تشغيل الوضع الليلي

دور الإمام الصادق (عليه السلام) في ترسيخ العقيدة المهدوية ووظيفة الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع (الحلقة الثالثة)

منذ 3 أشهر عدد المشاهدات : 217

بقلم: دينا فؤاد
المحور الثالث: دور الخطيبة في ترسيخ الفكر العقيدي في المجتمع
الخطابة
لغة: (الخطب: الشأن، والأمر صغر أو عظم،
خطبة. وخطب الخاطب على المنبر خطابة، بالفتح، وخطبة، بالضم، وذلك الكلام: خطبة أيضًا، أو هي الكلام المنثور المسجع ونحوه). (14)
وأما تعريف الخطابة في الاصطلاح فقد وردت فيه تعاريف عديدة ومن أقدمها تعريف أرسطو بأنها: (قوة تتكلف الإقناع الممكن في كل واحد من الأمور المفردة). (15)
ومما لاشك فيه أن للخطيبة دورًا مهمًا، لأنها تتولى دور الاصلاح والتوعية الدينية من خلال دورها الاعلامي الذي تمارسه والذي ينبغي أن يكون انطلاقًا من قول الامام الصادق (عليه السلام): "احيوا امرنا رحم الله من احيا امرنا".
فالخطيبة تقدم للمجتمع -من خلال خطاباتها- الغذاء الروحي والوعي الكامل من خلال توضيح القضايا التشريعية والعقائدية والاجتماعية، وأيضًا تحدد المسار الذي يجب أن يلتزم به الفرد المسلم بوجه عام والفرد الشيعي المؤمن بوجه خاص؛ لأنها ستقوم بمهمة التحصين العقدي بواسطة تأصيل العقيدة في النفس وتربيتها بإزالة الأفكار الهادمة للنفس والآراء المضلِّة لها، وخاصة التي تبعده عن الطريق الصحيح، فالمجتمع الآن بحاجة إلى ترسيخ في العقيدة الصحيحة؛ لأن هناك الكثير من الصراعات الفكرية التي تحاول النيل من المجتمع بنشر الأفكار الضالة وخاصة في فئتي الشباب والنساء لإبعادهم رويدًا رويدًا عن الدين القيم.
والخطابة تتكون من أسس مهمة وهي: المشافهة والجمهور والاقناع والاستمالة. (16)
وهذه الأسس هي التي ستمهد النجاح للخطيبة إذا ما أحسنت تطبيقها.
لقد أصبحت الخطيبة إحدى المصادر الأساسية التي تبني الشخصية الدينية من خلال توجيه الرأي العام نحو تشكيل الوعي الفكري والثقافي والسياسي، فهي بهذا تكون قد حافظت على الإسلام وبيضته.
فهي تحاول حماية الإسلام من الأفكار التي تحاول نخر جسد الأمة الإسلامية باتخاذ مظاهر الحياة الحديثة. (17) وحفاظها على الإسلام وبيضته يكون ببث المفاهيم الإسلامية وتعاليمها للنساء وخاصة في ما يتعلق بعبادتهن ومعاملاتهن.
وبذلك أصبحت هذه الخطيبة الشيعية وسيلة إعلامية لا يوجد لها نظير بالنسبة إلى غيرها من المذاهب الإسلامية الأخرى.
وقد استمدت الخطيبة دورها الإعلامي من قدوتها السيدة زينب (عليها السلام) إذ كانت أول خطيبة وإعلامية عرفها التاريخ بتصريحها بالقضية الحسينية وبيان طريق الحق الذي هو طريق الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال نهضته على الظالمين.
والواقع أن دور الخطيبة ينطلق من إحيائها للدين وترسيخها للقيم العليا التي نص عليها الإسلام.
وأهم القضايا التي تنصب على عاتق الخطيبة في دائرة التوجه الفكري العقدي هي قضية الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) والتأكيد عليها في كل محضر تحضره؛ لأن هذه القضية تحمل أهدافًا ورسالة وتحتاج إلى الوعي بها وإشعال العواطف تجاهها، وفوق كل ذلك تحتاج إلى تيقن الفرد بأنّ نجاته وصلاحه متوقف على صاحب هذه القضية.
ومن هنا يأتي دور الخطيبة بتوجيه النساء إلى مسألة عقائدية كبيرة لدى الشيعة وهي التهيؤ والاستعداد لظهور الإمام المهدي (عجل الله فرجه) والتعريف بقيامه المبارك والعلامات التي تسبق ظهوره الشريف وأعماله الإصلاحية التي يقوم بها سواء كانت دنيوية أم أخروية.(18)
وهي بذلك تكون قد ساعدت على إحياء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) من خلال نشر علومهم والولاء لهم بالتذكير بحقهم وزيادة حبهم في قلوب الموالين لهم بإظهار مناقبهم وتضحياتهم من أجل الدين.
وإنّ وظيفة الخطيبة لا تنحصر في المحاضرات الدينية والثقافية، بل تشمل الإصلاحات الاجتماعية والإنسانية من تقديم المساعدات لجميع طبقات المجتمع، ولا اقصد بالمساعدات المادية فقط، فهي غير محصورة بها، وإنما هناك العديد منها وبالذات تقديم المساعدة في الإصلاحات النفسية؛ إذ إن لها أثرًا كبيرًا على نفس الإنسان وتصحيح مساره بالشكل المطلوب.
وأيضًا تحاول الخطيبة بذل كل ما في وسعها لحماية هذا المجتمع من الانزلاقات وراء الشبهات التي ينجر لها المجتمع دون وعي أو إدراك، فنحن نرى الكثير من أفراده ينقادون لكل ما يتم طرحه وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي من غير فرق بأن يكون ذلك بالمجال الفقهي أو العقائدي ويسلمون له بمجرد أنه صادر من شخصية أو موقع شيعي.
وفي الحقيقة أن هذا يحتاج إلى التفاتة كبيرة من قبل الخطباء بضرورة الاطلاع على كل ما يتم طرحه والتحقيق فيه، وإذا ما تبين بطلانه يجب الإعلام، وهذه مسؤولية كبيرة تلقى على عاتق كل من يتصدى لأن يكون علمًا للمنبر من الخطباء.
ونلاحظ أن واجب الخطيبة تجاه ذلك أكبر؛ لأن طبقة النساء تحتاج إلى جهد أكبر لأن أغلب النساء لا تراعي الاستعلام والتحقيق فيما يصل إليهن، فهن منكبّات على الأمور الملقاة على عاتقهن بدون أن يجعلن لأمور دينهن النصيب الأوفر.
ومن هنا يأتي دور الخطيبة في أن تتعامل بحذق في هكذا أمور، وأن تعالجها بالكثير من الحكمة والصبر، وإرشادهن إلى الطريق الصحيح بلا أن يكون هناك سأم ولا ملل، بل يجب عليها استعمال أسلوب الجذب والترغيب، وطرح هذه القضايا بصورة مفصلة وفي نفس الوقت بأسلوب سلس، وكسب هذه النساء وجرهن إلى الطريق السليم بدون أن يكون هناك أي نزاع أو تعصب.
ومن المسائل التي يجب على الخطيبة بيانها للنساء: مسألة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، فهناك الكثير من المسائل التي نالت من المسلمين ولكن بسبب العزم الكبير من قبل الخطباء الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) المحافظين على تلك المدرسة العظيمة لم يتمكن أحد من المساس بالعقيدة المهدوية لدى الشيعة وأن كان ما طرح حولها كثيرًا.
فقد صدر عن مركز الاستخبارات كتاب للأمريكي مونيكال براينز قد ذكر فيه:
(إن الشيعة لازالوا يحتفظون بفاعلية وحركية تقاوم المخططات الغربية دون بقية المسلمين، وأنّ نداءات يا حسين ويا أبا الفضل العباس قد ألهبت الشارع الجماهيري الشيعي، والشيعة تمثل القطاع الحي والنابض في العالم الإسلامي، وهم أتباع أهل البيت وأتباع سيد الشهداء (عليه السلام) ومن ثم فإنه يقرر أن عنصر قوة الشيعة يتمركز في عزاء الإمام الحسين والارتباط بالإمام الحسين وهو الذي يبعثهم على استرخاص النفس ورفض منطق العدوان والظلم). (19)
ولا ننسى أن الطريق الذي سلكه الإمام الحسين (عليه السلام) مع ما فيه من إصلاحات هو طريق ممهد ومعلن في ذات الوقت لطريق الإمام المهدي (عجل الله فرجه) ومسيرته واصلاحاته، فيجب على الخطيبة تسليط الضوء على هذه العلاقة وربط كل الوجود بالظهور المهدوي، وتهيئة الموالين لذلك الظهور المبارك وتعميق الاتصال والشعور بين الموالين والإمام المنتظر؛ إذ على يده فرجهم وخلاصهم.
وتهيئة الخطيبة للموالين يكون من خلال حثهم على الدعاء له بالفرج، وتمسكهم بالآداب الخاصة بغيبته الشريفة وإحساسهم بأن الإمام وإن كان غائبًا ولكنه حي وموجود بيننا وهو بحاجة إلينا لكي ندعو له لا فقط بحناجرنا وإنما بقلوبنا، فكيف نتعامل لو غاب عنا من هو عزيز علينا أو سجن ألا نكثر له الدعاء، ألا نفتقده ونفكر فيه طوال الوقت، هكذا يجب أن يكون الحال مع الإمام (عليه السلام)، وذلك من معطيات الاعتقاد بالإمام الحي والتي تمنح المذهب غناء وحيوية وهي غير خافية على من له تأمل وبصيرة. (20)
وإذا ما فعلت الخطيبة ذلك ستكون قد رسخت الفكر العقدي في المجتمع للعقيدة المهدوية، وتكون مكملة لرسالة الإصلاح التي بدأها الرسول (صلى الله عليه وآله) ومن بعده الأئمة الأطهار (عليهم السلام) وسالكة لطريقهم الذي هو طريق الله سبحانه.


