تشغيل الوضع الليلي

#مرجعية_وطن

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 1509

بقلم: زين العابدين السعيدي
إلى سيد الصمت البليغ:
مِنْ وَجْهِكَ الدُّرِّيِّ أَنْهَلُ حِكْمَةً
فَأَحِسُّ آفَاقِي بَدَتْ تَتَوَسَّعُ

لامُوكَ، قَالُوا: صَامِتٌ.-يَا سَيِّدِي-
مَا الضَّيْرُ؟ لا أدري، وَصَمْتُكَ يُسْمَعُ

جَاؤُوْكَ مِنْ أَقْصَى المَذَلَّةِ خُضَّعاً
فَسَقَيْتَهُمْ عِزّاً وَأَنْتَ المَنْبَعُ

فِي شِحَّةِ الآرَاءِ رَأْيُكَ وَافِرٌ
فِي زَحْمَةِ الظُّلُمَاتِ وَحْدَكَ تَسْطَعُ

-للهِ دَرُّكَ- كَمْ صَبَرْتَ عَلَى الأَذَى
يَا مَرْجِعاً رَادُوا إلَيْهِمْ تَرْجِعُ

-للهِ دَرُّكَ- يَا حَكِيمَ زَمَانِنَا
كَمْ غَالَطُوكَ وَأَنْتَ أَنْتَ الأَوْرَعُ

فِي بَيْتِكَ المِسْكِيْنِ لا تَرَفٌ يُرَى
فِي قَلْبِكَ الجَبّارِ شَعْبٌ يَقْبَعُ

فِي بَابِكَ، المَسْؤُولُ يَبْقَى صَاغِرَاً
وَيَعُودُ مَذْلُولاً، فَبَابُكَ يَصْفَعُ

أَهْلُ الضَّجِيْجِ ضَجِيْجُهُمْ كَابُوسُنَا
وَقْتَ الرَّخَاءِ رُؤُوسُنَا تَتَصَدَّعُ

لكِنْ إِذَا أَلْقَى القَضَا* زِنْجَارَهُ
أَفْوَاهُهُمْ تَصْدَا وَثَغْرُكَ يَلْمَعُ

لَوْلَاكَ كَانتْ فِتْنَةٌ يَفْنَى بِهَا
نِصْفُ العِرَاقِ وَإِرْثُهُ يَتَوَزَّعُ

رَادُوا اقْتِتَالاً طَائِفِيّاً بَيْنَنَا
فَصَدَحْتَ: (أنْفُسُنَا) وَخَابَ الخَيْدَعُ

لَوْلَاكَ لانْهَدَمَتْ قُبُورُ أَئِمّتِي
وَلَكَادَ طَعْمُ الضَّوْءِ فِينَا يُصْرَعُ

أَلْقَيْتَ بِالفَتْوَى عَصَاً فَإِذا بِهَا
حَشْدٌ -عَلَى فِرْعَوْنَ يَسْعَى- مُفْزِعُ

يَاسَيّدَ الصَّمْتِ البَلِيغِ مُؤَكَّدٌ
لِعِرَاقِنَا المَكْلُومِ أَنْتَ الأَنْجَعُ

*القضا: من القَضَأ وليس القضاء.

اخترنا لكم

تجلياتٌ معرفية في الخطاب المهدوي (9)

