Profile Image

نرجسة الزمان الموسوي

قهوةُ شتاءٍ(2)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي ﺍﻟﺠﺰء ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ ﻣﺮّﺕْ ﻓﺘﺮﺓٌ ﻃﻮﻳﻠﺔٌ ﻋﻠﻰ ﻣُﺮﺍﻗﺒﺘﻪ إيّاي، ﻻ ﺃﻋﺮفُه، ﻟﻜﻨّﻲ ﺷﻌﺮﺕُ ﺃﻧّﻪ ﺷﺎبٌ ﻣﺨﺘﻠﻒٌ، ﻛُﻨﺖُ أﺗﺴﺎءلُ: ﻟﻤﺎﺫﺍ ﻳُﺮﺍﻗﺒُﻨﻲ؟ ﻭﺃﺣﻴﺎﻧًﺎ ﻛُﻨﺖُ ﺃﻛﺮﻩُ ﻭﺟﻮﺩَﻩ؛ ﺇﻥّ الشعورَ ﺑﺄﻥّ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﻦ ﻳﺘﺒﻌُﻚ ﻛﻈﻠِّﻚ ﻳﺠﻌﻠُﻚ ﻻ ﺗﺸﻌﺮُ ﺑﺎﻟﺮﺍﺣﺔ... ﺍﻟﻴﻮﻡ آﺧﺮُ ﻳﻮمٍ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ، ﻛﺎﻥَ ﺃﺟﻤﻞَ ﻳﻮمٍ ﻓﻲ ﺣﻴﺎﺗﻲ؛ ﻣﺸﺎﻋﺮﻱ ﻣﺜﻞُ أﺭﺟﻮﺣﺔٍ، ﺗﺮﺗﻔﻊُ ﺿﺤﻜﺎﺗﻲ ﻟﻔﺮﺣﺘﻲ ﺑﺎﻟﻨﺠﺎﺡ، ﺗﺴﻘﻂُ ﺩﻣﻮﻋﻲ ألمًا لفراقِ حياةٍ قد ﻋﺸﺘُﻬﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ، ﻭﺩّﻋﺖُ ﺟﻤﻴﻊَ ﺻﺪﻳﻘﺎﺗﻲ ﻭﺧﺮﺟﺖُ.. ﻭﻓﻲ ﻫﺬﻩ ﺍﻟﻤﺮﺓِ ﻟﻢ أرَه! ﺗُﺮﻯ ﻟﻤﺎﺫﺍ؟! ﻫﻞ ﺣﺪﺙَ ﻟﻪ ﻣﻜﺮﻭﻩٌ؟! ﻓﻜّﺮﺕُ ﻟﺒُﺮﻫﺔٍ.. لِمَ التفكيرُ فيه رغمَ أنّي ﻻ ﺃﻋﺮفُ اسمَه، ولم أُركِّزْ في ملامِحه، ﻗﺪ ﺗﻜﻮﻥُ ﺍﻟﺼﺪﻓﺔُ ﻫﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﺠﻌﻠُﻪ ﻳﺴﻴﺮُ ﺧﻠﻔﻲ.. ﺑُﺴﺮﻋﺔٍ ﺣﺎﻭﻟﺖُ ﺩﻓﻦَ ﻣﺸﺎﻋﺮﻱ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖْ ﺗُﺤﺎﻭِﻝُ ﺍﻟﺨﺮﻭﺝَ ﻣﻦ ﺗُﺮﺑﺔٍ جافةٍ ﻟﺘُﺨﺮِﺝَ بُرعمًا أﺧﻀﺮَ ﺻﻐﻴﺮًا... ﻭﺻﻠﺖُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺒﻴﺖِ، وﺍﻟﺴﻌﺎدةُ ﺗﻐﻤﺮُﻧﻲ، وإذا بي أسمعُ ﺻﻮﺕَ ﺻﺮﺍخٍ ﻣﻦ ﻏﺮﻓﺔِ ﺍﻟﻀﻴﻮﻑ رغمَ أنَّ الأبوابَ كانتْ ﻣﻐﻠﻘﺔً، سمعتُ ﺃﺑﻲ ﻳﺘﻜﻠّﻢُ ﺑﺤِﺪّﺓٍ ﻭﻳﻘﻮﻝ: - إﻥّ اﺑﻨﺘﻲ ﻻ ترغبُ بالزواج، ﻭﻟﻦ ﺗﺴﺘﻄﻴﻊَ أنْ ﺗﺘﺮﻛﻨﻲ.. حينها ﻋﻠﻤﺖُ أﻥّ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﻦ ﺟﺎءَ ﻟﺨِﻄﺒﺘﻲ، ﻓُﺘِﺤﺖِ اﻟﺒﺎﺏُ وﺧﺮﺝَ ﺷﺨﺺٌ ﻫﻮ ﻭﻭﺍﻟﺪﺗُﻪ، ﺍﺧﺘﺒأتُ ﺧﻠﻒَ ﺍﻟﺴﺘﺎﺋﺮِ ﻷﺭﻯ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺨﺺُ ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ.. ﻫﻞ ﻫﺬﺍ ﻫﻮ ﺣﻘًّا؟! ﺗُﺮﻯ ﻣﻦ ﻛﺎﻥَ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺸﺨﺺُ؟ ﻭﻟﻤﺎﺫﺍ ﻏﻀﺐَ أﺑﻮ ﺳﺎﺭﺓ إلى هذه الدرجة؟! يُتبَعُ ..

