي لدينا؟ الجواب واضح وهو: أن النظام الذي نعتمده لا يختلف بشيء عن تلك الأنظمة إلّا في بعض التفاصيل، لكنّه على العموم نظام يرعى أن يكون الشعب هو صاحب القرار، فقد رأت المرجعية الدينية العليا أن يكون لهذا الشعب قوله الفصل في اختيار من ينوب عنه ممثلًا في برلمان تنبثق منه رئاساته الثلاث ومن خلالها يدار البلد بالطريقة التي تدار بها شؤون البلدان المتحضرة التي نعجب كثيرًا بها. المرجعية العليا أرادت لابن بغداد والبصرة والموصل وميسان والأنبار والسماوة وديالى وصلاح الدين وذي قار وغيرها من مدن العراق أن يكون له صوت مؤثر في تحديد مصيره، وأرادت لتلك المهزلة التاريخية (مهزلة الحكم) التي تقوم على الانقلابات أن تنتهي ويكف الجمهور عن التصفيق لكل قادم جديد، فوقفت بوجه المحتل وفرضت إرادتها في أن يتم انتخاب جمعية وطنية تشرف على كتابة الدستور العراقي بأيدٍ عراقية تحدد فيه طريقة الحكم، وقد حدث ذلك رغم امتعاض بعض القوى الإقليمية والدولية. فلماذا يرفض البعض هذا النظام في العراق ويصفق له حين يراه في الغرب؟ هل تساءلنا يومًا عن الخلل، هل هو في النظام أو في التطبيق لهذا النظام؟ القضية العراقية بحاجة إلى وقفة مع الذات... بحاجة إلى تأمل وإعادة نظر.. بحاجة إلى شجاعة في إرادة التغيير نحو الأفضل، لا إلى العودة بهذه الأجيال إلى زمن الحزب الواحد والقائد الضرورة والعمالة للغرب والحروب والمقابر الجماعية الذي عبّرت عنه المرجعية العليا فقالت: (وأنه لا بد من تفادي الوقوع في مهالك الحكم الفردي والنظام الاستبدادي تحت أي ذريعة أو عنوان). القضية العراقية بحاجة إلى أن يتخلى الجمهور عن حزبيته وعشائريته ولو بنحو يميز فيه بين الحق والباطل والصالح والطالح، ولسنا نعلم هل صُمّت الآذان عن نداء (دعوا الوجوه التي لم تجلب الخير لهذا البلد) وهل عميت الأعين عن مشاهدة هذا الفساد الكبير الذي أُسّس له من قبل أحزاب المحاصصة المقيتة. الخلل واضح جدًا ولا يخفى على العقلاء، فليس للنظام الذي ارتأته المرجعية العليا ذنب، وقد أُقر في دستور عراقي كتبته أياد عراقية ليعلن فيه عن نظام تتّبعه أغلب الدول المتقدمة، لكنها المصالح الشخصية والفئوية الضيقة المليئة بالصراعات والنزاعات والتكالب على السلطة، وماهي إلا نتاج مجتمع اختار انتماءه الحزبي والعشائري على حساب الكفاءة والنزاهة، وكم من قائمة نزيهة أو مرشح مستقل لم يكن لهم حظ في أصوات الناخبين بسبب الضوضاء الحزبية التي خدعت الجماهير وما تزال بوعود كاذبة اعتادت عليها. لقد ذكرت المرجعية العليا في بيانها الصادر في (١٧ شعبان ١٤٣٩) جملة من الشروط التي لو تم مراعاتها فسيكون من شأنها تقويم المسار الانتخابي وأن يكون مؤديًا الى نتائج مرضية منها: أن يكون القانون الانتخابي عادلًا يرعى حرمة اصوات الناخبين ولا يسمح بالالتفاف عليها. ومنها: أن تتنافس القوائم الانتخابية على برامج اقتصادية وتعليمية وخدمية قابلة للتنفيذ بعيدًا عن الشخصنة والشحن القومي أو الطائفي والمزايدات الاعلامية. ومنها: أن يُمنع التدخل الخارجي في أمر الانتخابات سواء بالدعم المالي أو غيره، وتُشدّد العقوبة على ذلك. ومنها: وعي الناخبين لقيمة اصواتهم ودورها المهم في رسم مستقبل البلد فلا يمنحونها لأناس غير مؤهلين ازاء ثمن بخس أو اتّباعاً للأهواء والعواطف أو رعايةً للمصالح الشخصية أو النزعات القَبلية او نحوها. ومن المؤكد أن الإخفاقات التي رافقت التجارب الانتخابية الماضية -من سوء استغلال السلطة من قبل كثيرٍ ممن انتخبوا او تسنّموا المناصب العليا في الحكومة، ومساهمتهم في نشر الفساد وتضييع المال العام بصورة غير مسبوقة، وتمييز أنفسهم برواتب ومخصصات كبيرة، وفشلهم في أداء واجباتهم في خدمة الشعب وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه- لم تكن الا نتيجة طبيعية لعدم تطبيق العديد من الشروط اللازمة ولو بدرجات متفاوتة -عند اجراء تلك الانتخابات، وهو ما يلاحظ -بصورة أو بأخرى- في الانتخابات الحالية أيضاً. ولكن يبقى الامل قائماً بإمكانية تصحيح مسار الحكم وإصلاح مؤسسات الدولة من خلال تضافر جهود الغيارى من ابناء هذا البلد واستخدام سائر الاساليب القانونية المتاحة لذلك. نحن مع هذا الأمل ونتمنى أن تتضافر جهود الغيارى في سبيل تحقيقه بدلا من التفكير بعقلية الانقلاب والفوضى أو المعارضة التي تمارس الحكم وتعارضه.