بقلم: علوية الحسيني "واحفظني في غيبتي إلى أنْ تأذن لي في ظهوري" *قوله: "احفظني" الحفظ عرفًا هو الصون، والوقاية من أمرٍ ما. *وقوله: "في غيبتي" إشارةً من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الغيبة، صغرى كانت أو كبرى، إلا أنه الآن للكبرى أقرب؛ خصوصاً مع قوله (إلى أنْ تأذن لي في ظهوري)، فالإذن بالظهور أقرب إلى الغيبة الكبرى من الصغرى. ولم يحدد الإمام زمنًا معيّنًا في غيبته، ويطلب من الله (تعالى) الحفظ، إيمانًا منه بأنّ نظام الكون هو نظام العلّة والمعلول، والعلّة التامة لهذا الكون كلّه هو الله (تعالى)، فتتجلى حاجة معلولاته له (تعالى). ومن إطلاق كلام الإمام نستفيد دروسًا عقدية في العبودية الخالصة لله الواحد الأحد، وأدب التذلل في الكلام مع الخالق. وهذا ديدن السلف من أجداده (عليهم السلام)، في طلب الحوائج من الله (تعالى) بتذلل؛ حيث جاء في دعاء جدّه الإمام الحسين (عليه السلام) أنّه قال: " إلهي هذا ذُلّي ظاهِرٌ بَيْنَ يَدَيْكَ، وَهذا حالي لا يَخْفى عَلَيْكَ، مِنْكَ أطْلُبُ الْوُصُولُ إلَيْكَ، وِبَكَ أسْتَدِلُّ عَلَيْكَ، فَاهْدِني بِنُورِكَ إلَيْكَ، وَأقِمْني بِصِدْقِ الْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيْك"(1). نعم, قد يتعرض الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) إلى الضر كالمرض، والبرد، والحر، والعطش؛ فهو وإن كان معصومًا إلاّ أنّه بشرٌ مثلنا، "كما تعتقد الشيعة الإمامية "(2). ولعله بقوله هذا أعطى درسًا بليغًا للغلاة الذين يجعلون لمقام الأئمة (عليهم السلام) مقام الألوهية، فسلك الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مسلك أجداده الذين كانوا يحذرون من الانحراف مع الغلاة؛ حيث روي عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) أنّه قال: "لا تقولوا فينا ربا وقولوا ما شئتم ولن تبلغوا "(3). وبالتالي يجب الإذعان بأنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) يحتاج إلى الله (تعالى) ولهذا طلب الحفظ في غيبته. *وقوله: "إلى" فهذا الحرف يفيد الغاية، وانسجامًا مع سياق دعاء الإمام تكون الغاية زمانية. فيحتمل أنْ يكون المعنى: (احفظني في غيبتي حتى تأذن في ظهوري)، فظاهرًا أنّ الإمام يشير إلى درجات حفظه، فجعل حفظه في غيبته قبل ظهوره حفظًا مهمًا، يكون هو أكثر حرصًا على طلبه من الله (تعالى)؛ حتى ينجز له ربّه (تعالى) وعده الذي وعده به. ويؤيد ذلك سياق دعائه (عجّل الله فرجه الشريف) بمفرداته السابقة: "اللّهمّ احجبني عن عيون أعدائي, واجمع بيني وبين أوليائي، وأنجز لي ما وعدتني"، فوحدة السياق ظاهرة في انصراف الكلام نحو مرحلة ما قبل الظهور، وحفاظًا عليها يكون معنى (إلى) في قول الإمام "واحفظني في غيبتي إلى أن تأذن في ظهوري" بمعنى الغاية، أي احفظني قبل الظهور؛ إلحاحًا منه (عجّل الله فرجه الشريف) على الله (تعالى)، وقد تم بيان السبب أعلاه. وهذا لا يتنافى مع طلب حفظه زمن ظهوره، لكنه أحوج إليه زمن الغيبة. *وقوله: "أن تأذن في ظهوري" إنّ أمر الإذن له بالظهور راجع إلى الوقت الذي يحدده الله (تعالى)؛ "روي عن الإمام الجواد (عليه السلام): "... يجتمع إليه من أصحابه عدة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا... فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الإخلاص أظهر الله أمره"(4). نعم، بعض الروايات وصفت مجريات الظهور، وكانت على ثلاثة أصناف: 1/ روايات حددت العلامات الحتمية قبل ظهور الإمام، ومنها ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة والسفياني والخسف وقتل النفس الزكية واليماني"(5). 