القصص
منذ 6 أشهر
211

قهوةُ شتاءٍ (1)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي المقدمـــة: بسم الله الرحمن الرحيم في قصتي المتواضعةِ أُلقي الضوءَ على مُعاناةِ فتاةٍ كانتْ ضحيةَ والدها الذي أحبّها كثيرًا ورعاها بعدَ وفاةِ والدتها فحرمَها من حقِّها في تكوينِ أُسرةٍ وتركها تواجهُ قسوةَ المُجتمعِ والذئابَ التي تحومُ حولَها... أحداثُ هذه القصةِ مُقتبسةٌ من الواقع ... نعم، إنّ للخيالِ دورًا كبيرًا لأنّي غيّرتُ الأسماءَ وبعضَ الأحداثِ حفاظًا على خصوصيةِ أبطالِ القصةِ، وربما عبّرتُ بطريقتي عن مواقفَ لا يستطيعُ البطلُ البوحَ بها ... هدفي هو العِبرةُ من القصةِ ومُعالجةُ سلبياتِ المُجتمع ... الإهـــداء لعُشّاقِ الحقيقةِ، ولكُلِّ من ساعدني لإنجازِ هذا العملِ، ولكم أنتم أحبائي فلا أقدرُ على الإفصاح عن أسمائكم، وأنا مُتأكدةٌ أنّكم ستترحمّون عليّ؛ لأنّي سأتركُ لكم خُلاصةَ تجاربي وتجاربَ من حولي وما استفدتُ منه واللهُ المُوفِّق لما فيه الخيرُ لكم ولي.. ﻗﻬﻮةُ ﺷﺘﺎءٍ ﺍﻟﺠﺰء الأول ﺍﻟﺜﻠﻮجُ ﺗﺴﻘﻂُ ﻭﻣﺪﻳﻨﺘﻲ ﻳﺴﻮدُﻫﺎ ﺍﻟﺴﻜﻮن، ﺃﺟﻠﺲُ ﺑﻴﻦَ ﺟُﺪﺭﺍﻥِ ﺭﻭﺣﻲ ﺍﻟﻤُﻌﺬَّﺑةِ ﻭﺃﺳﻤﻊُ ﻫﻤﺴﺎﺕِ ﺍﻟﺮﻳﺎﺡِ ﻭﻛﺄﻧّﻬﺎ ﺗُﺨﺎﻃﺒُﻨﻲ: ﻟﻘﺪ ﺣﻞَّ ﺷﺘﺎءُ ﺍﻟﻌﻤﺮِ.. ﺑﺮﻭﺩُ ﺍﻟﻤﺸﺎﻋﺮِ ﺳﺎﻗﻨﻲ إلى صُنعِ ﻓﻨﺠﺎﻥِ ﻗﻬﻮﺗﻲ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﻋﺸﻖُ ﻣﺬﺍﻗَﻬﺎ ﺍﻟﻤُﺮّ ﻣﺮةً ﻭﺃﺣﻴﺎﻧًﺎ أُﺿﻴﻒُ إﻟﻴﻬﺎ ﻣُﻜﻌﺐَ ﺍﻟﺴﻜﺮِ ﻓﻴﺬﻭبُ ﻭيرسمُ ﺩﻭﺍﻣﺎتٍ ﺟﻤﻴﻠﺔً تُشعِرُني ﺃﻧّﻲ ﺃﻧﻈﺮُ ﺇﻟﻰ ﺑﺤﺮٍ ﺩﺍﻓﺊ ﺃﺭﺗﺸِﻒُ ﻣﻨﻪ ﻗﻠﻴﻼً ﻭﺃﺳﺮﺡُ ﻓﻲ ﺫﻛﺮﻳﺎﺕِ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ.. ﻓﻲ ﺩﺍﺧﻠﻲ ﺇﻋﺼﺎﺭٌ ﻳﺤﺎﻭﻝُ ﺗﺪﻣﻴﺮَ ﺑﺤﻴﺮﺓٍ ﺗﺠﻤّﺪﺕْ ﻷﺳﺒﺢَ ﻓﻲ ﻣﺎئها ﺍﻟﺪﺍﻓﺊ، ﻭﺃﺭﺗﺸﻒُ ﻣﺮﺓً ﺃﺧﺮﻯ.. ﻣﺬﺍﻗُﻚِ ﺍﻟﻤُﺮّ ﻳُﺸﻌِﺮُﻧﻲ ﺑﻤﺮﺍﺭةِ ﺍﻟﻌﻤﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﻣﻀﻰ ﻓﻲ ﻣُﺤﺎﺭﺑﺔِ ﺍﻟﻮﺣﺪﺓ.. ﻭﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﻧﻬﻴﺖُ ﻓﻨﺠﺎﻧﻲ ﺭﻓﻌﺖُ ﺭﺃﺳﻲ ﻭﺭﺃﻳﺖُ ﺗﺎﺭﻳﺦَ ﺍﻟﻴﻮﻡِ... إﻧّﻪ ﻳﻮﻡُ ﻣﻴﻼﺩﻱ! أ ﻟﻬﺬﺍ ﺃﺷﻌﺮُ ﺑﺎﻟﺤﺰﻥ؟! ﺃربعون ﻋﺎﻣًﺎ ﻣﻀﺖْ ﺗﺠﻤّﺪﺕْ ﻓﻴﻬﺎ ﻛُﻞُّ ﺍﻟﻌﻮﺍﻃﻒ، وأرسلَ قلبي رسالةَ عتابٍ إلى أبي ﺍﻟﺬﻱ ﻓﺎﺭﻗﻨﻲ ﻭﻟﻢ ﻳُﻔﻜّﺮْ ﻛﻴﻒَ ﺳﺄﺑﻘﻰ ﻛﺸﺠﺮةٍ امتلأتْ ﺑﺎﻟﺜﻠﻮجِ، ﻭﻻ ﺗﻌﻠﻢُ ﻫﻞ ﺗﻌﻴﺶُ إﻟﻰ ﺍﻟﺮﺑﻴﻊِ ﺍﻟﻘﺎﺩﻡ ﻭﺗﺨﻀﺮ؟ أﻡ ﺳﺘﺘﺠﻤّﺪُ ﻭﺗﻤﻮﺕُ ﻭﻻ ﻳﻌﻠﻢُ ﺑﻬﺎ ﺃﺣﺪٌ؟ - ﺃﺑﻲ.. ﻟﻤﺎﺫﺍ توفيت ﺃﻣﻲ؟ - يا اﺑﻨﺘﻲ ﺳﺎﺭﺓ.. ﻟﻘﺪ أﺻﺒﺢَ ﻋﻤﺮﻙِ ﺛﻤﺎﻧﻴﺔَ ﻋﺸﺮَ ﻋﺎﻣًﺎ ﻭﻗﺪ ﻛﺒُﺮتِ الآﻥ ﺳﻮﻑ أُﺧﺒِﺮُﻙِ ﺑﺴﺒﺐ ﻭﻓﺎةِ ﻭﺍﻟﺪﺗﻚ، ﻟﻘﺪ أُﺻﻴﺒﺖْ ﺑﻤﺮضٍ ﺧﺒﻴﺚٍ ﻭﺣﺎﻭﻟﺖُ ﺑﺸﺘﻰ ﺍﻟﻄُﺮُﻕِ ﻭﺫﻫﺒﺖُ إﻟﻰ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮِ ﻣﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪﺍﻥِ ﻭﻋﺮﺿﺘُﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﺣﺴﻦِ الأﻃﺒﺎءِ ﻭﻟﻜﻦ ﻻ ﺟﺪﻭﻯ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ... فلقد اﻧﺘﺸﺮَ ﺍﻟﻤﺮﺽُ ﻓﻲ ﺟﺴﺪِﻫﺎ ﺍﻟﻨﺤﻴﻞِ ﻭﻟﻢ ﺗﻘوَ ﻋﻠﻰ ﻣﻘﺎﻭﻣﺔِ ﺍﻟﻤﺮضِ، فماتتْ ﻭﺃﻧﺖِ ﺻﻐﻴﺮﺓٌ ﻭﻻ أُﺭﻳﺪُﻙِ أﻥْ ﺗُﻔﻜّﺮﻱ ﺑﺸﻲءٍ ﺳﻮﻯ ﺩﺭﺍﺳﺘﻚ، ﻭاﺫﻛﺮﻱ ﻭﺍﻟﺪﺗَﻚِ ﺑﺎﻟﺪﻋﺎء ﺩﻭﻣًﺎ؛ لأنّها اﻣﺮﺍﺓٌ ﻃﻴﺒﺔٌ.. ﻛﺎﻥَ ﺃﺑﻲ رجلًا ﺣﻨﻮﻧًﺎ ﺟﺪًﺍ، ﺣُﺒُّﻪ ﻟﻲ ﺟﻌﻠَﻪ ﻳُﺤﺎﺭِﺏُ ﻛﻲ ﻻ ﻳﺘﺮﻛﻨﻲ ﻓﻠﻢْ ﻳﻜﻦْ ﻳﺄﻛﻞُ إﻻ ﻣﻌﻲ ﻭﻻ ﻳﻨﺎﻡُ ﺣﺘﻰ ﺃﻧﺎﻡ، ﻓﻜﻨﺖُ أﺣﻴﺎﻧًﺎ ﺃﺗﺼﻨّﻊُ ﺍﻟﻨﻮمَ ﻷﻧّﻲ ﺃﺷﻌﺮُ ﺑﺘﻌﺒِﻪ، فيطمئنُّ ﻋﻠﻲّ وﻳُﻄﻔﺊ ﺍﻟﻨﻮرَ، بعد أنْ ﻳُﻐﻄﻴﻨﻲ وﻳُﻘﺒِّﻞُ ﺭﺃﺳﻲ ﺛﻢ ﻳﺨﺮﺝ... ﻛُﻨﺖُ ﺃﺷﻌﺮُ ﺑاﺭﺗﺒﺎﻛِﻪ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺄﺗﻲ ﺃﺣﺪٌ ﻟﺨِﻄﺒﺘﻲ ﻭﻛﺜﻴﺮًﺍ ﻣﺎ ﻛﺎﻥَ ﻳُﻠﻤِّﺢُ ﺑﺄﻧّﻪ ﻻ ﻳﺴﺘﻄﻴﻊُ أﻥْ ﻳُﻔﺎﺭﻗَﻨﻲ أﺑدًا، ﻭﺃﻧﺎ ﺃﻳﻀًﺎ ﻟﻢ ﺃﻛﻦْ ﺃﻓﻜﺮُ ﺑﺘﺮﻛِﻪ ﻭﺣﻴﺪًﺍ... ﻭﻣﺮّتِ ﺍلأﻳﺎﻡُ ﺑﺴُﺮﻋﺔٍ ﻟﻢ أﺷﻌﺮْ ﺑﻬﺎ، أﻏﻠﺐُ ﺻﺪﻳﻘﺎﺗﻲ ﺗﺰﻭﺟﻦَ ﻭﺃﻧﺠﺒﻦَ.. عندما ﺩﺧﻠﺖُ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔَ ﺑﺪﺃ ﺍﻟﻜﺜﻴﺮُ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﺒﺎﺏِ ﻳﻄﺮﻗﻮﻥَ ﺍﻟﺒﺎﺏَ ﻟﺨِﻄﺒﺘﻲ ﻭﻟﻢ ﻳﻜﻦْ والدي ﻳﻮﺍﻓﻖُ على خِطبةِ أحدهم ﺃﺑﺪًﺍ.. ﻛﺎنَ ﻳﻐﻀﺐُ ﻭﻳُﺤﺎﻭﻝُ ﺃنْ ﻳُﻘﻨﻌَﻨﻲ ﺃﻧّﻬﻢ ﻟﻴﺴﻮﺍ ﻣُﻨﺎﺳﺒﻴﻦ ﻟﻲ ﻭﻟﻢ ﺃﻛﻦْ أُﺟﻴﺒُﻪ ﺑﺸﻲءٍ. ﺣﻴﻦَ ﻭﺻﻠﺖُ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺮﺣﻠﺔِ ﺍﻟﺜﺎﻟﺜﺔِ ﺷﻌﺮﺕُ ﺑﺄﻥّ ﻫﻨﺎﻙ ﺷﺎبًا ﻳُﺮﺍﻗﺒُﻨﻲ، وأﺣﻴﺎﻧًﺎ أﺟﺪُﻩ ﻓﻲ ﺍﻟﻤﻜﺘﺒﺔِ أﻭ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﺎﺹِ ﺍﻟﺬﻱ ﺃﺭﻛﺐُ ﻓﻴﻪ، ﻛُﻨﺖُ أﺗﻮﻗﻌُﻬﺎ مجرّدَ مصادفةٍ، ولكنّي ﻋﻠﻤﺖُ ﺑﻌﺪَ ﻓﺘﺮﺓٍ أﻧّﻪ ﻓﻲ ﻧﻔﺲِ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔِ ﺍﻟﺘﻲ ﺃﺩﺭسُ ﻓﻴﻬﺎ إلا أنّه ﻓﻲ ﻗﺴﻢٍ آﺧﺮ ..... ﻳُﺘﺒَﻊُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى)..