اخرى
منذ 7 أشهر
294

أمّيّة الحرف وأمّيّة الفكر

بقلم: حسين فرحان (إنّ من المؤسف أن نجد خريج جامعة يصعب عليه كتابة اسمه، وإذا كتب قطعة نثرية نجدها مملؤة بالأخطاء الإملائية). جملة اقتبستها من خطبة الجمعة التي القاها سماحة السيد أحمد الصافي في الصحن الحسيني الشريف بتاريخ ٣١-٨-٢٠١٨، وهي تستحق الوقوف عندها والتأمل في مضمونها خصوصًا وأنها جاءت في سياق بحث اجتماعي تناوله المنبر بشيء من الإسهاب والتفصيل نظرًا لأهميته في بناء مجتمع واعٍ مثقف يشكل أداة مهمة من أدوات أي عملية اصلاحية وفي شتى المجالات. ورغم أن الخطبة قد تناولت مواضيع أُخرى مهمة تستحق التأمل إلّا أن موضوع معاناة الطالب الجامعي في كتابة اسمه وعجزه الإملائي يدفعنا للتساؤل عن حال سائر الطبقات في هذا المجتمع، نتساءل عن ثقافة عامة وعن وعي ديني وعن فهم للواقع وعن إدراك للحقائق وعن ملكة تحليل لما يجري وعن أشياء أخرى وإن كانت نسبية لكنها تشكل بمجملها حالة سلبية عامة ينبغي تداركها لتلافي ما يترتب عليها من آثار تخل بالمنظومة الدينية والثقافية للمجتمع. هنالك حقائق مؤلمة عن أشخاص من صنف العاجزين عن كتابة أسمائهم وأصحاب العثرات الإملائية بأمّيتهم الأبجدية وكذلك حقائق مؤلمة أخرى عن اشخاص عجزوا عن الإدراك والوعي فخانهم التعبير الكلامي والعملي المبني على التصورات والظنون وهم ممن جعلتهم الظروف في فئة أصحاب الأمّيّة الحضارية. الجميع يطالب بالإصلاح وينشد الصلاح والرخاء ويتمنى أن يرى بلده بالمستوى الذي وصلت إليه سائر البلدان التي تعد بلدانًا نفطية، لكن مع وجود هذين النمطين من البشر (أصحاب أُمّيّة الحرف والفكر) ومع وجود منظومة سياسية فاسدة لم تحرك ساكنًا في سبيل التخلي عن أنانيتها وتمسكها بالمناصب فالأمر سيكون صعبًا والتغيير سيبقى رهن فساد وأمّيّة ضربت أطنابها الأوساط السياسية والاجتماعية... إذاً، لا بد من منهج يمكن لنا أن نتعرف على شكله ومضمونه وماهيته ولو بإيجاز، فنتحدث عن منهج علمي في بناء وإدارة الدولة، منهج يتحدث بلغة الأرقام مخلفًا السفسطة وراء ظهره، منهج علمي رصين تكون أدوات تنفيذه حكومة كفاءات لا حكومة أحزاب وتاريخ جهادي ونضالي، منهج يغلق الباب بوجه الأمّيين ولا يترك لهم مجال الخوض في تفاصيله والالتفاف على منجزاته واستدرار خيره بطرق التزوير والرشوة واستخدام النفوذ الحزبي والعشائري، منهج يجعل الجميع يؤمنون بلغة الأرقام ويؤمنون بأنهم لن ينالوا سوى استحقاقهم. قضية الجهل والأمّيّة رغم أنها أمر نسبي غير مطلق لكنها تشكل ظاهرة استدعت الوقوف عندها من قبل المرجعية الدينية العليا فتناولتها في خطبها كمشكلة اجتماعية لها آثارها الخطيرة، والبلد بحاجة إلى مزيد من المواطنة الصالحة التي لا تحتل الأرصفة لتوسيع المنازل ولا ترتشي لدعم المعاش ولا ترهب الناس بنفوذ العشيرة والحزب، ولا تلقي بالنفايات والأنقاض بحجة الخراب العام ولا تؤمن بالفكر الانقلابي والأفكار الأخرى المستوردة بذرائع متخلفة مختلفة ولا تتخلى عن مقدساتها مع أول ناعق وداع ومشكك... وغيرها من نماذج تتجسد فيها الأمّيّة لتكون مكملة للفساد الحكومي، وينتج عنها هذا الخراب الكبير الذي نشهده. ومن الأنصاف والعدل أن لا ننسب هذا الخراب للحكومات الفاسدة فحسب، بل ننسبه أيضًا إلى الجزء المتخلف من هذا الشعب، وهو الجزء الذي لم يدّخر جهدًا في سبيل الهدم ثم الهدم ثم الثرثرة الفارغة. لقد بان واتضح بعد هذه السنوات العجاف أنها لم تكن عجافًا لولا ثلاثة مسببات (عدو خارجي وحكومات فاسدة وأمّيّة أبجدية وحضارية ودينية لدى البعض). والمرجعية الدينية أشارت إلى هؤلاء جميعًا والعقلاء ملتفتون لهذا الأمر، وخصوصًا قضية تفشي الأمّيّة والجهل التي خلّفت نماذج تشبه كثيرًا شخصية صاحب (الكَمُوج)، فممّا يُروى من طرائف تاريخنا أنَّ رجلًا تقدّم إلى اﻹشبيلي ليسأله سؤالًا لا يسأل مثله إلّا أهبل أو مُستهبل. والسؤال هو: ما الكَمُوج ؟، فردّ الإشبيلي بسؤال: أين قرأتَها؟.. أجاب الرجل: في قول امرئ القيس:" وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سدولَه.."، فقال الإشبيلي بنبرة جادّة: الكَمُوج دابّة تقرأ ولا تفهم! كم صادفتم في حياتكم من أمثال هؤلاء... في تعاملكم... في حواراتكم؟ إنها بحق محنة كبيرة... وفي الوقت الذي يفترض أن يكون الإنسان فيه متفتحًا واعيًا لاستيعاب قضاياه الكبرى نجده لا يجيد أن يضع حرفًا على ورقة ولا يجيد منطقًا ولا يعرف منهجًا فهو وإن تحرك في دوائر متعددة إلّا أنه يبقى حراكًا متخلفًا لا يترك وراءه سوى الخراب. وهذا من طباع الكسالى العاجزين عن إصلاح أنفسهم فلا تكون لهم صحوة إلّا وقد طلعت عليهم الشمس.

