تشغيل الوضع الليلي
Wi-Fi ناجح (١) مثلث العروج إلى عالم الصمدية
منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 2173
بقلم: علوية الحسيني
تعثرك، تخبطك، فوضويتك، تحتاج إلى معين..
قد تطرق بابًا فيُغلق في وجهك..
وقد تقصد شخصًا فيتقاعس عن خدمتك..
وقد تلمح بحاجةٍ فيستجهل مرادك..
فتحبو، ثم تنهض، ثم تتعثر، فتحبو مرةً اخرى، ثم تنهض، ثم تتعثر، وهكذا..
والحل أن تصمد إليه، وتعرج إلى عالم الصمدية، وتترك العوالم المادية..
اقصده، إنّه هو الصمد الذي لم يخلقك لتحتاج لغيره..
الصمد: هو المقصود بالحوائج، إنّه الله تقدّست أسماؤه..
عملية (الاستصماد) هذه وإن كانت بالفطرة إلاّ أنّ لها مناشئ نقلية وصلت لنا من دستور الله تعالى إلى البشرية، القرآن الكريم معجزة خير البشرية: محمد وآله خير البرية (عليهم صلوات الله جميعًا).
فقصد الله تعالى، والتوكل، والإلحاح عليه مبدأ كل نجاح في أي مشروع إن شاء تعالى، يقول الله تعالى في دستوره: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
وهناك ركن قرين للتوكل، وهو الدعاء، فهاتان الخطوتان تجلي للصمود نحو الله تعالى- قصده في طلب الحوائج-.
رويَ عن النَّبِيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِه): "أَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى سِلاحٍ يُنْجِيكُمْ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَيُدِرُّ أَرْزَاقَكُمْ؟ قَالُوا بَلَى، قَال:َ تَدْعُونَ رَبَّكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَإِنَّ سِلاحَ الْمُؤْمِنِ الدُّعَاء"(٢).
كما ولابد من ركن آخر ليكتمل مثلث العروج إلى عالم الصمدية وهو الإلحاح بالدعاء..
عن الْهَجَرِيِّ قَال:َ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) يَقُولُ: "وَالله لا يُلِحُّ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ عَلَى الله عَزَّ وَجَلَّ فِي حَاجَتِهِ إِلا قَضَاهَا لَه"(٣).
فتوكل، اصمد، تنجح وتفلح.
توكل، اصمد، بالسير والبر تفرح.
توكل، اصمد، نورٌ في الظلمات تلمح.
_______________
(١) هود: ١٢٣.
(٢) الكافي، ج٢، باب الدعاء سلاح المؤمن، ح٣.
(٣) المصدر نفسه، باب الإلحاح بالدعاء والتلبث، ح٣.
اللّهم أدم صمودنا إليك.
اخترنا لكم
الزهراء (عليها السلام) تحث النساء على طلب العلم
بقلم: علوية الحسيني تمهيد إنّ طلب العلم كمال، وكل ما هو كمال يحثّ أهل البيت (عليهم السلام) على سلوكه، وها هي السيدة الزهراء (عليها السلام) تحث على أحد الكمالات وهو طلب العلم. السيّدة الزهراء (عليها السلام) المبلّغة الرسالية لرسالات الإسلام بيّنت لبني جنسها من النساء تأكيد الدّين الإسلامي -من بين سائر الأديان- على ضرورة تعلّم المرأة، ومكانتها واحترامها. تذكر بعض الكتب مقام المرأة عند بعض الأديان، وكيفية تحقيرها، مما يجعل المرأة أقل درجة من سائر المخلوقات، حيث كان "علماء وزعماء الديانات يبحثون ويتناقشون على طول قرون عديدة في أن المرأة هل هي إنسان أو غير إنسان، وهل تحمل روحاً أم لا !. وكانت الديانة الهندوكية مثلاً قد سدت أبواب تعليم كتبهم المقدسة على المرأة لعدم جدارتها لذلك !. كما وإنّ الديانة البوذية لم يكن فيها سبيل لنجاة لمن اتصل بامرأة !. وأما في الديانات النصرانية واليهودية فقد كانت المرأة هي مصدر الإِثم ومرجعه فيهما, وكذلك اليونان" (١) وعلى ذلك يقاس ما يقول به الغرب اليوم من الإفراط الزائد في التعامل مع المرأة، رغم منحها مناصب علمية. وعوداً على بدء نتساءل: هل يثبت للمرأة حق التعليم أم شرّع فقط لابنة النبي الزهراء (عليهما السلام)؟ جوابه سيتضح في المطالب التالية. *المطلب الأول: طلب المرأة للعلم من الناحية القرآنية قال تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِير}(٢) ظهور الآية الكريمة يدل على أنّ الذين يرفعهم الله تعالى هم المؤمنون، وأهل العلم، رجالاً ونساءً؛ بدلالة السياق الخطابي للقرآن الكريم حينما يريد تكليف الجنسين يعبّر عن ذلك بصيغة الجمع كما هو واضح في آية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون} إذ التكليف بإقامة الصلاة لا ينحصر بجنس الرجال دون النساء، بل صيغة الجمع تدل على شمول كلا الجنسين بالتكليف، فكذلك رفع منزلة أهل العلم من للرجال والنساء، والظهور حجّة، وفي ذلك قوّة للدليل على شمول النساء بحق العلم ونيل مرتبة الرفعة الإلهية. ثم إنّ السياق الخطابي وإن كان بضمير جمع المذكر السالم إلاّ أنّ العرب جرت خطاباتهم -تغليباً- على إطلاق جمع المذكر السالم على جمع من المفرد المذكر، وللجمع المختلط من الجنسين على سبيل تغليب المذكر؛ إما للاختصار، أو للخفة، أو لأسباب اخرى. ومعنى التغليب هو اجتماع شيئين في الحكم؛ لوجود تناسب بينهما بوجه من الوجوه. *المطلب الثاني: طلب المرأة للعلم من الناحية الروائية الروايات الشريفة جاءت بدورها تؤكد على طلب العلم، مصرّحةً تارةً بفرض طلبه على النساء، واخرى متضمنةً ذلك، فمما صرّحت به: الحديث القائل: "طلب العلم فريضة على كلّ مسلمٍ ومسلمةٍ"(٣)، ففرضت الرواية تعلّمه حتى على النساء. واخرى متضمنةً حق التعليم للمرأة، ومنها: ما روي "عن جميل عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال : سمعته يقول: يغدو الناس على ثلاثة أصناف: عالم ومتعلّم وغثاء، فنحن العلماء وشيعتنا المتعلّمون وسائر الناس غثاء"(٤)، فكلمة (شيعتنا) تشمل الذكر والانثى، فالإمام الصادق(عليه السلام) ساوى بين الرجل والمرأة بثبوت حق التعليم أو التعلّم. *المطلب الثالث: طلب المرأة للعلم من الناحية التاريخية التاريخ بدوره يذكر لنا نسوة أصبحن نجوماً لامعةً في سماء العلم والفضيلة، وعلى رأسهن سيّدتهن وسيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) إنَّ المقامات السامية لها (عليها السلام) وعلومها الزخارة أهّلتها لأن تقوم بدور التربية والتعليم والتوجيه لـنساء العالم في كلّ عصرٍ ومصر. فكانت نساء عصرها يجتمعنَ حولها ويتلقينَ منها علوم الإسلام ويسألنها عن كل شيء؛ حيث هي موضع الحكمة، فتقوم بدورها الرساليّ. وبدأ تأثير رقعة دورها الرسالي يتوسع شيئاً فشيئاً، فبعد اتقان تأثيرها داخل المنزل على بنيها وقريباتها، شعّ لها شعاعٌ معرفي شمل نساء منطقتها، "فكانت تعلّم النساء ما يشكل عليهنّ من الأحكام الشرعيّة والمعارف الإلهيّة الضروريّة، وكان يغشاها نساء المدينة وجيران بيتها"(٥) وحسب ما يذكر التاريخ أنّها (عليها السلام) اتخذت من بيتها منــبراً لتبليغ الرسالة الدعوية، وفي ذلك يُسْرُ طريقةٍ ممكن أن تسلكها أي امرأة تريد الاقتداء بمولاتها. "فذكرت بعض الكتب أنّ بيتها [عليها السلام] كان المدرسة النسائية الاُولى في الإسلام، حيث تقبل عليها النساء طالبات للعلم، فيجدنَ فاطمة العالمة وهي تستقبلهنَ بصدرٍ رحبٍ لا يعرف الملالة والسأم"(٦) وفي ذلك اشارة واضحة لتنظيم وقت المرأة ما بين أعمالٍ منزلية، وواجباتٍ زوجية، وتثقيفٍ بالعلوم الدينية، لتجمع بين العمل والعلم دون أدنى تقصير في أيٍ منهما، وكلٌ مقرون بالنيّة. ومما يدل على سعة صدى ما كانت تبلّغ به السيّدة الزهراء (عليها السلام) هو انتهاج بعض النسوة آنذاك بنهجها، سواء أحضرت درس السيّدة أو لم تحضره، فكانت (عليها السلام) ذات رحابة صدر، وخلق حسن، وتواضع رفيع؛ وبسببه التفت حولها نساء قومها، فروي عن الإمام العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "حضَرَت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام فقالت : إنّ لي والدة ضعيفة ، وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء ، وقد بعثتني إليكِ اسألكِ ، فأجابتها فاطمة عليها السلام عن ذلك ، فثنّت [أي سألت سؤالاً ثانياً] فأجابت ، ثم ثلّثت [أي سألت سؤالاً ثالثاً] إلى أن عشّرت [أي سألت عشرة أسئلة] فأجابت ، ثم خجلت من الكثرة ، فقالت : لا أشقّ عليكِ يا ابنة رسول الله. فقالت عليها السلام : هاتي وسلي عمّا بدا لك... إنّي سمعت أبي يقول : إنّ علماء أُمّتنا يحشرون فيخلع عليهم من خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدّهم في إرشاد عباد الله ، حتى يخلع على الواحد منهم ألف ألف حلّة من نور"(٧) بل ووصل صدى علمها إلى أزواج تلك النسوة اللاتي كنَّ يدرسنَ عندها (عليها السلام) حيث رويَ عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أنّه قال: "قال رجل لامرأته: اذهبي إلى فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسليها عني: أنا من شيعتكم أو لست من شيعتكم؟ فسألتها، فقالت (عليها السلام): "قولي له: إن كنتَ تعمل بما أمرناك وتنتهي عما زجرناكَ عنه، فأنت من شيعتنا وإلاّ فلا. فرجعت فأخبرته، فقال: يا ويلي ومَن ينفك من الذنوب والخطايا، فأنا إذن خالدٌ في النار، فإنّ مَن ليس مِن شيعتهم فهو خالد في النار!. فرجعت المرأة فقالت لفاطمة (عليها السلام) ما قال زوجها، فقالت فاطمة (عليها السلام) قولي له: ليس هكذا فان شيعتنا من خيار أهل الجنة، وكل محبينا وموالي أوليائنا ومعادي اعدائنا، والمسلم بقلبه ولسانه لنا لـــيسوا من شيعتنا إذا خالفوا أوامرنا ونواهينا في سائر الموبقات، وهم مع ذلك في الجنة، ولكن بعد ما يطهرون من ذنوبهم بالبلايا والرزايا أو في عرصات القيامة بأنواع شدائدها، أو في الطبق الأعلى من جهنم بعذابها، إلى أن نـستنقذهم بحبنا منها وننقلهم إلى حضرتنا"(٨) وهناك الكثير من تراث السيدة الزهراء (عليها السلام) في شتى النواحي العقدية، والأخلاقية، والفقهية، والقرآنية، والاجتماعية، والتربوية، والزوجية، والوعظية. إذاً ها هو التاريخ يسجل أرقى درجات العلم لامرأةٍ، وعلى نهجها سارت العالمات، فثبت حق التعليم للمرأة، وهو المطلوب. *المطلب الرابع: أيُّ علمٍ يجب أن يُطلب، ولماذا؟ لابد من البحث في فرعين: الأول: في بيان نوع العلوم الأكمل تعلمها، والثاني: في بيان سبب ترجيحها على غيرها. -الفرع الأول: أيّ العلوم يجب أن تطلبها المرأة؟ كما نعلم أنّ التفاوت النسبي ملحوظٌ في جميع الأمور العلمية والعملية، ففي جانب العمل مثلاً منصب المدير أعلى درجةً من منصب الموظف. وفي جانب العلم مثلاً علم الطب أعلى درجةً من علم الزراعة، وهكذا. وهكذا تكون وظيفة الداعية المبلغة أعلى درجةً من وظيفة الطبيبة والمهندسة-مثلاً- ؛ بلحاظ أفضلية العلوم الدينية على غيرها من العلوم. فلو تأملنا في القرآن الكريم لوجدناه يحثّنا على طلب العلوم الدينية أولاً وبالذات، بدليل قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَر مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون)(٩) يقول العلاّمة الطباطبائي ( قدس سره) في ميزانه مفسراً لهذه الآية: "ومن هنا يظهر... أن المراد بالتفقه تفهم جميع المعارف الدينية من أصول [التوحيد، العدل الإلهي، النبوة، الإمامة، المعاد] وفروع [الصلاة، الصوم، الحج، الزكاة، الخمس، الجهاد، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر] لا خصوص الأحكام العملية وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرعة، والدليل عليه قوله: ﴿لينذروا قومهم﴾ فإن ذلك أمر إنما يتم بالتفقه في جميع الدين وهو ظاهر"(١٠) وأيّده الشيخ ناصر الشيرازي (قدس سره) حيث قال في أمثله: " لا شك أنّ المقصود من التفقه في الدين هو تحصيل جميع المعارف والأحكام الإِسلامية، وهي أعم من الأصول والفروع، لأنّ كل هذه الأُمور قد جمعت في مفهوم التفقه، وعلى هذا، فإنّ هذه الآية دليل واضح على وجوب توجه فئة من المسلمين وجوباً كفائياً على الدوام لتحصيل العلوم في مختلف المجالات الإِسلامية، وبعد الفراغ من التحصيل العلمي يرجعون إِلى مختلف البلدان، وخصوصاً بلدانهم وأقوامهم، ويعلمونهم مختلف المسائل الإِسلامية"(١1) (لـيتفقهوا في الدّين) الفعل المضارع المقرون باللام يدل على الأمر، والأمر ظاهر في الوجوب؛ لعدم وجود قرينة صارفة إلى الاستحباب، إذاً صيغة الفعل تدل على الوجوب"(١٢) ثم إنّ المتأمل في الآية الكريمة يجد أنّ الله تعالى قيّد التفقه بالدّيـن، وهذا قيدٌ احترازي عن غيره، فمدلول الآية التصوري الذهني مطابق للمدلول التصديقي في سياق الكلام. إذاً بما أنّه تعالى ذكر القيّد –الدِّين- إذاً هو سبحانه يريده"(١٣) أمــا أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) بشأن العلم، وحثهم على طلبه، فهي تدلنا أيضاً على أنّه العلم الديني، فقد روي "عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ عَبْدِ الله عَنْ رَجُلٍ عَنْ ابي جعفر (عَلَيْهِ السَّلام) قَالَ: قَالَ الْكَمَالُ كُلُّ الْكَمَالِ التَّفَقُّهُ فِي الدِّين..."