القصص
منذ 6 أشهر
291

قهوةُ شتاءٍ(3)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء الثالث لقد جاءَ لخِطبتي.. إنّه هو! رأيتُه عندما خرجَ... لاحتْ ملامحُ الحزنِ على وجهِه النوراني.. دخلَ أبي وهو مُكفهِرُّ الوجهِ، قاطبُ الحاجبين، ساخطًا صرخَ مُزمجِرًا: - إنّ هذا الشابَ مجنونٌ؛ يُريدُ أنْ يتزوّجكِ ويُسافرُ، وعلاوةً على كُلِّ هذا هو مُتطوِّعٌ في الجيشِ ليُدافعَ عن أرضِه التي احتلتها داعش.. طأطأتُ رأسي.. ودخلتُ غرفتي مُسرعةً.. - تُرى يا أبي.. لماذا لمْ تُفكِّرْ ولو لمرةٍ واحدةٍ أنْ تسألَ عن رأيي؟ ففي كُلِّ مرةٍ عندما يتقدّمُ شخصٌ لخطبتي، تجيبُه نيابةً عني.. أينَ أنتِ يا أُمّي؟ كم أحتاجُ أنْ أرميَ نفسي في أحضانكِ؛ كي أشكوَ إليك وحدتي.. رغم أنّي لا أتذكّرُكِ أبدًا، لكنّ قلبي يُخبِرُني أنّكِ كُنتِ حنونةً وطيبةً؛ لأنّ أبي لا يتحمّلُ حتى ذكر اسمكِ أمامي لشدّةِ ألمه وحُبِّه لكِ.. رفعتُ يديَّ إلى السماءِ لأدعو لوالديّ: "اللهم ﻭﻣﺎ ﺗﻌﺪّﻳﺎ ﻋﻠﻲّ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻗولٍ، ﺃﻭ ﺃﺳﺮﻓﺎ ﻋﻠﻲّ ﻓﻴﻪ ﻣﻦ ﻓﻌﻞٍ، ﺃﻭ ﺿﻴّﻌﺎﻩ ﻟﻲ ﻣﻦ ﺣﻖٍّ، ﺃﻭ ﻗﺼّﺮﺍ ﺑﻲ ﻋﻨﻪ ﻣﻦ ﻭﺍﺟﺐٍ، ﻓﻘﺪ ﻭﻫﺒﺖُ ﻟﻬﻤﺎ، ﻭﺟﺪﺕُ ﺑﻪ ﻋﻠﻴﻬﻤﺎ، ﻭﺭﻏﺒﺖُ ﺇﻟﻴﻚ ﻓﻲ ﻭﺿﻊِ ﺗﺒﻌﺘِﻪ ﻋﻨﻬﻤﺎ، ﻓﺈﻧّﻲ ﻻ ﺃﺗﻬﻤُﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻧﻔﺴﻲ، ﻭﻻ ﺃﺳﺘﺒﻄﺌﻬما ﻓﻲ ﺑﺮّﻱ، ﻭﻻ ﺃﻛﺮﻩُ ﻣﺎ ﺗﻮﻟّﻴﺎﻩ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﻱ، ﻳﺎ ﺭﺏِّ ﻓﻬُﻤﺎ ﺃﻭﺟﺐُ ﺣﻘًّﺎ ﻋﻠﻲّ، ﻭﺃﻗﺪﻡُ ﺇﺣﺴﺎﻧًﺎ ﺇﻟﻲّ، ﻭﺃﻋﻈﻢُ ﻣِﻨّﺔً ﻟﺪﻱّ ﻣﻦ ﺃﻥْ ﺃﻗﺎﺻّﻬﻤﺎ ﺑﻌﺪﻝ، ﺃﻭ ﺃﺟﺎﺯﻳﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺜﻞ، ﺃﻳﻦ ﺇﺫًﺍ - ﻳﺎ ﺇﻟﻬﻲ - ﻃﻮﻝُ ﺷﻐﻠِﻬﻤﺎ ﺑﺘﺮﺑﻴﺘﻲ؟ ﻭﺃﻳﻦَ ﺷدّﺓُ ﺗﻌﺒِﻬﻤﺎ ﻓﻲ ﺣﺮﺍﺳﺘﻲ؟ ﻭﺃﻳﻦَ ﺇﻗﺘﺎﺭُﻫﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻔﺴِﻬﻤﺎ ﻟﻠﺘﻮﺳﻌﺔِ ﻋﻠﻲّ؟ ﻫﻴﻬﺎﺕ! ﻣﺎ ﻳﺴﺘﻮﻓﻴﺎﻥِ ﻣﻨّﻲ ﺣﻘَّﻬﻤﺎ، ﻭﻻ ﺃُﺩﺭِﻙُ ﻣﺎ ﻳﺠﺐُ ﻋﻠﻲّ ﻟﻬﻤﺎ، ﻭﻻ ﺃﻧﺎ ﺑﻘﺎضٍ ﻭﻇﻴﻔﺔَ ﺧﺪﻣﺘﻬﻤﺎ.." لقد حاولَ الشابُ المُستحيلَ لكي ينالَ رضا أبي، تحدّثَ إلى كثيرٍ من الأصدقاءِ والجيرانِ ولكن بلا جدوى.. وفي يومٍ ما مرضَ أبي، فخرجتُ لشراءِ الخبزِ شعرتُ بوجودِه، مشيتُ بخُطى حثيثةٍ كادَ قلبي أنْ يقفَ من شِدّةِ الخوفِ، أردتُ الإسراعَ فوقعتُ على الأرضِ.. سمعتُه يقولُ بصوتِه الحنون: - لا تخافي أرجوكِ، لن أؤذيَك سوفَ أرحلُ وجئتُ لأودِّعَك... أردتُ أنْ أصرخَ من كُلِّ قلبي: - لماذا ترحلُ وتتركني؟ هل استسلمت؟! لكنَّ عِفّتي وحيائي وديني لم يسمحوا لي أنْ أتحدّثَ معه ...أسرعتُ أكثر في المسيرِ ودموعي تترقرقُ في عينيّ... - أعلمُ أنّك فتاةٌ مؤمنةٌ ولا تستطيعين التحدُّثَ إليّ لكنّي مُضطرٌّ للرحيلِ وأعدُكِ أنّي لن أنساكِ وسأعودُ؛ لأنّك جوهرةٌ ثمينةٌ لا يقبلُ أبوك أنْ يُفرِّطَ فيك.. وأنا أيضًا لن أتركَك.. أسألُكِ الدعاءَ لي.. وداعًا... ثم تركني وذهب... آهٍ... ما أقسى هذه الحياة! إعصارُ العواطفِ الساكنُ انفجرَ كالبُركان، انهالتْ دموعي رسمتْ أخدودًا، حزنٌ وجرحٌ لا يلتئمُ.. تُرى من يشعرُ بفتاةٍ تنتابُها الوحدةُ القاتلةُ لكنّي فوّضتُ أمري للهِ (تعالى) إنّه بصيرٌ بالعبادِ وبجُرعةٍ من الشجنِ ودّعتُه وداعًا.. يا ظلي.. لقد علمَ كُلُّ أهلِ المدينةِ أنّ أبي يرفضُ أيّ شخصٍ يتقدّمُ لخِطبتي وكانَ هذا الشابُ آخرَ من طرقَ بابي. روحي المعذَّبةُ عاشتْ وهي تتذكّرُ كلماتِ الوداعِ من قلبٍ نقيٍ صادقٍ... يُتبَعُ...