اخرى
منذ 6 أشهر
231

وقد بُحّت أصواتنا..

بقلم: حسين فرحان "وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا" .. المصلح، ومنهجه الإصلاحي يبحثان عن الركن الثالث المهم، وهي الاستجابة، فبغيرها لا يتحقق الإصلاح .. البعضُ مُصرٌّ على اتباع الهوى والذيلية والتبعية لآخر خلف الحدود يبحث عن مصلحته التي هي ليس بالضرورة أن تتطابق مع مصالح هذا الشعب، وبعضٌ قضى ما يكفي من وقتٍ في مديح الطغاة في الزمن الذي يُصرّون على أنّه قد كان جميلًا وأنهم كانوا من (جيل الطيبين) فيه، بقطع النظر إلى المتغيرات والمستجدات ودون طموح يشدهم إلى ما هو أفضل، بل هو التسافل وأمنيات بالعودة إلى أحضان الأنظمة الطاغية المستبدة، فأصبح الحاكم والمحكوم في دائرة الفوضى التي تُدار بقوانين الغاب حيث لا تجد في دستورها غير عبارة: (البقاء للأقوى)، وقد صمت آذانها عن سماع أيِّ صوتٍ قادم من ناحية الإصلاح يدعو حاكمها ومحكومها لكلمة سواء ونظم أمر استمد قوته من منهج عظيم لو كشف الغطاء عن صاحبه ما ازداد يقينًا.. حتى إذا وقعت المكاره ضجّت الجموع وهي لا تعرف ما تريد، فيستنجد - من كان بالأمس مطالبًا بفصل الدين - بأهل الدين! وينتظر خطبة الجمعة من كان يسخر منها بالأمس القريب ويصفها بالغموض، وهو ينظر للعمامة بازدراء! أما من بيدهم القرار فقد انتهى بهم المطاف إلى أن ينالوا وصفًا يليق بهم وهو (التكالب) بعد أنْ عاثوا في الأرض فسادًا وعمالةً وتجاهلًا لصوتِ الحق، وكيف لا؟ وقد قاموا وبنو أبيهم وحاشيتهم يخضمون مال الله خضم الإبل نبتة الربيع فأصبح المنهج الإصلاحي عدوهم لذلك صُمّت الآذان عن أن تعيه . لا إكراه في الدين .. ولا إكراه كذلك في أي منهج إصلاحي، الأمرُ متروكٌ للمتضرر من الوضع .. الأمر متروك لمن أنهكه فساد الطبقة المتنفذة الحاكمة الحزبية بمحاصصاتها وارتباطاتها الخارجية ومطامعها وفشلها وجميع مساوئها وعيوبها.. ألا يستدعي العقل أنْ يتساءل : يا ترى، أي الجهات في هذا البلد هي الأكثر استنكارًا لهذا الواقع المتردي؟ وأيّها الأفضل تشخيصًا لمكامن الخلل؟ وأيّها الأقدر على تقديم الحلول المناسبة؟. عقولُ البعض مشوشةٌ إلى درجة عدم الالتفات لوجود مصلح بمستوى المرجعية الدينية العليا.. وعقولُ البعض الآخر مُغيّبة بتبعيتها المُخزية لأحزاب السلطة، وعقولٌ تغافلت عن المطالبة بالإصلاح؛ لأنها من سنخ المواطن المستقر الذي يتمتع بالامتيازات، وأخرى غائبةٌ وأخرى مُغيبةٌ، وعقولٌ ما تزالُ تحمل إرثًا فكريًا تغذى بمنهاج البعث، وأخرى متفتحةٌ مستنيرةٌ بالهدى تسير مع منهج الإصلاح بهدوءٍ وتلتزم ببنوده فلا تجتهدْ مقابل نصوصه ولا تركب الأمواج دون درايةٍ بالمصير. المرجعيةُ العليا .. دعت وما زالت تدعو للإصلاح، وقد بُحَّ صوتها أمام آذانٍ صمّاء .. ورغم ذلك .. نصطدمُ كلَّ يومٍ بنماذجَ تنكر أنْ يكون للمرجعية صوتٌ! مع أنَّ الخلل واضحٌ في آذانهم التي لا تريد أنْ تسمع كلمةً تصدر من منبر الصحن الحسيني الشريف لله فيها رضا ولهذا المجتمع أجر وصلاح .. إنَّ عدم متابعتك لمضامين خطب المرجعية وبياناتها أيّها المُنكر للمنهج الإصلاحي لا يعني أنّها لم تتكلم .. وإنْ كانت ذاكرة البعض مثقوبةً أو مليئةً بتفاصيل أخرى لا تتسع لحفظ ولو الجزء اليسير من توجيهات المرجعية العليا فهذه أيضًا مشكلتهم وليس للمرجعية ذنب في ذلك . إلى من غفل أو تغافل نُذكِّر بما جاء من تنبيهٍ وتحذيرٍ من مخاطر الفساد وغيره على هذا المجتمع وتنبيه وتحذير من نتائجه: ١ - في نيسان عام 2006 أي بعد انتخابات الدورة