Profile Image

شفاء طارق الشمري

بدايةُ النهاية

بقلم: شفاء طارق الشمري في الكوفة: بعدَ كثرةِ الهتافاتِ التي تعلو بذكر الحسين (عليه السلام)،ومبايعة أهل الكوفة لمسلم، كتب الأخير قائلًا: "أما بعد: فإنَّ الرائدَ لا يُكذِبُ أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا، فعجِّل حين يأتيك كتابي فإنّ الناسَ كُلَّهم معك، ليس لهم في يزيدَ بن معاوية رأيٌ ولا هوى" هذا ما خطّه مسلمُ بن عقيل في رسالتهِ التي تحملُ بين طيّاتِها معاني الأمل والتشجيع على المبادرة بالعمل والتوجه نحو الكوفة. تغادرُ هذه الرسالة الكوفة لتصل بين يديّ الحسين (عليه السلام).. في مكةَ: ينتظر الإمامُ رسالةَ سفيره مسلمٍ ليُعلِمَه فيها بأوضاعِ الكوفة. رأى الإمامُ في الرسالة صوتَ الهتافِ يعلو من بين أسطرِها، ولهفةَ الناس وهي تدعوه: أنْ أقبل علينا. يشدُّ أبو عبد الله الرحال، ويستعدُّ للسفر؛ ليلتقيَ بابنِ عمِّه الوفي، وبشيعته المنتظرين قدومه بفارغ الصبر واللهفة.. في الكوفة: مسلمٌ يقول في رسالته للحسين (عليه السلام): "ثمانية عشر ألفًا"، لكن لماذا نجدُ مع الحسين (عليه السلام) أقلَّ من مئة؟ أين ذهبت تلك الألوف؟ الحسينُ قادمٌ إلى الكوفة، ومسلمُ يستعدُّ لاستقبالِ ابن بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله).. لكن ما بين ليلةٍ وضحاها، يلتفتُ مسلمُ إلى الثمانيةِ عشر ألفًا الذين كانوا معه، والذين قد أخبر الإمام الحسين (عليه السلام) عنهم، فلا يجد منهم أحدًا.. يلتفتُ ليجدَ نفسه وحيدًا تحتَ سماءِ الكوفة.. لكن كيفَ تفرّقت عنه هذه الجموع الكثيرة؟ كيف تخلّوا عنه؟ ماذا عن تلك الكلمات؟ وتلك الهتافات بـ "لبيك يا حسين"؟ مسلمُ الذي كانت معه تلك الآلاف تسيرُ خلفه وتهتفُ باسم "الحسين" وتستعدُّ لأن تُفدي ابن الرسول بنفسها، لكن ... اليومَ تفرقتْ بإشارةٍ من ابنِ مرجانة ببريقِ لمعانِ الذهب يبيعُ أشباهُ الرجالِ دينهم ومروءتهم وحميتهم ها هو مسلمُ يسيرُ وحيدًا في ليلةٍ قمريةٍ في الكوفة حيثُ اعتلى القمرُ السماءَ وبرقَ بين النجوم كان مسلمُ ينظرُ إليه فيتذكر القمرَ المُشعَّ في مكة وفي بني هاشم "أبا الفضل العباس" هدوءٌ، وسكونٌ، وكأنّه يسيرُ في مقبرةٍ موحشةٍ، غربةُ ألمٍ في الكوفة "الكوفةُ" تلك العجوزُ البائسةُ والغادرةُ بأهلِها، تُصفِّقُ وتُرحِبُ بكلِّ من يأتيها، ولا تعرفُ الحقَّ من الباطل، وتقلب الباطلَ إلى حقٍّ فتُضلّ أهل الحقيقة كان مسلمُ ينظرُ إلى الكوفةِ ببأسٍ، ويتوعَّدُ ما سيجري عليها بالويل والثبور لكنّه ترك أمرَ غربتِه جانبًا وسيره وحيدًا في أرجاء الغربة وردّد قائلًا "الحسين" هل وصلت الرسالة إليه؟ مكة: الحسينُ (عليه السلام) يتركُ مكةَ ليذهب إلى شيعته الأوفياء، لكن أيّ وفاء؟! الأوفياءُ الذين باعوه وباعوا دينهم وباعوا سفيرَ إمامِهم الحسين (عليهما السلام). الحسينُ يودِّعُ الكعبةَ بعد أن ودّع قبلاً قبرَ جدِّه المصطفى (صلى الله عليه وآله) الحسينُ قيل له: بايعْ يزيدَ، قال بقوة وشموخ ولم يهاب أحدًا: "مثلي لا يُبايع مثله". الكوفة: أرادَ مسلمُ أنْ يوصل رسالةً للحسين (عليه السلام) يُخبره فيها بعدم وفاء أهل الكوفة الذين غدروا به وحتمًا سيقتلونه، فلا وفاءَ لمثل هؤلاء. أراد مسلمٌ أنْ يمنع الحسين (عليه السلام) من إكمالِ طريقِه إليهم. لكن جرى القلمُ وشاء القدرُ وكتب في صحف القدس "شهادة مسلم بن عقيل "، وقربان "الحسين بن علي" إلى السماء .. الكوفة: ها هو مسلمُ يركبُ في ركبِ المسافرين مودعًا حياةً لم يأبه لها يومًا ... ها هو مسلمُ يقفُ فوقَ قصرِ الإمارة وينظر إلى الكوفة، وهي تجلس لتتهيأ لعزائه وتندبه ... آهٍ ..من غدركِ، تُقدّمُ الصالحين إلى الموت، ثم تتهيأ لتتّشحَ بالسواد، وتبدأ بالنحيب! ها هو يقفُ عندَ أعتابِ الزمانِ مودعًا وينظرُ إلى الدنيا محتقرًا ونحو مكةَ متجهًا بكلِّ حبٍّ وولاءٍ قائلًا: "السلامُ عليك يا أبا عبد الله الحسين" كيف ستُقبلُ يا حسين إلى الكوفةِ وليس لك فيها من ناصرٍ ولا معين، ستذهبُ يا حسين وستجدُهم يستقبلونك بالسيوف والرماح، وتراهم ينثرون الأرضَ وردًا وريحانًا ليزيد وابن زياد، يدعونك ثم يقتلونك فواويلاه من هكذا رزيةٍ عظمى ... لا تأتي يا حسين .. مكة: وفي طريقِ الحُسين إلى موكبِ الملكوت يسيرُ مع إخوته وأولاده ونسائه وأطفاله أحدُهم يوقفُ الحسين قائلًا: "لِمَ تصحبُ النساء والأطفال معك؟" الحسين يُجيب: "شاء اللهُ أنْ يراني قتيلًا، ويراهم سبايا" ما أعظمَك يا حُسين، بل تصاغرتْ أمامَك حروفُ العظمةِ فما أعظمَ كلمات العظمة التي تنطقُ بها حروفُك العظيمة. بعدَ السيرِ لمسافاتٍ ينظرُ الحسينُ (عليه السلام) إلى الكعبة نظرةً أخيرة ... وإلى قبرِ المصطفى رسول الانسانية ... ولسان حاله يقول: "إنْ لم يستقِم دينَ محمدٍ إلا بقتلي فيا سيوف خذيني" وفي طريقهم إلى الكوفة الغادرة سأل الحُسينُ (عليه السلام) الفرزدق عن الأوضاع، فلخّص الفرزدقُ له الحكاية بأربعِ كلماتٍ حيث قال: "القلوبُ معك والسيوفُ عليك" ولكن هل انتهت الحكاية؟ وهل كسر التاريخُ أقلامه وأغلق كتبه؟ بل هُنا بدأتْ حكايةُ بداية النهاية وانتهت البداية.. النهايةُ التي وضعها الحسين (عليه السلام) لتبدأ بدايةُ الخلود الأبدي، لأسماءٍ شاء الله (تعالى) أنْ تُرفعَ وتُنير السماء، النهايةُ التي وضعها الحُسينُ (عليه السلام) حتى تُرفع الأقلامُ لتكتب، وتُرفع السيوفُ لتحارب، وتُرفع الأصواتُ بوجهِ الطغاةِ لترفع صوت الإباء.. يزيدُ كان يرى بقتلِ الحسين (عليه السلام) نهايةً لمن يرفعُ صوته ويشهرُ السيف بوجهه ويُعارضُ حكومته، لكنّه اكتشف أنّها ليست النهايةَ بل هي بدايةٌ لكتابِ الثورةِ الذي وضعه الحسين (عليه السلام) لكلِّ ثائرٍ حُرٍّ رفضَ العيشَ مع الظالمين والاستعباد تحت ظلِّ حكمهم. يزيد رأى أنْ يضعَ نهايةً لقصةِ الحسين (عليه السلام) الثورية، لكنّه وجد أنْ بدايةَ الحكاية ما كانت إلا من مسلمٍ الذي علَّمَ الناسَ معنى الفداء، فكان أولَ شهداءِ هذه الحكاية التي كان عمرُها بعمرِ الشموع التي أوقدت في كربلاء، فأطفأها الحسين (عليه السلام) حيث قال: هذا الليلُ ساترٌ.. طالبًا منهم أن يتركوه، حيثُ طلب من كلِّ رجلٍ من أصحابه أنْ يأخذَ بيدِ رجلٍ من أهلِ بيته. وابتدأت حكايةُ الحسينُ بدمِ مسلمٍ الزكيّ حيث خطَّ بدمه بداية الحكاية، وأكمل الحسين باقي كتاب الخلود هذا ما رآه يزيد في حكاية الحسين (عليه السلام). أما الحسين (عليه السلام) فقد رأى في ثورته بدايةً لقرنٍ جديدٍ من الزمن، تفتتحُ به عقول البشرية على نورِ الحقيقة فتخرج من ظلماتِ يزيد وطغيانه إلى نور الحسين (عليه السلام) وإشراقة شمسه الخالدة... كان يرى أنّ سرَّ النهاية في كلِّ قصةٍ هو ما يبدأُ به القصة. وسرُّ النهايةِ في البداية. وقد ابتدأت قصةُ الحسين (عليه السلام) من النهاية التي ظنَّ يزيد أنّها نهايةُ الحسين (عليه السلام)؛ لكنّها لم تكنْ سوى البداية فلو كانت النهايةُ في حكايةِ الحسين (عليه السلام) هي استشهاده لما وجدنا له أثرًا اليوم يذكر. وكانت ثورةُ الحسين (عليه السلام) بدايةً لنهايةِ كلِّ ظالمٍ حاولَ كسرَ الضعفاء وسلبَ حقوقهم، وتذكرةً لكلِّ طاغٍ مستبدٍ وظالم: أن اعرف ما كانت نهاية الظالم في حكاية الحسين (عليه السلام).. وكانت بدايةً لكلِّ من أراد أنْ يشقَّ طريقه ليعرفَ مبادئ الإسلام وحقيقته، كانت بدايةً لكلِّ صاحبِ مبدأٍ وعزةٍ، لكلِّ إنسانٍ لديه إنسانيةٌ وكرامة. الحسينُ (عليه السلام) جعلَ من الموتِ حياةً، ومن الحياةِ موتًا إنْ كانت مع الظالمين.. فأحيانًا يكونُ الموتُ هو بدايةٌ للحياةِ، بدايةٌ لحياةِ الخلود، بدايةٌ لمعرفةِ الحقيقة.. فكمْ من نهايةٍ ظنّوا أنّها نهايةٌ، فلم تكن إلا بدايةً، فكانت بدايةُ النهاية بدايةً.