القصص
منذ 6 أشهر
188

قهوةُ شتاءٍ(4)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء الرابع ماتَ أبي... وبقيتُ أُصارعُ الوحدةَ، ولكي أعيشَ في زمنٍ أغلبُه من ذئابِ الليلِ؛ فلا بُدّ أنْ أُطيلَ أظافري ﻷدافعَ عن نفسي. في كُلِّ مكانٍ كانَ هناك من يطمعُ بفتاةٍ وحيدةٍ تملكُ بيتًا صغيرًا... لكن.. لمُضي ربيعِ عمري كانَ ترتيبي بالنسبةِ للرجالِ أنْ أكونَ زوجةً ثانيةً... لم أُوافقْ أبدًا، لقد تصلّبَ وتجمّدَ إحساسي بالعواطفِ، ولم يكنْ هناك من يُدفئها غيرُ قهوتي التي أرحلُ معها إلى صفحاتِ الماضي بحلوِها ومرِّها. لم يبقَ لي سوى صديقتي وأُختي (هيفاء) التي كانتْ معي في الجامعةِ، بعدَ أنْ جمعَنا القدرُ، عندما تزوجت من جارنا (أُسامة)، وأنجبتْ منه بنتين جميلتين. لم تتركني أبدًا؛ فلها قلبٌ طيبٌ، ولكنّها سريعةُ الغضب، وهذا ما كانَ يجعلُها كثيرةَ الخلافِ مع زوجِها أُسامة الذي كانَ له نفسُ الطباع أيضًا. كنتُ كاتمةَ أسرارِها، تشكو لي... وكثيرًا ما كُنتُ أمسحُ دموعَها وأُخفِّفُ عنها، لكنّي لم أكنْ أنصحُها؛ إذ ليست لديَّ خبرةٌ بالحياةِ الزوجية. وجودُها في حياتي خفَّفَ عليّ وحدتي، فلم يكنْ لي سوى عملي وهي وابنتيها هبة ومروة الجميلتين؛ فمعهما كنتُ أعودُ إلى عالمِ البراءة، لكنّ غدرَ الزمانِ كانَ لي بالمرصاد. كنتُ لا أذهبُ إلى بيتِها أبدًا، وفي آخرِ خلافٍ بينها وبينَ زوجِها اتخذتْ قرارًا بالطلاق فذهبتُ إلى بيتِ أهلِها لأنصحها بتأجيل فكرةِ الطلاقِ، وتركِ زوجِها أُسامة حتى يهدأ، لكنّها أصرّتْ، ولأولِ مرةٍ لم تُخبرني بسببِ الخلاف. زوجُها كانَ يعملُ معي في نفس المكانِ، فأصرَّ في يومٍ ما أنْ نتحدّثَ، وتصوّرتُ أنّه يُريدُ أنْ أكونَ وسيطًا بينه وبين هيفاء؛ لأنّه يعلمُ مدى حُبّي لها، وبعدَ إصرارٍ منه وافقتُ أنْ نتكلّمَ في مكانٍ عام وفي كافيتريا الدائرة، حيثُ كُنّا نعمل، كانَ حديثُنا من الطبيعي جدًا؛ لأنّ أغلبَ اﻷوقاتِ كُنّا نتحدّثُ عن العملِ، ولم نتطرّقْ أبدًا إلى أحاديثَ خاصةٍ، إلا أنَّ هذه المرة حدثتْ كارثةٌ لم أتوقعْها أبدًا؛ جلسنا وطلبَ القهوةَ... - أعلمُ أنّكِ تُحبّين القهوةَ... - شكرًا ... - سوف أدخلُ في الموضوعِ؛ فنحن لسنا شبابًا صغارًا، وأنتِ فتاةٌ ناضجةٌ... - تفضَّلْ ... أحضرَ النادلُ القهوةَ، وكم كانتْ مُرةً بمرارةِ السؤالِ الذي سألني به... - هل تقبلين بالزواج مني؟ - ماذا؟! - أنا أريدُ أنْ أتزوّج بكِ.. أصابتني الدهشةُ والذهولُ، وكأنّي فقدتُ النُطقَ، وقفتُ وبيدي فنجانُ القهوةِ، ولشدّةِ غضبي ضغطتُ عليه حتى انكسر بقبضةِ يدي، وامتزجَ دمي مع مرارةِ القهوةِ.. لم أشعر بألمِ يدي، بل شعرتُ بتمزُّقِ روحي التي تناثرتْ مع قطعِ الزجاج. فارتبكَ وأخذَ المناديلَ ونادى النادل، عندَها وقفتُ وهممتُ بالسير، لكن قال: أستحلفُكِ بحُبِّكِ لهيفاء أنْ تسمعيني.. أدرتُ وجهي لأنّي كرهتُ النظرَ إلى وجهه... - إنّها بالنسبةِ لي خيانةٌ وإن كان الطلب مشروعاً... - -لطالما كُنتُ مُعجبًا بكِ؛ فأنتِ إنسانةٌ عاقلةٌ ومؤمنةٌ ولكِ شخصيةٌ قويةٌ وذكيةٌ... كانَ بودّي لو أنّي أمسكُ بخنجرٍ لأقطِّعَه به، التفتُ إليه وطأطأتُ برأسي ... - أتعتقدُ أنّي أتزوج على صديقتي صديقتي التي لم يَعُدْ لي في الحياةِ سواها؟! أتعتقدُ أنّي أستطيعُ أنْ أبنيَ سعادتي على حسابِ تعاستها؟! مشيتُ مُسرعةً .. - آنسة سارة، لقد أخبرتُها بذلك هُنا جنَّ جنوني، ولكنّي أطفأتُ نارَ غضبي عليه... - كيف تجرؤ على ذلك؟! ألهذا طلبتِ الطلاق منك؟! آهٍ يا حبيبتي هيفاء، إنّها لم تُخبِرني بذلك؛ كي لا تجرحَ مشاعري، رفعتُ عيني وكأنّي أرمي في عينيه سهامًا من نارِ الحقد... - إنْ كُنتَ تُريدُ الزواج بأخرى على من أحبّتْك بكُلِّ صدقٍ.... أُختي وصديقة عمري، فأنا من سيقفُ في وجهِك، وأنا من سأدافعُ عنها بكُلِّ وجودي وكياني؛ فأنا لن أخذل من أحبُّها أبدًا.... تركتهُ ورحلتُ ولم أسمعْ منه أيّ تعليقٍ أو ردٍّ على ما قُلتُه..... يُتبَعُ..