2/ روايات حددت وصْف سـنة ظهور الإمام، منها: ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): "لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين تسع وثلاث وخمس وإحدى"(6). 3/ روايات وصفت يـوم ظهور الإمام العلني، ومنها: ما "قال أبو جعفر (عليه السلام): كأني بالقائم يوم عاشوراء يوم السبت قائمًا بين الركن والمقام،...فيملأها عدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا"(7). لكن رغم تلك المعارف، يبقى العلم اجماليًا بالنسبة لنا؛ فيبقى هناك أمر غيبي، وهو (في أيّ سنةٍ وترية سيأذن الله (تعالى) بظهور الإمام؟). هذا ما لا يعلمه إلاّ الله (سبحانه وتعالى)، لكنه (تعالى) لم يترك عباده سدى، فقد رسم قواعد كليّة لنبيّه الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله)، وبدوره نقلها إلى أهل بيته (عليهم السلام)، ووصلت بعضها إلينا، منها ما "روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي فيملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما مُلئت ظلمًا وجورًا"(8). حيث أعطت هذه الرواية قاعدة حتمية بتحقق ظهور الإمام، وبثت في العباد روح الإخلاص بالعبادة، والعمل على تهذيب النفس، والاستعداد الروحي ليوم الظهور. فزرعت فيهم الأمل لمواجهة مجهولية يوم الظهور. وأما الإمام فلا زال يترقب هلال الظهور، على مرّ العصور. وعند التأمل في روايات الظهور يظهر أنّ الظهور قسمان؛ ظهور أول سرّي أصغر، وظهور ثاني علني أكبر، وقال بذلك بعض العلماء. 1/ الظهور العلني الأكبر وهو ظهوره في مكّة المكرَّمة بين الركن والمقام في العاشر من محرَّم الحرام. 2/ الظهور السري الأصغر يمكن أن يُراد من الظهور الأصغر أحد الاحتمالين التاليين: الاحتمال الأوَّل: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهور ذكره (عليه السلام) على ألسن الناس، خصوصًا بعد وقوع علامات الظهور، وأهمّها الصيحة، الأمر الذي أشارت إليه بعض الروايات الشريفة. عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره» كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١٤: ٥٨٨/ ح ٣٩٦٦٥. الاحتمال الثاني: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهوره الابتدائي لخاصَّة شيعته في المدينة المنوَّرة، "(9). وممكن ترجيح الاحتمال الثاني؛ بلحاظ أنّه أقرب إلى كونه ظهورًا, وأقرب إلى انطباق اللفظ (الظهور) عليه - رغم صحة الاحتمال الأول-. ومن خلال ذلك يتضح أنّ الله (تعالى) سيستجيب لدعاء الإمام "وأنجز لي ما وعدتني" فسيظهره على الدين كلّه ولو كره المشركون، ظهورًا أكبر كان او أصغرا، بل كلاهما، مع اليقين بأنّ الإمام محفوظ بحفظ الله (تعالى)، كيف لا؟ وقد ادّخره لزمنٍ يطفح فيه كيل الظلم والجور! ليستبدل بذلك قسطًا وعدلاً وإيمانا. ومن خلال التأمل في روايات الظهور الأصغر يتضح لنا سبب إلحاح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) بالدعاء بأن يحفظه الله (تعالى)؛ حيث أنّ الروايات الواصلة لنا تشير إلى مهاجمة جيش السفياني للمكان الذي سيظهر به الإمام ظهورًا أوليًا سريًا، وهي المدينة المنورة، روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "يبعث السفياني بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمّد صلى الله عليه وآله ويقتل من بني هاشم رجالاً ونساءً، فعند ذلك يهرب المهدي والمنتصر من المدينة إلى مكّة، فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه"(10). وهناك نظرية افترضت كيفية كشف السفياني لظهور الإمام الأولي، وممارسة الإمام لمهامه