توصيات مهمة للخطيبة
هناك عدة توصيات مهمة يجب أن تتصف بها الخطيبة من أجل الرقي بعملها، وهي التي ستمهد لها الطريق في نجاح عملها كخطيبة، ومنها:
1- الولاء لله سبحانه من خلال الانقياد والتسليم التام لا في مجال دورها كخطيبة فقط وإنما في جميع المجالات، يقول سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم}. (21)
2- حسن الخلق وضبط العواطف، وهذه من الصفات المهمة التي يجب أن تتصف بها الخطيبة، فإذا لم تستطع ضبط عواطفه فإنها لن تستطيع إكمال طريقها كخطيبة.
3- أن تتحرر من الأنا، وذلك من خلال الانطلاق في رحلة مسيرها إلى الله سبحانه وترك الاهواء والشهوات التي ترتبط بالذات الإنسانية، وهي وإن كانت رحلة صعبة ولكن عندما يخلص الفرد حبه لله فإن الأهواء الشيطانية سوف تتحلل وتندثر.
4- أن تكون الخطيبة حاكية عن الوحي، فكثيرا ما يقع الإنسان في الخطأ بطبيعته، ولكي تتخلص الخطيبة من الخطأ عليها ان تتمسك بكلام الوحي المنزل على نبينا (صلى الله عليه وآله) فهو الحق القويم، وبه يأمن الشخص من الوقوع في الخطأ والانحراف، يقول سبحانه:{الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين}. (22)
5- الصبر على مشكلات العمل، وهذا أمر واقعي يجب أن تتحلى به الخطيبة لنجاح عملها، وبدون الصبر ستكون النتيجة هي الفشل. يقول الله: (ولنجزين الذين صبروا أجورهم بأحسن ما كانوا يعملون). (23)
7- الابتعاد عن مواطن التهمة، وذلك بعدم الثناء على شخص معين أو حزب خاص ودعم الترويج لأي إنسان، والثناء والترويج يكون لله سبحانه ولرسوله ولأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين).
8- إتباع أسلوب إيقاظ الوجدان لكل من تداخل النسيان أو الشك أو الغفلة في إضمار وجدانه، فالإنسان ذو فطرة سليمة يميل إلى الحق وينفر من الباطل، وكما قال تعالى: {فذكر أن نفعت الذكرى}. (24)
9- المرونة في التعامل، وهي إحدى الوسائل التي تعطي ايجابيات كثيرة للخطيبة تصل بواسطتها إلى قلب المتلقي من خلال الإدراك السريع لكلامها بسبب المرونة في تعاملها.
10- اتخاذ الخطيبة أسلوب الترغيب والترهيب، فالمجتمع منقسم إلى أقسام، فالبعض يأتي بالترغيب والبعض يأتي بالترهيب.
الخاتمة:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبي الرحمة وشفيع الأمة محمد وآله الطيبين الطاهرين.
بعد إتمام البحث والاطلاع على الكثير من الكتب في مجال الإمام الصادق (عليه السلام) والعقيدة المهدوية، توصلت من خلال إدراكي البسيط إلى حجم الغل والعداء المستبطن لدى الكثير من الذين يحاولون إثارة الشبهات حول العقيدة المهدوية لأجل التعريض بالإسلام والمسلمين وخاصة الشيعة، وذلك ظاهر علنا في المؤلفات التي يتم نشرها من قبلهم وبخاصة من المنظمات الاجنبية، والتي تهدف إلى الإساءة وبشتى الطرق وبكافة المجالات إلى الرسول الأعظم وأهل البيت (عليهم السلام)، في محاولة للنيل منهم وبالتالي النيل من الدين الإسلامي بتأكيد القصور فيه لخلوه من الحجة كما يزعمون، وكيف كان الدور الكبير للإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في الدفاع عن الإسلام وعقائده وبالذات العقيدة المهدوية.
ومن خلال هذا البحث تعرضنا إلى الشبهات التي أثارها الإمام الصادق (عليه السلام) لعلمه بأن هناك من سيطرحها مستقبلًا ورده عليها، وإن كان تعرضنا للشبهات والرد عليها كان بصورة مقتضبة لضيق مساحة البحث المسموح بها، وأيضًا الأثر الكبير الذي يأتي من دور الخطيبة في ترسيخ وتأصيل العقيدة المهدوية.
والحمد لله رب العالمين.
____________________________
14ـ ينظر، الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ج1، باب الباء، فصل الخاء.
15ـ ارسطو، طاليس، الخطابة، ص9.
16ـ ينظر، الحوفي، أحمد محمد، فن الخطابة، ص5.
17ـ ينظر، فرأت بعد الحسين كاظم، العزاء الحسيني من خلال وثيقة أمن السلطة في العراق 1974، ص12.
18ـ ينظر، محمد رضا محمد علي، ظهور الإمام المهدي يوم العاشر من محرم، ص2.
19ـ السند، محمد، الشعائر الحسينية فقه وغايات، ج2، ص115.
20ـ ينظر، القمي، عباس، تاريخ الإمام صاحب الأمر والزمان، ص6.
21ـ سورة النحل، الآية:59.
22ـ سورة البقرة، الآية:1-2.
23ـ سورة النحل، الآية: 96.
24ـ سورة الأعلى، الآية: 9.

اخترنا لكم

لماذا عليك أن تكون أنساناً؟

منذُ صِغَري أرى الشرور في العالم، وأتساءل: لماذا يجب على الأنسان أن يستقيم؟ لماذا عليه أن يتمسك بإنسانيَّته؟ منذ أن خُلِقَ الإنسان وقد أختارَ أَنْ يتركَ طريق الحق، وجدت الشرور في هذا العالم، من أنانية وكذب وانعِدام الرحمة.. وغيرها من الصفات التي من شأنها أن تجعل الفرد مجرَّداً من إنسانيته.. ولِدنا ورأينا بأعيننا إلى أي مدى يمكن أن يصل الفرد من انعدام الإنسانية في نفسه.. كل هذا يجعلني أتساءل في قبال ذلك: ما هو الدافع الذي يجعل الفرد ملتزماً بالأخلاق الحسنة؟ لماذا عليه أن يسمو بنفسه ليكون إنساناً؟ هل هو مجرد شعور فطري؟ أو هو بفعل التربية، أو قانون المجتمع، أو أمر السماء؟ وأثناء بحثي عن الإجابة، رأيت مشاهد ومواقف بينت لي ما كنت أريد.. حيثُ كنتُ أراها بوضوحٍ في أعينِ يتيم فقد أحد والديه أو كلاهما.. في دمعةِ أُمٍ فقدت ولدها.. في اشتياق زوجةٍ فقدت زوجها، لعله خرج ليعمل او يشتري طعاما لعائلته، لكن تلقفّتهُ يد الشر فلم يعد! وفي بيتِ فقير ليس فيه من الطعام، ولا من مقومات المعيشة من شيء، وترى فيه أماً مجاهدة تصبِّرُ أولادها، وأباً قد أخذَ منهُ الدهرُ مأخذاً حتى جلسَ في زاوية البيت متحيراً كيف يطعم أهله؟! رأيتُها في قلب أبٍ يحترقُ من حسراته على ولدهِ الذي ربّاه، سهر الليالي وعمل أياماً طويلة حتى يراه شاباً ليعينه في كِبرِ سِنّهِ، فإذا بهذا الولد يأخذُ بيد أبيه ليرميه في دار المسنين، ويتخلص من مسؤوليته، وقد نسيَ أن هذا الأب قد أفنى عمره في تربيته، وهذه اليد طالما مسحت على رأسه بعطف وهو نائم من دون أن يشعر.. عندما رأيتُ كل تلك المشاهد القاسية وغيرها مما لا يُعدُ ولا يُحصى.. علمتُ لماذا على كل فرد أن يكون إنساناً.. لأنك إذا ما اخترت أن تتجرد من إنسانيتك ولو بالقدر القليل، فستكون ظالماً لنفسك ولغيرك.. لأنك شئتَ أم أبيت، لديك روح متعطشة للشعور بالمحبة والخير، فما إن تنحرف عن مساركَ الطبيعي(تكرهُ أحداً او تظلمُ نفساً) فإنها ستحاربك من الداخل، ولن تعيش بسلام أبداً.. كما أنك ستجعل غيرك يعاني من ظلمك، وليس لك أي حق في ذلك!! فاعمل جاهداً أن تحافظ على إنسانيتك، وصلاحك.. وما أجملَ شعور الصلاح! لعلكَ رأيتَ الصالحين كيف تعلو وجوههم الابتسامة اللطيفة، فترتاحُ لهم الأنفس وتنجذب القلوب.. لأنهم اختاروا أن يكونوا في قمة الإنسانية. (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) نقاء