اخرى
منذ سنة
631

سلسلة تبصرةُ القلوبِ (الحلقة 1)

بقلم: شفاء طارق الشمري أغلق عقلكَ عن تلكَ الشبهات، انظر جيدًا إلى الضوءِ المنبثق من أئمة النور، أغلق عينيكَ وأذنيكَ عن رؤية وسماع أهل الضلال الذين يُحاولون أن يضعوا غشاوةً على القلوبِ تمنع رؤية الحقائق، اجعلْ قلبكَ بصيرًا بنورِ المعرفةِ.. واعلم أنَّ الكتب والبحوث التي تتحدث عن البصيرة تتلخصُ في معرفة علي (عليه السلام)؛ حيث عرفَ مفهومُ البصيرة من ذلك اليوم الذي رفع فيه الرسول (صلى الله عليه وآله) يده (عليه السلام)؛ فتفرقت الجموع، وعُرِفَ أهلُ الحقِّ من أهلِ الباطل، كما انفلق البحر لموسى (عليه السلام) فأنجى اللهُ (تعالى) المؤمنين وأغرق فرعونَ ومن معه من الكافرين، كذلك انفلقتِ الأمّةُ فنجى أهلُ البصيرة الذين اتبعوا النهج العلوي، وخسر أهلُ الحنقِ والغيظِ فغرقوا ببحر ِضلالتهم. البصيرةُ: أنْ تكونَ مع عليٍ (عليه السلام) يومَ الغدير، وتُبايعه بالولاء، ولا تتظاهرْ بالحُبِّ له وأنت مُبغضٌ له. البصيرةُ تعني أنْ تقفَ إلى جانبِ علي (عليه السلام) وقتَ ما كانوا تحتَ السقيفة يرفعون التكبيرات ليبايعوا غيره.. من تفتّحَ قلبُه على الحقيقة هو من يقفُ إلى جانبِ علي (عليه السلام)؛ فالبصيرةُ ذاتُ مفهومٍ عميقٍ للغاية، فأنتَ حينما تقفُ عند أعتابِ الحقِّ والباطل، فأنت مُخيرٌ بين الاثنين، مُخيرٌ أنْ تكونَ مع الحقِّ أو الباطل، إما مع حقِّ علي (عليه السلام) أو باطلِ مُبغضيه.. عليٌّ مع الحقِّ فأبصِروا حقيقةَ الحقِّ بعلي واعرفوا الباطلَ من أعداءِ علي فلا حقَّ يُعرَفُ إلا بعلي وقد جعلَ اللهُ (تعالى) كمالَ الدينِ بولاية علي وتلا الرسولُ آيةَ الكمالِ وهو مُمسِكٌ بيدِ حيدر الكرارِ قائلًا: "اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا".

