تشغيل الوضع الليلي

توحيدية الطاعة

منذ سنة عدد المشاهدات : 2822

بقلم: علوية الحسيني
■تمهيد
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف خلق الله، محمّدٍ وآله ذوي السؤدد والجاه.
قال تعالى في محكم كتابه، وعظيم تنزيله: بسم الله الرحمن الرحيم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} (١) صدق الله العلي العظيم.
حينما أفاض الله سبحانه نعمه الظاهرة والباطنة على عباده، ومنحهم مقاماً عظيماً بين مخلوقاته، ووفر لهم سبل تحقيق التكليف وأنواعه، كان حريًا بالعبد شكر خالقه، وذلك بالامتثال لطاعته.
فما مدار طاعته لله تعالى، وما هي آلية الطاعة، والدليل عليها، وارتباطها بأصول الدّين، وآثارها الروحية؟
هذا ما سيتم بيانه ضمن المطالب التالية:
■المطلب الأول: مدار طاعة الله تعالى.
إنّ الإيمان هو عرى العقيدة، وعليه تدور طاعة الله تعالى مدار الرحى، فهو السكينة المبثوثة في قلوب المؤمنين، بدليل ما روي عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عَلَيهِ السَّلام) قَالَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ هُوَ الإيمَان" (٢).
ولتلك السكينة أو الإيمان ركنان لا ينفكان أبداً: اقرارٌ وعمل، بدليل ما روي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (عَلَيهِما السَّلام) قَالَ: الإيمَانُ إِقْرَارٌ وَعَمَلٌ..." (٣).
-فإن قيل: إقرارٌ بماذا وعملٌ بماذا؟
-قلنا: إقرارٌ بالشهادة لله تعالى بالألوهية، ولمحمدٍ (صلى الله عليه وآله) بالرسالة، والعمل بما يترتب على تلك الشهادة من طاعةٍ وتسليم، وتصديقٍ وتفويض لله، ولرسوله، ولمن يوصيان بطاعته، فعن جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ قَالَ سَأَلْتُ: أَبَا عَبْدِ الله (عَلَيهِ السَّلام) عَنِ الإيمَانِ؟ فَقَالَ: شَهَادَةُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله قَالَ قُلْتُ أَ لَيْسَ هَذَا عَمَلٌ قَالَ بَلَى قُلْتُ فَالْعَمَلُ مِنَ الإيمَانِ قَالَ لا يَثْبُتُ لَهُ الإيمَانُ إِلا بِالْعَمَلِ وَالْعَمَلُ مِنْهُ" (٤).
وبما أنّ المؤمن لا يكون مؤمناً فعلاً إلاّ إذا آمن بجميع أصول دينه، بمراتبها وشروطها -وأول أصول الدّين هو توحيد الله سبحانه، والتوحيد مراتب-، فيجب الإيمان بها جميعاً، ومن مراتبه: التوحيد في الربوبية، فالرب: " هو صاحب الإنسان ومدبر حياته ومخطط مساره، وخالقه"(٥).
فكما يؤمن العبد بأنّ الله واحدٌ أحد، يجب أن يؤمن أنّ مدبّر أمره هو الله سبحانه، والتوحيد في الربوبية على أقسام، منها التوحيد في الطاعة، فوجبَ على العبد أن يطيع ربّه ليكون مؤمناً موحدا.
وهذا الوجوب وجوبٌ عقلي، قبل أن يكون نقلياً -مما أشارت له الآية الكريمة-.
ومعنى الوجوب العقلي: هو أنّ العقل يحكم بوجوب طاعة الخالق المدبر، وهو أمرٌ حسن، والعقل يدرك الحسن من القبح، فيوجب على صاحبه كل ما هو حسن.
ووجوب الإيمان بالعقيدة يكون عن دليلٍ قاطع، وبرهانٍ ساطع؛ حتى يكون الإيمان راسخاً صلباً شامخاً، لا تعتريه الشكوك والظنون.
■المطلب الثاني: كيف أكون مطيعًا لله تعالى؟
عرفنا قبل قليل أنّ التوحيد في الربوبية أحد مراتب التوحيد، ولهذه المرتبة أقسام، منها التوحيد في الطاعة.