الأولى لمجلس النواب وقُبيل تشكيل الحكومة أصدر المكتب بيانًا ورد فيه (إنَّ من المهام الأخرى للحكومة المُقبلة التي تحظى بأهميةٍ بالغة مكافحة الفساد الإداري المُستشري في معظم مؤسسات الدولة بدرجةٍ تنذر بخطر جسيم، فلابُدَّ من وضع آلياتٍ عملية للقضاء على هذا الداء العُضال وملاحقة المفسدين قضائيًا أيًا كانوا...) ٢ - في أيلول عام 2006م وبعد تشكيل الحكومة أصدر المكتب بيانًا ورد فيه التأكيد مرة أخرى على ضرورة مكافحة الفساد وسوء استغلال السلطة الذي يتسبب في ضياع جملة من موارد الدولة العراقية وشدد على لزوم تمكين القضاء من ممارسة دوره في محاسبة الفاسدين ومعاقبتهم في أسرع وقت. ٣ - في شباط عام 2011م أصدر المكتب بيانًا ورد فيه (إنَّ المرجعية الدينية العُليا تدعو مجلس النواب والحكومة العراقية إلى اتخاذ خطواتٍ جادة وملموسة في سبيل تحسين الخدمات العامة ولا سيما الطاقة الكهربائية ومفردات البطاقة التموينية وتوفير العمل للعاطلين ومكافحة الفساد المستشري في مختلف دوائر الدولة، وقبل هذا وذاك اتخاذ قرارات حاسمة بإلغاء الامتيازات غير المقبولة التي مُنحت للأعضاء الحاليين والسابقين في مجلس النواب ومجالس المحافظات ولكبار المسؤولين في الحكومة من الوزراء وذوي الدرجات الخاصة وغيرهم، والامتناع عن استحداث مناصب حكومية غير ضرورية تكلف سنويًا مبالغ طائلة من أموال هذا الشعب المظلوم وإلغاء ما يوجد منها حاليًا). ٤ - في خطبة ١٤ / ٨ / ٢٠١٥ ما نصه: "نود الإشارة إلى أنَّ من أهم متطلبات العملية الإصلاحية: أولًا: إصلاح الجهاز القضائي، فإنَّه يشكل ركنًا مهمًا في استكمال حُزم الإصلاح، ولا يمكن أنْ يتم الإصلاح الحقيقي من دونه. إنَّ الفساد وإنِ استشرى حتى في القضاء إلا أنَّ من المؤكد وجود عدد غير قليل من القضاة الشرفاء الذين لم تلوث أيديهم بالرشوة ولا تأخذهم في الحق لومة لائم، فلابد من الاعتماد على هؤلاء في إصلاح الجهاز القضائي ليكون المرتكز الأساس لإصلاح بقية مؤسسات الدولة. ثانيًا: إنَّ هنالك العديد من القوانين والقرارات التي صدرت في الأعوام الماضية مما فتحت آفاقًا واسعة لممارسة الفساد بأشكال متنوعة، فلابد للحكومة ومجلس النواب أنْ يعيدا النظر في تلك القوانين والقرارات ويعملا على تعديلها أو إلغائها حسب ما تقتضيه المصلحة العامة. وفي المقابل فإن هنالك حاجة ماسة إلى تشريع قوانين وإصدار قرارات لا يتم الإصلاح بدونها، ومن أهم القوانين الإصلاحية هو القانون الخاص بسلم الرواتب لموظفي الدولة بحيث تراعى فيه العدالة الاجتماعية، اذ ليس من المقبول أنْ يحظى بعض كبار المسؤولين برواتب تبلغ عشرات الملايين شهريًا في حين لا تبلغ الرواتب الشهرية لكثير من الموظفين ثلاثمائة ألف دينار". ٥ - في خطبة ١٥ / ٣/ ٢٠١٩ ما نصه: (إنَّ "انشغال الطبقة السياسية بالنزاعات والتجاذبات والاختلافات على المواقع والمناصب أدخل البلد في دوامة من عدم الاستقرار والتخلف عن بقية الشعوب وإهدار الطاقات والتأزم النفسي للمواطن إضافة إلى ضياع فرص تقديم الخدمات للمواطنين وتوفير فرص العمل والتطور له). ٦ - مقتطفات من خطبة النصر ١٥ / ١٢ / ٢٠١٧ ما نصه: المرجعية الدينية تدعو لمحاربة الفساد بعد انتهاء المعركة مع داعش .. "إنَّ التحرك بشكلٍ جِدي وفعّال لمواجهة الفساد والمفسدين يُعدُّ من أولويات المرحلة المُقبلة، فلا بُدَّ من مكافحة الفساد المالي والإداري بكلِّ حزمٍ وقوةٍ من خلال تفعيل الأُطر القانونية وبخطط عملية وواقعية بعيدًا عن الإجراءات الشكلية والاستعراضية. إنَّ المعركة