(١٤) -الفرع الثاني: لـماذا طلب العلوم الدينية تحديداً؟ إجمالاً نقول: لأنّ العلوم الدينية يترتب عليها اعتقاد وفعل وترك، فهي ليست كغيرها من العلوم. ■توضيحٌ وتصريح: قسّم علماؤنا الأبرار العلم الشرعي حسب مراتبه، حيث قالوا: "وهي [مراتبه] ثلاثة: فرضُ عينٍ، وفرضُ كفايةٍ، وسُنّة. فالأول: اعتقاد كلمتي الشهادتين، وما يجب لله ويمتنع عليه والاذعان بالإمامة للإمام، والتصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله من أحوال الدنيا والآخرة مما ثبت عنه تواترا. كل ذلك بدليل تسكن النفس إليه ويحصل به الجزم... . وأما الفعل: فتعلم واجب الصلاة عند التكليف بها ودخول وقتها، أو قبله بحيث يتوقف التعلم عليه، ومثلها الزكاة والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف... . وأما الترك: ... تعليم ما يحصل به تطهير القلب من الصفات المهلكة كالرئاء والحسد والعجب والكبر، ونحوها، مما تحقق في علم مفرد، وهو من أجل العلوم قدرا، إلا أنه قد اندرس بحيث لا يكاد ترى له أثرا..."(١٥) *فائدة(1): بإمكانكِ اختاه سلوك دراسة العلوم الدينية وأنتِ جالسة في بيتك - إن لم تناسبكِ ظروف حضور الدروس الواقعية-، وذلك من خلال الدراسة الحوزوية الإلكترونية للمدارس الموثوقة. *فائدة(2): حينما نجد التأكيد على طلب العلوم الدينية نلمس عظمة وثقل مسؤولية حملها، وأمانة فهمها وتطبيقها، وتبليغها، فروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "إِنَّ الْعَالِمَ إِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِعِلْمِهِ زَلَّتْ مَوْعِظَتُهُ عَنِ الْقُلُوبِ كَمَا يَزِلُّ الْمَطَرُ عَنِ الصَّفَا"(١٦) مع ملاحظة عدم طلب العلم للمباهاة أو الشهرة أو المماراة، حيث روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ الرِّئَاسَةَ لا تَصْلُحُ إِلا لاهْلِهَا"(١٧) ثم تبليغه للناس، حيث روي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: "زَكَاةُ الْعِلْمِ أَنْ تُعَلِّمَهُ عِبَادَ الله"(١٨) *فائدة(3): الآيات والروايات وإن حثّت على تعلّم العلوم الدينية لكنها لا تقلل من أهمية العلوم الاخرى كالطب، والهندسة، والحقوق، والزراعة... وغيرها من هذه العلوم، إلاّ أنّها بيّنت الأكمل، والذي كانت تدعو إليه السيّدة الزهراء (عليها السلام) وإلاّ لدينا العديد من المؤمنات جمعنَ بين العلمين، فكم من طبيبةٍ أو مهندسةٍ وهي مبلّغة رسالية، اللّهم زد وبارك. يقول الشيخ زين الدين العاملي (قدس سره): "وباقي العلوم من الطبيعي والرياضي والصناعي أكثره موصوف بالإباحة بالنظر إلى ذاته، وقد يمكن جعله مندوبا لتكميل النفس، وإعدادها لغيره من العلوم الشرعية بتقويتها في القوة النظرية، وقد يكون حراما إذا استلزم التقصير في العلم الواجب عينا أو كفاية، كما يتفق كثيرا في زماننا هذا لبعض المحرومين الغافلين عن حقائق الدين"(١٩) ______________________ (١) المرأة في شريعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): للشهيدة بنت الهدى، ص٢٠. (٢) المجادلة: ١١. (٣) بحار الأنوار: ج٢، ص٣٢، ب٩ من كتاب العلم، ج٢٠. (٤) الكافي: ج١، كتاب فضل العلم، ب٣ ، باب أصناف الناس، ح٤. (٥) شرح ابن أبي الحديد، ج٩، ص١٣٤. (٦) سيدة النساء: ٧٦. (٧) بحار الأنوار: ج٢، ح٣، ص٣. (٨) تفسير الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ص٣٠٨. (٩) سورة التوبة: ٢٢. (١٠) الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي، سورة التوبة. (١١) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، تفسير سورة التوبة. (١٢) ظ: دروس في علم الاصول، ح٢، الأمر والنهي. (١٣) المصدر نفسه، قاعدة احترازية القيود. (١٤) الكافي: ج٢، باب صفة العلم وفضله وفضل العلماء، ح٤. (١٥) منية المريد في آداب المفيد والمستفيد، ١٧٧. (١٦) الكافي: ج٢، باب استعمال العلم، ح٣. (١٧) المصدر نفسه، باب المستأكل بعلمه المتباهي به، ح٥. (١٨) المصدر نفسه، باب بذل العلم، ح٣. (١٩) مصدر سابق، ١٧٨. اللهم اجعل نسائنا عالمات عاملات تقيات، بحق فاطمة عليها أزكى الصلوات.
