تشغيل الوضع الليلي

زوجتي هي المشكلة!

منذ سنة عدد المشاهدات : 1455

بقلم: نجلاء المياحي
من أسئلتكم
السؤال:
حين أدخل البيت لا أشعر بالراحة التي يجب أن يشعر بها الإنسان حين يدخل بيته، والسبب في ذلك زوجتي التي لا يبدو أن لمطالبها نهاية، ففي كل مناسبة تريد أن نخرج من البيت ونمضي الوقت في التنزه والتسوق وهذا يحرجني جدًا لأني إنسان ملتزم جدًا وهي أقل مني التزامًا حتى حجابها ليس كما أريد.
الآن قرب عيد الفلنتاين وبالتأكيد ستطلب الخروج من البيت إلى الحدائق والمتنزهات، وأنا من الآن في همٍ عظيم، أرشدوني ما العمل معها؟
الجواب:
في حقيقة الأمر زوجتك ليست هي المشكلة بل المشكلة هي أنت أخي الفاضل...
هل تساءلتَ يومًا لمَ لا يُجيز الإسلام للمرأة الزواج من غير دين إطلاقًا؟
نحن لا نعرف الملاكات الواقعية للأحكام، ولعل السبب هو التالي:
أن مشاعر المرأة -عمومًا- تؤثر على تصرفاتها بشكل كبير، فإن أحبت رجلًا كانت على استعداد للتخلي عن كل شيء لأجل رضاه، فمعنى الحب عندها مرتبط بالاتباع والانقياد لمن تحب، ولو أحبت رجلًا من دين آخر لكان تنازلها عن دينها لأجل من تُحب أمرًا ممكنًا على الأقل لبعض النسا،ء وعليه نرى عموم الأديان ترفض زواج بناتها من أديان أخرى لمدى تأثير الحب على قلب المرأة.
وعليه ركز على إن الإتباع عند المرأة ناتج حب لا غير، تتبعك وتفعل ما تريده أنت شرط أن تحبك أولًا.
وفي الحقيقة مشكلتك هذه، أنت لم تجعلها محبة لك كما يجب لتتبع آراءك وتكون كما تريد، وتفعل المستحيل لرضاك.
أنت لم تفرط في حبها حتى يظنك الناس عبدًا لها لتطلب أن تكون لك أمةً بدورها.
نعود لمسألة الخروج من البيت والتنزه الذي تطلبه زوجتك أخي الفاضل، صدق من قال: إن المشاكل نتاج عقولنا وعلى أرض الواقع ليس منها إلّا ١٠% .
ما الضير في أن تطلب زوجتك منك أن تخرجا من البيت للتسوق أو المتنزه؟
هل كل خروج من البيت محرمًا؟
تأمل في كتابه تعالى وانظر كيف نحن نخلق محرمات وقيودًا لم يفرضها الله تعالى علينا لنحول حياتنا وحياة من حولنا جحيمًا لا يطاق.
قال تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ) (1).
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) (2).
كل مكان سيء في أي بلد كان ولا يليق بمؤمن التواجد فيه يوجد في مقابله عشرات الأماكن المحترمة التي يُباح لأي مؤمن الذهاب إليها والجلوس فيها والتمتع بما أحل الله تعالى لعباده المتقين من ملذات الحياة الدنيوية.
عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "سافروا تصحوا سافروا تغنموا" (3)
بما أنك ترى أنها تحب أن ترفّه عن نفسها بالخروج معك والافتخار أمام صديقاتها وأهلها بأن زوجها يهتم بها ويرجو رضاها أقترح عليها بنفسك أن تخرجا معا لزيارة المعصومين (عليهم السلام) أو العشاء في مطعم ما، أو الذهاب للحدائق الجميلة كل فترة وارفق بزوجتك ووفّر لها ما تريد.
قال تعالى (وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ) (4).