ضد الفساد ـ التي تأخرت طويلًا ـ لا تقلّ ضراوةً عن معركة الإرهاب إنْ لم تكن أشد وأقسى، والعراقيون الشرفاء الذين استبسلوا في معركة الإرهاب قادرون ـ بعون الله ـ على خوض غمار معركة الفساد والانتصار فيها أيضًا إنْ أحسنوا إدارتها بشكلٍ مهني وحازم" ٧ - في خطبة الجمعة ٧ / ٩ / ٢٠١٨ ما نصه: (إنّ الشعب العراقيّ المظلوم الذي صبر طويلًا على ما تعرّض له بعد سقوط النظام السابق من اعتداءاتٍ إرهابيّة خلّفت مئات الآلاف من الضحايا والأرامل والأيتام، ثمّ قدّم خيرة أبنائه دفاعًا عن العراق ومقدّساته في حربٍ ضروس استمرّت طويلًا في مواجهة الإرهاب الداعشيّ، وتحمّل شرائح واسعة منه الكثير من الأذى والحرمان طيلة خمسة عشر عامًا، على أمل أنْ يُسفر النظام الجديد عن وضعٍ مختلف عن السابق، يحظون فيه بحياةٍ كريمة ومستقرّة، هذا الشعب الصابر المحتَسِب لم يعدْ يطيقُ مزيدًا من الصبر على ما يشاهده ويلمسه من عدم اكتراث المسؤولين بحلّ مشاكله المتزايدة وأزماته المستعصية، بل انشغالهم بالتنازع في ما بينهم على المكاسب السياسيّة ومغانم المناصب والمواقع الحكوميّة والسماح للأجانب بالتدخّل في شؤون البلد وجعله ساحةً للتجاذبات الإقليميّة والدوليّة والصراع على المصالح والأجندات الخارجيّة). ٨ - في خطبة الجمعة ٧ / ٩ / ٢٠١٨ ما نصه: (هذا الشعب الصابر المحتَسِب لم يعدْ يطيقُ مزيدًا من الصبر على ما يشاهده ويلمسه من عدم اكتراث المسؤولين بحلّ مشاكله المتزايدة وأزماته المستعصية، بل انشغالهم بالتنازع في ما بينهم على المكاسب السياسيّة ومغانم المناصب والمواقع الحكوميّة والسماح للأجانب بالتدخّل في شؤون البلد وجعله ساحةً للتجاذبات الإقليميّة والدوليّة والصراع على المصالح والأجندات الخارجيّة). ٩ - جانب مهم من خطبة ٧ / ٩ / ٢٠١٩: (إنّ ما يُعاني منه المواطنون في البصرة وفي محافظاتٍ أخرى من عدم توفّر الخدمات الأساسيّة وانتشار الفقر والبطالة واستشراء الفساد في مختلف دوائر الدولة، إنّما هو نتيجة طبيعيّة للأداء السيّئ لكبار المسؤولين وذوي المناصب الحسّاسة في الحكومات المتعاقبة، التي بُنيت على المحاصصات السياسيّة والمحسوبيّات وعدم رعاية المهنيّة والكفاءة في اختيار المسؤولين، خصوصًا للمواقع المهمّة والخدميّة( ١٠ - في خطبة ٢١ / ١٢ / ٢٠١٩ ما نصه: (إنّ بعض المجتمعات -ومنها مجتمعنا- تُعاني اليومَ من تقديم المصالح الخاصّة على المصالح العامّة في الكثير من شؤون الحياة، فالتعدّي على الحقوق والأموال العامّة والتقصير والإهمال في الأداء الوظيفيّ والمهنيّ، والعمل للمصالح الحزبيّة والقوميّة الضيّقة على المصالح العامّة، وتغليب التعصّب العشائري والقوميّ والحزبيّ والدينيّ على الانتماء الوطنيّ قد أدّى ذلك إلى ابتلاء الناس بالكثير من الأزمات والتخلف، وهضم الحقوق وتخلّف وتأخّر المجتمع وتخلّفه عن ركب المجتمعات الأخرى). ١١ - جانب مهم من خطبة الجمعة ٢١ / ١٢ / ٢٠١٨ ما نصه: "كثيرٌ من الناس يقولون لنا تكلّموا في خطبة الجمعة عن كذا وكذا، نعم نحن نتكلّم ولكن الموعظة والنصيحة قد تنفع في بعض الأحيان، وهذه النصيحة والموعظة إنْ لم تكن هناك مؤسّسات تشريعيّة تسنّ القوانين وتحفظ المصالح العامّة وتحفظ الحقوق العامّة وتحفظ الخدمات العامّة وأيضًا تمنع أيّ شخص بعنوان الفرد أو بعنوان الكيان أن يضرّ بالآخرين تشرّع القوانين وسلطة تنفيذيّة تطبّق هذه القوانين التي تحمي الأموال العامّة والخدمات العامّة وتحمي الحقوق وتمنع أيّ عنوانٍ شخصيّ أو عنوانٍ عامّ -العنوان الضيّق كما نعبّر