بشخصيته الثانوية، غير المعلنة لجميع الناس، " فقالت: إنّ السفياني يتتبع التحركات السياسية والعقائدية وتمييز المهدوية منها من غيرها، إلى أنْ يصل لخبر ظهور الإمام، فيرسل إليه جيشًا ليعتقله"(11). ونلاحظ هنا الخطر المحدق بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) في المدينة فيما لو اعتقله جيش السفياني، ولهذا نجده (أرواحنا فداه) يلح على الله (تعالى) بالدعاء ليحفظه، بل وابتدأ دعاءه بـ"اللهم احجبني عن عيون أعدائي"، فما كشف الله (تعالى) شخص الإمام لجيش السفياني إلاّ لحكمةٍ بالغةٍ هو (تعالى) أعلم بها، ولا تعني عدم استجابة لدعاء وليّه، بل مجريات غيبه وحكمته تقتضي أن تحدث، مع إنّ الحفظ لوليّه متحقق. لذا نجد أنّ الروايات تخبرنا بأنّ الله (تعالى) سيأمر الإمام بالاختفاء من المدينة، والظهور بمكة المكرمة؛ روي عن الإمام السجاد (عليه السلام) أنّه قال: "فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثم يظهر بعد ذلك"(12). ومن بعد الظهور الأصغر يظهر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) ظهورًا أكبرًا في مكة المكرمة، ويصله قادة جيشه، ويحاججه بعض الناس هناك؛ طالبين منه الدليل على إمامته، بل خلافته على الأرض، فيؤمن بعضهم، ويعاديه آخرون، ثم يصلي الإمام بأتباعه، ويصلي بهم العشاءين، ثم يخطب بهم؛ روي عن أبي جعفر (عليه السلام): "ثم يظهر المهدي بمكة عند العشاء، ومعه راية رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقميصه وسيفه، وعلامات، ونور، وبيان، فإذا صلى العشاء نادى بأعلى صوته يقول: أذكركم الله أيها الناس، ومقامكم بين يدي ربكم، فقد اتخذ الحجة، وبعث الأنبياء، وأنزل الكتاب، وأمركم أنْ لا تشركوا به شيئًا، وأنْ تحافظوا على طاعته وطاعة رسوله، وأنْ تحيوا ما أحيا القرآن، وتميتوا ما أمات، وتكونوا أعوانًا على الهدى، ووزرًا على التقوى، فإنّ الدنيا قد دنا فناؤها وزوالها، وآذنت بالوداع، فإنّي أدعوكم إلى الله وإلى رسوله، والعمل بكتابه، وإماتة الباطل، وإحياء سنته.."(13). وبهذا يكون الله تعالى قد أنجز وعده، وحفظ وليّه. ______________ (1) مفاتيح الجنان: للشيخ عباس القمي، ص226. (2) ظ: عقائد الامامية: للشيخ المظفر, ص85. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي، ج25، باب نفي الغلو، ص347. (4) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج4, ص39, ح1360. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج8, ص310, ح483. (6) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج1, ص473. عنه إثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ج ٣, ص514, ح354. (7) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج1, ص473. عنه البحار: للعلامة المجلسي, ج٥٢ , ص٢٩٠, ح30, وإثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ٣ج, ص514, ح353, ومنتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: للشيخ لطف الله الكلبايكاني, ص464, ح4. (8) الغيبة: للشيخ الطوسي, ج ١, ص445, عن إثبات الهداة: للشيخ محمد الحر العاملي, ج٣, ص514, ح350. (9) على ضفاف الانتظار: للشيخ حسين الأسدي, ص180-181. (10) معجم الملاحم والفتن/ الده سرخي ٣: ٢٣. (11) السفياني حتم مر: للسيد جلال الموسوي, ص79. (12) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج52, ص213. (13) معجم أحاديث الامام المهدي: للشيخ الكوراني, ج3, ص295, ح832. اللهم احفظ وليّك من بين يديه, ومن خلفه, وعن يمينه, وعن شماله, ومن فوقه, ومن تحته, بحفظ الإيمان, يا رحيم, يا رحمن.