ومعنى التوحيد في الطاعة: هو افراد الله سبحانه بالطاعة أصالةً دون أن أشرك معه أحداً، وتلك الطاعة تتمثل بالامتثال للأوامر، والاجتناب عن النواهي الواردة في الشريعة المقدسة كتاباً وسنةً.
يقول الشيخ المفيد (قدّس سرّه): "فرائض الله جل اسمه لا تؤدى إلا بالطاعات في حدودها" (٦).
فالعقل يدرك قطعاً أنّ ذمته مشغولة بالتكاليف الإلهية، والقطع حجة عليه، لذا يجب على العبد الامتثال لتلك التكاليف افراغاً لذمته.
وأنّ الله تعالى الخالق لمخلوقاته الذي أخرجهم من كتم العدم إلى ساحة الوجود، هو المالك الحاكم لهم، المدبر لأمرهم، فالحاكمية تلازم الطاعة عقلاً؛ لأنّ حكومة الله تعالى بلا طاعة له تكون عبثًا ولغوًا - وتعالى عن ذلك علواً كبيراً-، ولهذا يلزم على المؤمن طاعة ربّه.
■المطلب الثالث: ما الدليل النقلي على طاعته تعالى؟
دلت آيات كريمة، وروايات شريفة، كثيرة، على طاعة الله تعالى، منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُم} (٧).
فالآية جاءت مخاطبةً المؤمنين بصيغة الأمر في مفردة (أطيعوا)، وصيغة الأمر ظاهرة في الوجوب كما هو متبادرٌ إلى الذهن.
ولو تتبعنا في سيرة محمدٍ وآل محمد (عليهم السلام جميعًا) لوجدناهم أشدّ الناس امتثالاً لطاعة الله تعالى في السراء والضراء، والشدة والرخاء، رغم عصمتهم وضمان دخولهم الجنة، إلاّ أنّهم وجدوا الله أهلاً للطاعة فأطاعوه، وهم خير مثالٍ وقدوة لمن أراد الاقتداء، فمن أطاعهم فقد أطاع الله تعالى.
■المطلب الرابع: الارتباط الوثيق بين أصول الدّين وطاعة الله تعالى.
إنّ الاعتقاد بلزوم طاعة الله تعالى له ارتباطٌ وثيق بالإيمان بجميع اصول الدّين.
•فوجه ارتباطه بأصل التوحيد قد عرفناه من خلال الترابط بين مراتب التوحيد.
•ووجه ارتباطه بالعدل الإلهي هو أنّه تعالى لا يحيف في حكمه، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي.
•أما وجه ارتباطه بالنبوة فيتضح من خلال الإيمان بشخص النبي (صلى الله عليه وآله) الذي يدلنا على التكاليف، وقوله وفعله وتقريره.
•ووجه ارتباطه بالإمامة كذلك، فيلزم طاعة الله تعالى بما يلزم منه الإيمان بشخص الإمام والنص على إمامته.
•ووجه ارتباطه بالمعاد فيتضح من خلال أداء العبد للتكاليف الإلهية ونيله الجزاء في يوم المعاد.
■المطلب الخامس: آثار طاعة الله تعالى.
مما تجدر الإشارة إليه هو أنّ هناك آثاراً روحية تترتب على الإيمان بلزوم طاعة الله تعالى، منها:
١- القرب من الله (عزّ وجل).
٢-النجاة من الهلكة.
٣- نزول الرحمة والسكينة.
٤- حياة القلوب.
٥-دحض الشيطان.
٦-مراقبة النفس وتهذيبها.
٧-إشاعة روح تطبيق معالم الشريعة بتسليمٍ مطلق.
ومن هنا حريٌّ بنا طاعة الله تعالى، والاتكاء على جدار الأسف؛ حزناً منّا على ما فرّطنا في طاعته سبحانه، والتمسك بتعاليمه، ففي ذلك الفلاح والصلاح.
_______________
(١) النساء: ٥٩.
(٢) الكافي: للشيخ الكليني، ج٢، ب١٠، ح١.
(٣) المصدر نفسه، ب١٤، ح٢.
(٤) المصدر نفسه، ب١٨، ح٦.
(٥) الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل: للشيخ السبحاني، ج٢، ص٧٩.
(٦) أوائل المقالات: للشيخ المفيد، ص١١٩-١٢٠.
(٧) النساء: ٥٩.
اللّهم ألهمنا طاعتك، وجنّبنا معصيتك، ويسّر لنا بلوغ ما نتمنى من ابتغاء رضوانك، وأحللنا بحبوحة جنانك، بلطفك ومغفرتك ورحمتك.