اخرى
منذ 11 شهر
435

مَن ميثمُ زماننا؟

بقلم: شفاء طارق الشمري ذلك التمّارُ البسيطُ الذي لا تنظر إليه إلا وتشعر بالود والاحترام، وجهُهُ النوراني وملامحُه الوقورة وهدوؤه، يسيرُ في الكوفة فجرًا مبتسمًا لنسيمها العليل، جوها الهادئ لا تسمع فيه إلا أصواتَ المُصلين والقائمين ليلهم.. كان يبتسم لهذا اليوم؛ فنسيمُ الفجرِ كان خاليًا من أنفاسِ المنافقين، لكن يعتصرُ قلبُه ألمًا عندما يرى قصرَ الإمارة الذي تعلوه أصواتُ الطرب والغناء وتفوحُ منه رائحة الخمر. سار ميثم كعادته ليسقي نخلته التي لم تكن نخلةً فقط بل هي صديقته التي يعلم أنها ستحمله يومًا في شدته. جلس عند النخلة وأسند ظهره وبدأ يستذكر أيامَه الجميلة مع معشوقه، ومناجاةَ ذلك البليغ في جوف الليل في صحراء مظلمة، وعدْلَ من لم ينم يومًا خوفًا أنْ يكون هناك يتيمٌ جائعٌ. كان معشوقه أميرًا ولكنه كان فقيرًا، لم يكن ممن يرتادون القصور بل كان يسكن في بيتٍ بسيطٍ ليجلس على كرسي القضاء، ويحكم بالعدل بين الناس. آهٍ ما أروعك يا أمير المؤمنين .. تعلّم ميثمُ من فيضِ المدرسةِ العلوية علومًا كثيرةً، وكان كثيرًا ما يسمعُ ويحفظُ من كلامِ أمير المؤمنين (عليه السلام). وفي يومٍ ارتقى ابن زياد المنبر طاعنًا بالعترة واصفًا الحسين (عليه السلام) بالخارجي، اعترضه ميثم وبات يتحدثُ عن أهل البيت (عليهم السلام)، فرُميَ في السجن، لم يكن سجنًا لميثم بل كان مكانًا لعشاقِ أهلِ البيت (عليهم السلام)، كالمختار الثقفي وغيره. لقد أصبح هذا السجن مأوىً وبيتًا للشيعة أعدّه ابنُ زيادٍ لهم.. وهناك، دارَ الحوارُ بين ميثم والجلّاد عما أخبره به أميرُ المؤمنين (عليه السلام) عن جلده وصلبه، فقتلوه وقطعوا يديه ورجليه ولسانه وفاضت روحه الطاهرة العاشقة لله (تعالى) لتلقى معشوقها في جنة الفردوس. هكذا هي قصصُ العاشقين، وقصةُ ميثمَ قصة عشقٍ لا تنتهي، فقد وصل به حبُّ الأمير (عليه السلام) إلى أنْ قالوا عنه مجنون، وختم كتاب قصته بدمه الطاهر ليُدعى بعاشق حيدر. يا تُرى متى نكتبُ قصةَ عشقنِا مع أمير هذا الزمان؟ وماذا سنكتب؟ هل كنا مع إمامِ زماننا كميثمَ مع إمام زمانه؟ أين ميثم زماننا ؟ صاحبُ الزمان (عجل الله فرجه) يُريدُ منا أنْ نكونَ كميثم، لا أن نطعنَ بقلبه الطاهر بسيوف بني أمية.

اخرى
منذ سنة
505

كوبُ قهوةٍ

بقلم: شفاء طارق الشمري بينما كان ذلك العجوزُ جالساً على شُرفةِ منزله المُطلِّةُ على بقيةِ البنايات والتي يُمكنُه من خلالها أن يرى حركة الحياة، انتبه للكوبِ الذي بيده وقد نفدت منه القهوة. فقام متعاجزًا ليُحضِّر لنفسه القهوة؛ فهو يعيشُ وحيدًا في هذه العمارة منذُ أربعين سنة، وها قد شارفَ عمرُه على السبعين، لا عملَ له ولا عائلة، حياتُه عبارةٌ عن كوبِ قهوةٍ وشُرفةِ منزلٍ يتأملُّ بها كُلَّ صباح. فتح خزانةُ المطبخ فأخرج علبةَ القهوة منها، ثم نظر إلى علبةِ السكر فوجدها خاليةً تمامًا، ضحك وقال: يبدو أنّ عليّ أنْ أشربَ القهوة مُرةً. ثم قال: لقد كان لديّ الكثير من السكر ولكنّي أسرفتُ في استخدامه كثيرًا. أحضر كوبَ القهوة المُر ثم تناوله بمرارة، ثم ضحك بصوتٍ عالٍ قائلًا: هذا العمر كحباتِ السكر، ضيّعتُها طوالَ حياتي، وأسرفتُ فيها حتى جاءَ اليومُ لأحس بها وبمرارتها. وعمري هذا مثل هذه الحبات ضيّعتُ حلاوتَه وسكره، والآن أعيش في مرارة ضياعه مني، ثم سقطت دمعةٌ من عينه وقال: إنّها مُرة. العبرة: لا تُضيّع لحظات حياتك الآن، ولا تسرفْ بها دونَ استغلالها بتطوير ذاتك وفي أن يكون لك كيانٌ في المجتمع، وتترك أثرًا مهمًا في حياتك وفي بلدك ومجتمعك، لا أنْ تلهو وتلعب وتُضيّع حباتِ سكر لحظاتِك وريعانِ شبابك، لتقول في النهاية: إنّها مُرة.