اخرى
منذ 11 شهر
732

شكر وعرفان

بقلم: رضا الله غايتي كان الكثير من الناس يطوفون حول الكعبة ويتمسحون بي، ولا غرو في ذلك فقد كان شهر رجب الحرام، رافعين أيديهم بالدعاء تحثهم إلى ذلك الحاجة ويحدوهم الرجاء، كنت آنف تارةً وابتهج أخرى؛ فقد كانوا خليطا من المشركين الذين يتضرعون للأصنام والقلة من المؤمنين الذين يدعون الله الواحد العلام. كم كنت أتمنى ان لا يمسني إلا موحد، وأن لا يطرق مسامعي إلا التضرع إلى الله الواحد الأحد. وبينما أنا أتأمل أمنيتي وأتخيلها على صفحة مخيلتي، إذ شعرت باقتراب تحقق ذلك الحلم الجميل. فسُرّت لذلك نفسي، وانشرحت، وما زادها سرورا وانشراحًا تلك الدعوات الصادقة المخلصة التي ملأت أركان قلبي واستقرت بروحي "يا ربِّ، إنِّي مؤمنة بك وبما جاء من عندك من رسل وكتب، وإنِّي مصدِّقة بكلام جدِّي إبراهيم وأنَّه بنى البيت العتيق، فبحقِّ الذي بنى هذا البيت وبحقِّ المولود الذي في بطني الا ما يسرت عليَّ ولادتي" (1) حينها، شعرت بدنو ناصر دين التوحيد، فسُررتُ ووددتُ أن أحتضنه لولا أنني للذراعين فاقد. وأنا بهذا الحال إذ أمرني الرب المتعال بأن أنشق، عجبًا وأنى للحجر أن ينشق! ولكني امتثلت الأمر في الحال، وكيف لا؟ ومن يفلق بحرًا من البحار، هل يُعجزه شق الجدار؟ أم كيف أتردد؟ ومن أسر قلبي واستقر في فؤادي يروم الدخول عبري وهو في أحشاء أمه التقية النقية؟! وما أن دخلتْ تلك الحرة الطاهرة، حتى أمِرتُ بالالتئام، فالتأمت، وأُمِرت الأبواب بالعصيان عن الفتح، فامتثلتْ، فكم حاولوا فتحها ولكنها -طاعةً لأمر الإله- أبتْ. ولم يمضِ وقت طويل حتى أشرقت شمس الوليد في الكعبة، وكاد سنا نور وجهه البهي يخطف بصري. وامتلأت أعماقي سكونًا وخشوعًا حين سمعته يردد ساجدًا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأشهد أن علياً وصي محمد رسول الله، وبمحمد ختم الله النبوة، وبي تتم الوصية، وأنا أمير المؤمنين" (2) فعلمت أن المولود أميرٌ للمؤمنين، وحمدت الله حمدًا كثيرًا وشكرته شكرًا وفيرًا؛ لقرب تحقق أمنيتي، متنعمًا بنعمة وجودهما المقدس بقربي، وأنا أراهما يتنعّمان بالعناية الربانية التي أحاطتهما بهالة من التميّز، وخصّتهما دون العالمين من الأولين والآخرين بهذه الكرامة. وبعد مرور ثلاثة أيام، مرّت لشدة فرحي كلمح البصر، رأيت السيدة الطاهرة تحمل وليدها وهي تروم الخروج، فداخلني شيء من الحزن لفراقهما، الذي سرعان ما تبدد، بل تبدل إلى فرح وحبور عندما هتف هاتف: "يا فاطمة سمّيه عليًا فهو علي، والله العلي الاعلى يقول: إني شققت اسمه من اسمي، وأدّبته بأدبي، ووقفته على غامض علمي، وهو الذي يكسر الاصنام في بيتي، وهو الذي يؤذن فوق ظهر بيتي، ويقدسني ويمجدني، فطوبى لمن أحبه وأطاعه، وويل لمن عصاه وأبغضه..."(3). وهكذا أمِرتُ ثانيةً بالانشقاق، فامتثلت. لكني بقيت أحنّ إلى أمير المؤمنين عليه السلام. فينشرح صدري كلما رأيته. وتطمئن نفسي كلما سمعته. وأنا أترقبه بكل شوقٍ ليطوي سني طفولته ويكبر، كيما يحقق حلمي في إماتة الظلم، وللأصنام المقيتة يكسر، ولدين الله الاسلام ينصر.. وتمضي السنون، وتبدأ الدعوة إلى دين التوحيد. ولكنها سرعان ما جوبهت برفض عُبّاد الدنيا مظهرين عداءهم الشديد. متفنّنين في تعذيب المسلمين بالسياط والنار والحديد. حتى حلّ عام الحزن الذي خيّم فيه الحزن على الجميع، لاسيما قلب النبي الحبيب (صلى الله عليه وآله). وأيتم أميري لفقد أبيه أبي طالب، وأُيتمتُ لفقدي إياه وكل أحبتي. إذ أمر الله سبحانه المسلمين بالهجرة من مكة إلى المدينة، بعد أن عدموا الناصر والمحامي.والمعين ولكن، رغم حزني عليهم وحنيني إليهم، اللذين يزيدان يومًا فيومًا، إلا أني كنت أستشعر قرب النصر وازداد أملًا، حتى جاء ذلك اليوم الأسعد، الذي فُتحت فيه مكة المكرمة، وساد به دين الإسلام، وأضحى هو الدين الأوحد، وحُطِّمت به جميع الأصنام، وأُزيلت من على كاهلي، فتنفستُ الصعداء ورمتُ أن أشكر محطِّمها... فإذا به هو أمير المؤمنين علي (عليه السلام)! منذ ذلك اليوم، وأنا أحمل آثار الانشقاق، أُزيّن به صدري، وأقدّم به لسيدي ومولاي عظيم عرفاني وجزيل شكري، ولأثبت به للقاصي والداني منقبته على مدى الدهر، بالرغم من محاولة الأعداء طمسه بتجديد البناء تارةً وبملئه بالفضة أخرى... ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) بشارة المصطفى ج3 ص12 (2) روضة الواعظين ص79 (3) الأمالي للطوسي ج2 ص298