العقائد
منذ 5 سنوات
1577

يقينٌ لا يُجدي..

بقلم: رضا الله غايتي رأيته مغبر المظهر رثَّ اللباس أشعث الشعر، قد طمس الحزن ملامحه، وغيّم الأسى على هيأته، حاملاً فأسه يضرب به على جدران ذلك القصر الجميل بكل قوته، وكأنه يريد أن ينتقم منه! شككت في كونه الشخص الذي أعرفه، أمعنت النظر وإذا به هو.. رباه ماذا يفعل؟ وما الذي حمله على ذلك؟ أوليسَ هو الذي خلّفتُهُ بالأمس القريب وهو أحرص الناس على أن يملك أفخم قصرٍ وفي أروع منظرٍ وأرقى مظهرٍ؟! عجباً ها قد تحقق ما كان يتمنى، فما باله اليوم يروم هدمه؟! رفعت صوتي لأُسمِعه؛ لأنه على ما يبدو مشغولاً بهمٍّ قد أصمَّ أذنيه وشلَّ ذهنه، وكأن كل ما يشغله هو التفاني لنوال شيء، لكنه يعجز عنه. ناديته: أن يا فلان ما الذي تصنع؟ أتهدم ما كنتَ بالأمس تتمنى؟ وتحطم بيديك ما كنت تبني؟ فأجابني بكلمات تصطبغ بالندم وبنبرات صوت قد مزّقتها حسرات الألم: نعم.. سألته بتعجب: ولماذا؟! أجاب: قد كنت أرى هذا القصر كما تراه أنت الآن. وأما بعد إن أرقدني المرض في السرير، ورأيت بأمِّ عيني كم أصبحتُ ثقيلاً على أولادي الذين لم أُشعرهم يوماً بحرمان أو تقصير، وغدا كلٌّ منهم يرمي بي على الآخر ضَجراً من سماع آهاتي، متثاقلاً من قضاء حاجاتي، هارباً من تلبية طلباتي.. حينها أدركتُ مدى قبح ذلك القصرِ الذي من أجله أهلكت عمري، ومدى تفاهة أمنياتي التي في سبيل تحقيقها أفنيت حياتي.. أتعلم، بالرغم من سعة هذا القصر وجماله كان يضيق عليّ حد الاختناق، فكان يبخل عليّ بهوائه إلا النزر اليسير.. ولم يمضِ على مرضي إلا أيام حتى حُرِمت منه حيث نقلني أولادي إلى دار المسنين.. أثار كلامه عجبي وألمي معاً: أ فهل ضاق عليك هذا القصر المترامي الأطراف لتنقل إلى دار المسنين؟! أجاب بحسرة بالغةٍ: بل ضاقت صدورهم التي حشوتُها بالمال الحرام.. آهٍ.. آه.. لكم قرأت وسمعت وقيل لي: إن إطعام الأولاد المال الحرام من الرشوة والغش والمعاملات الربوية له الكثير من الآثار الوخيمة والنتائج السقيمة. لكني لم أكن آبه لكل ذلك حتى تذوقت مرارة ما كنت أطهوه بكلتا يديّ على نار جشعي وطمعي. سألته: ولكن يا صاح، إن لم يضِق عليك هذا القصر فما ذنبه لتهدمه؟! أجاب: لا يغرنّك ظاهره الجميل يا صاح، فقد تحوّلت أسسه وجدرانه إلى حطب نار عظيمة تحرقني ليل نهار.. آهٍ.. آهٍ.. لغفلتي واغتراري ببهارج الدنيا الخدّاعة.. فكم ضيّعتُ من فروض صلوات وخمس وصدقات لأتمَّ بنائي وأنعم فيه مرتاح البال، وإذا بأركانه الشاهقة وزخارفه البرّاقة تزيدني الآن اشتعالاً فوق اشتعال.. وكم سمعت أن الحقوق والأموال المغصوبة تفعل ذلك، ولكن لم أكن أصدق حتى أيقنت الآن بكل ذلك حق اليقين.. ذُهِلتُ من الصور التي رسمها بكلماته فلم أنطق ببنت شفة. وأما هو فيبدو عليه أنه قد استسلم للطريق الذي مَهدَتْه عقيدته وأفعاله، بعد أن يئس من إمكانية التخلص من أليم تبعاته، رمى بفأسه على الأرض وهمَّ بالابتعاد.. مشى خطوتين ثم التفت قائلاً بنبرة يأس: أبلغ أولادي عني السلام وارجُهم ليخففوا عني ما أنا فيه من حريق، فوالله لم أعد أحتمله الآن وأنا في أول الطريق، فكيف بي لو خُلِّدتُ فيه يا صديق؟ ارجُهم .. فلعلهم.. مع إني أعلم بأنْ قد أثملتهم ملذات الدنيا كما أثملتني من قبلُ ومن يثمل بحبها فمن الصعب أن يُفيق.. استيقظت من النوم فزعاً وصورته لا تفارق مخيلتي، وما أن أرسلت الشمس أولى أشعتها معلنةً بدء النهار لتلملم شيئاً فشيئاً بقايا الظلام، حتى أسرعت إلى قصره لأخبره بما رأيت لعله يتوب، ويمحو قبل حلول أجله ما عليه من ذنوب.. ولكن قيل لي: إنه في دار المسنين. رُحماك يا رب.. ازداد قلقي فقد أصاب جزءٌ من الرؤيا.. اتجهت صوب الدار مسرعاً خائفاً من فوات الأوان، راجياً أن يتمكن من محو تبعات العصيان، وبينما أنا أتّجه إلى سريره الذي قيل لي إنه مازال فيه نائماً حتى الآن، وإذا بي أجده جثة هامدةً، فلقد مات وحيداً فريداً في عتمة الليل وظلمة الذنوب، لم يحظَ ولو بشخصٍ واحدٍ لتوديعه من بين كل من يعرفهم من الأهل والأصحاب والجيران! فكم هو مؤلمٌ أن يعيشَ المرءُ في الحياة الدنيا مكذباً ما يسمع من أحكام شرعية من دون دليل أو بحث أو تقصي.. مشتغلاً بتلبية ما تهواه نفسه من ملذات وظلم وطغيان وتعدي، فإذا مات أيقن صدقها، ولكن يقينه حينئذٍ لا ينفع ولا يُجدي.. إذ لا مجال للعودة إلى الوراء لتصحيح ما فات، وليس أمامه سوى الهلاك والعذاب الأبدي.. إلا ما رحم ربي.

