تشغيل الوضع الليلي

لآلئ من نهج البلاغة: الحكمة الثانية (2)

منذ سنتين عدد المشاهدات : 6877

بقلم: يا مهدي أدركني
الفصل الثاني: الشكوى
(....وَرَضِيَ بِالذُّلِ مَنْ كَشَفَ عَنْ ضُرِّهِ...).
بيان معاني المفردات:
رضي: وهي مشتقة من الرضا، وهي طيب النفس والقناعة.
الذل: هو الانكسار والخضوع، ذل الرجل اي حقِّر الرجل.
كشف: اي رفع عنه ما يغطيه.
الضُر: وهو الشدة والبلاء وسوء الحال.
شرح الحكمة:
في هذه الكلمات يحذر أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) عن خصلة أخرى قد تصيب قلوب البعض وتؤدي بالنفس التي كرمها الله تعالى الى الذل والمهانة.
مخدوع من يعتقد أن الدنيا دار راحة، وإنما هي دار للبلاء وفيها تمحيص واختبار لعباد الرحمن فمن وقع عليه البلاء وصبر وشكر فله أجر غير ممنون، قال عز من قائل { إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} (سورة الزمر: آية 10).
ولكن يجب أن نضع بالحسبان أن من أهم خصائص الصبر هو عدم الشكوى وإلا فإن من اشتكى فقد ذهب صبره كذرات رمل هبت عليها ريح عاتية، وهذا يعني أن الصبر والشكوى أمران لا يجتمعان إلا في حالة واحدة ، وهي: فيما إذا كان المشتكى إلى الله تعالى، فهو أمر غير منهي عنه فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم حكاية عن نبيه يعقوب (سلام الله عليه) {قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} (سورة يوسف: آية 86)، وقد جاء في معنى قوله تعالى (فصبر جميل) هو الصبر الذي لا شكوى فيه، فقد جاء في تفسير البرهان عن الحسين بن سعيد في كتاب التمحيص عن جابر قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما الصبر الجميل؟ قال: ذلك صبر ليس فيه شكوى لأحد من الناس إن إبراهيم بعث يعقوب الى راهب من الرهبان عابد من العباد في حاجة فلما رآه الراهب حسبه الراهب إبراهيم فوثب اليه فاعتنقه ثم قال: مرحبًا بخليل الرحمن فقال له يعقوب: لست بخليل الرحمن ولكن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم، قال له الراهب: فما الذي بلغ بك من الكبر؟ قال: الهم والحزن والسقم. قال فما جاز عتبة الباب حتى أوحى الله إليه: يا يعقوب شكوتني الى العباد فخر ساجدًا عند عتبة الباب يقول: رب لا أعود فأوحى الله إليه إني قد غفرت لك فلا تعد إلى مثلها فما شكى شيئًا مما أصابه من نوائب الدنيا إلا أنه قال يومًا: (إنما أشكو بثي وحزني الى الله...) (4).
من هنا يتضح أن الشكوى لله لا توجب المذلة، بل بالعكس فإنها تقوّي العلاقة بين العبد وربه تلك العلاقة التي من شأنها ترفع قدر المؤمن وتعزه، وعلى طرف النقيض نجد أن الشكوى لغير الله مذلة.
إن من أسباب الشكوى هو اعتقاد الشخص بأنه بعد أن يبث ألمه وما يختلج قلبه من همٍّ فإنه سيرتاح ويخف عنه ذلك الألم -فيما إذا استمع له الآخرون-
ولكن أليس من الجدير أن تكون الشكوى لله تعالى؟!
وهذا ما أدبنا عليه أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم)، فهناك الكثير من الروايات التي تؤكد على كتم الألم وتحمل المرض وعدم الشكاية، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال (قال الله (عز وجل) أيما عبد ابتليته ببلية فكتم ذلك من عواده ثلاثًا أبدلته لحمًا خيرًا من لحمه ودمًا خيرًا من دمه وبشرًا خيرًا من بشره فإن أبقيته أبقيته ولا ذنب له وان مات مات الى رحمتي) (5).
والشكوى مرة تكون لمحب فيتألم لصاحبه مما نزل فيه، ومرة تكون لعدو فيسر ويشمت لما نزل به من ألم وضُر، لذا ينهى أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) من أن يكشف الرجل ما نزل به من ألم فيكون ذليلًا بين الناس، في الوقت الذي لا فائدة ترجى من هذه الشكوى سوى سرور العدو وحزن المحب.
الفصل الثالث: في حفظ اللسان
(...وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ مَنْ أَمَّرَ عَليْهَا لِسَانَهُ).
بيان معاني المفردات:
هانت: من الهون أي استخف بالشيء وجعله ذليلًا.
أمَّر: اي جعل عليها أميرًا، يقال أمر على القوم اي صار عليهم أميرًا فيجب ان يطاع.
شرح الحكمة:
نجد في هذه الانتقالة الى المقطع الأخير من هذه الحكمة البلاغة في التعبير، فبعد أن عرج (سلام الله عليه) إلى كشف الضر بالشكوى التي تتحقق بالكلام، ختم قوله بموعظة عن اللسان، تلك الجارحة التي إذا لم يحسن صاحبها ترويضها فإنها تغلبه وتقهره وتجعله أسيرًا لها.
إن الله تعالى أنعم على الإنسان نعمًا عظيمة، ومنها نعمة اللسان، تلك النعمة التي إن أحسن استخدامها جنى من ورائها ثوابًا عظيمًا وإن أساء استخدامها كانت سببًا في هوانه وهلاكه.
لذا نجد تأكيد أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) على التفكر مليًا قبل الكلام،
وفي حديث عن الإمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: "إنما شيعتنا الخرس" (6)
وقد قيل (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) وقيل أيضًا (خير الكلام ما قل دل).
ولعل هذا التأكيد على التزام الصمت والتكلم عند الحاجة فقط يعود إلى أن هناك الكثير من الذنوب التي ترتكب من خلال تلك الجارحة كالغيبة والنميمة والبهتان والافتراء والكذب وشهادة الزور وما إلى ذلك من ذنوب ومعاصٍ تقصم ظهر حاملها، وتؤدي به إلى النار لا محالة، فيما إذا لم يتمكن من ترويض تلك الجارحة ويمسك بزمامها ويجعلها طوعًا له.
إن اللسان هو زينة العالم وبهاء العابد، فكن انت أميره وصاحبه، أطلق له العنان في تقديم النصح لإخوانك، وبذل ما تعلمته، فزكاة العلم نشره، فلا تبخل على غيرك به، فتلقى ربك بنفس ممتلئة بتلك المعلومات فتحاسب على عدم بذلها للآخرين، واجعل من عادته –اللسان- شكر المخلوق، فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، وأجعله يلهج بالاستغفار ليرتقي منزلة المناجاة فيجعل من قلبك حرمًا لخالقك، ولكن حذار من أن يكون هو أميرك فتهون عليك نفسك.