اخرى
منذ 11 شهر
610

حبـــةُ رمــــل

بقلم: شفاء طارق الشمري هُناكَ في صحراءٍ قاحلةٍ وحارقةٍ بشمسِ الأيامِ المؤلمةِ التي تفوحُ منها رائحةُ الدماءِ الطاهرة، رأيتُ المصيبةَ، رأيتُ الدمعةَ الساكبةَ على الوجناتِ، رأيتُ أنواعَ الآلامِ في كربلاء.. رأيت أُمّةً قتلت ابنَ بنتِ نبيها، رأيتُ أمّةً رفعتْ سيفَ الغدرِ بوجهه وهو سيّدُ الإباءِ والشهداء، رأيتُ قمةَ الحُزنِ في دموعِ تلك المرأةِ التي تقفُ في بابِ الخيمةِ، لم أعرفْ من هي إلا حين سمعتُ الإمامُ يناديها: أخيّة زينب! ولكن هل يُعقلُ أنْ تكونَ هذه زينب التي لم يكن لأحدٍ أنْ يرى ظلَّها أو يسمعَ صوتَها؟ هل يُعقلُ أنَّ زينبَ العقيلةَ ابنة علي وفاطمة تتجهّزُ لتودِّعَ أخاها الحسين وتستعدّ للسبي. لقد أحرقتْني الشمسُ بحرارتِها، وآلمتْني الأرضُ المُلطّخةُ بالدماءِ بدمائها، أسمعُ نحيبَ الأرضِ، وأقرأُ شجنَ دموعِها، وأرى السماءَ تبكي دمًا.. فالحُسينُ سقطَ صريعًا على الأرض، لم يجدْ من ينصرُه أو يُنهضه بعدَ أنْ سقطَ عن فرسهِ حين اجتمعوا حولَه بسيوفِ الشرِّ والكره، كم تعجّبتُ مما يقوله في آخرِ لحظاته: "اللهم أنتَ ثقتي في كُلِّ كربٍ ورجائي في كُلِّ شدة" يا الله! ما أعظمَ حروفِ ولائك ومناجاتِك للهِ يا حسين! للهِ درّك يا حسين! ما أروعَ الكلماتِ التي تنطقُ بها! قطعَ مناجاة الحسين مجيءُ الشمرِ اللعين، يحملُ السيفَ بيدِه وهو يقتربُ من الحسينِ ليحزَّ رأسه الشريف.. ما أقساكَ أيُّها اللعين! أتجلسُ على صدرِ الحسين وتنسى ما قالَ الرسول (صلى الله عليه وآله) في حقِّه؟! يسحبُ السيفَ ويضعُه على نحرِ الحسين ليحزّه تأتي زينبُ فيدفعَها فتسقطَ أرضًا، ففاضتْ روحُ الحسينِ الطاهرةِ إلى السماء.. كانتْ ليلةُ الحادي عشر قاسيةً عليهم، أتى صباحُ الحزنِ ليُعلِن موعد مغادرةِ ركبِ النساء والأطفال وهم مُقيّدون بالحبالِ يُضربون بالسياط.. لقد غادروا جميعًا، غادروا تاركينَ الأجسادِ على هذهِ الصحراءِ الحارقة، مضى يومٌ، اثنان، ثلاثُ.. بقيتِ الأجسادُ ثلاثَةَ أيامٍ في العراء لم تجف حينها الدماءُ في الصحراء! وهذه الرمالُ ما زالتْ تبكي على الحسين (عليه السلام) هدوءٌ خيّمَ لثلاثةِ أيامٍ؛ فلا تسمعُ فيه إلا صوتَ ملائكةٍ تبكي وتندبُ، مشعثة مغبرة. كسرَ هذا الهدوءَ صوتُ نساءٍ يبدو أنّهن أتينَ لأخذِ الماءِ من الفرات، أو لأمرٍ آخر.. وصلتِ النساءُ لترى الجثثَ على الأرضِ ملطخةً بالدماء.. لطمنَ على الوجوه وأجهشن بالبكاء، ثم رحلنَ مُسرعاتٍ... وبعد وقتٍ ليس بالطويل جاءَ جمعٌ من الناسِ وتوجّهوا نحوَ الجُثثِ وقد عرفوا أنّ ها هنا الواقعة.. بكوا ولطموا ثم قرّروا أنْ يدفنوا الأجسادَ الطاهرة ... أرادوا حملَ جسدِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)، فاجتمعوا جميعًا لكنّهم لم يستطيعوا.. وبينما كانوا يُحاولون جاءَ أحدُهم ليقولَ: إنّ إعرابيًا قادم إلى هنا، فخافَ القومُ أنْ يكونَ من عصابةِ ابنِ زياد فاختبأوا، وصل الإعرابيُ مُلثمًا. وصل إلى جسدِ الحُسين (عليه السلام) فأجهشَ بالبُكاءِ حتى ابتلَّ لثامه... كانت دموعُه الحارقةُ تسقطُ كالمطرِ في ليلةٍ حزينة.. عَلِمَ القومُ أنَّ هذا الشخصَ يمتُّ إلى أصحابِ الجُثثِ بقرابةٍ... تقدّمَ القومُ ليُساعدوه بالدفنِ ... حفروا حفرةً لدفنِ الجسدِ الحُسيني، ووضعوا معه علي الأكبر والرضيع.... ثم بدأ يبحثُ الإعرابي في الأرضِ، ذهب يمينًا وشمالًا ... وعندما سألوه أجاب: أبحثُ عن خنصرِ الحُسين ... فأجهشَ القومُ بالبُكاء.. أذكرُ كيفَ جاءَ اللعينُ ليسلبَ الخاتمَ من يدِ الحسين (عليه السلام)... وعندما لم يستطعْ أخذه من إصبعِ الإمامِ قطعَ خنصرَه الشريف ... إنّها مشاهدُ قاسيةٌ على الحجرِ، فكيفَ بمشاعرِ البشر؟! كيفَ بمشاعرِ النساءِ والأطفال؟! كيف بمشاعرِ رقيةَ وهي ترى أباها مسلوبَ العمامةِ والرداء؟! كيف بقلبكِ سيّدتي زينب، وأنت ترين الحسينَ مقطعًا بسيوفِ الغدر والغل؟َ! ثم خط هذا الإعرابي بيدِه وكتبَ: (هذا قبرُ الحُسين بن علي المظلوم الشهيد). آهٍ.. وهل جاءَ اليومُ ليضعوا الترابَ عليك يا حسين؟ وهل يدفنُ الترابُ جودَك وذكرَك؟ لا والله، يدفن جسدك، وتبقى روحك واسمك عزاءً في قلبِ كُلِّ مُحبٍّ يذكرُك. ثم حفروا حفرةً ووضعوا فيها الشهداء.. ثم دفنوا حبيبَ بن مظاهر ... ودفنوا مسلمَ بن عوسجة وباقي الشهداء، ثم توجّهَ الإعرابيُ نحو العلقمي لدفنِ جسدِ وبقايا روح الكرمِ والجودِ والإيثار وهي حروفٌ في مدرسةِ الوفاء لسيّدِ الفضلِ العباس (عليه السلام).. وهل يضمُّ الترابُ جمالَك؟ حاشا فأنتَ قمرُ النورِ في سماءِ الولاء... تقدّمَ لدفنِ بطلِ العلقمي أبي الفضل، وخطَّ عليه: (هذا قبرُ العباس بن علي بن ابي طالب). وبعدَ دفنِ كُلِّ الأجسادِ توجّهَ الإعرابيُ بالرحيلِ فسأله بنو أسد عن هويته فقال: أنا عليُ بن الحسين.. آهٍ لهذا القلبِ كيفَ تحمّلَ هذه المشاهدَ؟! ساعدَ اللهُ قلبَكَ يا سيّدي كيف صبرَ على كُلِّ هذه المصائب؟! كيفَ تحمّلَ دفنَ الهواشم؟! كيف تحمَّلَ فقدَ الأحبةِ؟! ساعدَ اللهُ قلبَك يا سيّدي يا علي السجاد وبعدما خطّ الحسينُ حكايتَه التي خلّدَها بانتصارٍ بلونِ الدم فمن حكايةِ الطفِّ إلى حكايةِ دفنِ الأجسادِ ألفُ حكايةٍ وما بعدها ألف حكاية فها هو قبرُ الحسينِ (عليه السلام) اليومَ، قد اجتمعت حولهُ الملائكةُ، وحفَّتْ بقبرِه وانبعثَ نورٌ من قبرِ الحسين إلى السماء؛ ليُعانقَ نورَ القمرِ العباسي فولاءُ أبي الفضلِ للحسين (عليه السلام) حكايةٌ خالدةٌ وبدأتِ الكراماتُ والحكاياتُ تُسجّلُ من عندِ هذا القبرِ الذي بقيَ خالدًا على مرِّ الأزمانِ فنسمعُ ونشاهدُ ونقرأُ الكثير من الكرامات الحسينية وفضل زيارة قبر الحسين (عليه السلام). لقد أعطى الحسينُ كُلَّ شيءٍ لله (تعالى) فوهبَه اللهُ (تعالى) أعلى وأرفع الدرجات وبقيتْ حكايةُ الحسين (عليه السلام) ودفن جسده وأجساد الشهداء حكايةَ خلودٍ تُتناقلُ من جيلٍ إلى جيل ستقولُ: ومن روى هذه الحكاية؟! أقولُ: "رواها من رآها"، فأنا حبةُ رملٍ من تلك الصحراء التي تلطّختْ بدماءِ الأزكياء، في أرضِ الكرب والبلاء، أنا صوتُ حزنٍ ورثاءٍ ودمعٍ ودماءٍ، أنا حبةُ رملٍ رأتْ فروتْ، أنا حبةُ رملٍ رأتْ فبكتْ وعلمتْ أنّ الدنيا لم تخشعْ ولم تُكبِّرْ إلا للحُسين