اخرى
منذ 6 سنوات
3440

العــدل في كلمات السيدة زينب (عليها السلام)(3)

في مجلـس يزيـد فــي الشام قولها (صلوات الله عليها) : « صدق الله (سبحانه) ، كذلك يقول: « ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (10) »(1). عاقبة كل شيء : آخره، أي: إن آخر الأمر الذي يؤول إليه من أساؤوا إلى نفوسهم بالكفر بالله وتكذيب رسله، وارتكاب المعاصي و قتل عترته هو السوأى: وهي الصفة التي تسوء صاحبها إذا أدركته، أي عذاب النار. و كأنها بأبي هي و أمي تقول: لا غروَ يا يزيد إن أنكرت الإسلام والإيمان اليوم بأشعارك المشوبة بالكفر والطغيان، متمنياً أن يشهد انتقامك من بني هاشم الكرام من قُتِل في بدر من أسلافك الكفرة اللئام ، فقد قال أصدق القائلين ومن ليس فوق كلامه كلام:" ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ "(2). وأما قولها: «أظننت ـ يا يزيد ـ حين أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، واصبحنا نساق كما تساق الأسارى، أن بنا هوانا على الله، وبك عليه كرامة»؟! فقد انصب على تفنيد تصور يزيد المحدود الفكر، والقصير النظر، الذي اعتبر أن الانتصار في الحرب دليل على كونه على حق، وعلى قربه من الله (تعالى)، وكرامته عنده (عز وجل)، فاستولت عليه نشوة النصر والظفر، وتضخم في نفسه الطغيان والتجبر والكبر. فشرعت في نسف هذا التصور الكاذب بمخاطبته (سلام الله عليها) باسمه الصريح لا بما غصبه من ألقاب تشير الى الخلافة أو الى إمرة المؤمنين، لتلفت انتباهه الى عدم اعترافها بخلافته. ثم استرسلت بوصفها لحالها، وأحوال من معها من العائلة المكرمة، وكيف أنهم كانوا في أشد الضيق، كمن أخذوا عليه -أي: منعوه- من جميع الجوانب وحاصروه من كل الجهات، فلم يتركوا له منفذاً للخروج من وضعه، ولا يمكنه التخلص مما هو فيه. ومن بعد التضييق والتشديد أصبحنا نساق كما تساق الأسارى الذين يأتون بهم من بلاد الكفر عند فتحها، في طابور واحد طويل، وقد كان جميع أفراد العائلة المكرمة، بما فيهم الإمام زين العابدين والسيدة زينب ( عليهما السلام ) مربوطين ومكتفين بحبل واحد!. فلا تظنن يا يزيد ونحن على هذا الحال من الضعف، أنه ليس لنا جاه ومنزلة عند الله، لأننا مغلوبون، وأنك على هذا الحال من القدرة و السيطرة، أن لك عند الله جاهاً وكرامة فمكّنك من الظفر بنا و النصر علينا، فقتلت رجالنا، وسبيت نساءنا! الى أن قالت:« فمهلاً مهلاً، أنسيت قول الله ( عز و جل ): « ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً ولهم عذاب مهين»(3). ومهلاً: أمهل، ولا تسرع، أي: تمهل يا يزيد، فالأمر ليس كما تعتقد وكما تتصور، فلا تعجل حتى نبين لك حقيقةً الأمر. فإن الله (تعالى) أعدل من أن يترك مجرماً بلا عقاب، ولا يقدم ظالماً الى الحساب، وإنما يُطيل للظالمين المدة والمجال، لا حباً بهم ولا خيراً لهم أو منه (سبحانه) إهمال، وإنما ليزداد إثمهم وليُملأ سجلهم بالمعاصي وقبيح الفعال، ليجزيهم يومئذ الله العادل المتعال، الخلود في العذاب الأليم والعقاب المهين وبئس المآل. وأما قولها:« ووشيكاً تشهدهم ولن يشهدوك »(4) أي: لا تطول أيام حياتك، و عما قريب سيزول ملكك، وسريعاً وعاجلاً ستموت، وتنتقل إلى عالم الآخرة، وبما أنك وأسلافك على شاكلةٍ واحدة من الكفر والعصيان ،والفجور والطغيان، فإنك لن تلبث طويلاً حتى تلحق بهم في جهنّم فتشهدهم في العذاب المهين، ولكنهم لا يرونك، أي: لا تجتمع معهم في مكان واحد؛ لأن جرمك قد فاق جرمهم أضعافاً مضاعفة، فتستحق عليه من العذاب الأشد، وسيكون مقرك في دركة أسفل منهم في طبقات نار جهنّم، فتراهم حين نزولك إلى ذلك المكان الأسفل، فتراهم ولكنّهم