عنه- من الإضرار بالآخرين، إنْ لم تتوفّر مثل هذه الأمور لا يُمكن للموعظة والنصيحة أنْ تؤتي ثمارها" ١٢ - جانب مهم من خطبة الجمعة ١٨ / ١٢ / ٢٠١٥.. رأي المرجعية بموقف الأطراف الدولية والإقليمية من الشأن العراقي: "إنّ خلاص العراق وتجاوزه لأوضاعه الصعبة الراهنة لا يكون إلّا على أيدي العراقيّين أنفسهم إذا ما اهتمّوا بالمصالح العُليا لبلدهم وقدّموها على كلّ المصالح الشخصية والفئوية والمناطقية ونحوها، وأمّا الأطراف الأخرى سواءً الإقليمية أو الدولية فمن المؤكّد أنّها تلاحظ في الأساس منافعها ومصالحها وهي لا تتطابق بالضرورة مع المصلحة العراقية، فليكن هذا في حسبان الجميع". ١٣ - جانب مهم جدًا من خطبة الجمعة ١٣ / ٣ / ٢٠١٩ المرجعية الدينية العليا تؤكد على أهمية استقلال العراق من التدخلات الخارجية .. (إنّنا نعتزّ بوطننا وبهويّتنا وباستقلالنا وسيادتنا وإذا كنّا نرحّب بأيّ مساعدةٍ تقدّم لنا اليوم من إخواننا وأصدقائنا في محاربة الإرهابيّين ونشكرهم عليها، فإنّ ذلك لا يعني في حالٍ من الأحوال بأنّه يمكن أنْ نغضّ الطرف عن هويّتنا واستقلالنا، ولا يمكن أن نكون جزءًا من أيّ تصوّراتٍ خاطئة في أذهان بعض المسؤولين هنا أو هناك.) ١٤ - جانب مهم من بيان المرجعية الدينية في ١٤ / ٦ / ٢٠١٩: (ولكن بعد أنْ وضعت الحرب أوزارها وتحقّق الانتصارُ المبين وتمّ تطهير مختلف المناطق من دنس الإرهابيّين دبّ الخلاف من جديد - مُعلَناً تارةً وخُفْياً تارةً أخرى- في صفوف الأطراف التي تُمسك بزمام الأمور، وتفاقم الصراع بين قوى تريد الحفاظ على مواقعها السابقة وقوى أخرى برزت خلال الحرب مع داعش تسعى لتكريس حضورها والحصول على مكتسبات معيّنة، ولا يزال التكالب على المناصب والمواقع -ومنها وزارتا الدّفاع والداخلية- والمحاصصة المقيتة يمنعان من استكمال التشكيلة الوزاريّة، ولا يزال الفساد المستشري في مؤسّسات الدولة لم يُقابلْ بخطواتٍ عمليّة واضحة للحدّ منه ومحاسبة المتورّطين به، ولا تزال البيروقراطيّة الإداريّة وقلّة فرص العمل والنقص الحادّ في الخدمات الأساسيّة -باستثناء ما حصل مؤخّرًا من تحسّنٍ في البعض منها- تتسبّب في معاناة المواطنين وتنغّص عليهم حياتهم، ولا تزال القوانين التي منحت امتيازاتٍ مجحفة لفئاتٍ معيّنة على حساب سائر الشعب سارية المفعول ولم يتمّ تعديلُها، كلّ ذلك في ظلّ أوضاعٍ بالغة الخطورة في هذه المنطقة الحسّاسة، وتصاعد التوتر فيها بعد فترةٍ من الهدوء النسبيّ لانشغال الجميع بالحرب على داعش ...) - هذا بالإضافة إلى ما ورد من مطالب أكدتها المرجعية في بيانها الصادر في ٢٥ / ١٠ / ٢٠١٩ وكما ورد في نص البيان: وهناك العديد من الاصلاحات التي تتفق عليها كلمة العراقيين وطالما طالبوا بها، ومن أهمها: 1- مكافحة الفساد وإتّباع آليات واضحة وصارمة لملاحقة الفاسدين واسترجاع أموال الشعب منهم. 2- رعاية العدالة الاجتماعية في توزيع ثروات البلد بإلغاء أو تعديل بعض القوانين التي تمنح امتيازات كبيرة لكبار المسؤولين وأعضاء مجلس النواب ولفئات معينة على حساب سائر أبناء الشعب. 3- اعتماد ضوابط عادلة في التوظيف الحكومي بعيدًا عن المحاصصة والمحسوبيات. 4- اتخاذ إجراءات مشددة لحصر السلاح بيد الدولة. 5- الوقوف بحزمٍ أمام التدخلات الخارجية في شؤون البلد. 6- سنّ قانون منصف للانتخابات يعيد ثقة المواطنين بالعملية الانتخابية ويرغّبهم في المشاركة فيها. فلعمري، لئن كان مؤمن آل فرعون نصح لقومه وأبلغ في الدعاء لقد نصحت لهؤلاء وأبلغت لو نفع النصح والإبلاغ.