اخرى
منذ سنة
414

وَقَرِّي عَيْنًا

بقلم: شفاء طارق الشمري إنّه أقربُ ما يكونُ إلى قلبي، فهو لم يتركني أبدًا، كان دائمًا معي، وإلى قُربي، تركتُ الجميعَ من أجلِ أن لا أفترقَ عنه، أحببتُه كثيرًا.. كانَ ولا زالَ أولَ من يسمعُ مُشكلتي يُعطيني حلًا لها، عندما أحزنُ أجدُه يُعطيني من كلماتِه الدافئة التي تبعثُ في قلبي الاطمئنانَ والراحةَ. عندما أقعُ في أزمةٍ ما أجدُه ينصحُني ويعلَّمُني، يُبيّنُ لي سوءَ عملي ويُحذِّرُني.. أحيانًا أُفكِّرُ بكلماته فأجِدُها أروعَ كلماتٍ، أحيانًا أنشغِلُ عنه لكنّه يُذكِّرُني به... أغضبُ من حياتي وأبدأُ بالشكوى فأراه يُعطيني آياتِ الطمأنينةِ ويروي لي قصصَ الأنبياء (عليهم السلام).. كان ومازالَ قريبًا منّي، لم ولن أُفارقه أبدًا؛ لأنّي فعلًا لا شيء من دونه، أحيانًا أتصوّرُ لو لم يكن في حياتي، فبالتأكيد ستكونُ كلوحةِ رسّامٍ بائسٍ تلوّنتْ بالسواد. لقد بعثَ بروحي حُبّه فأصبحتُ أُحِبُّ كُلَّ ما يقولُه، أصبحتُ بفضلِه أقربَ للهِ، أصبحتُ أكرهُ المعاصي؛ لأنّه يُحذِّرُني منها. عندما كُنتُ أندُبُ إمامي صاحبَ الزمان (عجّل الله فرجه) كان هو إلى جانبي، أحببتُه حقًا، ولا أجدُ من يُزهِرُ حياتي غير هذا الرفيق والحبيب. في الوقت الذي كانتِ الفتياتُ من عمري مُنشغلاتٍ بالدُنيا وزينتِها كُنتُ أنا أتقرّبُ إلى الله (تعالى)، وهو من يُقرِّبُني إليه. كانتِ الفتياتُ يستهزأنَ بي لحُبّي له لكني لم أكنْ أُبالي؛ فالعاشقُ لا يُبالي إنْ أحدٌ تكلّمَ عن عشقهِ؛ لأنّهم لا يعرفون العشق.. وفي فجرِ أحدِ الأيام أخبرني بآيةٍ رائعةٍ، وكأنّه يُريدُ أنْ يُفرِحَني بكلماتِه الجميلة عندما رآني حزينةً لكثرةِ من يستهزأُ بديني وحُبي له (سبحانه)، إذ قال: "وَقَرِّي عَيْنًا".. أعظمُ رفيقٍ هو القرآن الكريم، ربيعٌ أزهرَ قلبي بكلماتِه، فأصبحَ منارًا لقلبي ونورًا في بلسم وجداني، إنّه ضوئي في عُتمةِ الظُلُمات، إنّه قرآني واطمئناني وشِفاءٌ لآلامي. اللهم فاجعله ربيعَ دربي وحياتي.. فتمسّكْ بقرآنك الآن واحضنه ورتِّلْ آياته، وادعُ الله (تعالى) بكلماته، واشرحْ صدرَك بآياتِه واكتبْ كُلَّ آيةٍ تُصادِفُك فتوقفك؛ لأنّها بلا شك رسالةٌ من ربِّك.

اخرى
منذ 9 أشهر
262

رؤى شجية (1)

بقلم: شفاء طارق الشمري لهبُ الحطبِ المُشتَعلِ على دارِ أُمِّها هو من أحرَق يومًا أطرافَ عباءتِها وهي تجمعُ الأطفالَ من بينَ الخيامِ المُحترقةِ.. وشرارُ النارِ المُتطايرُ يُصوِّرُ لها مُستقبلَ الطفِّ الحزينِ.. رؤيتُها لحرقِ بابِ الدارِ كانتْ تُمهِّدُ لعينيها رؤيةَ حرقِ الخيامِ.. وما بينَ النارينِ كانتْ عينان شاهدتان على حادثتين: حادثة حرقِ الدارِ، وحرقِ الخيمةِ بكربلاءِ.. أوَ هل كانتِ الخيمةُ ستحرقُ لو لم يُحرقِ الدار؟! فمن نهجِ حرقِ الدارِ حُرِقتِ الخيام، وهُتِكتِ الحُرُمات بحادثين هززْنَ التاريخَ... فما بينَ الدارِ والخيامِ حكايةٌ تُدعى: زينبُ شاهدةُ الطفّين..

اخرى
منذ 9 أشهر
262

الأُستاذُ والطالبُ الحكيم

بقلم: شفاء طارق الشمري السعادةُ والحُبُّ والمالُ، ثلاثةُ أمورٍ يبحثُ عنها الجميعُ، ولا يوجدُ أحدٌ لا يُحِبُّها، ولأهميتِها بادرَ أحدُ الأساتذةِ في أحدِ الأيامِ الى كتابتها على اللوحة وقالَ لطُلابه: واجبُكم هو أنْ تُحضِروا لي السعادةَ والحُبَّ والمالَ، لكن دونَ أنْ تُحضِروا مالًا، أو تقوموا بشيءٍ جديدٍ، ودون أنْ تدخلوا في علاقةِ حُبٍّ لتعيشوا قِصةَ حُبٍّ مُميّزةٍ.. خرجَ الأُستاذُ وتركَ الطُلاب بينَ مُتحيّرٍ ومُستهزأٍ ومُفكّرٍ.. يا تُرى كيفَ تحصلُ على المالِ دون عمل؟! وكيف تحصلُ على السعادةِ دونَ الحُبِّ؟! أو كيف تُحِبُّ دون قصة؟! في اليومِ التالي دخلَ الأُستاذُ مُبتسمًا ووجّهَ سؤالَه قائلًا: - من منكم أحضرَ أو استطاعَ إيجاد الحُبِّ والمالِ والسعادةِ؟ لم يرفعْ أيُّ طالبٍ يدَه؛ فالجميعُ لا يعرفُ الإجابةَ إلا شخصًا كان جالسًا في المقعدِ الأخير، حيث وقف قائلًا: - أنا يا أُستاذُ - كيف حصلتَ عليهم معًا؟ - من خلالِ الحُبِّ وجدتُ السعادةَ، ومن السعادةِ والحُبِّ وجدتُ المال، وعن طريقِ المالِ استطعتُ إيجادَ السعادةِ والحُبِّ، وكذلك السعادةُ فهي قد وهبتني الحُبَّ والمالَ. أثارتْ كلماتُه استغرابَ الأُستاذِ والطلابِ؛ فهي لم تكنْ مفهومةً.. فقال الأُستاذ: - هل يُمكِنُ أنْ توضِّحَ أكثرَ؟ - بحُبّي لأُمّي وأبي وأهدافي ونجاحي حصلتُ على "السعادة "، وحينما أصبحتُ سعيدًا بعملي صرتُ جيّدًا في الحصولِ على "المال ". أما المالُ فقد وهبني أنْ أشتري كُلَّ يومٍ شيئًا للفقراء فشعرتُ بالسعادة، وعندما أجريتُ عمليةً لأبي بأموالي وأنقذتُ حياتَه قبلَ أنْ يفوتَ الأوان كان ذلك هو الحُبّ فكسبتُ كُلَّ واحدةٍ من الأخرى: الحُبُّ والمالُ والسعادة. كما عرفتُ أنَّ المالَ من القناعةِ والدراهمِ القليلة فعُدتُ لا أُبالي إنْ كانَ لديّ فلسٌ أو دولارٌ.. وعرفتُ أنَّ السعادةَ من مُساعدتي للناسِ، وعرفتُ الحُبَّ من خلالِ فعلِ كُلِّ عملٍ بحُبٍّ وإخلاصٍ ونقاءٍ.. صفَّقَ الأُستاذُ والطلابُ لتلك الكلمات الذهبية التي قالَها الطالبُ والتي علّمتْ كُلَّ من كان حاضرًا فلسفةَ الحُبِّ والمالِ والسعادة في الحياة.