القصص
منذ 6 أشهر
250

قهوةُ شتاءٍ(5)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء الخامس عُدتُ إلى البيتِ ولا أعلمُ كيفَ وصلتُ بهذه السُرعةِ؛ فبيتي بعيدٌ جدًا عن مكانٍ عملي.. رميتُ نفسي على سريرِ أبي أبكي وأصرخُ: لماذا يا أبي لم تفكرْ بي؟ لماذا تركتني هكذا يطمعُ بي الرجالُ ضعيفو النفوس؟ كم أُحاولُ أنْ أتقي منهم وأغضّ بصري وأُبالغَ بحجابي لكي لا أكونَ فريسةَ أهوائهم.. احتضنت وسادتي وتحسّرتُ على حُضنِ أُمّي الذي لم أشعرْ به يومًا، بكيتُ... وبكيتُ.. وبكيتُ... وفجأةً رنَّ هاتفي.. آهٍ إنّها هيفاء.. ماذا أفعلُ؟ هل أُغلِقُ الهاتفَ أم أتحدّثُ معها؟! ما هذا الموقفُ يا إلهي؟! حاولتُ أنْ أُهدئَ نفسي لكي لا تشعرَ بي ... -أهلًا عزيزتي هيفاء ... - أّيّتُها الخائنةُ لقد تركتُ بيتي ولم أتحدّثْ معكِ حفاظًا على صداقتنا... - هيفاء، اسمعيني أرجوكِ.. لكنّها لم تسمعْ، وانهالتْ عليَّ بكلماتٍ لم أسمعْها في حياتي.. إنّها غاضبةٌ جدًا، أما أنا فكنتُ مُنهارةً، أشعر وكأنّي سأُفارقُ الحياةَ.. خُذْ روحي يا إلهي.. - لقد رأيتُكِ بعيني تجلسين معه أَيتُها .... أيّتُها.... أقفلتِ الهاتفَ؛ فلم يكنْ لي سوى أنْ أهيمَ مع أنيسِ المُستوحشين في الظُلَمِ وأرفعَ شكواي إلى محكمتِه العادلةِ ليرفعَ الظُلمَ الذي وقعَ عليّ. بعدَ أنْ أنهيتُ صلاتي هدأتُ؛ لأنّي أعلمُ علمَ اليقينِ أنْ سوف يتولّى الدفاعَ عنّي فهو نعمَ المولى ونعمَ النصير.. فقرّرتُ الرحيلَ بهدوء، هيّأتُ حقيبةً صغيرةً للذهابِ إلى قريتي الجميلة، قد أشعرُ بالهدوءِ هناك، وفي نفسِ الوقتِ أبتعدُ عن أسامةَ وهيفاء، ودعوتُ لهما بالحياةِ السعيدةِ.. اتصلتُ بالعمِّ جابر السائق، وهو رجلٌ كبيرُ السنِّ كُنتُ دائمًا ما أتصلُ به حينما أذهبُ إلى القريةِ؛ فأنا لا أثقُ إلا به.. في الطريقِ... تعطّلتِ السيارة ... -عمّي هل ستتأخّرُ في إصلاحِها؟ - نعم يا ابنتي، سأحاولُ إصلاحَها ولعلَّ أحدًا يمرُّ وتذهبين معه؛ لأنّ الوقتَ متأخرٌ وأخافُ عليك، فسيحلُّ الظلامُ قريبًا وهذه المنطقةُ نائية ولا حركة فيها ليلًا... انتظرنا كثيرًا لكن من دونِ جدوى، إذ لم تمر أيةُ سيارةٍ.. ولم يتمكنْ من إصلاحِها رغم كثرة محاولاته...حانَ وقتُ أذانِ المغرب - عمّي سأذهبُ لأُصلّيَ هناك قُربَ النهر ... - اذهبي، لكن لا تبتعدي عنّي كثيرًا يا ابنتي ... حاولتُ أنْ أجدَ شجرةً أختبئ خلفَها لأتوضّأ من ماءِ النهر، بدأتُ الصلاةَ وذابتْ روحي مع من أُحِبُّ، رفعتُ يديَّ بالدعاء وتذكّرتُ كلماتِ هيفاء القاسيةَ فانهمرتْ دموعي فجأةً.... سمعتُ صوتًا ظننتُ أنّه العمُّ جابر، ولكن لم يكنْ هو، بل كانَ صوتُ شابّينِ يمشيانِ بطريقةٍ غريبةٍ حاولتُ أنْ ألوذَ خلفَ الشجرةِ، وضعتُ يدي على فمي لأكتمَ أنفاسي التي ارتفعتْ من شِدّةِ الخوفِ وبدأتُ أردِّدُ الآيةَ الكريمة من سورة مريم: "إنّي أعوذُ بالرحمنِ منك إنْ كُنتَ تقيًا".. وعندما كُنتُ أسيرُ ببُطءٍ إلى الخلفِ لعلّي أستطيعُ الذهابَ إلى السيارةِ دونَ أنْ يشعروا بوجودي تعثّرتُ بصخرةٍ فعلموا بوجودي، ركضتُ.. مُستنجدةً بالله (تعالى) ربي أنْ ينقذني، وكانوا يركضون ورائي كالذئابِ عندما تجدُ فريسةً لتبدأ بنهشِ جسدِها وتقطيعها إربًا إربًا ... بدأتُ بالصُراخِ: عمّي جابر.. انقذني ...انقذوني ... أمسكَ أحدُهم بعباءتي لكنّه لم يستطِعْ أنْ ينتزعَها لأنّي أمسكتُها بقوة.. صرخاتي تعالتْ: يا مولاتي.. يا زهراء.. يا بنتَ أحبِّ الخلقِ إلى اللهِ تعالى.. استرني يا ربِّ بحقِّ الزهراء (عليها السلام).. ولكنّهم أمسكوا بي.. سمعَ صوتي العمُّ جابر.. المسكينُ جاءَ يركضُ.. ضربَ أحدَهم بقوّةٍ.. - اُهرُبي... يا ابنتي... اُهرُبي.. تابعتُ الركض... أحدُهم ضربَ العمَّ على رأسِه فسقط، وأما الآخر فركض ورائي.. سحبَ عباءتي فتمزّقتْ.. ركضتُ وصرخاتي تتعالى ولكن ليس من ناصرٍ ولا مُجيب.. ومن شِدّةِ الخوفِ والظلامِ لم أكنْ أرى فسقطتُ في النهر....... هل غرقت سارة؟! وماذا حدثَ للعمِّ جابر المسكين؟! هذا ما سنعرفُه في الجزءِ القادم....

اخرى
منذ 6 أشهر
219

قهوةُ شتاءٍ(6)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء السادس - ما اسمُك؟ - صابر . - ماذا تعمل؟ - تطوّعتُ في الحشد . - ماذا تُفسِّرُ وجودَك في موقع الحادث؟ - سيّدي قلتُ لك الحقيقةَ لكنّك لا تُصدِّقني . - قصتُك لا يعقلُها أحدُ.. أعِدْ ما قلتَه، فأنت مُتهمٌ بقتلِ شابٍ وضربِ رجلٍ كبيرٍ بالسنّ ومُحاولةِ الاعتداءِ على فتاةٍ، وهذا ما قاله شريكُك الذي أمسكناه معك وكان يُحاولُ الهربَ ... - سيّدي اللهُ يعلمُ أنّي لا أكذبُ وهو الكاذب .... سيدي كُنتُ جالسًا في خفارتي، وكان صديقي عماد قد ذهبَ للصلاة... رنَّ هاتفُ عماد، رأيتُ اسم والدِه، خفتُ أنْ يقلقَ عليه فأجبتُ: - أهلًا، ولدي عماد اتصلْ بالشرطةِ وقلْ لهم: أنا مع فتاةٍ، رأيتُ شابين يمرّانِ من أمامي أخافُ أنْ يفعلوا بها شيئًا.. وبسرعةٍ أخبرني بمكانه ولم يسمعني عندما أخبرته: إنّني لستُ عمادًا، فلم يكنْ لدي الوقتُ لأنتظرَ عمادًا، فركبتُ السيارةَ التي دائمًا نتجولُ بها في القرية.. كُنتُ قريبًا من المكانِ الذي دلّني عليه.. ذهبتُ مُسرعًا فرأيتُ شابًا يضربُ عمّي أبا عمادٍ على رأسه، فأُغميَ عليه، وكان يريدُ قتلَه.. - وكيفَ علمتَ بكُلِّ هذه التفاصيل في الظلام؟ - سيّدي كانَ المكانُ يسودُه الظلامُ، لكنّ ساعدني على الرؤية ضوءُ القمرِ وصفاءُ السماءِ، وكنتُ أحملُ مصباحًا دائمًا ما أحتاجُ إليه بسببِ طبيعةِ عملي.. ضربتُه ولكن لم أصِبْه، حاولَ ضربي بالمسدس، كُنتُ أسمعُ صوتَ الفتاةِ وهي تصرخُ... الأحداثُ كانتْ تسيرُ بسرعةٍ، حاولَ أنْ يهربَ، ركضتُ وراءه حاولَ قتلي وشلَّ تفكيري، ولكنّي كُنتُ أفكِّرُ بالفتاةِ التي تصرخُ.. ضربتُه على رأسه كي يفقدَ الوعيَ وذهبتُ لإنقاذِ الفتاة... وعندما أردتُ الذهابَ رفعَ مُسدسه.. في هذه اللحظةِ جلسَ العمُّ أبو عماد مُحاولًا إمساكه، فضربَه وأرادَ قتلَه ولم يكنْ لي خيارٌ إما أنْ أقتلَه أو يقتلَ هو العمَّ أبا عماد، فقتلتُه... ركضتُ بسُرعةٍ لإنقاذِ الفتاةِ، أطلقتُ بعضَ رصاصاتٍ على الشابِ الذي كان يركضُ وراءها، لكنّه كانَ بعيدًا عنّي.. لم أصِبْه، فهربَ وذهبتُ مُسرعًا؛ لأنّي رأيتُ الفتاةَ تغرقُ وأحضرتهم إلى المستشفى هي والعمَّ أبا عماد.. أرجوك يا سيدي أخبرني هلِ الفتاةُ بخير؟ وهل العمُّ أبو عماد بخير؟ فلا يهمّني إنْ كنتم تُصدّقونني أم لا؛ لأنَّ أمرَ الفتاةِ يُهِمُّني والعمُّ أبو عماد رجلٌ طيبٌ.. وأما أنا فافعلوا بي ما تشاؤون، لكن أرجوكم أخبروني - إنَّ محمود (أبا عماد) في حالةٍ خطرةٍ، والفتاةُ لم يُتيحوا لنا استجوابها، لقد رفضوا؛ فحرارتها مُرتفعةٌ ومُنهارةٌ نفسيًا، وهما الأملُ الوحيدُ لك في النجاةِ فهم الشهودُ على ما حدثَ.. أما الشابُ الذي هربَ فهو ابنُ أحدِ المسؤولين الكبار، وقد أُخليَ سبيله بكفالة. وقفَ صابرُ وهو يرتعشُ غاضبًا مُزمجرًا: - ماذا؟! أتتركونَ الذي حاولَ اغتصابَ فتاةٍ طاهرةٍ يرحلُ بكُلِّ سهولةٍ؟! - الحقيقةُ أنا مُتعاطفٌ معك، لكنّ والدَ الشابِ له نفوذٌ ولقد دوّنوا أقوالَه وقال: أنتَ من فعلَ كُلَّ هذا، وستبقى في السجنِ إلى أنْ يفيقَ أبو عماد أو الفتاة، ليشهد أحدهما بأنّك بريءٌ أما إنْ ماتَ أبو عماد ولم تكنِ الفتاةُ مؤهلةً للإدلاءِ بشهادتها، فتكونُ أنتَ المسؤولُ عن كُلِّ ما حدث. - سيّدي، إنْ كُنتُ فعلتُ كُلَّ هذا فلماذا أحضرُ الفتاةَ والعمَّ أبا عماد إلى المستشفى؟ - لقد قالَ ابنُ المسؤول: إنّك فعلتَ ذلك؛ لأنّك علمتَ بأنه رآك، فخفتَ أنْ يفتضحَ أمرُك.. جلسَ صابرٌ على الكرسي ... - رُحماك يا ربِّ؛ لا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ العليّ العظيم ... آهٍ كم من المؤلمِ أنْ يُتهَمَ الإنسانُ بجرائمَ لم يفعلْها، واﻷمرُّ من ذلك أنَّ صابرًا رجلٌ شجاعٌ وأنقذَ سارة والعمَّ محموداً.. ترى ماذا يُخبّئُ القدرُ لصابر؟ وما مصيرُ الفتاةِ الطاهرةِ المؤمنة سارة؟ وماذا سيحلُّ بالعمِّ محمود؟ يتبع ...