ختامها مسك:
وخير ما نختم به كلامنا قول الله (عز وجل): {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} (7)
نجد أن الله تعالى كرّم تلك النفس الإنسانية ونفخ فيها من ذلك المخلوق الذي شرفه الله تعالى ونسبها إلى نفسه فقال (من روحي)، لذا نجد أن أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) اهتم بها وحث على تكريمها وعدم تهوينها ببعض ما تبتلى به من أمراض، فعلى المؤمن أن يكون واعيًا وذا همة عالية في الحفاظ على تلك الأمانة الملكوتية.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير المرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.
__________________________
1- جامع السعادات للشيخ النراقي، ج2،ص108.
2- منقول من نفس المصدر السابق.
3- كتاب كلمة الله للشهيد السيد حسن الحسيني الشيرازي: حسن الظن بالله، ص76.
4- تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي: ج11، ص243.
5- المصدرالكافي للشيخ الكليني. جزء 3، ص 115.
6- منقول من كتاب خمسون درسًا في الأخلاق للشيخ عباس القمي عن كتاب الكافي:ج2، ص92، ح2.
7- سورة الحجر: آية (28،29).

اخترنا لكم

#إحداثيات-الغاضرية

مُناغاةُ الأصغر.. تؤنِسُ الكونَ... بشفاهٍ يابساتٍ لم يزلْ يَبسُم للرباب.. النحرُ.. يستعِدُّ لسهمِ المنون! #إحداثيات-الغاضرية

اخرى
منذ شهرين
163

دروسٌ من حياةِ مُسلمٍ بن عقيل (عليه السلام)

أداءُ الدَين لم يكنِ الموتُ ورهبتُه أشدَّ من الدَينِ الذي في عُنُقه (عليه السلام) فقد كانَ حافظًا لدَينِه، وفيًا لعهدِه، مُخلصًا في أدائه.. فلمّا رأى مشارفَ الموتِ قد كشّرتْ عن أنيابِها أوصى عمر بن سعد؛ لِصلةِ قرابةِ بينهما بأنْ يؤدّيَ عنه دينَه حتى يأتيَ أهلُه من المدينةِ لأداءِ حقوقِه..