اخرى
منذ 4 أشهر
248

الإمام الصادق (عليه السلام) وفكر الآخر (1) قراءة تاريخية

بقلم: عبير المنظور احترام فكر الآخر وعقيدته هو السبيل الوحيد للتعايش السلمي بين فئات المجتمع على اختلافها، وهو حرية كفلها الإسلام للفكر الموالف والمخالف، ولكن ضمن أطر محددة لضمان سلامة المنظومة العقائدية والسياسية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي. واحترام فكر الآخر يشجع على شيوع ثقافة الحوار في المجتمع واحتواء الاختلاف منعًا للخلاف، طال ما كان الطرف الآخر لا يؤثر على غيره في تمييع الأفكار أو التحريض على الخلاف، وبخلافه يختلف التعامل مع الآخر حسب الجهة والموقف ضمن مفردات منهج متكامل في التصدي لتلك المحاولات. نعم هو منهج، وليس الأمر -كما يتصور البعض- أن الحرية الشخصية بالفكر والسلوك مطلقة وبلا حدود، وكأن مفهوم الحرية الشخصية عندهم هو التحلل من كل الحدود والأعراف والشرائع والقيم والمبادئ، كلا، فالحرية الشخصية بالفكر والسلوك لها مساحتها الخاصة، ولكنها تقف عندما تتعارض مع حريات الآخرين فكرًا وسلوكًا. هذا المفهوم الذي غاب عن الكثيرين حتى وقتنا الحاضر، وإنّ التخبط في فهم هذ المفهوم وتطبيقه أفرز العديد من التيارات الفكرية والسلوكية المنحرفة في المجتمع الإسلامي منذ بدايته؛ لأنهم لم يتشربوا المفاهيم التحررية الصحيحة على ضوء المنهج الإسلامي ولا زالت حتى الآن. واحترام الفكر الآخر مبدأ إسلامي أصيل، التزمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع مشركي قريش أولًا، حتى ضيقت قريش على المسلمين الأوائل وعذبتهم، فكانت الهجرة إلى الحبشة ثم إلى يثرب، وهناك تم عقد الاتفاق مع يهود المدينة -كما هو مفصل في كتب السيرة والتاريخ- حتى نقضت قبائل اليهود عهودها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعرّضت المجتمع الإسلامي للخطر، ولم تنفع معهم المفاوضات -كما في التسمية الحديثة- فكان السيف والقتال هو الحل الأخير. وخيار القتال والسيف والحرب لا يمكن أن يتخذ مباشرة، وإنما تسبقه العديد من المحاولات لرأب الصدع واحتواء الموقف، وطبعًا يعتمد بشكل أساسي على طبيعة الجهة وشدة مواجهتها للمجتمع الإسلامي وتعريضه لخطر الأفكار والسلوكيات المنحرفة، وإن كانت السلوكيات المنحرفة هي نتاج الفكر المنحرف بطبيعة الحال، ومن هنا اتخذت مواجهة الفكر المنحرف بالفكر السليم أهميتها في تجنيب المجتمعات الأخطار الكارثية، وحمايته من انحراف الفكر قبل السلوك، كما يعتمد قرار الصدام والمواجهة المسلحة على تقدير المعصوم نفسه في قراءة الحدث والمقطع الزمني وظروف المجتمع وأفراده وكمّ التحديات التي تواجه المجتمع الإسلامي. وفي الغالب كانت هذه الحروب تقع في بداية الإسلام، حيث كان المجتمع الإسلامي مهددًا بشكل كبير من قبل اليهود في عصر الرسول (صلى الله عليه وآله) واشتدت أكثر من بعده بأبي هو وامي من قبل التيارات الإسلامية المنحرفة والرسول لمّا يُقبر، فكان لزامًا العودة بالمجتمع إلى سنة الرسول، ومما لا يخفى كيف تأسس تاريخيًا: 1- تيار السقيفة وما جر بعده من الويلات على الأمة لا زالت آثارها حتى عصرنا الراهن. 2- تيار الخوارج، وهو أول خط يكفّر فيه المسلم أخاه المسلم وتأثيرهم السلبي على المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية بأسرها، وقد امتدت جذور هذا الخط حتى وقتنا الحاضر وإنْ اختلفت التسمية، إلّا أنّ المنبع والأصل واحد. 3- التيار الأموي، وواضح جدًا من سيرة زعمائهم مخالفتهم للشريعة الإسلامية وامتهانهم للمسلمين والتآمر عليهم واضطهادهم وسرقة مقدرات الأمة. ولا يخفى أن هذه التيارات -العقائدية منها والسياسية- قد هدمت باسم الإسلام أساسيات الإسلام، فكانت الجمل وصفين والنهروان وعاشوراء من الثورات التصحيحية المهمة في تاريخ الإسلام للتمييز بين الخط الإسلامي الأصيل من المتأسلم. ومع تلاشي آخر معاقل الأمويين ونشاط الحزب العباسي وتربعه على السلطة بعد صراع مع الأمويين، مع خفة وطأة الأخطار الخارجية للإسلام نوعًا ما من تهديدات الصليبيين، بالإضافة الى ازدهار العلوم والمعارف، وانتشار حركة الترجمة خاصة في عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، مما ساعد على انتشار العلوم والفلسفة اليونانية والإغريقية وتداخل الأفكار والعقائد المنحرفة عند بعض المسلمين ضعيفي العقيدة، فنشأت بعض الفرق من الزنادقة والملحدين، ونشطت حركتهم في عهد الإمام الصادق (سلام الله عليه). وفي قراءة سريعة لطبيعة المجتمع الإسلامي وتعدد المذاهب الفكرية في عهد الإمام الصادق (عليه السلام)، خاصة الخوارج والزنادقة والملحدين، وبالنظر إلى حرج الوضع السياسي آنذاك وملل الأمة وسأمها من الحروب، نعلم جيدًا أنّ المعركة كانت فكرية أكثر منها حربية، واختلاف التيارات التي ألقت بظلالها على المجتمع، وعلى أكثر من جبهة فكرية ،فكانت نهضة الإمام العلمية في تأسيس منهج في الرد على الشبهات والمخالفين وفق ضوابط وأدب الحوار واحتواء المجتمع الإسلامي بكل فرقه المختلفة، وتنقيته من هذه الشوائب الأيديولوجية كل حسب منطلقاته وتوجهاته، بمفردات منهج اسلامي -أصيل سنأتي على فقراته تباعًا في الأجزاء القادمة من هذه السلسلة إن شاء الله تعالى- التي ستنفعنا كثيرًا في رسم الخطوط الأساسية في الحوار والتعامل مع الفكر التكفيري المتشدد والفكر الإلحادي الآخذين بالانتشار وعلى نطاق واسع في مجتمعاتنا الإسلامية وتأثيرها الكبير في الحرب الفكرية الباردة لتهديم مبادئ وأسس ديننا الحنيف.