اخرى
الاختيار السديد مفتاح العيش الرغيد (1)
سنواتٌ من العناء النفسي لا يُعلم أمدها، وزفراتٌ من الاحتراق الداخلي لا يُحصى عددها، قد تتباين في حدتها وشدتها، قد يختلف الموقف الذي يُتخذ إزاءها، فبعضٌ يتألم ويصبر؛ خشيةً من العرف أو لمصلحة الأبناء يؤثر، وبعضٌ يتظاهر بالسلام وفي السر ينفر، حفظاً للتوازن بين ما يبتغيه المجتمع والظروف الحاكمة وبين التنفيس عن مشاعر الرفض الذي يتمثل بالنفور العاطفي، وبعضٌ قد تنفذ بطارية صبره ولا يجد إلى الشحن مجدداً سبيلاً، فيلجأ إلى الطلاق باعتباره حله الأمثل.. وبالرغم من تسليط الأضواء باتجاه ارتفاع نسب الطلاق، إلا أن الحالتين السابقتين (الحياة الزوجية المفعمة بالمشاكل، الطلاق العاطفي) لا تخلوان من الآثار الوخيمة على الأسرة بشكل عام والطرف الضعيف في المعادلة والأطفال بشكل خاص. وعند الرجوع إلى الأسباب والعلل، ومراجعة المشاكل والخلافات، ومتابعة الأقوال فيها والأفعال، نجد أنّ الكثير الكثير منها ما هي إلا تفرعات عن سبب رئيسي واحد وهو: سوء الاختيار. ولا نقول إن حُسن الاختيار يمثل العصا السحرية في الحياة الزوجية، بحيث يحيلها إلى حياة وردية لا مشاكل فيها البتة ولا خلافات؛ وذلك لأن المشاكل والخلافات إنما هي ملح الحياة، إذ من دون طعم الفراق المر لا يُستعذب حلو اللقاء، ومن دون الشعور بالألم لا قيمة لمعنى الراحة، ومن دون الشعور بالقلق لا يُلتفت إلى نعمة الأمان والاطمئنان، وبالتالي وجود الاختلافات بالمعدل الطبيعي في العلاقات بشكل عام ومنها العلاقة الزوجية علامة صحية لأنها تشير إلى أنها على قيد الحياة، بل إن بعض الاختلافات تسهم في أحيان كثيرة في تعرّف الزوجين أكثر على شخصية بعضهما، وبالتالي قد تكون عاملاً بنّاءً إذا أحسن الطرفان استثمارها. فإذا كانت الاختلافات أمراً طبيعياً في العلاقة الزوجية كما تقدم وكان الزوجان قد أحسنا اختيار بعضهما البعض فإنها تبني علاقتهما وتزيد من توطيدها وترابطهما فضلاً عن انسجامهما وتفاهمهما. فينعمان بالحبور القلبي والسعادة فضلاً عن الهدوء النفسي والسكينة، مما ينعكس ذلك بلا أدنى شك على جميع مجالات الحياة الأخرى فيعمها الاستقرار والتقدم والنجاح والابداع؛ ولذا كان حقاً: الاختيار السديد مفتاحاً لعيش الانسان الرغيد. وعلى النقيض من ذلك بالنسبة لمن أساء الاختيار فإنه غالبا ما لا يتفقان على الاسلوب الأمثل لحل المشاكل، بل قد لا يتفقان على كونها مشكلة ويختلفان حتى في تشخيصها ، وبذا غالباً ما ستكون معولاً هداماً يدق صرح حياتهما الزوجية حتى يتشوّه ذلك الصرح أو قد ينهدم. وبما أنّ الزواج علاقة شراكة بين طرفين كأية شراكة أخرى، كان لابد من وجود هدفٍ ما يدفعهما إليها رغم ما تكتنفها من التزامات، ولأن الهدف من شراكةٍ ما لابدّ وأن يُلقي بظلاله على الشريك المرتقب، فيحدد مواصفاته التي لابد أن تتوفر فيه طبقاً لما يتناغم معه ويسهم في تحقيقه، لأجل ذلك، كان من الأهمية بمكان التحدّث عن الهدف من الزواج، والتعرّض إلى الصحيح منها لتؤدي إلى أن تكون المعايير المتخذة في اختيار الشريك صائبة. كما يحسن بنا التطرّق إلى تلك الأهداف التي تمهر الزواج بمهر الفشل بصورة غالبة. فإذا وضحت الأهداف السليمة، واتضحت الأهداف السقيمة، تناولنا بشيءٍ من الايجاز أهم المعايير التي يجب وضعها نصب الأنظار في عملية الاختيار. وقبل تناول هذا وذاك يحسن بنا التعرض إلى أصل مسألة الاقتران بشخصٍ ما، هل هي مسألة اجبارية تعتمد على القضاء والقدر كما هو المتعارف بين الكثير من الناس أو أنها مسألة اختيارية تعتمد على الانسان وما يبذله من جهد وما يحمله هدف؟ ولأجل ذلك كانت هيكلية بحثنا كالتالي: المبحث الأول: هل الإنسان مخيّر في التزوج بمن أو أنه مسيّر؟؟ المبحث الثاني: الهدف الصحيح من الزواج. المبحث الثالث: أهم المعايير في اختيار الزوج. المبحث الأول هل الاقتران بشخصٍ ما، قدرٌ من الله (تعالى) أو أنه اختيارٌ ؟ يعتقد الكثير من الناس أن لا دخل للشاب في اختيار زوجته، وهو مجبر ومسيّر على الزواج بهذه الزوجة دون تلك، والزوجة كذلك، على حين أن هذا الاعتقاد عارٍ عن الصحة؛ لأن الإنسان مختارٌ في أفعاله كلها ومنها اختيار الزوج. وقد دلت على ذلك العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) منها ما رويَ عن الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله):"إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الارض وفساد كبير"(1) وفي حديث أبي عبيدة عنه (صلى الله عليه و آله) أنه قال: "إياكم و خضراء الدمن! فقيل: يا رسول الله و ما خضراء الدمن؟ فقال:(صلى الله عليه وآله): المرأة الحسناء في منبت السوء"(2) فقد اشتملت الرواية الأولى على أمرٍ، فيما اشتملت الرواية الثانية على نهي، ومن المعلوم أنه لا يؤمر أو يُنهى إلا المختار؛ لأن من لا يملك حرية الاختيار فمن العبث أمره أو نهيه، والرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) منزه عن كل ذلك بشهادة أصدق الصادقين "وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)"(3). وعليه فالإنسانُ مخيّرٌ في اختيار الزوج وليس مسيّراً، ولا ندَّعي بأن الانسان له الاختيار المطلق في ذلك بحيث يخرج عن دائرة القضاء والقدر الإلهيين ــ والعياذ بالله ــ، فإن في ذلك من المحاذير العقدية الكثير ليس من المناسب التعرض إليها في هذا المختصر، بل نقول بما روي عن إمامنا جعفر الصادق (سلام الله عليه):" لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين"(4). إذ كما أن هناك آيات كريمة تنص على أن العلم الإلهي قد كان منذ الأزل، وأن الأمور تجري حسبما قُدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل، كما في قوله (تعالى):"مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا"(5)، وقوله (عز من قائل):"وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ"(6)... فإن هناك آياتٍ كريمةٍ أخرى تدل على كون الانسان مختاراً ومسؤولاً عن اختياراته في الحياة كما في قوله (تعالى):"وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا"(7). ويمكن فهم القسمين من الآيات الكريمة من خلال قوله (تعالى):"يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ"(8) فالله (تعالى) يقدر للإنسان تقديرين: أحدهما: في لوح المحو والإثبات الذي يمكن للإنسان تغييره بالدعاء وبمقدار ما يبذله من جهد وسعي في سبيل توفير شرائطه، كأن يقدّر الله (تعالى) له الغنى فيما لو اجتهد وسعى. وأما التقدير الآخر ففي اللوح المحفوظ وهو قدر الانسان الواقع فعلاً في الحياة كأن يكتب الله (تعالى) على ذلك الإنسان الفقر؛ لعلمه السابق بأنه سيترك الجهد والعمل وسيركن إلى الراحة والكسل، فهو تقديرٌ بما سيقع وحسبما يقع، من غير أن يكون العِلم السابق مؤثراً في تحقّق المعلوم. وهكذا بالنسبة لمسألة الاقتران بزوجٍ ما دون سواه ــ بشكلٍ عام ــ فإن للإنسان تأثيراً كبيراً في اختياره صالحاً أو طالحاً، مناسباً أو غير ذلك. نعم، قد تقتضي الحكمة الإلهية أحياناً أن يقترن الإنسان بالزوج الذي لا يتوافق معه كما حصل في بعض زيجات بعض الأنبياء والأئمة (عليهم الصلاة والسلام). كما قد تقتضي المصلحة الشخصية للإنسان في بعض الأحيان ذلك أيضاً انطلاقاً من قوله (جل وعلا):" وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)"(9) بيدَ أن ذلك يبقى هو الاستثناء الوارد على القاعدة العامة التي تقدمت.. المبحث الثاني .. يأتي إن شاء الله تعالى.... ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الكافي ج5 ص495 (2) عوالي اللآلي ج1 ص87 (3) النجم 3و4 (4) الكافي ج1 ص161 (5) الحديد: 22 (6) فاطر: 11 (7) الإسراء: 13 (8) الرعد 38 (9) البقرة 216 رضا الله غايتي