اخرى
منذ 9 أشهر
247

بينَ الطيّارين حكايتان

بقلم: شفاء طارق الشمري (ذو الجناحين وقطيعُ الكفّين) لم يلتقيا يومًا، لكن شاءَ القدرُ واجتمعتْ أقلامُ التاريخِ لتنسجَ قصتَهما معًا. لم يكنْ أيٌّ منهما قد التقى الآخرَ، لكنّ الزمنَ ربطَ بينهما؛ فكانَ هناك شاهدٌ شَهِدَ واقعةَ الأولِ فبكى وتألّمَ وواقعةَ الثاني فانكسرَ كسرةَ الزمن. لكُلٍّ منهما حكايةٌ، ولكُلٍّ من الحكايتين نهايةٌ بلونِ قطراتِ دمٍّ نُحتِتْ في صفحاتِ التاريخِ الدامي، تقدّمتْ حكايةُ الدموعِ لتكتبَ حكايةَ خلودٍ ابتدأتْ من زمنِ الرسولِ (صلى الله عليه وآله)، حتى قربانِ الدينِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) وكانتِ الحكايةُ الأولى حكايةَ ذي الجناحين؛ فحينما ارتفعَ صوتُ الحقِّ في سماءِ العدل الإلهي، ترتّلتْ آيةُ الحقيقةِ لتنطقَ بصدحٍ على صعيدِ الأرضِ وكُلِّ الوجود: لا إلهَ إلا الله مُحمّدٌ رسولُ الله، تلك الجملةُ التي هزّتْ أركانَ التاريخِ مُنذُ ذلك الحين حتى اليوم.. كانَ فارسًا ذا هيبةٍ ومقاتلًا لا يُضاهيه أحدٌ، شرارةُ السيفِ تبرقُ بينَ السيوفِ وصوتُها يعلو ليقولَ: إنّه سيفُ جعفر، لكن شاءَ القدرُ وجرى القلمُ أنْ يرحلَ فقيدًا من الآل. اللحظاتُ المؤلمةُ تبقى عالقةً في الذهنِ كما كانتْ تلك اللحظة التي ذاعَ فيها خبرُ شهادةِ جعفر في حربِ مؤتة ضد الرومان؛ حيثُ كانَ يحملُ لواءَ الإسلامِ بينَ يديه رافعًا صوتَ الحقيقة، سقطتْ يدُه اليُمنى فصمدَ ودافعَ أكثرَ ثم سقطتْ يدُه اليُسرى وهو يتلفّظُ الشهادةَ مُبتسمًا، فانطلقَ النحيبُ والبكاءُ وضجَّ الإسلامُ لفقدِ ابنِ عمِّ المُصطفى، وكانتْ مولاتُنا الزهراءُ (عليها السلام) مفجوعةً تصرخُ: واعمّاه، وهي تواسي زوجتَه أسماء، والإمامُ عليٌّ في محرابِ الدموعِ يندبُ أخاه.. وفي إحدى زوايا العزاء يجلسُ عبدُ الله بن جعفر يبكي بصمتٍ ولوعةٍ فقدَ الأبِ، وقالَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله): "على مثلِ جعفر فلتبكِ البواكي" وقال: "إِنَّ الله أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ‏ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَ". فكان جعفرُ ذا الجناحين، ولُقِّبَ بالطيّار؛ لأنّه طائرُ الجنانِ الذي فقدَ يديه فحلّقَ بملكوتِ اللهِ (تعالى) بجناحيه، وتجري الأحداثُ بسرعةٍ وتتسارعُ السنون لحلولِ يومٍ حزينٍ كسرَ الزمن وكسرَ من حضرَ تلك الرزايا؛ إذ رحلَ المُصطفى (صلى الله عليه وآله)، ورحلتِ الزهراء (عليها السلام)، ثم رحل الإمامُ علي ثم الحسن (عليهما السلام)، لتحلَّ حكايةٌ ذاتُ شجونٍ وألمٍ وتنسجُ خيوطَ بدايةِ النهايةِ لقصةِ طيّارٍ آخر تبدأُ بروايةِ حكايةِ الخلودِ الأبدي، حكايةِ ذي الكفين.. ارتقى القمرُ سلالمَ السماءِ في ليلةٍ حالكةٍ يسودُها الظلامُ الدامسُ، فهتفَ الوجودُ بذكرِه، وفي أزقّةِ التاريخِ التي تفوحُ منها رائحةُ الغدرِ والخيانة، كانَ يقفُ إلى جانبِ الحقِّ ويُعرِّفُ به، حتى حانَ موعدُ رحيلِه في كربلاء فسقط قمرًا على الرمضاءِ وهو رافعٌ لواء الإسلامِ، كما رفعَه جعفر عمّه قبل سنين.. وقفَ العباسُ ليرفعَ صوتَه أمامَ الأُمّةِ الطاغيةِ التي منعتْه حتى من شربةِ ماء، فسقطتْ يدُه اليُمنى ثم اليُسرى، فأمسكتِ الحوراءُ بالحُسينِ تسندُه بهذا المصاب؛ فأبو الفضل العباس قد غادرَ هذا الفناء، ضاربًا أروعَ أمثلةِ الإيمانِ ووضوحِه والدفاعِ عن إمامِ الزمان، وضجّتِ النسوةُ بالبكاء.. وكان للطيّارين لقاءٌ في جنانِ الفردوس، فكانَ ذو الجناحين وقطيعُ الكفّين حكايتين لخلودٍ أبدي مُقدّس، حيثُ كتبا معنى الشهادةَ في كتابِ فردوسِ الشهادةِ في أعلى عليين، فحشرهما اللهُ (تعالى) مع النبيين والصدّيقين...