القصص
منذ 6 أشهر
234

قهوةُ شتاءٍ(7)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء السابع كان صابرُ اسمًا على مُسمّى؛ فما مرَّ به مرَّ كالعلقمِ بل أشدّ مرارةً؛ إذ احتلَّ الدواعش قريتهم، وأخذوا كُلَّ نسائها سبايا.. لكن كانَ هناك حكمٌ خاصٌ لبعضِ العوائلِ، فليسَ لهم حقٌّ في الحياةِ... كانَ الدواعشُ يعتدون على نسائهم ثم يقومون بإحراقهن، وهذا ما حدثَ لصابر؛ لقد أحرقوا أُمَّه وأخواتِه الثلاثةَ بعدَ قتلهم والدَه وأخاه الأصغر.. لم يكنْ في حينِها معهم؛ لذلك نذرَ نفسَه للدفاعِ عن الأرضِ والعرضِ؛ فالتحقَ بالحشدِ وحرَّرَ قريتَهم وحرَّرَ بعضَ العوائلِ التي كانتْ تحتَ أسرهم. مرّتْ ثلاثةُ أيامٍ وصابرٌ في السجنِ ولم يسمحوا لأيّ أحدٍ بزيارته، كانَ يجلسُ في زنزانتِه وحيدًا، وقد ضاقَ صدرُه فرفعَ يديه للمُناجاةِ والدُعاء: (ﻳﺎ ﻣُﺨﻠِّﺺَ ﺍﻟﺸﺠﺮِ ﻣِﻦ ﺑﻴﻦِ ﺭﻣﻞٍ ﻭﻃﻴﻦ! ﻳﺎ ﻣُﺨﻠِّﺺَ ﺍﻟﻨﺎﺭِ ﻣﻦ ﺑﻴﻦِ ﺍﻟﺤﺪﻳﺪِ ﻭﺍﻟﺤﺠﺮ! ﻳﺎ ﻣُﺨﻠِّﺺَ ﺍﻟﻠﺒﻦِ ﻣﻦ ﺑﻴﻦِ ﻓَﺮْثٍ ﻭﺩﻡ.. إلهي خلِّصْني من السجن) وأظهِرْ براءتي.. إلهي اشفِ هذه الفتاةَ؛ إنّها فتاةٌ مؤمنةٌ وطاهرةٌ وكانتْ في ابتلاءٍ صعبٍ.. إلهي إنْ خرجتُ من هُنا ولم تكنْ هذه الفتاةُ مرتبطةً بشخصٍ فسأتقدّمُ لخِطبتِها وسأُحافظُ عليها وأحميها من ذئابِ الدُنيا فلا بُدّ أنّها فتاةٌ وحيدةٌ؛ لذلك اضطُرّتْ للسفرِ وحدَها مع العمِّ أبي عماد. إلهي عافِ واشفِ العمَّ أبا عماد (اللهم إنّي مظلومٌ فانتصر)، وسجدَ يدعو اللهَ تعالى بكُلِّ خضوعٍ وخشوعٍ، وبعدَ أنْ أنهى سجدتَه فُتِحَ بابُ السجن... - صابر، لقد جاءَ شخصٌ لزيارتك . - من؟! - لا أعلم.. وعندما ذهبَ إلى المكانِ المُقرّرِ للزيارةِ رأى عمادًا فاحتضنَه وبكيا... - أخي صابر، لقد حاولتُ زيارتَك كثيرًا ولم يسمحوا لي، إلا بعدَ أنْ استفاقَ أبي اليومَ، ودوّنوا شهادتَه.. لم تتبقَ إلا بعضُ الإجراءاتِ لأُخرِجكَ من السجنِ إنْ شاء الله (تعالى)... سَجَدَ صابرُ شكرًا للهِ (تعالى) على ظهورِ براءته: شكرًا لك يا ربّي فأنتَ أرحمُ الراحمين.. - أخي صابر، لقد اختاركَ اللهُ تعالى لإنقاذِ أبي وهذهِ الفتاةِ الطاهرةِ، في الوقتِ الذي لم أكنْ موجودًا، وإلا كُنتُ أنا في مكانِك الآن.. أشكرك يا أخي وجزاك اللهُ خيرَ الجزاء ... - الحمدُ للهِ على كُلِّ حالٍ، والشكرُ لله، فأبوك رجلٌ طيبٌ، الحمدُ لله على سلامتِه.. ولكن أبشِرْ ما حالُ الفتاة؟ - مسكينةٌ، لحدِّ الآن تعتقدُ أنّها مُطاردةٌ، وتستنجدُ كُلّما استيقظتْ ويُحاوِلُ الأطباءُ إعطاءَها المُهدِّئات.. رأيتُ الدكتور اليومَ وقالَ: إنّها في حالةِ صدمةٍ، ولكنّها ستهدأُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى) بمرورِ الأيام.. الفتاةُ المسكينةُ ليس لها أحدٌ يعتني بها، فذهبت أختي لتسهرَ على راحتها ... - باركَ اللهُ بك يا أخي عماد، ووفّقَ اللهُ تعالى أختك فأنتم أُناسٌ طيبون .... - اليومَ أخبرني أبي أنّ هذه الفتاةَ عندها صديقةٌ تُحِبُّها جدًا فطالما كانتا معًا، وكان أبي هو من يتولى إيصالهما عند خروجهما إلى بعض الأماكن، لذا فهو يعرف عنوان بيتها، وقد أعطانيه، وسأذهبُ غدًا إن شاء الله (تعالى)؛ فاليوم أحضرتُ المحامي لإنهاءِ إجراءاتِ إخراجك من السجن. يُتبَعُ...