واعلم أن خير الناس من ينصف الناس حتى من نفسه فكل مطالب زوجتك المحترمة مباحة ولا إشكال فيها لا شرعًا ولا عرفًا.
يمكنك بمحبة وود الطلب منها أن تلتزم بحجابها أكثر حتى تصل للحد الشرعي المعروف واليسير ولا تطلب منها ما ليس واجبًا فقط لأنك ترى أنه أفضل.
واطلب منها التزين واهتم بزينتها وأناقتها في البيت، بل بادر أنت لشراء مستلزمات الزينة من مكياج وثياب رائعة كهدايا في مناسبات دينية أو ذكرى ولادتها أو زواجكما كي لا تضطر للتزين في مكان آخر للحصول على الإطراء وإشباع رغبتها الفطرية بأن تكون الأجمل في عين أحدهم.
المرأة تحب التزين والاهتمام بنفسها لتبدو أجمل الناس لتسمع آيات الثناء والمديح، كن أنت هذا الذي يُسمعها ما تريد سماعه، وتأكد أنها ستكتفي بثنائك ورضاك دون العالمين.
وبالنسبة لعيد الفلنتاين، رغم أن الإفلاس الفكري الذي نعيشه أوصلنا للاحتفال بأعياد لا هي من ديننا ولا من ثقافتنا العربية بل ولا نعرف جذوره وعلى أي أسس وُضع عيدًا للناس،
لكن لا مشكلة أن تخرجا معًا لحديقة هادئة ليس فيها صخب العطالين وقم بشراء وردٍ لها وارفقه بأبيات شعرية تعبر بها عن حبك وإخلاصك لها.
هذه السعادة المباحة التي تريدها منك ما الداعي لتحرمها منها؟
قال النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) (قول الرجل لأمرأته إني أحبك لا يذهب من قلبها أبدًا) (5).
بهذه الكلمة (أحبُك) يمكنك أن تحل أغلب المشاكل التي تقع بينك وبين زوجتك وتلين قلبها نحوك وتسحرها بآرائك وأفكارك لتكون كما تتمنى أنت فقط. قم برحابة صدر وطيب كلام في يوم آخر ووقتٍ مناسب بإفهامها أننا لسنا مضطرين لتقليد الآخرين ومحاكاة ما يصنعون كالروبوتات، ولو كان هناك حب حقيقي في العالم يستحق أن يُجعل عيدا للعشاق والمحبين لكان يوم زواج النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) من السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام)، ذلك الزواج الذي كان حبًّا لا مصلحة فيه، نقيًّا طاهرًا متبادلًا بين الطرفين حتى آخر نفس لهما.
حب ذلك المحب الذي لم ينس محبوبته حتى بعد مرور سنوات طويلة على وفاتها بل ولا امرأة حلت في قلبه محلها، ما ذكر اسمها إلّا وبكى وما رأى أحدًا تعرفه زوجته إلّا وقال إني لاُحب حبيبها (صلوات الله عليه).
وعش حياتك بسلام واعلم بأن أكثر ما تقف عليه يوم القيامة هو الأمانة التي تحملتها ومنها الزوجة.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): (كل شخص كان بنا أهل البيت رحيماً كان بزوجه أرحم) (6)
بقي أن تعلم أن أبويك راحلان والأولاد الذين تنفق حياتك لأجلهم سيتزوجون ويتركونك وحيدًا.
الشخص الوحيد الذي يبقى معك حتى آخر نفس لك ويذكرك بعد موتك دومًا بحب واشتياق هي زوجتك.
_____________________
١- سورة الأعراف ٣٢.
٢- سورة الحج ٢٢.
٣- جامع احاديث الشيعة .ج١٦ ص ٣٧٠.
٤- سورة البقرة ٢٣٦.
٥- وسائل الشيعة، ج7، ص10.
٦- المصدر السابق.