اخرى
منذ 3 أشهر
193

امرأةٌ من الماءِ

بقلم: حيدر عاشور صوتُ أمِّها أجملُ أرثٍ بقي لها يُحيط بها كالهواء. بقيت وحدها تصارع الحياة، بلا جرأة ولا خبرة، بعد أنْ غادرت أمُّها إلى مليكها المقتدر. البطولةُ الجميلةُ التي قدّمتها، قد تكون ساذجةً، لكنّها تشعر أنّها حققت رسالةً ستفتخر بها عند من لا يضيع عنده عمل عامل. فكيف إذا كانت خدمتها لمن كانت الجنة تحت أقدامها..؟! ببساطةٍ إنّه استسلامٌ لواقع حالها، بعد أنْ ضاق عليها البيت الذي كان يومًا يشبه النهر، أصبح صامتًا فارغًا من الحياة. الليلُ يهبط، وغرفُ البيت أبوابُها مغلقة. الصورُ على الحائط آخر بقايا الوجوه التي ملأت حياتها، أمست معتمةً يُضيئها ضوءٌ منعكسٌ من النوافذ يمنحها نوعًا من الاطمئنان والهدوء. الأمرُ قد تجاوز الحزن فالأمُّ الراحلة أخذت حنان أخواتِها الأربع، وما عاد جرس الباب يُدَقُّ كالسابق، إنّه هادئٌ كهدوئها ووحدتها. توقف عن الدقِّ كما توقفوا عن السؤال عنها، فالأخوات نسينَ وعودهن وتنكّرنَ لوصيةِ الأمِّ؛ لأن المال كان دائمًا ثمينًا، والنفوس يغلبها الطمع. لم يبقَ قربانًا أبيض تُقدمه كتضحيةٍ لحياتهن ونضوجهن. وهي من قبلت أنْ تكون مع الجنة رغمَ فُرصِها الذهبية في الزواج، فجمالُها كان يفوقُ جمال أخواتها، ويُثير الانتباه والحسد والرغبة لكلِّ من يراها، كانت ملامحُها بيضاء كالثلج، دقيقةَ الأوصاف، الجبهةُ ناصعةٌ وعريضة، والوجنتان متوردتان، والعينان اللامعتان، والأنف المميز بحجمه الصغير والمُثير باستقامته، ودمُها الخفيف، وابتسامتُها الودود، تجعلُ كلّ من ينظر إليها من الجيران وأهل المنطقة يُطلق عليها اسم (الملاك)، ويمازحنها العجائز بقولهن: "إنّكِ القديسة يوسفية". كانت حياتُها بعد أنْ تركت المدرسة بوقتٍ مبكر قد أضفت إلى شخصيتها الكثير، وهي تقود أسرتها بهذه المثالية العالية والتضحية التي قلَّ نظيرها في زمنِ خلط الأوراق والوصول بطبائع البشر إلى القمم في الكذب والنفاق والإلحاد والإيمان والمعرفة والعلم، كلُّها قممٌ، والكلُّ يرى نفسه أفضل من الآخر، لكن لم يفهمْ أحدٌ ما يختلجُ في صدرها سوى أمها، والآن قد رحلت. بدت "يوسفية" في حالةٍ صعبة جدًا، وشديدة الارتباك والإحباط، لا تعرفُ بماذا تُجيب على عروض وطمع أخواتها..؟. أحسّت أنَّ بلعومها يزداد جفافًا، وتنفسها يضيق، فكلُّ تضحياتها ذهبت أدراج الرياح، وأحلامها تلاشت. والبيت بكلِّ أركانه وذكرياته يبدو موحشًا، يسوده صمتٌ لا يقطعه إلا صوت طيور الحب الملونة التي تزقزق وكأنّها تكلمها، تلومها، توبخها. اتسعت عينا "يوسفية"، وبصوتٍ خجول منخفض تكرر متسائلة: - أنتِ أيتها الطيور تحدثيني، أتكون تلك التضحية خاطئة؟! هي حقيقة إنسانية، بماذا تأمرين الآن؟ ياااه، إنّ تضحياتي لم تحققْ نجاحًا إنسانيًا ولو بقدرٍ بسيط من رابطة الدم. أيتها الطيور الجميلة إنَّ تضحيتي، إنّما هي من العظمة بحيث لا يُمكنني التعبير عنها، فهي خالصة لله أولًا، وبرٌ بوالدتي ثانيةً. سحبت نفسًا عميقًا، وعيناها تلمعان شاخصةً صوب الطيور، ورجعت إلى صمتها المطبق كما لو كانت تشحذُ ذاكرتها. ثم انتفضت كمن مسّها شيءٌ خفي لحظتها، فرفعت رأسها ووضعته بين كفيها، وأخذت بالبكاء الممتلئ بالجزع، ونشيجه يعلو ويهتز له كلُّ جسدها الرطب والمحروم، قرارُها كان فيه نوع من التنازل، قرارٌ تجمعت فيه كلُّ مشاعر الخجل والغضب والرغبة في ردِّ اعتبارها أو الانتقام من أخواتها لما فعلن بها من التهجير الروحي والنفسي والمكاني، قرارُ الانتقام هو نتيجةٌ كتمتها في قلبها الطيب. قد انصهرت فجأةً على صوت زقزقة عصافير الحب، وانفجرت لتملأ البيت بالصراخ والدموع التي لم تتوقف إلا بدقِّ جرس الباب. فتحت الباب، كانت خائفةً فهي أمام الأمر الواقع، فنظرته الماكرة والمستذئبة كانت بمثابة ضياع خمسة وثلاثين عامًا من عمرها، فمالت لائذةً وراء الباب منتظرةً صاعقة الطرد من البيت، حالمة من هذا المالك الجديد لذكرياتها وأنفاس والديها، أنْ يمنحها وقتًا يسيرًا حتى تدبر أمرها. جرجر طلبها نفسه بتمنٍ هادئ، تاركًا خلفه خيط أملٍ رطب.. فجأةً ومن دون وعي، ظهرت أمامه وتدفقت كلماتها وأفكارها في موقفٍ لا يرحم، أحيانًا تأتي المفردات من تلقاء نفسها، تحمي الإنسان من مهالك القدر، رفعت رأسها لترى وجهه، نسيت نفسها لوهلةٍ وهي تنظر إلى عمقِ عينيه، وانتشرت على وجهها ابتسامة رقيقة خجولة، حنت رأسها وأخذت جانبًا وهي تُردد باستيحاء: ــ تفضل إلى بيتك، لديَّ ما أقوله لك، هداك الله على مسكينةٍ ويتيمة مثلي. فأجابها بلهجةٍ فيها اشمئزاز متعالٍ في قبول دعوتها للدخول إلى بيته، كان رجلًا بشرته شديدة البياض، وله عينان واسعتان ومدورتان، سوادهما ملفتٌ للنظر مثل شعره، وجبينه متميز بعلامةِ تعفيرٍ واضحة، وهي إحدى علامات الإيمان والتقوى. لم تكن "يوسفية" تعرف الشوارع التي يعتاش منها الناس، إلا ما عرفته من بيت والديها ومن أخواتها وأزواجهن الذين يأتون إليهم ويخرجون. وكان حبُّ أمها مقدسًا يحجب عنها رغباتها، كالقمر والشمس يحجبان عن أشياءٍ كما يحجبان عن الوجوه. فهي فتاةٌ خام في أطباعها وقعت فريسة خيانة أخواتها، فمن يدخل وجر الصبر والانتظار والتضحية لا يملك انْ يخرج حافيًا من الحياة. صوتُ زقزقة طيور الحب يقطع صمتها أمامه، ويبعث بصيصًا من النور يخترق البيت الهادئ، تنظر إلى سورة الكرسي تقرأها بقلبها: يا الله سنواتي العجاف مثقلةٌ بالذنوب، وأنت أعلم بها فكلُّ ذنوبي وهي كانت تصبُّ في رضا أمي وسعادة خواتي. ما الذي يريدونه مني، يلاحقونني حتى في وحدتي، وبما ضيعته في تيهِ فتاةٍ اختارت سعادة الآخرين، ولم تعي بما اختارت ليصبح عليها فجر الوحدة المصبوب بالكوارث. قطع توسلاتها الصامتة: ــ إلى ماذا تنظرين أيّتها السيدة؟ وماذا تريدين مني؟ كوني شجاعة وصارحيني برغباتك..؟ وضعت (يوسفية) يدها في حضنها متشابكة ورفعت بصرها، كان وجهها بين الهدوء والقلق والحذر، ثم أجابت : ــ لا أعلم، فذلك يعتمدُ على مدى قناعتك بما سأقوله لك بكلِّ صدقٍ وأمانة. فوجئ (المالك) بقولها بعض الشيء، وراقبها بالنظرات بضع لحظات، ثم قال بنوعٍ من التهكم: ــ حسنًا، أسمعكِ. غام وجه (يوسفية) وأجابت مغتاظة قليلًا: ــ أنت تريد البيت وهو الآن أصبح ملكًا لك رسميًا، لكن سأقصُّ عليك قصتي، ولكَ الأمر في تحديد مهلةٍ ليّ حتى أجد مأوى يحميني بعد خروجي من بيت أمي وأبي بهذه الطريقة البشعة التي خطط لها أعز الناس لروحي. قد يكون ذلك غير مقبول، ولكن لابد من أنْ تسمعني .. شرعت (يوسفية) تروي ما قدّمته من تضحيةٍ لأمها وأبيها وأخواتها البنات، وتوقفت عند منح أمها البيت لها؛ لأنها البنت الكبيرة المطيعة والخادمة لكلِّ عائلتها بقناعةٍ مطلقة وخاصة محبوبتها أمها. وكيف اعترضت وقتها لكون البيت حقَّ الجميع؟! وحينئذٍ تدبّرت أمها وسيلةً لحمايتها، فقد كتبت وصيةً أن لا يباع البيت حتى تتزوج (يوسفية) أو تموت، احتقن وجهها بالدماء وكان غامقًا من الخجل، وهي تضعُ أمامه ورقة الوصية، فأردفت أمامه قائلة: - عرسانٌ كُثُر عرضوا عليّ الزواج في حياة أمي، وإغراءات كبيرة كنت أتعرض لها من قبل نسوة المنطقة وغيرهن من النساء. لكن لم أفكر سوى بأمي المريضة التي تحتاجني بقربها وأخواتي الضعيفات يجب أنْ أؤمن لهن حياتهن بزيجاتٍ محترمة وقد نجحت.. والآن أقابلُ نجاحي بمصيرٍ لا أعلم كيف سيكون في المستقبل؟ الحقيقة يا سيدي، حين يقدم الإنسان حياته للآخرين لا يشعر حتى بنفسه أو بالإغواء، لو كنت قبلت بالإغواء لتزوجت بسرعة الرصاصة، ولكن لا يُغريني سوى ما يُمليه عليَّ ضميري اتجاه أمي المقدسة. كنت آمل أنْ لا يُقبل عليّ أحدٌ للزواج طالما أمي على قيد الحياة، هنا صكّت بأسنانها على شفتها السفلى، وأخفت وجهها على نحوٍ غريب تحت عباءتها. تبع ذلك ثمة فترة صمتٍ طويلة بين المالك و(يوسفية)، وكان منظرها يوحي بالثقة والقناعة، والتحفظ الذي يتباين منها، يشبه القديسات أو الملائكة في سلوكهن الاستثنائي، ذلك الألق المتوهج لشعلةٍ جوهرية نادرة، يُدركها كلُّ من ينظر إليها ولو لمرة واحدة.. عندها تصلّب وجهُ المالك، وتساءل بصوتٍ حزين وودود: ماذا تريدين مني؟ فكلُّ الذي ستطلبينه سيكون قيد التنفيذ وبلا تردد. بدت على وجهها نظرة انبهار وحيرة ممتلئة بالتعبيرات والتوسلات، وقالت: ــ شهران أو ثلاثة وأسلمك البيت، إذ لم أغالِ في تحديد المدة.. رمقها المالك بنظرةٍ كادت أنْ تكون مفتاح الفرج لـ(يوسفية)، وقال: ــ (تمامًا) مثلما ترغبين، أما رغبتي هي أنْ تبقي في البيت لستة أشهر، هل هذا يكفيك حتى تجدي مخرجًا لحياتك؟ غلّفتها شحنةٌ من الفرح، وهي تُعيد كلمات الشكر له، والتضرع لله تعالى أنْ يفتح له أبواب مقادير الرزق على مصاريعها، كانت تبدو أمامه وكأنّها طفلةٌ كبيرة مُنحت جائزةُ البقاء على الحياة، مندهشة حائرة قليلًا، كما لو لم تصدق ما قاله. مع ذلك كانت تؤمن بحدسها بما هو آت، وشعور عن شيءٍ ما قادم لم يجئ وقته بعد، أحسّت أنّها ارتفعت عن الأرض وبدأت تمشي في الهواء دون أي استقرار. ظلَّ سحرُ انتصارها المؤقت قائمًا في روحها بعد أنْ غادرها قلق التشرد في الشوارع. وشعرت أنّها تحررت من التوتر والضيق الناجمين عن لقاء المالك. لقد حسم أمرها بكلمةٍ وختم وبصم بعهدٍ أنْ لا يصلها إلا بعد ستة أشهر، بهذه البساطة كأنّه وضع بذرةً في قلبها فتكونت منها نوبة حادة التفكير والمراجعة لكلِّ نظرةٍ وكلمة، وبنشوةٍ كان قلبها يكشف لها اكتشافًا لا يُصدّق، لا يعرفه أحد سوى نفسها والنبض الذي يرتفع مع كلِّ خيال. بدأت تتحدث إلى نفسها: إنّ نظراته الماكرة والمستذئبة تنمُّ عن تجربةٍ حياتية غنية بالمعرفة، وقد لوّحته الشمس مما تزيد من جماله رغم هيأته الدالّة على الجمود والجد، والأخطر مزاجه المتخفي الذي لا يُعرف له قرار، أو يقهر أمزجة الآخرين. طوله يُشير إلى فحولةٍ مكبوتة، أنيقٌ له مظهر الأثرياء. لأول مرةٍ يغزوها مثل هذا الشعور! قد يكون الرجل الوحيد الذي رأته بهذه الطريقة فأثار فيها نشوةً غريبة وإحساسًا حقيقيًا، فهتفت مع نفسها: يا الله! ما هذا الشعور؟! وظلّت مستغرقةً في مُخيلتها، لا تعي ولا تصدق ما كان يجري حولها وقد انتهى بهذه السهولة. والغريب أنَّها شعرت بالشوق لرؤيته مرة ثانية، فثمة شيء من ضوء الحب قد تسلل إلى قلبها بعد كلِّ ذلك الخيال المُفرح، ولكنّها تضايقت؛ لأنَّ نفسها اللوامة غزتها على حين غرة، لتؤكد لها أنَّ كلَّ خيالها ومُخيلتها خطأ، وأنَّها تخدع نفسها بنفسها، وعليها أنْ تُفرغ دماغها وقلبها من هذا الهوس، وأنْ تجعل نفسها منيعة عن وسوسة الشيطان. لقد سعت طيلة حياتها أنْ تجعل روحها مقدسة وجسدها منيعاً لا يمكن مهاجمته خارج الخطوط الشرعية والأحكام النبوية والسنن الإلهية، رغم أنَّ روحها كانت معذبة، ولكن لم يكن في مقدور أحدٍ أنْ يذلها أو يسخر منها. والحقيقة أنَّ كلُّ من يعاديها كان أدنى منها في الإنسانية والصبر والإيمان، كما كانت تعلم أنَّ من يحاول أذيتها ويهرب منها ويسعى للانفصال عنها نهائيًا إنّما يفعل ذلك ليجردها من نقائها واحترامها لنفسها وإيمانها المطلق بالله تعالى. ولم يسعَ إلى ذلك سوى أخواتها! فهُنَّ اللواتي عرّضنها للتجريح والاستهزاء والكيد، وحاولن تركها وحيدة في الحياة، ومع كلِّ هذه الأحقاد كانت تمتلك القدرة على الاحتفاظ بهن، كما حاولت مرارًا وتكرارًا أنْ تنبههن إلى أنّها أختهن الكبرى، لكن بلا جدوى وصرختها مُجمجمة، لا تُسمع، ولا يرقُّ عليها قلبٌ، وهي تموت وتحيا بين شوقها وخوفها الدائم من ابتعاد أخواتها عنها إلى الأبد. وصلت إلى شعورٍ خارقٍ باليأس، وأعلنت في نفسها عن عجزها، والانزعاج ارتفعت مقاديره النفسية حدَّ اللعنة، إنَّها تفشل في الاحتفاظ بأخواتها رغم كلَّ ذلك الحب وتلك التضحية، عمرها قد تقدّم، ووجهها