Profile Image

غدير فاضل

أميــرةُ الشــام

بقلم: غدير فاضل بينَ الحُبِّ والحنان، وبينَ النورين، بين قناديلِ السماءِ ولِدَتِ الحوراءُ زينبُ، تربّتْ وترعرعتْ في بيتِ النبوّةِ، بين حجر ولي الله وسيّدةِ النساء.. خُلِقَتْ لتكونَ جبلَ الصبرِ وأميرةً مُدلّلةً في بيتِ أبيها، تربّتْ على الأخلاقِ الفاطميةِ والصفاتِ العلوية، غُرِسَ في قلبِها الشموخُ والإباءُ، والعفافُ والحياءُ. أمستْ تخرجُ والحسنُ (عليه السلام) عن يمينِها، والحُسينُ (عليه السلام) عن يسارها، وأبوها (عليه السلام) أمامَها يُخفِتُ الأضواءَ ليمُرَّ طيفُ زينب وتخط عباءتها أرضَ الزقاق، وتُحلِّقُ الطيورُ مُهاجرةً خجلًا من سيّدةِ العفاف.. كانتْ كالفراشةِ الصغيرةِ تحومُ حولَ أُمِّها (عليها السلام) تركضُ إلى حِجرها، وتضمّها لأضلاعِها، وتسمعُ دقّاتِ قلبِها وتستظِلُّ بحنانِها، تشمُّ عطرَ الجنة بها، تحفظُ حركاتِها وتُحدِّقُ بجمالِها، وتصغي لكلماتِها الدافئة.. وما هي إلا سنواتٌ قلائل حتى أصبحتْ تركضُ لتضمَّ والدتَها فتراها تتألّمُ، فباتتْ تنامُ وتصحو على صوتِ أنينِها وصوت نحيبِها وأنفاسِها المُتقطِّعة. وما هي إلا أيامٌ حتى فقدتْ أُمَّها، لتكونَ هي الأمَّ لأخويها. ومضتْ سنواتٌ أخرى وفقدتْ أباها (عليه السلام)، وهكذا نقلتْ لها الأيامُ فاجعةً تليها فاجعةٌ، فتعلمتِ الصبرَ وشكرتِ اللهَ (تعالى) على كُلِّ ما مضى وما هو آتٍ.. فأصبحتْ مدرسةً للصبر بعد فقدِ أخيها (عليه السلام) مسمومًا وهو على فراشِ الموتِ أمامَ ناظريها.. فصبرًا جميلًا والله المُستعان، ألمٌ يُرافقهُ صبرٌ، وحُبٌّ يُرافقهُ راحةٌ بجوار الحُسين (عليه السلام) حتى صار أُمَّها وأباها وأخاها، إلى أنْ جاء أمرُ الله (تعالى) بالسيرِ إلى كربلاء فحطّتْ قدميها على أرضِ نينوى وهي تعلمُ ما سيجري لها وبأخيها وبالعيالِ والنساء، وتقفُ مع إمامِ زمانِها كالجبلِ الثابتِ لا تهزه الريحُ، مؤمنةً بقضاءِ اللهِ (تعالى) وقدرهِ.. وفي اليوم العاشر من المحرم بدأتْ مسيرةُ زينب (عليها السلام) بينَ السبايا أسيرةً من بلدٍ إلى بلدٍ، لم تنظرْ عن يمينِها ولم ترَ عن شمالها إلا الأعداء وهم يوسعون السبايا من النساء والأطفالِ ضربًا وزجرًا، فتسيلُ الدموعُ من عينيها المتورمتين وقلبُها مُقطع الأنياطِ.. تنظرُ إلى السماءِ صارخةً من أعماقِ قلبِها: يا ربّ، أرضيتَ؟! فخُذْ حتى ترضى! تُرافقُها كلماتُ التحميد والتهليل. وحمت عيالَ الحُسين (عليه السلام) وأدّت دورَها بإكمالِ رسالة أخيها ونصرةِ إمامِ زمانها (عليهما السلام). وقفتْ أمامَ يزيدَ بكلماتِها التي تملؤها القوةُ، حملتْ بجوارِها أخلاقَ أُمِّها وأبيها، وخطبت خُطبتَها وبقيتْ مُدافعةً عن الحقِّ حتى وفاتها. كُلُّنا يبحثُ عن نصرةِ إمامِ زمانهِ (عليه السلام)، فلننصرهُ كما السيدة زينب (عليها السلام) حين نصرته، ننصره بالأخلاقِ، بالعفّةِ والحياء، بالنهي عن المنكر، بالتمسًكِ بكتابِ الله (تعالى) وعترتهِ الطاهرة (عليهم السلام). فلنقفْ مع أنفسِنا الأمّارة كوقفةِ زينبَ (عليها السلام) حين وقفت أمامَ الشقي مُدافعةً عن إمامِ زمانِها وسيّدها. فلنقف أمامَ كُلِّ شقي، كُلّ من يحاولُ سلبَنا العفّةَ والحياء، كُلّ من ينشرُ المعازفَ والغناءَ، نقفُ وقفةً كالسورِ الحصين أمامَ كُلِّ من يُعادي دينِنا ويُحاولُ أنْ يُغيّر مُعتقداتِنا وتربيتِنا التي اتصفنا بها من أخلاقِ آلِ بيتِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله).. فلنكن كزينبَ أميرة الشام، فخر المُخدراتِ، فلنتعاون على الوصالِ لتعجيلِ فرج إمامِ زماننا (عجل الله فرجه) الذي حجبتهُ الذنوب وباعدتهُ القبائح عن ناظرينا... فهل مِن مُعين ..؟

اخرى
منذ سنة
867