اخترنا لكم

ممهِّدون قبل سن التكليف

بقلم: إشراقة قدسية يتصور البعض أن الدين الإسلامي ينظم سن التكليف الشرعي وما بعدهُ ولا يمت بصلة لما قبل التكليف الشرعي، لذا نجد بعض الأُسر لا تدقق في ملبس الطفل بحجة كونه صغيراً، وغير مكلف، ولا تعير أهمية لنوعية مفرداته وتصرفاته بحجة كونه طفلاً، وليس عليه ذنب. وما إن يبلغ سن التكليف، حتى يبدأ الآباء والأمهات بفرض الواجبات الشرعية عليه بدون تحبيب له، متناسين ما روي في استحباب تمرين الطفل (قبل بلوغه) على العبادة، لكن لو لم يمرّن في تلك المرحلة لكان أداؤه للتكاليف -عند بلوغه- فقط ارضاءً لأبويه. وهذا النمط في التربية سيء للغاية. على كل أبٍ وأمٍ أن يضعا مخططات تمهيدية لكيفية تربية أبنائهما قبل بلوغ سن التكليف، بل قبل قدوم الطفل للحياة الدنيا. نستذكر امرأة من أمهات الصالحين، كانت طوال مدة الحمل تسمع وتقرأ القرآن الكريم، وهذا الفعل أثّر تأثيراً عجيباً في روحية الطفل؛ حيث حفظ القرآن الكريم وهو في الخامسة من عمرهِ! وأخرى كانت توقظ طفلها عند تأديتها لصلاة الليل. وهناك من وضعت في منزلها لوحات باسم الباري (عز وجل) وباسم أهل البيت (عليهم السلام) مما يشعر الطفل باطلاع الخالق المصور وأهل العصمة على أفعالنا وأعمالنا. فالمسؤولية العظمى تقع عليكما أيها الأبوان منذ مدة الحمل وإلى سن التكليف ، فهي مرحلة التمهيد، وهي تبث فيه روح اللهفة لذلك اليوم، حينها سيؤدي الابن الواجبات في سن التكليف بحب وإخلاص. والحال مشابه تقريباً لجعل الطفل منتظرًا لإمام زمانه، البعض يقول: لا يتمكن الطفل من إدراك قضية الإمام (عجل الله فرجه الشريف) وطول عمره وغيبته، والأبوان يجعلان أبناءهما في السنة الميلادية الجديدة بانتظار (البابا نوئيل)! فكيف لطفل أن يفهم الشخصية الوهمية ويصعب عليه معرفة النعمة الإلهية؟! المسألة بأجمعها بيدكما أنتما، وأنتما من تكوِّنان جيلاً مهدوياً، فاسعوا إلى تربية أبنائكما على هذا الأساس، فالذرية الصالحة الممهدة ذخيرة وزاد في الدنيا قبل الآخرة. كما لو أنكما لو لم توفقا لزمن الظهور ربما يدرك أحد أبنائكما أو أحفادكما ذلك، وتكونان سبباً لهذا التوفيق...