اخترنا لكم

تنميةٌ في الذات/ الجميعُ يُريدُ الإصلاح!

أ.د. سعيد غني نوري نظرية النافذة المكسورة: أجرى فيليب زمباردو ــ وهو عالمُ نفسٍ واجتماع ــ تجربةً في عام 1969، أصبحت فيما بعد واحدةً من أشهر التجارب في دراسات علم الجريمة بشكلٍ خاص وفي العلوم الاجتماعية على نحوٍ عام. فقد قام العالمُ بترك سيارتين بأبوابٍ مفتوحةٍ ولوحات أرقام مفقودة في منطقتين مختلفتين: إحداهما في حيٍ فقير، والأخرى كانت في حيٍ غني. بدأ المارة في الحي الفقير بسرقة وتخريب السيارة في بضعِ دقائق، وتمَّ تدميرها بالكامل في غضون ثلاثة أيام! تطلّب الأمر وقتًا أطول للمارةِ في المنطقة الغنية لبدء تدمير السيارة، مما أرغم زمباردو على التدخل بكسرِ إحدى نوافذ السيارة، فبدأ الناس بكسر المزيد من النوافذ وسرقة السيارة، واستغرق الأمر وقتًا مشابهًا للوقت الذي استغرقه في الحي الفقير لتحويل السيارة بالكامل إلى خردة في بضعة أيام. وفي عام 1982، تابع عالمان آخران دراسة الباحث زمباردو وملاحظاته عن طريق إجراء دراساتٍ مماثلةٍ على مبانٍ وممتلكاتٍ أخرى في مناطقَ مختلفة، واستحدثا نظريةً أطلقا عليها "نظرية النافذة المكسورة"، والتي تمَّ اقتباسها في العديد من دراساتِ وكتبِ علم الاجتماع. تتلخصُ النظرية: بأنَّ إهمال معالجةِ أيِّ مشكلةٍ في بيئةٍ ما - بغض النظر عن صغر حجمها- سيؤثرُ على مواقف الناس وتصرفاتهم تجاه تلك البيئة بشكلٍ سلبي مما يؤدي إلى مشاكل أكثر وأكبر. والعكسُ صحيحٌ أيضًا، فمعالجةُ المشاكل الصغيرة في وقتٍ سريع سيؤدي إلى بيئةٍ أفضل وسلوكٍ أحسن. مما يُثير الاهتمام في هذه الدراسات، أنَّ الأشخاص الذين قاموا بالتخريب المتعمد للسيارات والمباني لم يكونوا مجرمين، وكان معظمهم من عامة الناس والمواطنين الملتزمين بالقانون! ورغم ذلك فإنَّ النافذة المكسورة أرسلت رسالةً خفيةً لهم توحي بأنَّ لا أحد يهتم، وعلى الأرجح لا توجد عواقب لإتلاف ما تمَّ كسره أصلًا. تخيّل أنَّ هناك فنجانًا مكسورًا في منزلك، هل سيكونُ هناك أيَّ عواقب لكسره أكثر؟ أو هل ستكون حريصًا على ألّا يتدمر عند رميه في صندوق القمامة؟ بالإمكان تطبيق هذه النظرية على العديد من مجالات الحياة الأخرى. فمثلا: *إذا ترك أحدهم بعض القمامة في حديقة عامة، ولم تتم إزالة تلك القمامة في وقتٍ معقول، ولم تُطبَّق أية عقوباتٍ على من رماها، فإنَّ ذلك سيؤدي إلى قيام أشخاصٍ آخرين بنفس الفعل في الحديقة ذاتها وفي غيرها وستتحول الحدائق إلى مكبّات قمامة ينفر الزوار منها كما هو الحال اليوم في بعض المنتزهات العامة. *وإذا سمح معلمٌ لأحد الطلاب بالغش في امتحان مادةٍ ما، فسيكون الغش مقبولًا في امتحاناتٍ أخرى ومن طلابٍ آخرين في جميع مستويات التعليم. *وإنْ لم تُصلح تسريبًا صغيرًا للزيت في سيارتك، فسيؤدي ذلك إلى تعطل المحرك بالكامل. *وفي المنزل، إذا كنت لا تغسل الأطباق بعد الأكل مباشرةً، فسيؤدي ذلك إلى تراكمها وربما إلى مشاكلَ صحيةٍ كبيرة في المستقبل. *وقد يؤدي خلافٌ صغيرٌ مع شريك حياتك إلى مشاكلَ أكبر تنتهي إلى الانفصال والتفكك الأسري الذي قد يستمر تأثيره إلى عدّةِ أجيال. *السكوت عن الباطل، عندما يُفتي شيخ عشيرة بما يُنافي الشرع أو القانون، فهو ينافي الإصلاح ... *عدم مشاركتنا في تغيير الوجوه الكالحة بالطريقة الديمقراطية والسلمية المشروعة فهذا ينافي الإصلاح ... *والخلاصــــة: أنَّ تجاهلَ المشاكلِ الصغيرة اليوم سيؤدي إلى مشاكلَ أكبر بكثير في المستقبل! وفي الواقع، إنَّ العديد من القضايا الصحية والبيئية والاجتماعية والسياسية والثقافية التي نواجهها في يومنا هذا، كانت نتاجَ تراكماتٍ لأفعالٍ وسلوكياتٍ وظروفٍ خاطئة صغيرة تمَّ تجاهلها من قبل الجميع وعدم معالجتها في الماضي. *لذا نرجو من الجميع محاولة إصلاح النوافذ المحطمة في حياتنا؛ ليحظى أطفالنا وشبابنا والأجيال القادمة بمستقبلٍ أفضل وننعم بحياةٍ أكثر استقرارًا.