لا يرونك. وقد رُوي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال:« إنّ قاتل الحسين بن علي .. في تابوت من نار، عليه نصف عذاب أهل الدنيا، وقد شُدّت يداه ورجلاه بسلاسل من نار، مُنكّس في النار، حتى يقع في قعر جهنّم، وله ريحٌ يتعوّذ أهل النار إلى ربهم من شدّة نتنه، وهو فيها خالد ذائق العذاب الأليم، مع جميع من شايع في قتله، كلّما نضجت جلودهم بدّل الله (عز وجل) عليهم الجلود حتى يذوقوا العذاب الأليم، لا يُفَتّر عنهم ساعة، ويُسقَون من حميم جهنّم، فالويل لهم من عذاب الله تعالى في النار»(5) وقد تجلى العدل الإلهي في عبارتها الغاية في العمق والبلاغة «ووشيكاً تشهدهم ولن يشهدوك» بدقة بالغة حيث إنها لم تتعرض الى العدل الجزائي كما في عباراتها السابقة وحسب، بل و أشارت الى دقة العدل الالهي، حيث إن الله (تبارك وتعالى) وإن أدخل الظالمين والكافرين نار جهنم، إلا أنه لا يضعهم في دركة واحدة من دركات جهنم، بل يضع كلاً منهم في الموضع الذي يستحق من العذاب، والدركة التي تناسبه من العقاب. وأما دعاؤها (عليها السلام) على يزيد ومَن شاركه في ظلم آل رسول الله الطيّبين الطاهرين بقلبها الملتهب بالمصائب، حيث قالت:« اللهم خُذ بحقّنا، وانتقم من ظلمنا، واحلُل غضبك على من سفك دماءنا، ونقضَ ذمارنا، وقَتلَ حُماتنا، وهتك عنّا سدولنا»(6) فهو بحد ذاته قولٌ بعدل الله (عز وجل)،وإلا كيف يتوقع من غير العادل أن يقتص من الظالم وينتقم للمظلوم؟ وقولها (عليها السلام):«ولتردن على رسول الله بما تحمّلتَ من سفك دماء ذريّته، وانتهاك حرمته في لحمته وعترته، وليخاصمنك حيث يجمع الله (تعالى) شملهم ويلم شعثهم ،ويأخذ بحقهم »(7) أي سترِد على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم القيامة حاملاً على ظهرك من الجرائم العظام والمعاصي الجسام ما لا تحملها الجبال الرواسي، فيُخاصمك حينئذٍ على كل جريمة أشدّ أنواع الخصومة. وسيجمع الله (تعالى) آل الرسول الأكرم(صلى الله عليه و آله) عنده (عليه و آله أفضل الصلاة و أزكى السلام) في جبهة واحدة فيَشكو كلّ واحد منهم (عليهم السلام) إلى النبي الكريم كلّ ما لقيَ من الناس مِن عداءٍ وظلم . وقد جسد قولها (عليها الصلاة والسلام):«وحسبك بالله وليّاً وحاكماً، وبرسول الله خَصماً، وبجبرائيل ظهيراً»(8) العدل الإلهي بأوضح معانيه، وأجلى صوره، حيث أشارت الى عقد محاكمة عدل إلهية مكتملة الأطراف من أجل إنصاف المظلوم من ظالميه. فالله (تعالى) هو وليّ الدم، والآخذ بالثأر، لأن الإمام الحسين (عليه السلام) هو: وصيّ رسول الله، وسيّد أوليائه (عز وجل)، فمن الطبيعي أن يكون ( جل جلاله ) هو الطالب بثأره، والوليّ لدمه. وهو الشاهد لمصيبة قتل الإمام الحسين (عليه السلام)، وهو أيضاً القاضي والحاكم، وهو (سبحانه) يَعرف عظمة المقتول ظلماً، وهو يعلم أهداف ودوافع القاتل . وقد روي عن الصحابي ابن عباس أنّه قال: «لمّا اشتدّ برسول الله (صلى الله عليه وآله) مرضه الذي مات فيه، حضَرتُه وقد ضمّ الحسين إلى صدره، يسيل من عرَقه عليه، وهو يجود بنفسه ويقول: «ما لي وليزيد! لا بارك الله فيه، اللهم العن يزيد». ثمّ غُشيَ عليه طويلاً وأفاق، وجعل يُقبّل الحسين وعيناه تذرُفان ويقول: أما إنّ لي ولقاتلك مقاماً بين يدي الله»(9). وقولها (عليها السلام):«فلئن اتّخذتنا مغنَماً، لتجدُنا وشيكاً مغرماً حين لا تجد إلا ما قدّمت يداك، وأن الله ليس بظلام للعبيد، فإلى الله المشتكى وعليه المُعَوّل»(10) أي إنّك قد أمرت بأسرنا، وعاملتنا أنت وأعوانك معاملة السبايا والغنائم الحربيّة، ولكنك قريباً عاجلاً ستجد نفسك محاصراً بالمعاصي التي اقترفتها