اخرى
زينب (عليها السلام) آيات للعابرين
بقلم: منتهى محسن لم تكن كبيرة لتتحمل ألم الفراق، ولم تكن ناضجة لترتق شق الفقدان، فما زالت غضة تسبقها دموعها كلما اشتاقت لأمها، وهالة الفقد ترتسم على سيماء وجهها الطفولي الجميل، جُل ما كانت تستطيع فعله أن تجلس بحجر أبيها، تتلمس بقايا لمسات أمها البتول، او تتصفح وجهي أخويها لعلها تروي ضمأها الشديد نحو تلك الطلة النورانية الراحلة . _ اشتقت لعطرك الملكوتي أمي، ودفء حجرك، وتناسيم صوتك في الدعاء، وهمهمتك وتهجدك في الصلاة، وأنفاسك الزكية العبقة بعطر الجنان. _ أماه.. هل تسمعينني، أنا بنيتك "زينب"، أطارح الليل الطويل ودموعي تملأ وسادتي حنينًا اليك . _ بالله عليك، هلا أخبرتني من سرقك مني؟ ومن أوجعني على صغري بحرماني وفقدي إياك ؟! هكذا غُيبت شمس النهار واستحال الكون ظلامًا في حياة تلك الطفلة الصغيرة التي أذاقتها الدنيا طعم المر على نعومة أظفارها، ولم تكن تلك المأساة أول الصدمات وآخرها، فلطالما توجع قلبها مرارا وتكرارا . _ أبتاه يا سندي، كلما اشتقت لوجه أمي النوراني حدّقت بوجهك فيصلني قبس نورك، فمالي أراك تنعى نفسك في هذه الليلة؟ وتجيبني : "يا بنية قد قرب الأجل وانقطع الأمل".. فهل ينفع البكاء والعويل ؟! _ أبتاه .. حتى الإوزة أبت رحيلك فخرجت وراءك تستبقيك، ورفرفت بجناحيها تناديك، وصاحت بوجهك تثنيك! _ حتى الباب شد وثاقك وهاله خروجك الأخير، فأَمسك بمئزرك لا يود فراقك، كأنه هو الآخر يحاول ثنيك عن الخروج هذه الساعة ويخشى ابتعادك، ورحت ترفعه وتشده من جديد وأنت تردد : أشـدد حيازيمك للموت *** فإن المـوت لا قيكـا ولا تجـزع من الموت *** إذا حــل بنـاديكـا كما أضحكـك الـدهر *** كذاك الدهـر يبكيكـا _ أبتاه ..لما فقدتُ أمي البتول، كنتَ أنت عكازي الذي اتكأ عليه، ومرفأي الذي ألوذ اليه، والظل الذي احتمي فيه، فمن لي بعد انطفاء نورك ورحيلك؟ لقد آن لذلك القلب أن يتجرع الحزن مرات طوالًا، وأن تنهال عليه الهموم باستمرار ، ليتجلد ويتقوى ويتهيأ لفاجعة مهولة قادمة بمشيئة الله، وبصدور حرى، وقلوب عبرى، جرى القدر وفاضت روح الأب المغوار، وصار الفقد عظيمًا والمصاب جسيمًا، والحزن عميقًا، فلم يبق قربها الا أخواها الحسنان (عليهما السلام) يؤنسانها ويكفكفان دموعها ويخففان عنها ألم الحرمان . _ أخي حسن، يا أشبه الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله ) خلقاً وخُلقاً وهدياً وسؤدداً، هل ستغادرني أنت أيضًا وتتركني أقاسي فراقك الموجع؟، يا لِلوعة قلبي المنفطر وقد تقطع كبدك اثر ذلك السم اللعين، ويا لحنانك الأخّاذ وأنت تأمر بإخفاء الطشت الذي تلفظت به كبدك رحمة بي وإشفاقا! واغربتي بعدك يا ابن الأكرمين ؟! وتستمر المواجع تنهال على ذلك القلب الصبور، وكل محنة تهدّ الجبال الراسيات، وتظل تلك الروح تتجرع الآهات والصدمات كل حين، والضربات تتوالى دون توقف أو نفاد. ومضت السنين تخطف الأحباب واحدًا تلوى الأخر، تاركة الندبات في شغاف القلوب الذابلات، لترتمي زهرة الحياة مياسة تتدلى ذابلة بعد ان أدمتها النوائب والفاجعات ، وأشدها وقعًا