اخرى
منذ 5 أشهر
177

السجن والسجين والسجان

بقلم: حسين فرحان يُدعى بالرشيد ولم يكن رشيدًا.. حسبه في السفاهة والغي وانتفاء الرشد -وهو الحريص على ملكه- ما تبجح به قائلًا لولده: «لو نازعتني في الملك لأخذتُ الذي فيه عيناك». أنى له الرشد وقد سرق الصفة من قاموس الفضائل وادعى ما ليس فيه، كما ادعى ما ليس له حين مشى متبخترًا في أروقة القصور ينعته الناعت بإمرة المؤمنين فصدّقَ اللا أمير أنه أمير.. رؤيتان في منام أبناء الملوك لم تنفعاهما في كف الأذى عن العبد الصالح، ولو أنهما كانا من أهل الإنصاف لانتفعا بأحسن القصص من محكم التنزيل، ولانتفعا من نور سمي الكليم وحكمته كانتفاع ملك مصر حين أطلق الجمال اليوسفي يستنقذه وشعبه من سنوات شداد عجاف، لكنها آفة العرش وعشق الملك تلقي بهما في الخطيئة الكبرى بحق حجة الله في أرضه. لم يكن المهدي العباسي مهديًا حين ضيق على الإمام وحبسه ورغم أنه رأى في منامه الإمام عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام) وهو يقول: يا محمّد! « فَهَلْ عَسَيْتُم إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدوا في الأرْضِ وَتقطّعوا أرْحامَكُمْ! ».. فاستمر بالتضييق عليه حتى بعد تلك الرؤيا رغم أنه أطلق سراحه. ولم يكن الرشيد رشيدًا وهو يجدد حبس الإمام رغم أنه رأى فيما يرى النائم (إني رأيت الساعة في منامي، كأن جيشا قد أتاني، ومعه حربة، فقال لي: إن لم تخل عن موسى بن جعفر الساعة، وإلا نحرتك بهذه الحربة) .. لكنها نزوة السلطة وحب الرياسة التي لا يهمه لو أنه يحارب الرسول لأجلها. المحنة مع هارون هي الأشد مضاضة على العبد الصالح، حيث ابتدأت مع أول حج لهارون بعد أن تولى الخلافة، عندما ذهب لزيارة قبر الرسول (صلى الله عليه وآله)، ووقف أمام القبر الشريف وسلّم عليه قائلًا: "السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا ابن العم!" مفتخرًا بذلك على من معه بقرب نسبه من رسول الله (صلى الله عليه وآله). فما كان من الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) الذي كان حاضرًا وقتها إلا أن سلّم على الرسول قائلًا: "السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبه!" فتغير وجه الرشيد على الفور، وبان الغيظ فيه. لكنه أراد أن يكبته، فقال للإمام (عليه السلام): "هذا الفخر يا أبا الحسن حقًا!". كانت هذه الحادثة سببًا من أسباب التضييق على الإمام وحبسه، مع دوافع أخرى أظهرها اللا أمير أو أضمرها. وأما العزم على قتله (عليه السلام).. مع ما أظهروه وأضمروه حادثة عزمهم على رد فدك.. ويذهب "ابن شهر آشوب" إلى أن هارون إنما كان يريد إرجاع "فدك" إلى موسى الكاظم (عليه السلام)، وكان الإمام يأبى ذلك، ولما ألح عليه الرشيد، طلب الإمام أن يأخذها بحدودها، ولما سأله الرشيد عن حدودها قال: الحد الأول عدن، والحد الثاني سمرقند، والحد الثالث إفريقية، والحد الرابع سيف البحر، مما يلي الخزر وأرمينيا، فغضب الرشيد وقال: فلم يبق لنا شيء، فتحول عن مجلسي، فعند ذلك عزم الرشيد على قتله. لم يكن السجن واحدًا ولا السجان.. فالبصرة وسجنها وحبوس عيسى بن جعفر، والفضل بن ربيع، والفضل بن يحيى البرمكي، ثم السندي بن شاهك وطامورته التي لا يعرف فيها الليل من النهار.. حلق القيود.. ورض الساق.. وانحناء الجسد الشريف.. ورسالة تطرق مسامع اللا أمير: "إنه لن ينقضي عني يوم من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء، حتى نفضي جميعًا إلى يوم ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون". كان الختام برطب دست فيه يد الخلافة الظالمة سمومها ليكتب (عليه السلام) إلى أحد أصحابه وهو عليّ بن سويد كتابًا جاء فيه: "إنّ أوّل ما أُنهي إليك نفسي في لياليَّ هذه, غير جازع ولا نادم, ولا شاكٍّ فيما هو كائن ممّا قضى الله وقدّر وحتم". موعد على الجسر ببغداد... وجنازة ملقاة يُنادى عليها بذل الاستخفاف... حجة الله لم تحجبه السجون... كانت فيوضات نوره تملأ الدنيا، وكان السجن موضع تلك السجدة الطويلة والتضرعات المتصلة «اللهم إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللهم وقد فعلت ، فلك الحمد». وما يزال كاظم الغيظ بابا للحوائج وطبيبا للفقراء وحجة الله ونوره وبرهانه.

اخرى
منذ 6 أشهر
162

كربلاءُ مقدسةٌ رغم أنوفكم..