اخرى
منذ 6 أشهر
186

شيخوخةٌ في الشباب

بقلم: شفاء طارق الشمري اليأسُ يطرقُ بابي، والحزنُ سرمديُّ البقاءِ، حيث وجد مكانًا بينَ طيّاتِ قلبي، أمّا السعادةُ فقد غادرتني.. حياةٌ لا غايةَ فيها ولا هدف! نَظرتْ إلى نفسِها في المرآة، شاهدتْ عيونَها التي باتتْ كعيونِ قبطانٍ عجوزٍ غرقتْ سفينتُه، ويديها التي باتتْ خشنةً من ضغطِ العمل، بشرتَها صفراء وشفاهها ذابلة.. أصبحتْ كلوحةِ رسامٍ يائسةٍ قد غطّاها غبارُ الزمن، شعرُها الذي كان مُميّزًا بسوادِه الداكن قد بدأتِ الشعراتُ البيضاءُ ترسمُ لوحاتِها بعبثية فيه، كُلُّ شيءٍ من حولِها باتَ كفيلمٍ قديمٍ لا يُلوِّنُه شيءٌ سوى الأبيض والأسود! هذا هو عالمُها، لكن ما إنْ تخرج من غُرفتِها حتى ترى عالمًا آخر، عالمًا تعيشُ فيه أخواتها الأربعة حيث يعملنَ ويضحكنَ ويخرجنَ.. أمّا هي فليس لديها عمل سوى الجلوسِ في البيتِ وإشغالِ نفسِها بأعماله، حتى دراستها تركتها، قد دخلَ اليأسُ حياتَها منذُ ذلك اليومِ الذي توفيَ فيه والدها، وعلى الرغمِ من مرورِ السنواتِ إلا أنّها ما زالتْ تعيشُ في سجنِ الحزنِ والبكاء.. ما أقسى أنْ تشعرَ أنّك ميتٌ وأنت حيّ! ما أقسى أنْ تعدَّ ثوانيَ ودقائقَ حياتِك من أجلِ أنْ تموت! ما أقسى شعورَ اليأس! ما أقسى أنْ يكونَ وجودُك وعدمُه واحدًا! ما أقسى أنْ تحيا وأنت ميتٌ في الحياة! تلك الكلماتُ التي أيقظتها من سُباتِ نومِها الذي طالَ لسنوات، إنّها كلماتُ ابنِ عمِّها الذي دعاها مع أخواتِها لحضورِ دورتِه في التنميةِ وبناءِ الذات، لم تكنْ تريدُ الذهابَ –كعادتها- لكن بعدَ كثرةِ الإلحاحِ استسلمتْ لهنّ، كانتْ تودُّ أنْ تنتهيَ المُحاضرةَ، لكن انجذبتْ لتلك الكلمات: النجاحُ هو السعادة، والسعادةُ هي النجاح، وكلا المفهومين لا يعني أنّك تكونُ ناجحًا أو سعيدًا إذا لم تواجِهْ مشكلةً في الحياة أو تعُرقِلك أزمةٌ؛ فكُلُّنا لا نعيشُ حياةً زهريةً، لكن هناك من لَوّنَ حياتَه بالسواد، وهناك من جعلَ حياتَه مُزهرةً وجميلةً، أنتَ سعيدٌ وناجحٌ طال ما تعرفُ كيفَ تُديرُ حياتَك، وتواجِهُ مُشكلاتِك... الناجحُ هو من استطاعَ أنْ يحلَّ أزماته دونَ أنْ يُضاعِفَ تلك الأزمات، أما الفاشلُ فهو من فشلَ في حلِّ أزمةٍ، فقامَ بعملِ عشراتِ الأزماتِ منها، فالفشلُ يُسبِّبُ اليأسَ، واليأسُ يُسبِّبُ الفشل، وأنتَ ما عليك إلا أنْ تُحطِّمَ اليأسَ في داخلِك وتكسرَ الفشل.. عليك أنْ تنهضَ وتتجِّهَ نحوَ هدفِك، وإنْ لم يكنْ لديك هدفٌ، فاصنع أنت لك هدفًا.. لا تجلسْ يائسًا، ولا ترحلْ من هذه الدنيا يائسًا، بل كُنْ ناجحًا وارحلْ ناجحًا، وارمِ الماضي خلفَك واكتبْ أولى صفحاتِ نجاحِك، وقرِّرْ أنْ تكونَ ناجحًا.. بعدَ تلك المُحاضرة بدأتْ آثارُ التغيُّرِ تظهرُ عليها؛ فكانت أولى خطواتِها هي المُطالعةَ، بدأتْ بإحضارِ كُتُبٍ ومجلات، ثم بتصفُّحِ الإنترنت، وقرّرتْ أنْ تكونَ ناجحةً، ويومٌ بعدَ آخر وشهرٌ بعدَ شهر، بدأ الجميعُ يُلاحظُ عليها التغييرَ؛ فتلك التي كانتْ انطوائيةً ولا تتحدّثُ ولا تخرجُ أصبحتِ الآنَ من أكثرِ الناسِ مرحًا، حتى مظهرها بدأتْ بتغييرِه! قرّرتْ أنْ تسلكَ طريقَ النجاح، وأنْ تُعلِّمَ الناسَ السعادةَ والنجاحَ، ونجحتْ في ذلك، وها هيَ اليومُ تُكرَّمُ؛ لأنّها أفضلُ مُدرِّبةِ تنميةٍ بشريةٍ، وقفتْ بثباتٍ وقالتْ: أنتَ مَنْ تصنعُ نجاحَك وسعادتَك، فلا تنتظرْ أنْ تطرُقَ السعادةُ بابَك، بل أنتَ من عليك أنْ يطرقَ بابَها.. كُنْ سعيدًا وناجحًا؛ فأنتَ قادرٌ على أنْ تكونَ ناجحًا.. استثمرْ كُلَّ لحظاتِ عمرك، استثمرْ كُلَّ دقائقِ حياتِك، لا تستسلمْ ليأسك أبدًا؛ فكم من شيخٍ عاشَ شابًّا بعمرِ العشرين! وكم من شابٍّ عاشَ الثمانينَ بعُمر العشرين! عِشْ حياتَك، واستمتعْ بلحظاتِك، ولا تعشِ الشيخوخةَ بشبابك، فسيأتي ذلك اليومُ الذي تتحسّرُ فيه على لحظاتِ عمرِك التي تفرّطتْ منك كعقدِ اللؤلؤ، ولا تنسَ أنّها لنْ تأتيَ مُجدّدًا، وعندَ ذلك اليومِ ستجلسُ مُتأسفًا تنشدُ الشعرَ قائلًا: ألا ليتَ الشبابَ يعودُ يومًا فأُخبِرُه بما فعلَ المشيبُ

اخرى
منذ شهر
169

قوةُ الشخصية

بقلم: شفاء طارق الشمري ما معنى الشخصيةِ القوية؟ إنَّ القوةَ تكمنُ في الداخل، أنْ تكوني قويةً لا يعني أنْ تكوني قاسيةً، فالقوةُ تنبعُ من الحنانِ والحُبّ.. الشخصيةُ القويةُ تعني أنْ تكوني ناجحةً في كُلِّ شيء، الشخصيةُ القويةُ ليستْ بالصُراخ أو بإهانةِ الناس بل بالرحمةِ والتعاطُف.. والكاريزما تعني القوةَ الداخليةَ التي تُعطيكِ جرعَ التقدُّمِ نحوَ الهدف، الكاريزما ليستْ بالكعبِ العالي الذي يلفتُ الأنظارَ، بل بهدوئك عندما تسيرين.. أربعةُ مفاهيمَ خاطئةٍ نسبَها البعضُ للكاريزما وقوة الشخصية وهي: القسوة، التكبر، العناد، الإهانة؛ فلا يكتسبُ الشخصُ قوة الشخصية بالقسوةِ والدكتاتورية والظلم، فالشخصيةُ القويةُ تتسمُ بالرحمةِ والتسامُح.. وكذا التكبر لا يُمكِنُ أنْ يُنسبَ إلى صفاتِ الشخصية القوية؛ لأنّه مرضٌ يُصيبُ القلوبَ التي تحملُ الأمراضَ والعُقدَ النفسيةَ داخلَها، فالشخصيةُ القويةُ تعني التواضُعَ وأنْ يتقاسمَ مديرُ الشركةِ طعامَه مع عاملِ النظافةِ الذي يعملُ لديه، هنا تثبتُ الشخصيةُ القويةُ، لا بإهانته من هو دونه رتبةً أو بالصراخِ عليه بمجرّدِ تأخُّرِه بالقهوةِ دقائق.. أما العنادُ فكثيرًا ما يتصوّرُ البعضُ أنّ تمسكه بفكرةٍ يؤمنُ بها بغضِّ النظرِ عن صحتها، بل حتى وإنْ لمسَ ضوءَ الحقيقةِ فإنّه يبقى مُتمسكًا بظلمته، وهذا هو دأبُ المُلحدين اليومَ؛ فإنّهم حتى وإنْ علموا بوجودِ اللهِ (تعالى) فهم يُنكرونه بلسانهم! ومن بابِ الطُرفةِ أذكرُ حكايةً فيها عبرةٌ: يُنقَلُ أنّ رجلًا سُئلَ: كم قدم للدجاجة؟ فقال: واحدة، فقالوا له: كيف واحدة؟! فأصرَّ على أنّها واحدةٌ، فأحضروا له دجاجةً ووضعوها أمامَه وقالوا: كم قدم لها؟ فقال: واحدة، فقالوا: كيف ألا ترى قدمها الأخرى؟ فقال: الرجلُ كلمتُه واحدةٌ لا يُغيّرها... من هذا المُنطلق الجاهل الذي سادَ اليومَ في بعض مُجتمعاتِنا تحتَ شعارِ العاداتِ والتقاليد التي كثيرٌ منها لا يمتُّ إلى الشريعةِ بصِلة، أو تحت مفهومِ (كلمةُ الرجلِ واحدةٌ) نجدُ أنفسَنا قد رجعنا إلى الخلف كثيرًا في حين تقدّم غيرُنا.. أما الإهانةُ فلن أُكثِرَ الكلامَ فيها؛ لأنّ الشخصَ الذي يُهينُ ويُقلِّلُ من شأنِ ومنزلةِ شخصٍ آخر لا يستحقُّ أنْ يُقالَ عنه إنّه إنسانٌ أو ينتمي إلى الإنسانية؛ لأنّ المفهومَ الإنساني يرفضُ إهانةَ أيّ شخصٍ تحتَ أيّ عنوانٍ أو ظرف.. فالشخصيةُ القويةُ هي الشخصيةُ الرحيمةُ العطوفةُ المتسامحةُ؛ ولذا نجدُ أن أروعَ الأمثلةِ للشخصية القوية هم الأنبياءُ والأئمةُ (عليهم السلام) الذين صبروا وتحمّلوا من أجلِ رسالتهم وهدفهم الإنساني والديني. وخيرُ ما ينطقُ به القلمُ؛ ليُتِمَّ فحوى الكلام هو الإمامُ الحسين (عليه السلام) المثالُ الأقوى والأمثل للشخصيةِ القويةِ صاحبة المبدأ القويم، والفكر الإنساني السليم، الذي ينطقُ بصدى الإنسانيةِ والكرامة، وتقديرِ الإنسانِ وحقِّه في العيش بعزّةٍ بعيدًا عن الإهانةِ والتكبر، او كُلِّ ما يوضعُ تحتَ إطار "الشخصية القوية" فأحدُ أهمِّ ما يُميّزُ الشخصيةَ القويةَ أنْ تحملَ هدفًا وأثرًا إنسانيًا ورسالةً مُجتمعيةً وحياتيةً تُفيدُ العالمَ وتُنقذهم من الجهل والضياع الفكري والأخلاقي.