بحقنا، مُثقَلاً بالذنوب التي عليك دفع ضريبتها في محكمة العدل الإلهية، حيث تحاول الدفاع عن نفسك، ولكنك لن تجد معك إلا ما يُدينك من الجرائم الفظيعة والجنايات الشنيعة، فيحكم الله (تعالى) عليك بما قدمته يداك لأن الله ليس بظلام لعبيده، بل سِمتُه العدل، ولذا فإنما شكوانا من ظلمك وطغيانك إليه والاستعانة به. ومن العدل الإلهي أن الله (تعالى) قد يعجّل العقوبة على بعض المعاصي الكبيرة في الحياة الدنيا، وهذا ما أشارت إليه الصديقة الكبرى في قولها:« وأيّامك إلا عدد »(11) أي إنك سوف لن تمكث في هذه الدنيا طويلاً، إذ إن عمرك بعد قتلك للإمام الحسين (عليه السلام) ومن معه لن يكون إلا قليلاً. وبالفعل فقد أثرت جريمة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) تأثيراً سلبيّاً واضحاً في مقدار عمره، فقد جاء في التاريخ (أنّ يزيد عاش بعد فاجعة كربلاء سنتين وشهرين وأربعة أيام)(12) . وكما إن العدل الإلهي يقتضي أن يعاقب العاصي لعصيانه، و يعذب الطاغي لطغيانه، فإنه أيضاً يقتضي أن يجزى المحسن بالإحسان، و يثاب من أطاع الله (تعالى) بالخلود في الجنان. و يمكننا أن نلمس هذا المعنى في قولها (عليها السلام):« فالحمد لله الذي حَكَم لأولنا بالسعادة والرحمة، ولآخرنا بالشهادة والمغفرة » وليس عجباً أن تحمد الله (تعالى) الصديقةُ الصغرى، فقد قدّمت أخاها قرباناً لله (عز وجل) بعد أن رأته ذبيحاً من القفا، مقطعاً أوصالاً على رمضاء كربلاء، بكل صمود وإباء على الرغم من رقة قلبها العطوف، وحبها المنقطع النظير لأخيها الرؤوف. ومن يقرأ كلمات السيدة الطاهرة (عليها السلام) يجزم بأنها لم تكن تنظر الى الأحداث بعين ملكية كسائر البشر، بل إنها قد قرأت الأحداث بعينها الملكوتية كأولياء الله و من اصطفاهم، ولِمَ لا؟! وهي المعصومة بالعصمة المكتسبة، وهي العالمة غير المعلمة، ويتضح ذلك جلياً من قولها "الذي حكَم لأوليائه بالسعادة " فأي سعادةٍ يا مولاتي، وأجسادهم مقطعة الأعضاء، ورؤوسهم مرفوعة على القنا؟ لولا رؤيتك لباطن الأحداث وحقيقتها، و لعلها قصدت السعادة الأبدية. ولذا فلقد كان العدل الإلهي يتجسد أمام ناظريها بحيث إنها لم تكن ترى الجريمة إلا ورأت عقابها معها، ولم تكن ترى الظلامة إلا ورأت ثوابها معها؛ لإيمانها المطلق بالعدل الإلهي، فلا غرابة إذن إن تجلى العدل الالهي في كلماتها (سلام الله عليها) فلقد نبعت من قلبها الذي تجسدت فيه جميع العقائد الحقة، وتشكلت فيه جميع ما شاهدت وما رأت وما عانت ولكن بهيئتها الملكوتية . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف 595 (2) الروم 10 (3) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف : 596 (4) السيد محسن الأميني : لواعج الأشجان في مقتل الإمام الحسين (ع) ج1 ص225 (5) المجلسي : بحار الأنوار ج44 ص30 (6) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف ص597 (7) المصدر السابق ص598 (8) المصدر نفسه ، نفس الصفحة (9) المجلسي : بحار الأنوار ج44 ص266 (10) السيد محمد سعيد الحكيم : فاجعة الطف 598و599 (11) المصدر السابق ص599 (12) الطبري : تاريخ الطبري ج 4 ، ص37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
21672

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
85468

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
71588

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
57256

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 6 سنوات
49240

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47252

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
35990