اخرى
منذ سنة
1041

روزبة بن خشفوذان

بين المروج الخضراء واريج الورد تفتحت عاقلتي ونمت ، كنت كالفراشة أنتقل من غصن لغصن من وردة لوردة، استنشق رياحين الطبيعة .فقد ولدت لأب من بلاد فارس ومن دهاقينها وكان من كبار الزرادشتيين في أصفهان، كان له نفوذ وسلطة على بعض الفلاحين ، كان يملك بعض المزارع، لذا كنت ما انفك عن التجوال فيها ، لكن هذه الحرية لم تدم لي طويلاً فقد كنت الابن الأثير لأبي فقد حبسني في البيت كما تُحبس الجارية، كانت الأيام تمر ثقيلة جداً فلم أكن من قبل قد أعتدت على التقييد ! فبرقت لي بارقة أمل لأبدد وحشة أيامي فأصبحت اجتهد في المجوسية حتى صرتُ خادماً في بيت النار، مرّت الايام حبلى بالأحداث وربّ حدث صغير يغير مسار الحياة برمته ! في يومها أرسلني أبي إلى ضيعة له ، وفي طريق رحلتي مررتُ بكنيسة النصارى فدخلت عليهم ، استولت على عاقلتي صلاتهم، فسألتهم عن أصل هذا الدين قالوا: في الشام . في طريق العودة كانت نفسي تصارعني في الهرب إلى الشام فهربت من أبي إلى الشام ، حتى قدمت عليها ، فدخلت على الأسقف ، فتودّدتُ إليه وصرتُ أخدمه وأتعلم فقد استمال قلبي بطيب خلقه، وما كادت تمر الأيام حتى فاضت روحه على يدي بعد أن طلبت منه أن يوصي بي لأحد فقال: قد هلك الناس ، وتركوا دينهم إلا رجلاً بالموصل فالتحق به. حثثت الخطى وفي قلبي تتماوج الفرحة ، الأرض اطويها بين قدمي جذلاً مسروراً، وكيف لا وسوف أصفي نفسي من كدورات الدنيا وشوائبها ، فما مرّت إلا أيام ولحقت لذلك الرجل ، فمكثُ معه أياماً استسقي من علومه، فما إن دنى أجله حتى أوصى بي إلى رجل قال إنه الوحيد الذي بقي على الطريقة المستقيمة في نصيبين ثم مكثتُ عنده سنيناً حتى أحتضر ،فبعثني إلى رجل بعمورية من أرض الروم، فلحقته، وكنت كالفصيل اتبعه باحثاً عن دين الحق ، فلما حضرته الوفاة كالذين سبقوه ،أقبلت عليه أن يوصي بي من هو على حق لاتبعه ، فكان لي ناصحاً أميناً ، فأشار لي بإصبعه المرتجف : هناك في أرض العرب تزهر الأرض بنبي مبعوث بدين إبراهيم فيهاجر إلى أرض بين حرتين لها نخل ، فرحتُ أسأله بلهفة فما علامته؟ فأجابني: وهو يباعد بين أجفانه التي تكاد أن تنطبقان على هذه الدنيا: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة ، بين كتفيه خاتم النبوة . فرحتُ أشد الرحال شوقاً ، فمر بي ركب من كلب فخرجت معهم ، كنت فيهم كأحدهم فما أن وصلنا وادي القرى حتى غدروا بي فباعوني من يهودي، بقيت نيراً من الزمن تحت رق العبودية أعمل في زرعه ونخله. كثيراً ما تأتي النعمة مغلفة بالبلاء ، فما أكرم عطايا الرب ، فما مرت أيام إلا واقبل ابن عم له فابتاعني منه وحملني إلى المدينة ، هناك حيث يسكن النبي المبعوث ، فصرت أتحين الفرص للقياه، وأناجي الرب ليعجل لي اللقاء به فما لهذا القلب من قرار ، حتى لقيته ذات يوم مع اصحابه جالساً ، خامرني شعور غريب ، مزيج من الفرح والهيبة التي ملئت نفسي من رؤيته فرحتُ مهرولاً احمل بيدي طبقاً من رطبٍ على إنها صدقة ، كنت أرقب بدقة تصرفاته فرأيته قد أمرَ أصحابه بأن يأكلوا ولم يأكل هو ،لأنها كانت صدقة فقلت في نفسي لقد تحقق واحدة من العلامات ، كان ذلك في قباء . توالت الأيام وقلبي لا يسكن من وجد شوقي له ، حتى لقيته في المدينة وقدمت له رطباً على إنها هدية ، فأكل منه ، اغرورقت عيناي بالدموع ،فبعد رحلاتي الطويلة سأحظى برفقة النبي المبعوث . وشاءت الاقدار ان ألتقي به في بقيع الغرقد وهو يشيّع أحد اصحابه، سلمت عليه واستدرت خلفه فرأيت ختم النبوة بين كتفيه الشريفتين، لا أعلم كم من الوقت مضى وأنا منكب عليه وأقبله وأبكي ، إنه كان أشد شوقاً لي مني، فكانت تلك اللحظة هي بداية ولادتي حيث أسلمت علي يديه، واشتراني من صاحبي فأعتقني. الايام عذبة رقيقة كنسمة هواء رغم قساوة العيش وشظف الحياة إلا أن مرافقتهم ومجاورة أهل البيت عليهم تبدد كل تلك الغيوم القاتمة المحملة بالأرزاء... لقد قرب موعد الرحيل ولقد تزودت لها _فخير الزاد التقوى- فشددت رحالي ورحتُ أحثُ الخطى للحبيب في عليائه كما حثثت الخطى سابقا للقياه ... سماهر الخزرجي