اخرى
منذ شهر
168

قطوفٌ رمضانيةٌ الحلقة الثانية: الارتقاءُ الروحي في شهر رمضان/ ج٢

بقلم: شفاء طارق الشمري المحور الثاني: نوافذُ روحانيةٌ إن من طبيعيةِ الشيطانِ أنّه يتسلّلُ للقلوبِ والأرواحِ ليدخلَ فيها وينشرَ سمومَه في أرجائها. ومن المعلوم أنَّ السُرّاقَ يتسللون من خلال النوافذ غالبًا، وسُرّاقُ الأرواحِ يتسلّلون من أربعِ نوافذَ روحيةٍ وهي: النافذةُ الأولى: (العين) من الأمورِ المُهمّة التي توقعُ الإنسانَ في المعاصي هي العين، إذ تُمثّلُ نافذةً مهمةً جدًا لرُقي الروحِ إلى الملكوت أو دنوِّها إلى الذنوب.. وربما يتساءلُ القارئُ: كيف تكونُ العينُ سببًا في رُقيّه روحيًا، أو سببًا في المعاصي؟ الجواب: يكمنُ ذلك في كيفية استخدامها والاستفادة منها، فإن وظّفها الإنسانُ في النظرِ إلى المحرمات مثلًا فيكونُ قد استخدمها في معصيةِ الله (تعالى)، فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: (النظرةُ سهمٌ من سهامِ إبليس) فكيفَ يُريدُ المؤمنُ أنْ يرى الجمالَ لذي يتجلّى في شهر رمضان وهو يعصي الله (سبحانه)؟! ربما يقولُ البعضُ: كيف تكونُ المعاصي في شهر رمضان؟ الجواب: في استغلال الشهرِ بمشاهدةِ المُسلسلات والبرامج التي تحتوي على الغناءِ والرقصِ والطربِ ومشاهدةِ المُحرّمات، فبدلًا من أنْ يملأ المؤمن عينه بالنظر إلى القرآن يملؤها بالنظرِ إلى ما هو مُحرّمٌ. يقولُ اللهُ (تعالى) في الحديث القدسي: (عبدي إنْ كنتَ تظنَّ أنّي لا أراكَ؛ فهذا شكٌّ في إيمانك، وإنْ كنتَ تُدرِكُ أنّي أراك فلِمَ جعلتني أهونَ الناظرين إليك؟!) فلنحذرِ العينَ التي تُسقِطُ الإنسانَ في الدركِ الأسفلِ من جهنم، ففي الرواية عن الرسولِ الأكرم (صلى الله عليه وآله): "من يملأ عينيه من حرامٍ ملأ اللهُ عينيه يومَ القيامةِ من النار، إلا أنْ يتوبَ ويرجع". النافذة الثانية: (السمع) قال تعالى (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) إن السامع للغيبةِ كالمغتاب، فاحذروا من سماعِ المُحرّمات. والمُحرّمات لا تقتصرُ على سماع الغيبة بل حتى الغناء، وكثيرًا ما يسمع البعضُ الأغاني بذريعةِ أنّها إعلانٌ أو مسلسلٌ فيستمعُ للغناءِ غافلًا عن أنَّ قلبَه قد حُجبَ عن الارتقاء الرحي بسبب ذلك. النافذةُ الثالثة :(اللسان) للسانِ أربعُ آفاتٍ: أولًا: الغيبة ثانيًا: النميمة ثالثًا :قول الفحش رابعًا: قول وشهادة الزور هذه الأمورُ تُسقِطُ الإنسانَ من أعلى المراتبِ إلى أدناها ، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: (الكلامُ في وثاقِك ما لم تتكلمْ به، فإذا تكلّمتَ به صرتَ في وثاقه، فاخزنْ لسانَك كما تخزنُ ذهبَك وورقك، فرُبّ كلمةٍ سلبتْ نعمةً ولا تقُلْ مالا تعلم، فإنّ اللهَ (سبحانه) قد فرضَ على جوارحك كُلِّها فرائضَ يحتجُّ بها عليك يومَ القيامة. هانتْ عليه نفسَه من أمرَ عليها لسانه، ومن كثُرَ كلامُه كثُرَ خطؤه، ومن كثُر خطؤه قلَّ حياؤه، ومن قلَّ حياؤه قلَّ ورعه، ومن قلَّ ورعه مات قلبه، ومن ماتَ قلبُه دخلَ النار) ومن وصيةِ الإمامِ علي (عليه السلام ) لابنه محمد بن الحنفية: "وما خلقَ اللهُ (عز وجل) شيئًا أحسنَ من الكلامِ ولا أقبحَ منه، بالكلامِ ابيضّتْ الوجوه، وبالكلامِ اسودّتِ الوجوه)(١) وعن الإمامِ الصادق (عليه السلام): (نجاةُ المرءِ في حفظِ لسانه)(٢) كذلك الكذبُ الذي يُعدُّ من آفاتِ اللسان العظيمة، ففي الوقتِ الذي يُمكِنُ للسان أنْ يدخلك النار يمكنُ له أنْ يُدخلك الجنان إذا عملَ بقولِ الحقِّ (تعالى) وذكرَ اللهَ (عز وجل) بالتسبيحِ وقراءة القران. النافذةُ الرابعة: (اليد) حينَ تُعلّقُ على منشورٍ بكلماتٍ بذيئةٍ أو ساخرةٍ أو تنابز بالألقاب فاعلمْ أنّك قد جررتَ يدَك إلى المعصية. ربما يتساءلُ البعضُ: هل اللهُ (تعالى) يُحاسبُنا على التعليق أو حتى الإعجاب؟! الجواب: نعم؛ فاللهُ (عز وجل) يقول في كتابه: (‏فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ‌ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ‌). والذرّةُ في المفهومِ الكيمائي هي أصغرُ جزءٍ من أجزاءِ المادة، فاللهُ (تعالى) بذلك يُنبِّهُنا على أنْ نكونَ دقيقين في أعمالنا، ففي قوله (تعالى): (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّـهُ إِنَّ اللَّـهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ). وكذلك حين يضربُ المؤمنُ زوجتَه أو أمه أو أخته، فليعلمْ أنّه قد عصى الله (تعالى) بيده، وحينَ يقبلُ الرشوةَ ويأخذها ويضعها في جيبه فليعلم أنّه قد عصى الله (تعالى) بيده، وغيرها. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) جامع أحاديث الشيعة - السيد البروجردي - ج ١٣ - الصفحة ٤٩٨ (٢) بحار الانوار

اخرى
منذ 5 أشهر
169