اخرى
منذ سنة
940

مثلثُ الشعيرةِ الشعبانية الحلقة الأولى

بقلم: علوية الحسيني إنّ هذه المناسبةَ المقدّسةَ التي هي من شعائرِ اللهِ (تعالى) ينبغي علينا إحياؤها دومًا بما يليق وقدسيتها، انطلاقًا من يومِ الخامس عشر من شعبان المُعظّم. الشعيرةُ: هي كُلُّ عملٍ يكونُ مظهرُه الجزعَ على مصابِ الأئمةِ (عليهم السلام)، أو يكونُ مَظهرًا لمواساتهم في مظلومياتهم، أو مظهرًا من مظاهرِ الفرحِ لفرحِ آلِ مُحمّدٍ (عليهم السلام). وذكرُنا لذلك هو نوعٌ من إحياءِ الشعائِرِ من وجهٍ ونوعٌ من التمهيدِ لإمامِ الزمان (عجّل الله فرجه الشريف) من وجهٍ آخر، يقولُ اللهُ (تعالى) في مُحكمِ كتابه الكريم: {وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب}(1). *وهنا سؤالٌ: كيفَ نُحيي شعيرةَ ذكرى ميلادِ الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)؟ هل يكفي اطلاعُنا على الأدوارِ التي قامَ بها الإمام أو عبادته أو تعامله؟ أم هل يكفي الحُبُّ القلبي له (عجّل الله فرجه الشريف)؟ الجواب: كُلُّ ذلك لا يكفي استقلالًا؛ بل لإحياءِ تلك الشعيرةِ مُثلثٌ مُرتبطٌ رأسه بقاعدته، لا بُدّ من تحقيقِها جميعًا؛ فرأسُه المعرفةُ بالإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف)، وقاعدته: حبّ الإمام, والعمل بأوامره. 1/ مـــعرفةُ الإمامِ: نبدأ برأسِ الهرم الذي هو معرفةُ الإمامِ (عجّل الله فرجه الشريف)، والأدلةُ على وجوبِ معرفةِ الإمامِ عديدةٌ نذكرُ البعضَ منها: أولًا: الدليلُ القرآني: والأدلةُ القرآنيةُ على ذلك عديدةٌ، منها: قول الله (تعالى): {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}(2). "فأوجبَ معرفةَ الأئمةِ من حيث أوجبَ طاعتَهم، كما أوجبَ معرفةَ نفسِه، ومعرفةَ نبيّه – (عليه وآله السلام)- بما ألزمَ من طاعتهما"(3)؛ أيّ إنّي إذا لم أعرفِ الإمامَ لا أُطيعه، فالمعرفةُ أولًا، ثم تتفرّعُ منها الطاعة. تمامًا كما هو الحالُ في طاعةِ اللهِ (تعالى)؛ فإذا لم أعرفْه كيفَ أطيعه؟! ثانيًا: الدليلُ الروائي: أ) عن زرارة قال: "قلتُ لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفةِ الإمامِ منكم، واجبة على جميعِ الخلق؟ فقال: إنّ اللهَ (عز وجل) بعثَ محمدًا (صلى الله عليه وآله) إلى الناسِ أجمعين رسولًا وحجةً للهِ على جميعِ خلقِه في أرضِه، فمن آمنَ باللهِ وبمُحمّدٍ رسولِ الله واتبعه وصدّقه فإنَّ معرفةَ الإمامِ منّا واجبةٌ عليه، ومن لم يؤمنْ باللهِ وبرسولهِ ولم يتبعه ولم يُصدِّقْه ويعرفْ حقَّهما فكيفَ يجبُ عليه معرفةُ الإمامِ وهو لا يؤمنُ باللهِ ورسولِه ويعرف حقَّهما؟!"(4). ب) الدُعاءُ المروي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "اللَّهُمّ‏ عَرّفْني حَجّتَكَ فَإنَّكَ إن لَمْ تُعرّفْني حُجّتَكَ ضَلَلْتُ عَن ديْني"(5)، فمن لم يعرفْ إمامَ زمانِه ضالٌ، تائهٌ، لا يعرفُ عقيدةً حقّةً، ولا فقهًا مُستدلًا عليه، ولا أخلاق إلهية؛ لأنّه لم يمسكْ بحبلِ اللهِ المتين، محمدٍ وأهل بيته الطاهرين. ج) عن الإمام الصادق (عليه السلام): "من باتَ ليلةً لا يعرفُ فيها إمامَه ماتَ ميتةً جاهلية"(6)، فالحديثُ يصفُ من لم يعرفْ إمامَ زمانِه بأنّه جاهلٌ، والعقلُ يحكمُ بوجوبِ رجوعِ الجاهلِ إلى العالم، ومخزنُ علمِ اللهِ (تعالى) هم مُحمّدٌ وآله (عليهم السلام)؛ فنُلاحظُ عظمةَ معرفةِ الإماِم (عجّل الله فرجه الشريف)، وما يترتبُ على الجهلِ بها، فضلًا عن جحدها ولهذا عُدَّتْ رأسًا لهرمِ إحياءِ الشعيرةِ الشعبانية. *وهنا سؤالٌ مهمٌ: كيف أعرفُ إمامَ زماني؟ الجوابُ باختصار: إنّ لمعرفةِ الإمامِ درجاتٍ، أدناها ما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وأدنى معرفةِ الإمامِ أنّه عدلُ النبيّ إلا درجةَ النبوةِ ووارثِه، وإنّ طاعتَه طاعةُ اللهِ وطاعةُ رسولِ الله، والتسليمُ له في كُلِّ أمرٍ والردّ إليه والأخذ بقوله"(7). فالحديثُ يستبطنُ ثلاثةَ أمورٍ هي: (معرفةُ الإمام، والتسليمُ القلبي بالمحبّةِ له، والعملُ بقوله)، وهي عينُ المُثلثِ الذي أشرنا إليه أعلاه. والكتبُ المهدويةُ كفيلةٌ ببيانِ معرفةِ الإمام، وآدابِ انتظاره، وعلاماتِ ظهوره، وجميعِ تفاصيلِ قضيّته، من شاءَ زيارة مركزِ الدراساتِ التخصُصيةِ في الإمامِ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) لقراءةِ الكتبِ الموثوق فيها. نعم، هناك عدّة أمورٍ مهمةٍ ينبغي معرفتُها، منها: 1- إنّ الإمامَ المهدي (عجّل الله فرجه الشريف) مُنَصَّبٌ كإمامٍ بجعلٍ إلهي -كما هو حالُ أجدادِه (عليهم السلام)-؛ قال (تعالى): {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا}(8). 2- إنّ اسمه (عجّل الله فرجه الشريف) هو مُحمّد؛ كما رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "الخَلَفُ الصالحُ من ولدي وهو المهدي اسمُه مُحمّدٌ وكُنيتُه أبو القاسم يخرجُ في آخرِ الزمان"(9). 3- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) من ولدِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)؛ كما رويَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "والأئمةُ التسعةُ من ولدِ الحُسينِ تاسعُهم مهديُّهم وقائمُهم"(10). 4- عصمتُه (عجّل الله فرجه الشريف) لخوفه الشديدِ من ربِّ الأرضِ والسماوات، فكانَ ورعًا لا يقترفُ المعاصي، ولا يتركُ الواجباتِ –كأجدادِه (عليهم السلام)-. 5- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) حاملُ عرشِ اللهِ (تعالى) –أي حاملُ علمِ الله-؛ لأنّه أولُ من نطقَ بالربوبيةِ للهِ (تعالى) في عالمِ الذرّ بعدَ النبيّ مُحمّدٍ وأهلِ بيتِه (عليهم السلام)؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: حينَما سُئلَ عن آيةِ {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء}(11) وعلم أنّ هناك من يقولُ إنّ العرشَ كانَ على الماءِ والربّ فوقه، فقال: "كذبوا، من زعمَ هذا فقد صيّرَ اللهَ محمولًا ووصفَه بصفةِ المخلوقِ ولزمَه أنّ الشيءَ الذي يحملُه أقوى منه،... إنّ اللهَ حملَ دينَه وعلمَه الماءَ قبلَ أنْ يكونَ أرضٌ أو سماءٌ أو جنٌ أو إنسٌ أو شمسٌ أو قمر، فلمّا أرادَ اللهُ أنْ يخلقَ الخلقَ نثرَهم بينَ يديه فقالَ لهم: من ربُّكم؟ فأولُ من نطق رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وأميرُ المؤمنين (عليه السلام) والأئمةُ (صلوات الله عليهم) فقالوا: أنتَ ربُّنا، فحمّلَهم العلمَ والدين، ثم قالَ للملائكة: هؤلاءِ حملةُ ديني وعلمي وأُمنائي في خلقي وهم المسؤولون"(12). 6- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) وارثُ الأنبياءِ والأوصياءِ (عليهم السلام)؛ حيث إنّه ورثَ الكتبَ الصحيحةَ من التوراةِ والإنجيلِ والزبور، رويَ عن الإمامِ الباقر (عليه السلام): "إذا قامَ قائمُ أهلِ البيتِ...