بقلم: حسين فرحان إنْ كنت أيُّها (المدني المتحرر) لا ترى قدسيةً لكربلاء فهذه مشكلتك أنت، وعقدتك أنت وعقدة من هم على شاكلتك، فالذي تراه لا يعني أنَّه صحيحٌ بالضرورة. إنْ كنت أيُّها الرويبضة الناعق وراء كلِّ معتوهٍ خرفاً لا ترى قدسيتها فهذا لا يعني أنها غير مقدسة إذ لا اعتداد بما تردد كما لا اعتداد بمن يُلقنك ثقافة الانحلال. ذات يومٍ أنشد الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم - وهو من نسل الوزغ - أبياتًا حين أخذ المصحف وفتحه فكانت أول آيةٍ: "واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيدٍ"، قال‏:‏ "أتتوعدني؟" علّقه ولا زال يضربه بالنشاب حتى خرقه ومزقه وهو ينشد‏:‏ أتوعد كل جبار عنيد * فها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل يا رب مزّقني الوليد يا ترى هل كان هذا الوزغ الصغير يعتقدُ بقدسية القرآن؟ وهل أنَّ نباله التي مزقته وأبيات شعره التي تشدق بها نفت القدسية عن كتاب الله؟ فاليدُ التي أطلقت النبال تقابلها أيادٍ لا تمس أحرفه دون وضوء .. وذات يومٍ (أيُّها المدني المتشنج) رُميَتِ الكعبة بالمنجنيق عندما تولى يزيد بن معاوية الخلافة وذلك في سنة ٦٤ للهجرة، فهل إنَّ استهتار ابن هند نفى عن الكعبة قدسيتها؟ وذات يومٍ (يا دعاة التحرر) استباحت الحركة الوهابية مدينة كربلاء فقطعت الرؤوس بنزعتها الوحشية التي جبلت عليها وانتهكت حرمة كلِّ شيءٍ فيها، فهي بنظرهم ليست مقدسة.. فهل سقطت قداستها بفعل الوهابية من أعين عشاقها؟ القضيةُ هي ليس ما تعتقده أنت وما نعتقده نحن، فالقداسةُ اعتقادٌ وعليك أنْ تحترمه، ولو أننا لم نجد في عقيدتك (أيها المثقف!) شيئًا مقدسًا، لكن عليك أنْ تقف عند حدك عندما ترى من يعتقد بقدسية المكان والزمان والرموز .. لا تحتقن لمجرد الاحتقان ولا تتشنج لمجرد التشنج، ولو أننا سلّمنا بأنّك إمعة وذيل للثقافات المستوردة لكن مع ذلك ندعوكَ للكف عن التطاول على ما نعتقد به. من حيث المبدأ نحن نؤمن بأنّك (مغسول المخ) وقد تقطّعت أوصال ثقافتك وتمزقت على أعتاب تلك الثقافات الداعية للانحلال، لكن ما يؤلمنا حقًا هي تلك الأصوات التي رافقت صوتك فصارت تُردد مقالتك البائسة وصارت تنبش في ذاكرة اليوتيوب والفيس بوك لتخرج علينا بأمثلة لانتهاكات هنا وأخرى هناك لم تقابل بردود أفعال كالتي قوبلت بها افتتاحية ملعب كربلاء.. وقد كان هذا متوقعًا، فتدوير النفايات أمرٌ اعتاد عليه دعاة التحرر وبؤساء الفكر.. صار البعضُ يتبجح فيسأل عن حدود قدسية هذه الأرض .. هل هي المدينة القديمة؟ هل هي منطقة الحرمين؟ هل هي كلّ المحافظة؟ وما هي إلا محاولات لتجزئة الأرض وتهيئتها لاستقبال الانحلال .. صار البعضُ يستعين بأمثلةٍ لحوادثَ وقعت هنا وهناك يرى فيها انتهاكا للقدسية التي نؤمن بها دون فهمٍ بأنَّ الحوادث المسيئة التي تقع في الأماكن المقدسة لا تعني أنّها بلا قدسية .. إذ ينبغي الفهم والإدراك - والكلام موجه إلى من ركب الموجة دون وعي - بأنَّ نبال الوليد التي مزقت القرآن لم تفقده قداسته .. يسألونك عن كربلاء .. ويسألونك عن هذه الأرض فتأمل: - روي عن الإمام السجاد (عليه السلام)، أنّه قال: «...اتّخذ الله أرض كربلاء حرمًا آمنًا مباركًا، قبل أن يخلق الله أرض الكعبة ويتّخذها حرمًا بأربعة وعشرين ألف عام، وأنّه إذا زلزل الله (تبارك وتعالى) الأرض وسيّرها، رُفعت كما هي بتربتها، نورانية صافية، فجُعلت في أفضل روضة من رياض الجنة، وأفضل مسكن في الجنة، لا يسكنها إلّا النبيون والمرسلون ـ أو قال: أُولو العزم من الرسل ـ وأنّها لتزهر بين رياض الجنة كما يزهر الكوكب الدرّي بين الكواكب لأهل الأرض، يغشى نورها أبصار أهل الجنة جميعًا، وهي تنادي: أنا أرض الله المقدّسة الطيبة المباركة، التي تضمّنت سيد الشهداء، وسيد شباب الجنة». - روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: «...خلق الله كربلاء قبل أن يخلق الكعبة بأربعة وعشرين ألف عام، وقدّسها وبارك عليها، فما زالت قبل أن يخلق الله الخلق مقدّسة مباركة، ولا تزال كذلك، وجعلها الله أفضل الأرض في الجنة». - روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «...شاطئ الوادي الأيمن الذي ذكره الله (تعالى) في القرآن هو الفرات، والبقعة المباركة هي كربلاء» . قد لا تلائم الأحاديث الواردة أمزجة البعض، وهي بكلِّ تأكيد غير موجهة إليهم فمن آمن بأنَّ الدين أفيون الشعوب وأنَّ الطبيعة هي من تكفلَت بخلق كلِّ شيءٍ وآمن بالصدفة التي تأسس بها الكون ولم يترحمْ يومًا على ميتٍ إلا بعبارات (المجد والخلود) لا تنفع معه مقدمات تستند إلى معتقدات دينية، لكنّه كلامٌ موجهٌ إلى هذه الإمعات الناطقة بغير فهمٍ ووعي رغم انتمائها للمنظومة الدينية والمذهبية لكنّها في اللحظة التي ارتفعت بها موجة (دعاة الانفتاح) فقدت أدواتها الفكرية التي ينبغي امتلاكها لتقف بوجوه هؤلاء وتقدم اعتقادها بقدسية هذه الأرض على كلِّ اعتقادٍ آخر مزيف يدعو لسلبِ ثقافتنا التي نعتز بها مستعينًا بأمثلةٍ باليةٍ وشواهدَ لوقائع تحدث في كلِّ مدن العالم - المقدسة وغيرها - وتعميم حكمٍ جائر يؤسس لثقافةِ الجدل البيزنطي الذي لا طائل منه. كربلاءُ مقدسةٌ.. اعتقدتم بذلك أم لم تعتقدوا .. وعدم التفات المسؤول إلى ما يتنافى وقدسيتها لا يعني أنَّها أرضٌ مباحةٌ، وعرضةٌ للانتهاك .. ويا حبذا لو استمات (دعاة التحرر) في الدفاع عن وطنهم حين احتلت أرضه قبل أعوام كاستماتتهم اليوم في الدفاع عن عازفة الكمان المستوردة.

اخرى
منذ 5 أشهر
112