بدأ يشيخ، وشعرها الذي كانت تمشطه أمُّها لم يعد ينساب كالسنابل الصفراء الذي تتحسس نعومته مما يزيدها ألقًا وجمالًا. والآن هي وحدها تساوم على البقاء في ذكرياتها، بينما أخواتها قد أخذن حصصهن من الإرث، ويتنعمن بها مع أزواجهن، أما هي فلم يعد نصيبها من الإرث يعنيها، فهو في تناقصٍ مستمر حتى بات غير كافٍ لسكن جديد، رغم أنّها اختصرت الكثير من وجبات الغذاء، وأنهكت نفسها بالصيام، لا تأكل سوى وجبةٍ واحدة تُسكت بها صراخ بطنها من الجوع. وانقضت أيامها بسرعة البرق واشتغل قلقها نحو المالك وموعد تسليم البيت من جديد، ولعنةُ فكرة طردها من البيت من قبل ذلك الكائن الذي سكن روحها وبنفس الوقت هو من سيُمزِّق كلَّ أملٍ في البقاء، لم تعد تعي شيئًا مما حولها، تشاؤمها يرسمُ في عقلها شرورَ هذا العالم، وأنَّ الرحمة والإنسانية والأخوة صارت حلمًا في لهب الضياع، عيناها لم تذوقا طعم النوم، وعذابُ نفسها طنينٌ في الأذن يطحنُ روحها ويشلُّ صبرها، يُعطلُ حواسها بمرارةِ قسوة الوحدة، طنينٌ أشبه بالرنين يسحقها ويخذلها يخنقها، يميتها في آنٍ واحد، حتى بدأت تنهار، وهي تدمدم وتتنهد مع نفسها: - العمر سينطفئ بعد شروق الشمس، والعذاب والتشرد سيكونان عالمين جديدين من الضياع، سأنهي ذلك الأمر المعادي والظالم بطعنةِ سكينٍ حادة وأرتاح من هذه القسوة، وليقولوا إنّها انتحرت نتيجةَ خيانةِ العهد بين أمها وأخواتها... لا، أخواتي مسكينات لا يعرفن حقوق الله تعالى، أخاف أنْ يصيبهن مكروهٌ بسببي. وبين فكرة إنهاء حياتها وخوفها من الله تعالى أنْ يصبَّ عذابه على الناكثات للعهد، رنَّ جرس الباب، وانطفأت كلَّ الآمال ومات الخيال، وأصبحت كجثةٍ تتحركُ بصمتِ الموتى، تسعى بنفسها نحو المجهول، قلقةٌ، بانتظارِ رحمة الله تعالى تنقذها من الهيام في الطرقات لا سقف يحميها ولا أقرباء قريبين تلجأ إليهم، حتى أخواتها لا يرغبن بها بسبب أزواجهن، هكذا هي عندما تتراكم عليها الشدائد ويظهر الألم المروّع في قلبها وروحها، يجعلها مشلولةَ الإرادة والتفكير، لا أحد يعرف معنى ترك بيت لم تخطُ عتبته ثلاثين سنة، ولم تضرب الشمس وجهها، لقد ألحقوا بها الذل والأذى وهن يرفضن بوقاحة وصلافة إيواءها بحججٍ واهية، ويتعاملن معها كطيرة جميلةٍ أزف وقت ذبحها، تقتربُ إلى الباب وترسل إليها نظراتٍ مبهمة، كأنها تتوسل بها، وقعت عينيها على حرزٍ وضعته أمّها لوقتِ الشدائد، بدأت تقرأه على أصوات رنين الجرس المستمر: "يا مالك الرقاب وهازم الأحزاب، يا مُفتح الأبواب، يا مُسبب الأسباب، سبب لنا سببًا لا نستطيع له طلبا..."