القصص
منذ 6 أشهر
288

قهوةُ شتاءٍ(8)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء الثامن استقرّتْ حالةُ سارة قليلًا، جلستْ على سجّادتِها وبدأتْ تُناجي حبيبَها: إلهي أعلمُ أنّك أنقذتني عندما استنجدتُ بحبيبتِك وابنةِ حبيبِك (صلواتِك عليه وعلى آله)... إلهي وسيّدي أنتَ تعلمُ كيفَ حافظتُ على نفسي وبالغتُ في حجابي خوفًا من العيونِ الخائنةِ والنفوسِ الضعيفةِ، ولكنّي ابتُليتُ بفقدِ صديقتي الوحيدةِ بسببِ زوجِها، وأنتَ تعلمُ أنّي لم أكنْ أعلمُ أنّه يُريدُ الزواجَ بي، فكُلُّ ظنّي أنّه يُريدني أنْ أكونَ وسيطةً بينَه وبينَ زوجتِه؛ لأنّه يعلمُ كم أُحِبُّها وكم هي تُحِبُّني، لكنّ كلامَها جرحني جدًا ولا أُصدِّقُ أنّ جرحي سيُشفى ففكّرتُ أنْ أرحلَ فتوكّلتُ عليك.. يا تُرى ما الحكمةُ لما حدثَ لي؟! فيا حبيبي وربّي ليسَ لي غيرُك "اللهم أبدِلْ مُصيبتي خيرًا"، واجعلني مع المستشهداتِ لحُبّك وبينَ يديّ وليك. وانفجرتْ بالبُكاءِ بحُرقةٍ حتى كادتْ أنْ تفقدَ الوعيَ. كان صابرُ وراءَ البابِ يسمعُ كُلَّ ما قالتْه سارة وقد سالتْ دموعُه، في هذهِ الأثناءِ مرّتْ أُختُ عمادٍ ورأتْ صابر ... - كيفَ حالك يا أخي صابرُ؟ الحمدُ للهِ على سلامتِك، وأشكرُك كثيرًا لأنّك أنقذتَ أبي وهذه الفتاة المؤمنةَ؛ لقد أرسلكَ اللهُ لتنقذَها في الوقتِ المُناسب. حاولَ صابرُ أنْ لا ترى أُختَ عمادٍ دموعَه، فمسحَها بمنديلِه بسُرعة.. - الشكرُ للهِ يا أُختي؛ لا شكرَ على واجبٍ، والشكرُ لكِ لأنّك تركتِ أولادَك وزوجَك، وسهرتِ على رِعايةِ الفتاة، فجزاكِ اللهُ خيرًا ... - لم أفعلْ شيئًا، نحنُ كُلُّنا أخواتٌ في اللهِ، فماذا لو حدثَ نفسُ هذا الشيءِ لا قدّرَ اللهُ لإحدى أخواتي أو بناتي؟! فهذا واجبٌ علينا، وهكذا علّمَنا دينُنا أنْ نُحِبَّ بعضُنا بعضًا - أخي، لقد أخبرتُ سارة بكُلِّ ما حدثَ، وهي تُريدُ أنْ تراك وتشكرَك. شرد ذهني بعيدًا، فسارة صوتُها ليس غريبًا عليّ، هل من المُمكنِ أنْ تكونَ؟...لا لا ليسَ من المعقولِ يا صابر، فالظاهرُ أنَّ السجنَ أفقدَك صوابَك.. _أخي، ماذا بك؟! أينَ شردَ ذهنك؟! - لا يا أُختي، إنّها تُصلّي الآن سوف أرجعُ في وقتٍ آخر.. أهمُّ شيءٍ أنّي اطمأننتُ عليها.. سأذهبُ الآنَ في أمانِ اللهِ.. بلّغيها تمنياتي لها بالشفاء العاجل ... - في أمانِ الله يا أخي، يحفظُك اللهُ.. دخلتْ أختُ عمادٍ، فرأتْ سارةَ وقد أُغميَ عليها، أسرعتْ ونادتِ الطبيب... أما صابرُ فاتصل بعماد... - عماد أرسِلْ لي رقمَ صديقةِ الفتاةِ التي غرقت - لماذا؟ - سأخبرك لاحقًا... أرسلَ العنوانَ، إنّه نفسُ العنوان، يا إلهي هل هي نفسُها أم أنّها صدفةٌ؟ عندما وصلَ إلى بيتِ هيفاء استغربَ أكثر؛ إنّه بيتُها .. لا، قد تكونُ مُصادفةً.. وهو يُحدِّثُ نفسَه مُتسائلًا طرقَ البابَ، فتحتِ البابَ امرأةٌ ... - السلام عليكم ... - عليكم السلام ... - أختي هل زوجك موجود؟ - نعم ... - أسامة، تعالَ هُناك رجلٌ يريدُك ... - السلام عليكم .. - عليكم السلام، ماذا تريدُ يا أخي، فأنا لا أعرفك؟ - أنا صابر، جئتُ أتحدّثُ إليكم بخصوصِ الأختِ سارة.. ركضت هيفاء ودموعُها تجري: - من؟! سارة؟! أين هي؟! أنا قلقةٌ عليها، هل حدثَ لها مكروهٌ؟! - تفضّلْ يا أخي لنعرفَ ماذا حدثَ للأختِ سارة؛ فنحن قلقان عليها جدًا.. جلسَ وحدّثَهما بكُلِّ ما حصلَ، كانتْ هيفاءُ تبكي... - آهٍ يا حبيبتي سارة، كيف اتهمتُك؟! كُلُّ ما حدثَ بسببي.. أما أسامةُ فقد شعرَ بالذنبِ والحرجِ وأنزلَ رأسَه إلى اﻷرض خجلًا ممّا فعلَه، فلقد حدّثَ هيفاء عن موقفِ سارة وحُبِّها لها وكيفَ أنّه ندمَ على ما فعله ... - لا يا هيفاء، الذنبُ ذنبي... تألّمَ صابرٌ جدًا لحالِ هذه الفتاةِ المؤمنة: - إنّ المؤمنَ مُبتلى، ساعدَ اللهُ قلبَها... وأخبرهما برغبته بالزواجِ منها إنْ لم تكن مرتبطةً بأحدٍ، فرحتْ هيفاءُ جدًا وقالتْ: - هي غيرُ مُرتبطةٍ، أنا أعرفُ كُلَّ شيءٍ عن حياتِها ... خجل صابرٌ أنْ يسألهما عن تفاصيل حياتها، وقالَ في سِرّه: - إنْ كانتْ هي، أم لم تكنْ؛ فقد عاهدتُ ربّي أنْ أتزوّجها وأصونَها وأتمنّى أنْ توافق.. ......................................... ترى هل هي سارة أم لا؟ ما رأيكم؟ يتبع...

القصص
منذ 6 أشهر
202

قهوةُ شتاءٍ (9)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء التاسع صابر وعماد يركبان مع العمِّ محمود للذهابِ إلى بيتِ سارة بعدَ أنْ خرجتْ من المستشفى ووافقتْ على الزواج من صابر بشرط أنْ يعيشَ معها في بيتِها؛ لأنّها لا تستطيعُ أنْ تتركَ المكانَ الوحيدَ الذي يربطُها بوالِدها، رغمَ أنّ صابرًا لم يوافق لكنّ عماداً وأباه العمَّ محمودًا أقنعاه بذلك.. - ما بك يا صابر؟ ترتجفُ، ووجهك شاحبٌ، إنّه أجمل يومٍ في حياتك، يجبُ أنْ تكونَ أسعدَ إنسانٍ فقد رزقك اللهُ بفتاةٍ طاهرةٍ وأنت تعلمُ نحنُ في زمنٍ أصبحَ من الصعبِ الحصولُ على زوجةٍ صالحة. - لا أعلم، أشعرُ أنّ قلبي سيقفزُ من صدري من شِدّةِ الخوف صدِّقْني عندما كُنتُ أقاتلُ في ساحةِ المعركةِ ضدّ داعش الذين لا يوجدُ في قلوبِهم رحمة لم أكن خائفًا مثل الآن.. ضحك عمادٌ بصوتٍ مُرتفعٍ وضحكَ العمُّ محمودٌ وقال: - معك حقٌّ يا ولدي؛ فإنّ المعركةَ تبدأ بعد الزواجِ، وهي أشدُّ وأصعبُ من ساحاتِ القتالِ.. ضحك عماد وقال: - ها يا أبي سوفَ أُخبرُ أُمّي بذلك. - بالله عليك يا ولدي لا تُخبرها، وإلا سوف أذهبُ معك بعد زواج صابر.. قال صابر: - عماد فلنرجع .. عماد والعم محمود: ماذا؟! قال صابر: - أخشى أنّي نسيتُ حقيبتي.. أجاب عماد: - لا أنا وضعتُها في السيارة ... - إذا أخشى أنّي نسيتُ المستمسكات ... - لا، إنّها معي؛ خشيتُ أنْ تفقدَها من شِدّةِ خوفِك فوضعتُها عندي... - أنا لا أوافقُ على أنْ أعيشَ معها في بيتِ أبيها.. لماذا تفرضُ هذا الشرط؟ يجبُ على المرأةِ أنْ تسكنَ في بيتِ زوجِها ... - يا ويلتاه.. سوف أنتحرُ؛ لقد تحدّثنا بهذا الأمرِ ووافقتَ أنت؛ إنّها فتاةٌ مسكينةٌ.. هذا البيتُ هو الوحيدُ الذي يُذكِّرُها بوالدِها فهي لا تملكُ من أهلِها سوى الذكريات ... - نعم، تذكّرتُ لا يجبُ أنْ أظلمَها ولكن.... - ماذا بعد يا صابر؟ - ماذا لو كانتْ ليستْ سارة؟! قصدي سارة التي أعرفها؟ - أيضًا تناقشنا في هذا الموضوعِ، وقُلتَ إنّك عاهدتَ اللهَ أنْ تتزوجَها وقد تكونُ سارة التي تعرفها أنت قد تزوّجتْ وأنجبتْ، فيجبُ عليك أنْ تنساها؛ فقد أصبحتْ من الماضي ويجبُ أنْ تعيشَ حياتَك مع سارة بنيّةٍ صادقةٍ ولا تُفكِّرُ بامرأةٍ غيرها. - صحيح ...صحيح يجبُ أنْ أُخلِصَ في نيتي. وصلوا بيت سارة، صابر تجمّدَ في مكانِه كأنّه قد شُلَّ، ترجّل عمادٌ والعمُّ محمود من السيارة وأنزلا الحقائبَ وأرادا أنْ يُطرقا البابَ فأدارَ عمادٌ وجهَه وسألَ أباه: - أين صابر؟! - لا أعلم، ظننتُ أنّه يسيرُ خلفنا! - يا إلهي، إمّا أنْ أقتلَ نفسي أو أقتله.. رجعَ عماد إلى السيارة فوجد صابر متجمّدًا في مكانِه، فصرخ: - صابر أخرج ... فزع صابر وخرج مُسرعًا: - ها قد وصلنا؟ - نعم، وصلنا... دقَّ عمادٌ جرسَ البابِ فتحَ أسامةُ البابَ؛ لأنّهم عائلةُ سارةَ الوحيدة.. أراد عماد الدخولَ التفت ونظرَ إلى والده: - أين صابر؟ ألم أقُلْ لك أنْ تمسك بيده؟! - أمسكته لكنّه قال إنّه نسيَ شيئًا في السيارة ... - آهٍ، قلبي.. سأموتُ.. إنّه يكذب.. سأذهب لإحضاره.. أدخل أنت وسوف ألحقُ بكم. أما سارة فلم تكنْ أفضلَ حالًا من صابر؛ لأنّ هيفاء أرادتْ أنْ تُجَنّ، فبعدَ أنْ وضعتْ لسارة مساحيق التجميل وذهبتْ لتُلبِسَ بناتِها رجعتْ ورأتْ سارة جالسةً على سجادتها تصلّي وقد أزالتْ عن وجهِها مساحيقَ التجميلِ، فقالت: - يا إلهي.. سوف أقفزُ من النافذة وأنتحر؛ لقد استغرقتُ ثلاثُ ساعاتٍ بوضعِ مساحيقِ التجميلِ لكِ، ماذا فعلتِ؟! أكملتْ سارةُ صلاتها، وقالت: - أعتذر؛ لقد نسيتُ أن أتوضأ، وقد حانَ وقتُ صلاةِ المغرب، ولم أشأ أنْ يمضي وقتُ الفضيلة.. - لقد دُقَّ جرسُ الباب، معناه جاءَ العريس، ماذا سأفعل؟ - سأخرجُ هكذا لا يهم. - ماذا؟ هل تُريدينني أنْ أفقدَ عقلي بسببكِ؟! طبعتْ سارةُ قبلةً على جبينِ هيفاء وقالت: - ضعي قليلًا من هذه المساحيق؛ فأنا لا أُحِبُّها أرجوك ... - حسنًا، الأمرُ للهِ.. اجلسي، لكن إنْ مسحتِها سأقتلُ نفسي. - لا، لا.. صدِّقيني، لن أمسحها، أعِدُكِ.. أمسكت هيفاء بيد ساره ... - ما هذا؟! إنَّ يدَك باردةٌ جدًا وترتجفين.. سأُخبِرُ أختَ عمادٍ لتصنعَ لكِ فنجانَ قهوة ... - نعم، كم أُحِبُّ القهوة.. يتبع.. انتظروني مع الجزء القادم إنْ شاء الله (تعالى).