ومصابًا فاجعة كربلاء. فلقد ذوى قمر بني هاشم على رمضاء كربلاء بعدما استبسل لجلب الماء لعيال الحسين، وقد قطع الأوغاد كلتا يديه بكل لؤم وخبث، فلما سقط صريعا انهارت اخر محطات الوفاء والإخلاص. _ الآن انكسر ظهري وشمت عدوي وقلة حيلتي . _ « وأخاه ، وا عباساه ، وا ضيعتنا بعدك » تشظى صراخ العقيلة في صحراء كربلاء، وقد رمتها الدنيا بسهم الغدر من جديد، وهذه المرة بأخيها قمر بني هاشم، فتلظت تحترق على جمر الصبر والاحتساب . ولم يبق لها في الوجود الا ذلك المصدر الوهاج، عشقها الوحيد وملاذها الفريد، وتوأم روحها وشقيق فكرها ومهجة قلبها، فلقد كانت تبصر من عينيه شجاعة أبيها، وصبر أمها، وحلم أخيها، وبهاء جدها رسول الأنام (صلى الله عليه وآله) . _ ألا من ناصر ينصرنا ، ألا من موحد يخاف الله فينا؟! تعالت داعية الحسين على رمضاء كربلاء نذيرًا حزينًا، بعد أن تساقط الأصحاب والإخوان وفلذات الأكباد صرعى على وجه الثرى، وزينب (عليها السلام) تتجرع كأس المنون . _ أي أخت تقدم لأخيها جواد المنية؟ وا غربتنا بعدك يا أخي ؟ وا ضيعتنا بعدك يا عزيز أمي الزهراء ؟ _ وا أخاه ، واسيداه، وا أهل بيتاه، ليت السماء أطبقت على الأرض، وليت الجبال تدكدكت على السهل. _ يا عدو الله ويلك! أما علمت أنّ هذا الصدر تربى على صدر رسول الله، وصدر فاطمة الزهراء؟! ويحك ! هذا الذي ناغاه جبرئيل ، وهز مهده ميكائيل!! لم تقف الحكاية الى هذا الحد من الظلم والإقصاء، ولم يكتفِ حفنة الأوغاد من شن همجيتهم على اشرف بيوت الإسلام، بل تمادوا أكثر وسجلوا أبشع المواقف وأخزى الأحداث؛ أحداث يندى لها جبين الإسلام . حتى أهالوا الأطفال والنساء ومارسوا عنجهيتهم بكل إتقان، وأمروا بحرق الخيام وروعوا حرائر بيت رسول الله، فتعالى الصراخ وزاد الهلع والخوف ببنات الرسالة أمام لهب النيران، فلم يبق يومئذ من الأشراف إلا زين العباد (عليه السلام) _ يا ابن أخي : ما لي أرى الكون قد تغير؟ والشمس انكسفت ؟ والأرض ترجف ؟! _ لقد قتل أبي الحسين ، قُتل أسد الله الباسل ، قتل ابن سيد الأوصياء ، قتل ابن فاطمة الزهراء . سقط أرضا باقي العترة الاطهار وقد غشي عليه مكبوباً على وجهه، تلقفته سليلة المجد والفخر بارتجاف يديها وبقلبها الكبير ومحبتها الفائقة، لتنظّم سيناريوهات الحقد وقعاتها المدوية على ذلك القلب الصابر المجاهد بأشد ما يكون. _ يا بقية الماضين وثمال الباقين، واغربتاه ! وا أخاه ! وا حسيناه ! وا عباساه ! وا رجالاه ! وا ضيعتاه بعدك يا أبا عبد الله. عزفت السماء سمفونية العزاء وشاركت ملائكة السماء ذلك الرثاء، وشارك الكون النوح والبكاء، فأي فقد بعد فقد سيد الشهداء، وأي خطب حل بالأرض والسماء ، وأي ظليمة لحقت بالآل الأطهار؟! وكل تلك السلسلة من الأحداث المريرة والفقد العظيم حواه قلب واحد أبصر مختلف المحن والانتهاكات، وبهذا ذابت شمعتها بعد عام واحد من تلك الأحداث، ورحلت الى بارئها تشكو جور الظالمين القساة، رحلت بجسدها الفاني وخلدت بروحها السامية ومواقفها البطولية الرائدة التي أبهرت بها العدو قبل الصديق . رحلت مودعة أفق الحياة التي لم تُذِقها سوى الويلات، رحلت إلى جنة عالية قطوفها دانية حيث الروح والريحان ، لتجتمع في الفردوس الأعلى مع جدها رسول الله وأبيها حيدر الكرار وأمها سيدة النساء وأخوتها البواسل أجمعين، واولادها الذين تساقطوا نجوما على ارض كرب وبلاء، رحلت وظل حراكها وصبرها آيات للعابرين ابد الزمان .
اخرىالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىأساليب في التربية
عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي
اخرى