اخرى
منذ سنة
882

غزوة بدر الكبرى، انتصار ومنهج حياة

بقلم: عبير المنظور معركة بدر الكبرى (أو الثانية) من المعارك المهمة في تاريخ الإسلام، لأنها أول معركة وقعت بين المسلمين ومشركي قريش، وذكرت المصادر التاريخية غزوتين أخريين باسم بدر وهي بدر الأولى وبدر الموعد أو الثالثة، ولكن الأكثر شهرة هي غزوة بدر الكبرى. وأتت شهرة هذه الغزوة من خلال انعكاسات نصر المسلمين الساحق على مشركي قريش وتأثيراته على الساحة الإسلامية والإقليمية -إن صح التعبير- في حينها، إضافة إلى الكثير من المفاهيم المهمة التي أسس لها الإسلام في تلك المعركة. وقعت هذه المعركة حسب أغلب المصادر التاريخية في صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من عام ٢ هـ عند آبار بدر، (تقع بدر على بعد 153 كيلو مترًا جنوب غربي المدينة المنورة، كما وتقع في شمال مكة المكرمة وتبعد عنها 300 كيلو مترًا تقريبًا) (١) وهي من المعارك القصيرة في الإسلام حيث لم تتجاوز عدة ساعات. وردت غزوة بدر الكبرى في القران الكريم ووصفها بيوم الفرقان، وورد ذكرها في عدة سور وهي سورة ال عمران الآيات (١٢-١٣) وكذلك (١٢٣-١٢٧) ووردت أيضًا في سورة النساء الآيتان (٧٧-٧٨) وسورة الأنفال الآيات (١-١٩) و (٣٦-٥١) و (٦٧-٧١). أسس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه المعركة جملة من المفاهيم المهمة التي سنعمد إلى ذكر بعض منها: ١- استشارة الأنصار في مشاركتهم في الحرب ضد قريش (قال له سعد بن معاذ: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء. لعلّ الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله. فسر رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: "سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" (٢) ٢- وفي التأمل في أسباب هذه المعركة وخصوصًا قضية القافلة التجارية يتجلى بوضوح أهمية المجال الاقتصادي في دعم بناء الدولة وتأسيس جيش قوي يحافظ على مكانة وهيبة الدولة بين الدول الأخرى خاصة إذا ما عرفنا أن المسلمين الأوائل كانوا في ذلك الوقت لا يمتلكون من الموارد الاقتصادية الشيء الكثير بعد تعذيب قريش لهم وطردهم من مكة، حتى ورد في أغلب المصادر التاريخية أن قوام جيش المسلمين (٣١٣) رجلًا منهم فارسان فقط وهم الزبير بن العوام والمقداد بن عمرو الكندي وسبعون جملًا (٣)، وهو عدد قليل وعدة قليلة قياسا بعدة وعدد جيش المشركين. ٣- وعلى الرغم من قلة جيش المسلمين بالعدة والعدد إلّا أن روحهم القتالية الوثابة والمتقدة بنور الإيمان والعقيدة الحقة كانت السبب الرئيسي في انتصار المسلمين الساحق في هذه الغزوة وتأييد الله لهم بإمداد المسلمين بالملائكة ليوقعوا الرعب في قلوب الأعداء ويرهبوهم كما جاء في سورة ال عمران (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (124) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (126) لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ (127))، وكذلك قوله تعالى في سورة الانفال (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13).) ٤- إضافة إلى اهمية دور القائد في احتواء المقاتلين ودعمهم ماديًا ومعنويًا بالتشجيع والدعاء، خاصة إذا كان هذا القائد هو خاتم الأنبياء والمرسلين حبيب رب العالمين محمدًا المصطفى الأمين (صلى الله عليه وعلى آبائه الطيبين الطاهرين) فقد (خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الناس فحرضهم وقال: والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة. فقال