القصص
منذ 5 أشهر
207

قهوةُ شتاءٍ(10)

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي الجزء العاشر والأخير خرجَ عمادٌ يبحثُ عن صابرٍ، فوجدَه واقفًا وينظرُ إلى نافذةِ سارة من بعيدٍ، ركضَ وضربَه! - لماذا ضربتني يا عماد؟! لم أفعلْ لك شيئًا - ماذا لم تفعل؟! سوف تكونُ سببًا في موتي المُبكِّر.. لماذا تركتني؟! - تذكّرتُ عندما كُنتُ أجلسُ هُنا وأنظرُ إلى نافذةِ سارة... قلبي يُحدِّثُني ويقولُ إنّها هي، عندما ذهبتُ إلى المُستشفى سمعتُ صوتَها لكنّي عندَما رأيتُها لم أستطعِ النظرَ إليها بتمعُّنٍ ﻷتأكّدَ خجلًا.. وهي أيضًا كانتْ تُبالغُ في حجابها ... - حسنًا الآن تذهبُ وتتأكّدُ ... أخرجَ عمادٌ حبلًا من جيبه كانَ يربطُ به الحقائبَ وأوثقَ يدَه بيدِ صابرٍ وسحبَه - ما هذا؟! هل سنذهبُ إلى السجن ... - نعم، إنّه سجنُ الحياةِ الزوجيةِ.. وقهقهَ بصوتٍ مُرتقع.. آهٍ لو تسمعُ زوجتي وأُمّي، سنبيتُ أنا وأبي في الشارع.. تمَّ العقدُ وكانتِ الحفلةُ بسيطةً ببساطةِ صابرٍ وسارة، خرجَ الجميعُ مُهنِّئين لهما.. حانَ موعدُ اللقاءِ اﻹلهي بينَ قلبينِ نقيينِ طاهرينِ، لم تُلوِّثْهما مواقعُ التواصُلِ التي أصبحتْ مُستنقعًا لنعيقِ الضفادعِ، يتغازلون في ظُلُماتِ الليلِ، وفي مُستنقعاتِ الوحل! إنَّ صابرًا وسارةَ كالعصافيرِ التي تُغرِّدُ وتطيرُ في وَضَحِ النهار، تزفهما الملائكةُ وتستغفرُ لهما، وينظرُ إليهما اللهُ (تعالى) بعينِ الرحمةِ والرضا؛ لأنهما اتبعا القانونَ الإلهي في لقائهم الإيماني.. عندما رفعَ صابرٌ الخمارَ الأبيضَ الذي كانَ يشعُّ بنورِ وجهِ سارة، والذي جعلَها أكثرَ جمالًا، نظرَ إليها ونظرتْ إليه؛ لأنّها لم تره من قبل أبدًا لخجلِها، وجلسا على الأرضِ من شِدّةِ الصدمة.. كأنّ الزمنَ توقّف.. - إنّها أنتِ! - إنّه أنتَ! - سارة التي طالما انتظرتُها ... - وأنت ظِلّي الذي طالما كُنتُ أهربُ من التفكيرِ به؛ لخوفي من ربّي ولكنّي لم أنسَه أبدًا.. - فلنسجدْ للهِ شُكرًا... سجدا شكرًا للرحمنِ الذي يهبُ من يشاءُ بغيرِ حساب ... - سأكونُ لكِ وطنًا تأمنين فيه ... - وسأكونُ لك أرضًا ... - سأكونُ لك سماءً تُمطِرُ عليكِ وتُنبتين لي أجملَ الزهور ... - وسأكونُ لكَ شمسًا تُنيرُ طريقَك لكي لا تطأ قدماك الأشواكَ ... - سأكونُ لكِ ليلًا يُغطّيك بعباءته السوداء كي لا يراكِ غيري، يا نورَ عيني... انتهى... بعدَ أنْ أكملتُ كتابةَ القصةِ، علمتُ أنّ اللهَ (تعالى) رزقهما بتوأمينِ في مُنتهى الجمالِ..

القصص
منذ 5 أشهر
179

اللُعبـــــــة

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي وضعني سيّدي في زنزانةٍ ذهبيةٍ مُزخرفةٍ تُسِرُّ الناظرين، كُنتُ أتطلّعُ من خلفِ القُضبانِ إلى أصدقائي وهم يطيرون ويُغرِّدون بأعذبِ الألحانِ لكنّي كُنتُ أعزفُ سمفونيةَ العبوديةِ الممزوجةِ بأدمعِ الشَجَنِ المُلتهبةِ... توسّلتُ وتوسّلتُ حتى أشفقَ عليَّ سيّدي وفتحَ بابَ الزنزانةِ.. في الوهلةِ الأولى تقدّمتُ خطوةً فانتابني الشعورُ بالوجلِ كيفَ سأخرجُ؟! إنّي لم أُجرِّبْ جناحيَّ حتى! لكنّي رأيتُهم يُغرِّدون لي من بعيدٍ فأغمضتُ عينيَّ وبسطتُ جناحيَّ وطرتُ عاليًا.. تغيّرَ صوتي وبدأَ يعزفُ على ناي الحريةِ، لكن لم أكنْ أعلمُ أنّي أطيرُ على مُستنقعِ التماسيح وجميعُ من فيه كانَ يُريدُ افتراسي وتقطيعي إربًا إربًا، صرختُ فساعدني أصدقائي الطيّبون وها أنا أعودُ أدراجي وأُغلِقُ البابَ بيدي! أُغرِّدُ بكُلِّ كبرياءٍ.. قال لي سيّدي: - لن أقفلَ البابَ؛ لقد تعلّمتَ درسًا ... - نعم يا سيدي، تعلّمتُ الكثيرَ؛ تعلّمتُ أنّك سجنتني من فرطِ حُبِّك لي لكن هلّا أخذتني معك وظلّلتني بحُبِّك تحتَ أشعةِ الشمسِ وأغدقتَ عليّ حمايةً كي لا تنهشني ذئابُ الطُرُقات.. فابتسم...

اخرى
منذ 5 أشهر
157

محاسبة النفس أنا وأنا

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي على ضفافِ النهرِ جلستْ، نظرتُ إليها على صفحاتِ الماءِ تُبحلِقُ في وجهي بوَجَلٍ، في صراعٍ مريرٍ هوينا.. وبّختُها.. عاتبتُها.. زمجرتُ في وجهِها.. بل وضربتُها بقسوةٍ فتطايرتْ قطراتُ الماءِ وامتزجتْ مع دمعي الهتون يُرقرِقُ.. وبعد هُنيئةِ صمتٍ، لاحتْ في وجهِها بوادرُ الشَجَنِ، تعالتْ صرخاتُها وهي تستغيثُ من قسوةِ الزمانِ وقسوتي، ضممتُها بودٍّ، تهامسْنا بنبضاتِ الأملِ، نهضْنا معًا لنواجِهَ أمواجَ التحدّيات.

اخرى
منذ 5 أشهر
227