المناسبات الدينية
منذ 3 أشهر
308

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
16747

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
15148

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
14195

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
10084

الطفل في المهد هو مشروع رجل المستقبل

إذا كان فلاسفة التربية الحديثة يجعلون الطفل ورقة بيضاء فإن الامام علي (عليه السلام) يجعله كالأرض ولاريب أن الامام كان أكثر عمقاً. ذلك لأن الورقة البيضاء تفتقر إلى عناصر البناء في حين أن الأرض تختزن عناصر الحياة فالطفل عندما يولد تكون فيه مثل هذه العناصر الحياتية ويكون لديه استعداد طيب للتفاعل مع محيطه، وبما أن محيطه الأول هو الأسرة لذلك يبدأ الإسلام على مستوى هذه الأسرة التي يتسلم زمامها بالدرجة الأولى الرجل على أساس أن القيمومة بيده شرط أن لا تكون صلاحيته مطلقة بل تكون مقيدة بما يفرضه عليه الشرع من حسن المعاشرة والعدالة والإحسان والرأفة والرحمة في عالم الاسرة، ومنه نعلم أن القيمومة للرجل ليس فيها انتقاص من دور المرأة. ولعل دور المرأة في الأسرة أخطر وأهم من دور الرجل؛ نظراً لضخامة المسؤوليات التي ينبغي لها أن تنهض بها، لا سيما أنها في بيتها ملكة غير متوجة لهذه الخلية. إن أول موضوع تربوي يهتم به الإسلام في باب تكوين الأسرة، بل ويعطيه الأولوية من حيث الأهمية هو اختيار الزوجة الصالحة التي سوف تصبح أماً وحاضنة لأولاد المستقبل. فيشير عليك ب(إذا أردت أن تخطب لنفسك فانظر أين تضع نفسك) حتى تكون الذرية صالحة، لأن المرأة التي تهز المهد بيمينها هي تهز العالم بشمالها… إن هذا الموجود الذي تراه طفلاً هو في حقيقته مرآة المستقبل. قد يتبوأ مناصب عالية يقود مجتمع واجيال، فإذا كان طيباً شمل خيره كل الناس. وإذا كان خبيثاً نشر الدمار والخراب في مجتمعه. لذلك يجب أن نعطي مسألة التربية كل اهتمامنا وأولوياتنا؛ باعتبار أن الطفل ليس مجرد ولد صغير أنت تقوم على تربيته كيفما دارت الأحوال. وإنما هو جرم صغير انطوى فيه عالم كبير من النظريات التي ستكون يوماً ما واقعاً ملموساً. وعلى هذا الأساس تكون مسؤوليتنا جسيمة أمام الله وأمام المجتمع. فانظر أين تضع نفسك. الإسلام والتربية: كل من طالع تاريخ الإسلام يجد أنه وخلال قرون قليلة استطاع أن يقدم إنجازاً حضارياً من الطراز الأول في بناء الإنسان… وبالتالي في بناء المجتمع وإقامة الحضارة الإنسانية الإسلامية… التي أنارت للبشرية دروبها ومسالكها ومعالم حياتها في شتى مجالات الحياة ولقرون متمادية، قبل أن يصاب بالانتكاسة السياسية والاخلاقية لأسباب ليس هذا محل ذكرها… وبتأمل قليل نجد أن الفضل في تقدمه وتطوره ذلك يعود إلى أسباب عديدة من أهمها مناهجه التربوية الصحيحة والخلاقة… إن الإسلام يرى أن المجتمع يتكون من أفراد (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)) سورة الحجرات. ويتم التكاثر تحت ظل قانون سماوي هو الزواج الشرعي. ويرى أن السلوكيات الخارجية تمثل أرضية للمستقبل… فإذا زرعت فيها ورداً فسوف تجني منها الورد… وإذا غرست شوكاً فلن تحصل منها على الليمون… والطفل يمثل الحلقة الأولى في تلك السلوكيات… لذلك لابد من النظر إليه على هذا الاساس، وعلى المجتمع أن يعي هذه الحقيقة…. فالدين الإسلامي يعطي للتربية أولوية قصوى... وله في ذلك منهج اعتمده الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) وأهل بيته الطاهرون (عليهم السلام) . ولخّص ذلك الموقف بقوله: صلى الله عليه واله :(إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) إن جوهر الرسالة المحمدية هي التربية والأخلاق بما يتضمن ذلك من بناء الإنسان نفسياً وروحياً واجتماعياً. ومن الواضح أنه يترتب على هذا المنهج إمكانية الأمر والنهي والأحكام والفصل في أمور الحياة... مما فرضه الإسلام على اتباعه. ومن خلال البحث نجد أن أولوية التربية مرتبطة بموقف فلسفي يتلخص بأن للرسالات والتشريعات والعلوم محوراً اساسياً هو الإنسان. فالإسلام يتوجه للإنسان من دون المخلوقات الأخرى لأن له دوراً في الحياة والعلوم والتشريعات والقوانين، فكل هذه المفاهيم مرتبطة دائماً بالإنسان ولا شيء غيره. فلا تنحصر مسؤولية الآباء في توفير المعيشة المادية للأطفال، بل إن مسؤوليتهم تبدأ بتربيتهم تربية إيمانية صالحة؛ فأن تاديب الأطفال وتربيتهم أهم في نظر الإسلام من الاهتمام باحتياجاتهم الجسدية رغم أهميتها. يقول الإمام عليه السلام (ما نحل والد ولداً نحلاً أفضل من أدب حسن) (1) وعنه (عليه السلام): (لاميراث كالأدب) (2) إن فطرة الإنسان من منظار قرآني وروائي تتقبل الإسلام وكل مايتعلق به من تشريعات. ومعنى ذلك أن الإسلام وتفصيلاته وقوانينه هي اشياء مقبولة في أصل وفطرة وأعماق الإنسان. وهذا يعني أن انحراف الإنسان عن تلك الفطرة لا بد أن يكون له أسبابه الواقعية الخارجة عن ذات الإنسان. ومن تلك الأسباب تقصير أبويه في الطفولة وسوء تعامل أساتذته في الصبا ورداءة المحيط الاجتماعي الذي يعيشه. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) )سورة الروم وهو ما يشير إليه الحديث الشريف: (كل مولود يولد على الفطره حتى يكون ابواه يهودانه او ينصرانه او يمجسانه) إن كل طفل يولد على أساس الفطرة الاسلامية، أي أنه يولد طيب النفس طاهر الروح نقي القلب محباً لعبادة الله تعالى، فإذا انحرف فيما بعد عرفنا أن ثمة أسباباً كانت وراء انحرافه، كأن يكون أبواه قصّرا في طهارة نطفته التي تكوّن منها بتناول الزاد الحرام، أو ممارسة الفعل الحرام وبما غذّياه الحرام أو سقياه الحرام بعد الولادة او رآهمها يفعلان ما لا يحسن أن يراه منهما عند بداية إدراكه فتأثر بهما واقتفى ما ليس له به علم من فعلهما، وكأن يكون قد رافق رفقاء سوء فأوحوا إليه من الأفعال ما جعل منه بعيداً عن تلك الفطرة. من هنا، تتبين أهمية ما نبهنا (عليه الإسلام) في تربوياته من أهمية دور الأبوين والمحيط الأسري والاجتماعي في تربية الطفل ورسم سلوكه المستقبلي. وأن كل من يُقَصِّر في دوره الملقى عليه في التربية، فإنه سيلاقي نتيجة تقصيره في عاجل الدنيا أو آجلها. لقد ذكر العلامة المجلسي في كتاب(حلية المتقين) بعضاً من الروايات التي تتطرق إلى هذه المواضيع ومنها، قال رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم)(الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه) إن الإسلام وضع نُظُماً وحدوداً وقوانين تقف حائلاً دون ظهور نسل فاسد وناقص جسمياً ونفسياً. وإذا طبقت هذه القوانين قَلّتْ هذه الانحرافات والخلافات الشرعية والأخطاء. فإذا أحسن الأبوان التربية قلّ ظهور الأولاد المنحرفين... وكذا لو توفّرت الظروف الاجتماعية والثقافية التي تتناسب مع الفطرة الإنسانية. عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) (3) فليست تربية الأطفال واجباً وطنياً وإنسانياً فحسب، بل إنها فريضة روحية مقدسة وواجب شرعي لايمكن الافلات منه. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسوؤلية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشأة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. يقول الإمام الصادق (عليه السلام) (ويجب للولد على والده ثلاث خصال : اختياره لوالدته وتحسين اسمه والمبالغة في تاديبه) (4) ويمكن أن نفهم من هذا الحديث أن تأديب الولد حق وواجب في عاتق أبيه. ولذلك تجد أن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يُعلِّمنا أن ندعو الله عز وجل ليعيننا على أداء هذه المهمة. لكن ومع الأسف أن الواقع في كثير من الأحيان يختلف عن هذه التعاليم، ما أكثر الأمهات اللاتي يُعلّمنَ أطفالهن على الصفات البذيئة والسلوك الأهوج منذ الصغر. فيظل الأطفال مأسورين لتلك الأخلاق والصفات طيلة أيام حياتهم . وما أكثر الآباء المجرمين اللذين يحتقرون التعاليم الدينية والعلمية ويصطحبون أطفالهم إلى مجالس اللهو والعبث، ويرتكبون الأفعال القبيحة أمام عيونهم. وعلى أية حال فشقاوة وسعادة الأبناء ترتبط ارتباطا كبيراً بالأب والأم… التربية بعد الولادة: تؤثر على السعادة البشرية عدة عوامل يسميها بعض العلماء بمثلث مؤثرات الشخصية، وهي الوراثة والتربية والمجتمع. ولكن الملاحظة المهمة هنا هي أن أهمية التربية قد تتجاوز أهمية الوراثة والمجتمع إلى درجة أن بإمكانها أن توقف قانون الوراثة وتأثير المجتمع إلى حد ما فتتغلب عليهما إلّا في الموارد التي تكون الصفات الوراثية ذات طابع حتمي (أي لايمكن أن تتغير في الطفل مهما كانت العوامل الأخرى قوية أو كان ضغط المجتمع يتجاوز الحدود الطبيعية) وفي الحقيقة فإن معاملة الأبناء فن يستعصي على كثير من الآباء والأمهات في فترة من فترات الحياة، وكثيراً ما يتسائل الآباء عن السبل الناجعة للتعامل مع أبنائهم. إن أطفالنا جواهر، ويمكننا تربيتهم والحفاظ عليهم حسب ما رفدنا به الإسلام من نظم وقوانين، ولكن المفارقة هنا هي أن الكثير من الآباء هم الذين يحتاجون إلى توجيه قبل الأبناء. ولذلك يمكن أن نتجرأ ونقول بأن هناك الكثير من الأولاد إنما جاء فسادهم من خطأ الأباء في تربيتهم وإهمالهم وترك تعليمهم الطريق الصحيح. لقد أثبت الباحثون بشكل قاطع تأثير السنين الأولى من العمر على حياة الإنسان المستقبلية، فإحساس الولد بنفسه يأتي من خلال معاملتك له. فإن أنت أشعرته أنه ولد طيب وأحسسته بمحبتك فإنه سيكون عن نفسه فكرة أنه إنسان طيب مكرم، أما إذا كنت قليل الصبر معه وتنهال عليه باللوم والتوبيخ ليل نهار فإنك ستشعره بأنه (ولد غير طيب ) وربما ينتهي الأمر به إلى أمراض نفسية كالكآبة والإحباط أو التمرد والعصيان. لا بد أن نعرف أن هناك فرقاً بين ذات الإنسان وسلوكه، فذاته مكرّمة وعظية، أما السلوك فقد ينحرف عما رسمه الشرع والعقل له، وعلينا أن نوصل هذه الفكرة للطفل، ونوحي له بأن حسابنا معه حساب سلوك لا ذات. روي عن رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم): قال داود (عليه السلام): إلهي، كن لابني كما كنت لي. فأوحى الله اليه: ياداود قل لابنك: يكن لي كما كنت لي، أكن له كما كنتُ لك. وصايا ملكوتية: عليك أيها الأب أن تأخذ بيد أبنائك لطريق الله عز وجل، وأن تعلمهم أن يبتعدوا عن غيره من الطرق الملتوية. اغرس في قلوبهم تقوى الله وساعدهم على أن يبرّوك عندما تكبر وتشيخ. تذكر دوماً أن أولادك أمانة عندك وأنهم سيغادرون منزلك بعد وقت قصير فاحرص على تربيتهم وتوجيهم، أعطهم وقتك وانتباهك، ادرس نفسياتهم وشخصياتهم، فأن ذلك يساعدك في تربيتهم، وإذا مررت بظرف عسير فأعلم أن ذلك عابر. من المهم أن يعرف الأبوان كيف يتجاوبان برفق في وقت الرفق وبحزم في وقت الحزم، كما ينبغي أن تكون معاملة الوالدين وفق مبادى ثابتة. وأن يحرصوا على حب أطفالهم ولكن بحكمة. ينبغي على الأم أن لاتعتمد على سلطة الأب وهيمنته في تهديد أولادها وعقابهم، فيصبح الأب كما قال بعض أخصائيي التربية (في نظر ابنه كالشرطي للمجرم لا صلة بينهما إلا عند الاختلاف في الرغبات) ينبغي أن لا يظهر الزوجان خلافاتهم أمام أبنائهم، فأن ذلك قد يضعف نفوذهما أمام أولادهما وقد يستثمره الولد لمصلحته فيتمادى في أخطائه. يجب أن تترسخ لدى الطفل فكرة أن سلطة أبويه هي سلطة واحدة تتبادل الأدوار حسب الظرف الموضوعي. إن من أهم القضايا التي تثير اهتمام العاملين بالمنهج الإسلامي هي قضية الطفل المسلم في منهجك التربوي، يجب أن تضع نصب عينيك أحدث الطرق التربوية التي تنسجم مع النظرة الإسلامية للإنسان في بناء شخصيته الفكرية والروحية والعملية، وفي الأجواء التي يجب أن تثيرها من حوله من أجل أن يتغذّى سلوكه بجو علمي تربوي خاص. كما يتغذى بالكلمة وبالصورة. فكل هذا الوسائل لها تأثيرها في خلق أجواء مناسبة تساعد في تربية الطفل وتسهل الأمر على الوالدين، وعلى الشخص الذي يمارس عملية التربية أن يتحرك في موقع مناسب لصنع الجو المناسب للطفل. ونحتاج في سبيل الوصول إلى تربية نموذجية إسلامية إلى دراسة ودراية واطلاع واستفادة مما ينصح به أصحاب الخبرة في هذا المجال، كل ذلك من أجل صنع جيل إسلامي يعيش في خدمة الحياة والإنسان على أساس كلمة الله والسير على تأدية ما أراد الله منه. إن الدين الإسلامي يعلمنا كيف نربي أبناءنا ليكونوا مواطنين سعداء في دنياهم، ليس هذا فحسب، بل لكي نكسب ويكسبوا بنا الآخرة أيضاً. لأن الولد الذي يكون سبباً في إيذا الناس وإيذاء نفسه فهذا يتحمل بعض ذنبه الآباء إذا لم يكونوا قد قاموا بتربيته التربية الصالحة، كما حدث في إحدى المدن العربية أن لصاً محترفاً بعد أن سرق العديد من المنازل وأحدث الرعب في قلوب الناس، لأنه لم يكن يسرق فقط بل كان يهددهم بالقتل لو شعر بالخطر، وبعد أن وقع في يدي رجال الشرطة وحكم عليه القضاء بإصدار حكم الموت شنقاً طلب السارق من رجال الشرطة قلماً وورقة فأحضروا له ذلك وعكف على كتابة بعض السطور وقد جاء فيها: (هذا ما دفعني إليه والدي.. الذي تركني منذ طفولتي ولم يحسن أدبي وتربيتي) إن الأب هو المسوؤل الأول عما يفعله الابن، ولايعني ذلك بالطبع تبرأة الابن، إنما الذي نريد قوله أن الآباء يتحملون قسماً كبيراً من المسؤولية لمكان ولايتهم على أبنائهم قال الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق عن حق الولد على الوالد: (فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره ) والوجدان شاهد على انه إن عمل ابنك عملاً حسناً قال له الناس: رحم الله والديك. وإن عمل سوءاً ألقى الناس اللوم على أبيه. فاعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه، معاقب على الإساءة إليه. قال أحد الخبراء في علم التربية: إن الخطورة تكمن ليس في أن الآباء يجهلون مسؤوليتهم تجاه الأبناء فقط وإنما في غفلتهم. ولربما يحدث ذلك لانشغالهم في أمور المعيشة، وبالتالي فإنهم لايقومون بتأدية واجبهم على أحسن ما يرام. وخاصة إذا كان الأبوان كلاهما يعمل ويرجع في آخر النهار متعباً مرهقاً… فهذا يؤدي بالتأكيد إلى التقصير في حق الأبناء في التربية… ويغدو الابن ضحية… وسيتعلم أخلاق وسلوكيات الشخص الذي يعتني به سواء بالحضانة أو الروضة أو المدرسة، طبعاً لانقصد من هذا أنه يجب على الأم والأب الجلوس وعدم العمل… ولكن يجب عليهم الموازنة بين حق العمل وحق الولد… هناك أمور عديدة يجهلها الآباء في التربية منها: - تشوّش الرؤية وغياب الهدف الواضح للتربية. -عدم الإلمام الكامل بمعرفة الأسس الفنية في معاملة الأبناء والتأثير فيهم. -غياب المقياس والمثل العليا للتربية المطلوبة أو الشعور بإيفاء حق التربية والواقع يكون عكس ذلك. -إهمال دور الأم وعدم إعدادها. -ضحالة ثقافة الوالدين وقصور وعيهما وتحاربهما. ومنه، نعلم أنه يلزم على ألآباء اعطاء فرصة للأولاد لتكوين شخصيتهم ومساعدتهم في ذلك. وخير مثال على ذلك عند امير المؤمنين علي (عليه السلام) حيث كان يسأل أولاده بحضور الناس بعض المسائل العلمية، وربما كان يحيل الجواب عن أسئلة الناس إليهم. وهذا الشي يعطي نتائج مهمة في التربية أهمها احترام الأولاد وإحياء شخصيتهم وتكوين ذاتهم. فمثلما يجب احترام حق الكبار، يجب احترام حق الصغار. بينما الواقع الذي نعيشه في معاملة الأبناء عكس ذلك تماما عند البعض..... إن بعض الآباء يعيشون خارج دائرة التربية، ففي سبيل راحتهم أو رغباتهم أو في سبيل عملهم قد يهملون تربية أولادهم ولايفكرون بأنهم بهذا الأسلوب سوف يسيرون بأولادهم نحو الشقاء وتدمير مستقبلهم وأخلاقهم وخاصة في مجتمعاتنا التي تكون أكثر العوائل في بدايتها يعيشون مع أهاليهم، فضيق المكان يجعلهم يقسون على أطفالهم من أجل راحتهم أو أن يتحكم اكثر من فرد داخل الأسرة في تربية الطفل واستعمال الأسلوب الخاطئ أو الضرب أو العقوبة بدون سبب فكل هذا يتسبب بتكوين شخصية مهزوزة وضعيفة لدى الأطفال. إن التربية الواعية هي التربية المبنية على الأسس الأخلاقية التي ترشد الإنسان أن لوجوده قيمة جوهرية لا يمكنه أن يتغافل عنها في حياته وهي الطريق لتخريج أفراد لا يضيّعون حياتهم في التوافه، وإنما يتعاملون مع وجودهم بالطريقة التي تتحقق فيها أهداف حياتهم البنّاءة وبالتالي يمكننا أن نتحدث عن المجتمع الذي يصبح قابلاً للحياة لإدراكه ويعرف لماذا يعيش وكيف يعيش. وتربية الفرد تبدأ منذ نعومة أظفاره بالتدريج السليم المطابق للأصول التربوية والعقائدية والأخلاقية، ومن هنا علينا أن نهتم بتربية أطفالنا على هذا النحو والأسلوب الذي يحقق الآمال المعلقة على الأجيال القادمة في الوصول إلى إرساء قواعد جديدة للتعامل على مستوى الفرد أو الأمة، فلا يعود الفرد ولا تعود الأمة فريسة بيد العابثين المستهترين بمصائر الناس من أجل تحقيق المصالح الشخصية أو الفئوية على حساب جهل الناس لقيمة الحياة. هناك آثار سلبية كثيرة تترتب على عدم احترام شخصية الولد، ومن أهمها تلك التي تتعلق في نفوس الأطفال، مثل عقدة الحقارة واهتزاز الشخصية وما شابه ذلك من صفات نفسية خطيرة تهدد كيان الطفل وتلاحقه حتى خريف عمره. بينما تستطيع أنت أيها الاب وأنتِ أيتها الام أن تكونا بمعزل عن كل تلك الآثار السيئة والنتائج السلبية بفعل شيء واحد وهو: الاحترام ولايعتقد أحد بأن احترامه لولده يلحق به ضرراً أو يسئ إلى سمعته. ترى ماذا سيحدث لو اصطحب الأب ولده إلى المجالس التي يحضرها الكبار؟ وماذا يحدث لو تعامل الوالد مع ولده على أساس من الاحترام والتقدير؟ وماذا يحدث لو احترم الكبار الصغار؟ هل يحدث غير النتائج الحميدة والطيبة التي تترك أثراً سحرياً في نفوس الأبناء وتسير بهم إلى مدارج العظمة والكمال؟ يجدر بنا أن نسجل هذه الفكرة التي تقول: إن قيمة الاحترام تظهر ويبرز أثرها النفسي حينما يتمثل الكبار باحترام الصغار. وإلّا فإن احترام الصغار للكبار أمر طبيعي مفروغ منه. فإن عظمة التواضع تبرز حينما يتواضع العظيم للداني والكبير للصغير، فلو احترم الصغير الكبير وزهد الفقير وتواضع الحقير حينئذ لا يكون قد صدر منهم أي فعل ذي بال يشار إليه بالتقدير والتعظيم، ولا أقل عند سواد الناس. ولكن العظمة حينما يحترم الإنسان من هو أصغر منه، ويتواضع لمن هو أدنى منه منزلة، وقد ورد في سيرة أعظم رجل عرفته الإنسانية وهو النبي الأعظم محمد (صلى الله عليه واله وسلم ) أنه كان يصافح الغني والفقير والصغير والكبير، ويسلم مبتدءاً على كل من لقيه من صغير أو كبير أسود أو أحمر، حراً أو عبداً، وكان يقول في ذلك: ليكون سنة من بعدي. إن لاحترام الأبناء نتائج ايجابية كثيرة، وباستطاعة أي أب أن يجرب ذلك، فلو كنت تريد من ابنك خدمة ما، فاطلب ذلك منه باحترام...وأومئ إليه بالثقة ثم اطلب منه ما تريد وانظر كيف ستكون النتيجة. هذا بالإضافة إلى أن الأبناء سيبادلون الآباء ذلك الإحساس، وسيعاملون آبائهم كما تعلموا وتعودوا عليه. لذلك فالأب حر في اختيار الطريقة التي يرغب أن يعامله بها ابناؤه في صغرهم وعند الكبر، تماماً كما أنك لاتستطيع أن تسحب مقداراً معيناً من المال من البنك إلا إذا كان لديك رصيد سابق قد أودعته فلا تستطيع أن تطالب أبناءك أو أي إنسان آخر بالاحترام وأنت لم تودع الاحترام في بنوكهم ولم تمنحهم الاهتمام. وهو مفاد ما ورد من الأمر بمعونة الأبناء على تعليمهم بر الآباء فاهتم بهم يهتموا بك، واحترمهم يحترموك، يقول الامام علي (عليه السلام ): (إجملوا في الخطاب تسمعوا جميل الجواب) إن هذه حقيقة حتمية وسنة كونية لايمكن تبديلها. (فمن جد وجد ومن زرع حصد) الأطفال هم فلذات الأكباد وريحانة الحياة وزهور الربيع وبلسم الجروح، وهم ذخر الإنسانية لغدها المشرق، وهم الذين سيحملون مسؤوليات العالم بعد أن ينتهي دور الجيل الذي سبقهم، لأن الإنسانية تسير بطريق تكاملي وبالتالي لابد أن تستمر. وهم ضمان استمراريتها وبقائها. وبما أنهم كنز الإنسانية ومستقبلها فعلينا أن نعمل على إعدادهم إعداداً مناسباً يتناسب مع حجم المسؤوليات المستقبلية التي ستلقى على عاتقهم، وذلك يكون عن طريق تربيتهم التربية الصالحة المبنية على الفهم المتكامل والصحيح للحياة، وعلى المربي عموماً أن يدرك أهمية هولاء الأطفال وأنهم سيكونون أهلاً للحياة ولمواجهة مسوولياتها. إن فهم هذه الخصوصية وترتيب الأثر المناسب عليها يساعدنا على إيجاد المجتمع الإنساني الفاضل الذي يتحلى بالأخلاق الكريمة، ذلك المجتمع الذي يقدس المثل العليا للإنسانية باعتبارها صمام أمان للحياة نظراً لما تحويه من مباديء سامية وخصال حميدة توصل أفراد المجتمع الإنساني إلى أهدافه النبيلة باعتناقها والتمسك بأهدافها… الطفولة عالم البراءة: عالم الصفاء والنقاء والتخيلات والأحلام الرائعة الجميلة هو عالم الطفولة، فهو العالم الملكوتي الذي ينطلق منه الإنسان في بداية سيرته الحياتية. فالطفل في سِنيّ حياته الأولى ينظر إلى الحياة بمنظار عالمه الطفولي البريء البعيد عن كل مايعكر صفوها فيتخيلها بمنظاره هذا عالماً تسوده المشاعر المرهفة الحساسة، وبعيداً عن كل الاشياء التي تجعل من الحياة حياة شر وخداع ونفاق. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل للحياة قبل أن يبدأ صراعه معها، وما أروعه من تصور وما أجمله من حلم، وكم يتمنى كل فرد إنساني أن يعود لطفولته البريئة ليسرح في أرجاء عالمها الذي كان يصور له الحياة كأنها ربيع مليء بالرياحين التي تشد الإنسان إليها بعطرها الساحر وشذاها الفواح، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلاينفذ إلى سره ولا يدري كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. فهو عالم بعيد كل البعد عن الشرور والآثام والحقد والكراهية، هو عالم غني بالمشاعر الجياشة التي تصور الحياة بستاناً عامراً بالاطاليب، حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. تعتبر مرحلة الطفولة من أهم المراحل في حياة الفرد: فالاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. فالطفل هو الثروة الحقيقية وأمل الغد، وليكن معلوماً أن ما نراه من حولنا المشاكل التي يتعرض لها الطفل في العالم من نبذ وقهر واضطهاد واستغلال وما يترتب على هذه المشاكل من اضطرابات نفسية وانحراف وجريمة وادمان. وما نرى من حالات العنف والعدوان في المدارس وحالات اختطاف وانحرافات سلوكية وخاصة في العالم الغربي، ومانشاهده من تعرض الطفل العربي إلى القهر والعدوان وخاصة في دول الحرب وبعض الظواهر الأخرى مثل ظاهرة أطفال الشوارع، والمتسولين والأحداث، كل ذلك له أسبابه الخاصة والتي تكون التربية واحدة من أهمها، وفي مقدمتها. يؤكد علماء النفس دائماً على أن أسباب الاضطرابات النفسية لدى الاطفال هو غالباً تنشأ من خلل في المعاملة من قبل الأهل. وأن الأطفال الذين تساء معاملتهم هم دائماً ضحايا للاضطرابات النفسية والانحرافات. وهذه الاضطرابات لاينتهي أثرها عند الطفولة فقط، وإنما قد تبقى آثارها لمرحلة الشباب والكهولة، ذلك لأنها تنطبع في شخصية الطفل وتوثر على حياته المستقبلية. فيصبح بالتالي شخصاً يعاني من عقد بداخله ولربما يصبح شخصاً ظالماً لمن حوله أو مجرماً حتى مع أقرب الناس إليه كإخوته وأطفاله وزوجته وأصدقائه. فلينتبه الأبوان لهذه المسوولية الملقاة على عاتقهما لأنهم لا يظلمون طفلهم فقط، إنما يظلمون مجتمعاً كاملاً. ومن هنا تعتبر الأسرة النواة الأولى لتنمية الطفل، والقالب الاجتماعي الأول الذي يصوغ شخصية الطفل في المجتمع، وهي المؤسسة التربوية الأم التي تساعده على تشكيل شخصيته بصفة عامة، وهذا ينعكس سلباً على شخصية الطفل، فيما لو اضطربت الأسرة وتفككت. لقد ثبت لدى الباحثين تأثير السنوات الثمان الأولى من العمر في باقي حياة الإنسان، وقد وجد انه إذا ما لبيت حاجات ورغبات الطفل في الأشهر الأولى من الطعام والراحة والمحبة وغير ذلك، فإن الطفل سيكون حظه في الحياة أوفر وأعظم… إن الأنماط السلوكية الأسرية تحدد ماسوف يفعله الطفل في مقتبل حياته أو مايستطيع أن يفعله. ولكي يحصل على الإشباع والرضا فعلى الأسرة أن تعمل على تنمية شخصيته. إن أهم عوامل نجاح وتكوين شخصية الطفل إنما هي مستمدة من العلاقة الحارة الوثيقة الدائمة التي تربط الطفل بأمه أو من يقوم مقامها بصفة دائمة وإن أي حرمان من حنان الإم تظهر آثاره في تعطيل النمو الجسمي والذهني والاجتماعي وفي اضطراب النمو النفسي للطفل. _______________________________ (1) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2ص625 (2) غرر الحكم ودرر الكلم للامدي ص831 (3) مكارم الاخلاق للطبرسي ص 232 (4) بحار الانوار ج 75 ص 236