عمير بن الحمام أخو بني سلمة وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل) (٤). ٥- كما أسس الرسول (صلى الله عليه وآله) للمبادئ والاخلاقيات السامية في الحرب من خلال عدم التمثيل بالعدو حيث ورد (أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): يا رسول الله دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو ويدلع لسانه فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا قال: فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا) (٥). ٦- ومن جملة الأُسس الإسلامية النبيلة في هذه المعركة هي الرحمة بالأسرى حيث أوصى بهم رسول الله (صلى الله عليه وآله سلم) بقوله: (استوصوا بالأسارى خيرًا) (٦) ومفاداتهم بالمال لتقوية الصف الإسلامي أو اطلاق سراح بعضهم دون فداء أو اطلاق سراح بعضهم بعد تعليم المسلمين القراءة والكتابة. ٧- ولعل من أجمل ما أسس النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في هذه المعركة هو أخوة المسلمين الحقيقية بالعقيدة والإيمان وجعلها أهم من الأخوة في الدم إن كان الأخ كافرًا بالله، وتجلى ذلك بوضوح في هذه المعركة بأن الأقارب والأرحام يتواجهون في هذه المعركة وكأنهم أعداء، لا تأخذ المسلمين فيهم لومة لائم مهما قربت اللحمة بينهم، فالأُخوة الحقيقية في الدين، وفي ذلك شواهد كثيرة جدًا يطول المقام بعرضها ولكن سأكتفي بموقف مصعب بن عمير (رضي الله عنه وارضاه) وأخيه (أبي عزيز بن عمير، أسره أبو اليسر ثم اقترع عليه فصار لمحرز بن نضلة، وأبو عزيز أخو مصعب بن عمير لأمه وأبيه. فقال مصعب لمحزر: اشدد يديك به، فإن له أمًا بمكة كثيرة المال. فقال له أبو عزيز: هذه وصاتك بي يا أخي؟ فقال مصعب: إنه أخي دونك! فبعثت أمه فيه بأربعة آلاف، وذلك بعد أن سألت أغلى ما تفادى به قريش، فقيل لها أربعة آلاف) (٧). ٨- وبالإضافة إلى ما تقدم فإن هذا النصر الساحق على قريش -القوة الضاربة في التجارة والسطوة بين القبائل في شبه الجزيرة العربية- له الأثر الكبير في رفع معنويات المسلمين وشعورهم بالعزة والقوة وشعور المشركين بالذلة والضعف أمام المسلمين الذين أصبحوا أصحاب قوة يشار لها بالبنان في المنطقة وأصبحت لهم هيبة وعزة مما أدى إلى انتشار دين الإسلام بصورة أوسع. وبلحاظ ما تقدم فإن غزوة بدر الكبرى ليست مجرد معركة مهمة انتصر بها الإسلام نصرًا مؤزرًا انعكس على الجانب السياسي والاقتصادي والاجتماعي للمسلمين بل إنها أسست إلى الكثير من العقائد والمفاهيم الإسلامية على مر العصور والأجيال كمنهج حياة يعتمد على الأسس والمبادئ التي ترتكز على الفطرة والعدالة والإنسانية. _______________________ (١) بدر الكبرى .. المدينة والغزوة، ص ١٨. (٢) تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٧. (٣) موسوعة التاريخ الاسلامي،ج٤٢، ص١١. (٤) سيرة ابن هشام، ج٣، ص ١٧٥. (٥) المصدر نفسه، ج٣، ص ٢٠٠. (٦) السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل احداث، ج٣، ص٦١. (٧) مغازي الواقدي، ج١، ص٥٢.

اخرى
منذ سنة
2177

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
39654

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
35904

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29953

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29933

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
18170

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
17023