يستخرجُ التوراةَ وسائرَ كتبِ اللهِ (عز وجل) من غارٍ بأنطاكية، ويحكمُ بينَ أهلِ التوراةِ بالتوراة، وبينَ أهلِ الإنجيلِ بالإنجيل، وبينَ أهلِ الزبورِ بالزبور"(13). مثلما ورثَ عصا موسى وتابوتَ آدم (عليهما السلام)؛ رويَ عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عصا موسى...هي وتابوت آدم في بحيرةِ طبرية، ولن يبليا، ولن يتغيّرا حتى يُخرجهما القائمُ (عليه السلام) إذا قام"(14). فضلًا عن أنّه ورثَ قميصَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، روي عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: "ألا أُريكَ قميصَ القائمِ الذي يقومُ عليه؟ فقلتُ: بلى. قال: فدعا بقمطر((4)) ففتحه وأخرجَ منه قميص...فقال: هذا قميصُ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)...وفيه يقومُ القائم"(15). 7- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) مُسدّدٌ بروحٍ من اللهِ (تعالى)، روي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "عن أبي بصير قال: "سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عز وجل): "يسألونك عن الروحِ قُلِ الروحُ من أمرِ ربّي" قال: خلقٌ أعـــظمُ من جبرئيل وميكائيل، كانَ مع رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وهو مع الأئمةِ، وهو من الملكوت"(16). 8- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) أفضلُ وأحكمُ وأعلمُ الأئمةِ من بعدِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام)؛ روي عن سلمان قال: "كُنّا مع رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) والحُسينُ بن علي (عليهما السلام) على فخذه إذ تفرّسَ في وجهه. وقال: يا أبا عبد الله أنت سيّدٌ من سادة وأنت إمامٌ ابن إمامٍ أخو إمام، أبو أئمةٍ تسعة تاسعُهم قائمُهم إمامُهم أعلمُهم أحكمُهم أفضلُهم"(17). 9- إنّه (عجّل الله فرجه الشريف) يُظهِرُ الأحكامَ الواقعية، ويُهذّبُ الدينَ من البدع؛ كما نقرأُ في دعاءِ العهدِ المروي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "واجعله اللهمَّ... ومُجدِّدًا لما عُطِّلَ من أحكام كتابك"(18). تُرى، هل تكفي معرفتُنا بالإمامِ لإحياءِ ذكره؟ الجواب: لا، والتفصيلُ يأتي لاحقًا إنْ شاء الله (تعالى). _____________________ (1) سورة الحج: 32. (2) سورة النساء: 59. (3) الإفصاح: للشيخ المفيد, ص28. (4) الكافي: للشيخ الكليني, ج1 باب معرفة الإمام والرد عليه, ص80-181, ح3. (5) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب في الغيبة , ص342, ح29. (6) الغيبة: للشيخ النعماني، ج1، ب4، ص124، ح1. (7) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج36, ص407. (8) سورة الأنبياء:73. (9) كشف الغمة: للإربلي, ج3, ص275. (10) عيون اخبار الرضا: للشيخ الصدوق, ج2,ص60, ح25. (11) سورة هود: 7. (12) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب العرش والكرسي, ص133, ح6. (13) الغيبة: للشيخ النعماني, ج1, باب13, ص241, ح26. (14) مصدر سابق, ج1, باب13, ص241, ح27. (15) مصدر سابق, ج1, باب13, ص248, ح41. (16) الكافي: للشيخ الكليني, ج1, باب الروح التي يسدد الله بها الأئمة عليهم السلام, ص273, ح3. (17) مقتضب الأثر: لأحمد بن عياش الجوهري, ص9. (18) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج53, ص96. اللّهم عرّفني حجّتك؛ فإنّك إنْ لم تُعرّفني حجّتكَ ضللتُ عن ديني.