اخرى
منذ سنة
8231

صوت العقل وصدى الإرادة

برغم مانشهده من بريق التقدم التكنلوجي الذي يأخذ بالألباب ويخطف الأبصار إلا أننا نلاحظ اليوم وجود أزمة اخلاقية رهيبة، خصوصاً فيما يتعلق بانتشار المحرمات وتفكّك المجتمعات وتمزقها، وذلك لأن هذا التقدم يتحرك بشكل قد لايوافق فطرة الإنسان. إن الله سبحانه قد زوّد الإنسان بالعقل والغريزة والإرادة، على أن الروح والنفس من المتفرعات، فالروح مثلاً تعود في النهاية إلى قوة العقل التي وقف العلم أمامها حائراً عن معرفة كنهها. إن في الإنسان عقلاً وغريزة وإرادة، وهي في صراع دائم، والغالب منها يحدّد سلوك الإنسان. فإذا غلبت الغريزة على العقل والإرادة انحدر الإنسان إلى مرتبة الحيوان وإذا كانت الغلبة للعقل ترقى الإنسان إلى مراتب الإنسانية السامية. وهنا قد يطرح سائل سؤال: لماذا خلق الله سبحانه الغرائز في الإنسان وماهي الغاية من ذلك؟ الجواب: إن الغرائز التي غرسها الله سبحانه في أعماقنا وإن كانت متضادة ومتجاذبة إلا أنها هادفة لأن الله سبحانه حكيم في تدبيره لايخلق الأشياء عبثاً، فكل شئ في هذا الكون خاضع لحكمته وتدبيره وهذا الصراع الذي يحدث هو من أجل التكامل، إذ لاتقدم إلا من خلال هذا الصراع، إن الله قد حشّد هذه الغرائز في داخل الإنسان من أجل التكامل والكمال فقد شاء سبحانه أن يخلق هذا الكائن ليكون مميزاً عن الحيوان وعن الملائكة فلو كان عقلاً فقط لأصبح ملاكاً ولو كان غريزة فقط لكان حيواناً، وبذلك ينتفي وجود كائن حي اسمه الإنسان . إن العقل يُصدر الأحكام ولكن لاتتنفذ تلك الأحكام إذا كانت الإرادة ضعيفة، فلاقيمة لتلك الأحكام بدون إرادة قوية تنفّذها فيخلو الميدان للغرائز التي تُسيِّر الإنسان وترسم له خط سلوكه، لأن العقل عُرضة لهجوم دائم تشنّه الغرائز عليه وهو يحاول أن يدافع عن نفسه وينفّذ أحكامه. فإذا كانت الإرادة قوية فإنها تحمي العقل وتدافع عنه ليصبح قابلاً للتنفيذ . إذن ما هي الإرادة؟ وكيف نقوّي الإرادة؟ الإرادة: هي القدرة والسيطرة على الذات، فهناك قدرات جسمانية وهناك قدرات ذاتية، فتحقّق المراد يكون على قدر على ما أراد تحقيقه وخطّط له بشكل صحيح. إن مايحدث في داخل النفس هو شبه مجلس تخطيط، فالعقل يخطّط ويصدر الأحكام أما التنفيذ متوقف على قوة إرادة الإنسان. إن الهدف من وجود الإنسان لن يتم بدون مزج العقل مع الغرائز. ولكي يكون سيره في محيط الإنسانية عليه أن يتحكم بهذه الغرائر بالاتجاه الإيجابي وهو ماحدّده له الله عز وجل فقط، فلو شذ عنها انحدر من مستواه الإنساني إلى المستوى البهيمي. ولهذا كان لقوة الإرادة والتوجُّه الصائب للعقل الحكم الفصل في تنفيذ ذلك... إن الإرادة تلعب دوراً مهماً في عملية تنفيذ الأحكام التي يصدرها العقل أو في إلغائها. فكيف يمكن أن نقوّي هذه الإرادة من أجل انتصار العقل على طغيان الغرائز وجبروتها؟ نجد الجواب المناسب لهذا السؤال عند سيد البلغاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب( عليه السلام) عندما يقول :(وأيم الله لأروضن نفسي رياضة تهش معها إلى القرص مطعوماً وتقبل بالملح مأدوماً ولأدعن مقلتي كعين ماء نضب معينها ،مستفرغة دموعها ،أتمتلئ السائمة من عشبها فتبرك وتشبع الربيضة من رعينها فتهدأ ويأكل علي من زاده فيهجع. ......) نهج البلاغه ج٣ص٧٥ من هذه الكلمة يتبين العلاج لتقوية الإرادة حسب ماذكر سيدنا ومولانا الامام امير المؤمنين( عليه السلام ) وهو :- الترويض للنفس لتقوية الإرادة. لو سألنا الإمام (عليه السلام) وكيف تروضها يا امير المؤمنين؟ فالإجابة عنده موجودة (إنما نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الاكبر). إذن الوسيلة هي التقوى التي تسيطر على الغرائز وتهذّبها والغاية هي الاطمئنان والأمان يوم الفزع الاكبر. إن الغرائز تلح على الإنسان بدليل ماجاء في القرآن الكريم (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53)) سورة يوسف. يقع الذنب عندما يقوم الإنسان بفعلٍ بسبب شهواته وميوله خلافاً لما يحكم به عقله وإيمانه وتقابلها نفس لوامة تلح على صاحبها بالدافع الإخلاقي لكي تصبح مطمئنة وهنا يحدث النزاع بين العقل والغرائز. والإرادة القوية النابعة من تقوى الله تستطيع الانتصار، فكل إرادة لاتتغلب على العاطفة والشهوات تنهار وتفشل بسبب ضعفها وقلة إيمانها لأن حالة الذنب هي حالة عدم تملك النفس لذا قال (عليه السلام) في خطبته (ألا وان للتقوى مطايا ذلل )نهج البلاغه الخطبه ١٦ أي أنه يأمر والمطايا تطيع تسير إينما يوجهها دون أن تركل أو تعترض، وعلى هذه القاعدة نستطيع أن نقول إنّ لكل غريزة وظيفتها وهدفها، لاسيما إذا ربط الإنسان نفسه بالتعاليم الآلهيه التي وصلتنا إذ أن هذه التعاليم توجّه الغرائز بطريقها الصحيح الذي رسمه الله لها .

اخرى
منذ سنة
8077