، سرت في أوصالها راحةٌ بمنتهى الدهشة، غير مصدقةٍ نفسها بالفكرة التي راودتها هي أنْ تسأله مدةً أخرى ريثما تجدُ بيتًا للإيجار، أو يأخذ مال إرثها بدلًا عن بقائها في البيت، أو مساعدتها في إيجاد بيتٍ في المنطقة نفسها. فتحت الباب، وقفت أمامه بلا خوفٍ أو تردد، وهي تسأله المساعدة قدر إمكاناته، كأنّها تتمرد وترسل باستمرار نداءات توسلية تتكسر على فمها وروحها، الفشل والانكسار واضحان على مُحيّاها من شدة البكاء الذي جعل وجنتيها ملتهبتين ومُبتلتين بالدموع، قطع كلامها بصوتٍ رقيق وهادئ وقد تجسّمت على وجهه معاني الإنسانية والرحمة: - لا عليكِ، اهدئي، الدنيا ما تزال بخير، وقد عرفتُ قصتك من زوجتي وهي رفيقة أمّكِ، ونُقدِّر لك مرارة فقدانها كأمٍّ عزيزة. شعرت (يوسفية) فجأةً بحزنٍ جارف وكآبةٍ عميقة؛ لتذكرها موت أمها الذي أصبح ذكرى، وأحسّت على حينِ غرةٍ برغبةٍ جامحة في أنْ يتقبلها على علتها ويحقق حلمها الذي عاشت على أطلاله ستة اشهر. التزمت الصمت ولم تعد تنطقُ بحرفٍ، وكان هو كذلك، يلتزمُ الصمت، محاولًا أنْ يحبس دموعه كي لا تراها. استمر الصمت بعض الوقت وهما لا يزالان عند الباب، وكأنَّ خيطًا من الحياة أخذ يظهر على وجهيهما، وتوهجًا خابيًا راح يتقدُّ في عينيهما. تقلصت شفتا المالك الجديد وابتلع ريقه بصعوبةٍ بالغة، فنطق: - يا يوسفية، ناقشت أمر البيت مع زوجتي، ولأنَّ عشرتنا كانت لسنواتٍ خاليةً من الأطفال.. قررت أنْ أعقد معك اتفاقاً، وهذا الاتفاق على محورين، كليهما في صالحكِ ولخدمتكِ، إنْ قبلتِ فالدار ملكٌ لكِ! وإنْ لم تقبلي أيضًا الدار ملكٌ لكِ، وهذا سندُ البيت قد سجّلته في عقارات الدولة باسمكِ، وهذه رغبتي ورغبة زوجتي والله تعالى المستعان، علمًا يا يوسفية أنا لم أساعدك؛ لأنك وحيدة ويتيمة، بل لأنكِ قد أوقدتِ في قلبي حب الإخلاص لله تعالى وللوالدين وبهذا الإخلاص قد كويتِ قلبي بحبٍ فيَّ لله تعالى من النظرة الأولى، والله تعالى وحده يعلم ماذا جرى بي نحوك! كان شيئًا لم أستطع إعطاء تفسير له، لكنَّ زوجتي وضعت الحروف على النقاط فوجدتُ السعادة تنسابُ إلى قلبي بقرارها. أراد أنْ يُعبر عن عشقه بكلماتٍ مختلفة، ولكنَّ الكلماتِ خانته، فاكتفى ينتظرُ الإجابة وهو مُطرقُ الرأس خوفًا عليها من الإحراج، كما لو أنَّه يحاول الحصول على شيءٍ فقده من زمنٍ بعيد. أما هي فحاولت أنْ تُخفي ارتباكها، فقد أبصرت صورةً طبق الأصل عمّا رسمته في مخيلتها، وقلبها يرتعشُ بالسعادة، ووجهها قد احمرَّ خجلًا، وكشفت له عن رضاها بإحساسها وقلبها، وهي تشعرُ بروحٍ خلّاقة جديدة تدبُّ فيها. هو الله تعالى القادر وحده أنْ يُسبب الأسباب، ويُحوِّل الأحوال، ولو انثنت ملايين الثنيات... تمّــت. 28 / 3 / 2020 الساعة الثانية عشرة وعشر دقائق ليلًا

اخرى
منذ سنة
2422

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
104045

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
99855

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
57478

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
54338

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
53139

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51348