دراسات مهدوية
منذ 5 أشهر
273

انتصار الألم

بقلم: أم قنوت يعتبر الألم بنوعيه: العضوي والنفسي، إحساسًا مزعجًا وتجربة عاطفية هدفها لفت الانتباه لمشكلةٍ ما، تحتاج الى علاج، كما يُعَدّ الألم جزءًا من منظومة السعادة أو النصر؛ فولادة طفل تأتي بعد تحمّل مقدار من الألم، وكذا النجاح في الدراسة أو العمل، وغيرها من الانتصارات الشخصية التي لا تخلو من تحمّل جزء من الألم. يذكر كتاب (١٥ قانونًا لا يُقدَّر بثمن للنمو) لجون ماكسويل: نتمكّن في كل مرة نواجه فيها تجربة مؤلمة من معرفة أنفسنا، فالألم قادر أن يتركنا على ما نحن عليه، أو يُحدث تغييرًا عن طريق اتخّاذ الشخص المتألم قرارات تؤدي إلى النجاح، أما السر في ذلك فهو بالكيفية التي نواجه فيها الألم، فكلّنا يعيش تجربة مؤلمة لا يتمنى أن يمرّ بها، ولكن قلّة منّا مَن يستطيع أن يحوّل الألم الى نصر. تُرى كيف واجهَت السيدة زينب (عليها السلام) ألمها بقوة؟ فقد عاصرَتْ (عليها السلام) يومين؛ يوم ألمٍ حُزَّ فيه نحر النبوّة من القفا، ويوم نصرٍ صدحَت فيه حنجرتها في مجلس يزيد فقالت: فوَ اللهِ ما فَرَيتَ إلاّ جِلْدَك، ولا جَزَزْتَ إلاّ لحمك.. فهي (عليها السلام) شريكة نصر إمام زمانها (عليه السلام) وامتداد للنهضة الحسينية. وإذا ما حاولنا التعرّف على بعض الأسباب التي جعلتها قادرة على تحويل ألمها في كربلاء الى نصر في مجلس يزيد (عليه اللعنة)، فسنجد أن العوامل كثيرة ومتضافرة فيما بينها، أنتجت شخصيةً فذّة بقوة وصلابة السيدة زينب (عليها السلام)، لكننا سنحاول حصرها في عاملين: ١-الوراثة والبيئة المحيطة: فأغلب الصفات تنتقل من الأجداد والآباء، أما بالوراثة المباشرة، أو بخلق الاستعداد والقابلية للاتصاف بهذه الصفة أو تلك، ثم يأتي دور المحيط التربوي ليقرر النتيجة النهائية للشخصية (١)، وما سلوك وأخلاق مَن تنتسب السيدة زينب (عليها السلام) اليهم وتربت في حجورهم بخافٍ على من يملك البصيرة، فقد ضربوا أمثالاً في الصبر والإيثار والخُلُق الحَسَن، حصنّوا الدين بتضحياتهم الجسيمة، وثبّطوا كل مؤامرات الغدر. ٢-الإيمان: سُئلَ أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الإيمان فقال: الإيمان على أربع دعائم: على الصبر واليقين والعدل والجهاد... (٢) ليس صبر السيدة زينب (عليها السلام) إلّا مثلاً يُحتذى وعَلَماً يهتدي به المهتدون، وتمثّل يقينها لها بصورة ملكوتية أخرست لسان طاغية زمانها عندما قالت (عليها السلام): ما رأيت إلّا جميلاً، ليرسم عدلها المتمثّل بالعلم والحكمة الربانيّة صورةً مغطاة بحجابٍ خارجي وآخر داخلي يعصمها عن الاقتراب من المعصية، مما جعل منها مجاهدةً في ساحة حرب خالية من صليل السيوف، فكلماتها في مجلس يزيد كانت أحدّ وأدقّ من سهام حرب اخترقت حاجز الظلم، وانغرسَتْ في ذاكرة التاريخ. لذا، وبسبب هذين العاملين وما سواهما ممّا لم يُذكر في هذه العجالة، استطاعت السيدة زينب (عليها السلام) أن تتخذ موقفاً إيجابيًا من الحدَث نفسه، ولم تسمح لألمها أن يثبّط من عزيمتها، فتحملّت مسؤولية الجهاد عن معتقداتها مستغلة فرصة تواجدها في مجلس طاغية زمانها، لتبقى أيقونة لانتصار الألم على مر العصور. ______________ ١-الضبط النفسي للإمام الحسين (عليه السلام) في معركة الطف، أ. د حاتم جاسم عزيز، م. مريم خالد مهدي ٢-نهج البلاغة، الجزء ٤.

اخرى
منذ سنة
679

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
100853

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
97226

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
54674

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52393

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
51596

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
50626