تشغيل الوضع الليلي

لنكن من الموالين قولاً وفعلاً

منذ 3 سنوات عدد المشاهدات : 1131

منذُ تلك اللحظةِ التي تعالَت فيها صَيحاتُك الأولى، أوَّلُ ما أنصتتْ له أُذُناك الصّغيرتان "أشهَدُ أنَّ عليًّا وليُّ الله" فَـ هل ما زلتَ شاهدًا إلى اليوم؟
هل مازال عليٌّ ولياً لأفعالك وتصرّفاتك وحتى أفكارك؟ أم استحوَذَت عليك شِباك العناكبِ المُتناثرة؟

أن تكون مواليًا لعليٍّ فهذا يعني أن تتحلّى بصفاته وتنتهج نهجه، أن تمضي على طريقِ الحقِّ وعلى بصيرةٍ من أمرك. لا تغريك شوائب الدُّنيا وملذّاتها.

أن تكون مواليًا يعني أن تعِي أفعالك جيّدًا، وتُثمِّن كلّ كلمة تخرج من فيكَ ولا تسمح لأبغض الأفكار أن تجد طريقها إلى عقلك.

أن تكون مواليًا يعني أن تقف في وجهِ الظلم وتنصر كلّ مظلوم، أن لا ترتضي رؤية الفقر وتحارب من أجل الصّلاح.

أن تكون مواليًا يعني أن تجرَّ رِجلَيكَ على صراط الحكمة، أن ترفض العيش في ظلام الجَهل، أن تطرق باب العلم بعليٍّ كي تعلو.

ولاية عليٍّ ليست مجرّد قول تردّده في كلّ صلاة، بل هي بَيعة وعهد تقطعه على روحك خمس مرّاتٍ يوميًّا.. فكيف لك أن تنساه؟

قال (عليهِ السّلام): "أفضلُ الأمانةِ الوفاءُ بالعهدِ"..
فمتى ستقفُ لتشهدَ حقًّا بـ أنَّ عليًّا وليُّك!
هدى الحسيني

اخترنا لكم

رِحلةٌ عبرَ الزمن...

بقلم: خادمة الزهراء (عليها السلام) ها هي أيامُ تنصيبِ سُلطانِ الزمانِ قد أقبلتْ، ورياحينُ الشوقِ داخلَ قلبي أزهرتْ، لقد اشتقتُ كثيرًا إلى أميري، وكم تمنّيتُ أنْ أكونَ حاضرةً في ذلك اليومِ العظيم، اليوم الذي أصبحَ فيه عليٌ أميري، فقرّرتُ أنْ أُسافرَ عبرَ الزمن إلى حيث رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وحبيبه علي (عليه السلام)، جهّزتُ سفينتي بشِراعِ التكبيرِ والتهليل، ووقودُها التسبيحُ والاستغفارُ والصلوات، وكانَ بخاطري أنْ أتعرّفَ على شخصِ ذلك الأميرِ الذي هِمْتُ بهِ حُبًا دونَ أنْ أراه ببصري ولكنّي رأيتُه ببصيرتي، فاشتاقتْ إليه في كُلِّ آن.. لقد بدأتُ الرحلةَ وكانَ أولُ مسراي إلى حيثُ كانتْ أُمّهُ تحملُه في أحشائها وهالةٌ وضّاءةٌ من النورِ قد طوّقتْها، أراها بكُلِّ هيبتِها وجلالِها ووقارِها تطوفُ حولَ جُدرانِ الكعبة، وتماثيلُ الحجارةِ حولَها والناسُ يعكفونَ عليها، ولكنّها لم تأبهْ بتلك التماثيلِ مِثلهم! يبدو أنّها تعرفُ ربًّا يختلفُ عن أربابِهم، فها هي بينَ دُعاءٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ وتحميدٍ لمن بيدهِ مقاليدُ الأُمور.. نعم، كانتْ تعبُدُ اللهَ الواحدَ الأحد.. على ما يبدو أنّ ساعةَ وضعِ وليدِها قد اقتربتْ، إنّها تدعو ربَّها بتيسيرِ ولادتِها، وها هي تُقِرُّ بعبوديتِها لله (سُبحانه): «ربِّ إنّي مؤمنةٌ بكَ وبما جاءَ من عندِك من رُسُلٍ وكُتُب، وإنّي مُصدِّقةٌ بكلامِ جدّي إبراهيمِ الخليلِ، وأنّه بنى البيتَ العتيق، فبحقِّ الذي بنى هذا البيت، وبحقِّ المولودِ الذي في بطني، لما يسّرْتَ عليّ ولادتي». يا الله! ماذا يَحدُثُ؟! إنّ جدارَ الكعبةِ ينشقُّ، النورُ من فاطمةَ قد علا إلى أُفُقِ السماء، إنّها تدخُل بيتَ اللهِ (تعالى) من حيثُ انشقّ الجدار، الجدارُ ينغلقُ عليها، والحيرةُ قد بدتْ على القومِ إلا شخصين كُنتُ أراهما من بعيدٍ، الاطمئنانُ والسرورُ قد بدا على مُحيّاهما.. إنّهما رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وعمُّه أبو طالب زوجُ فاطمة (عليهما السلام).. بعد انتظارِ ثلاثةِ أيامٍ ها هو الجدارُ يُفتَحُ، إنّها فاطمةُ وبيدِها وليدُها! ما أعظم هذا الوليد، فقد وِلدَ في أطهرِ بُقعةٍ من الأرض! تعالتْ أصواتُ التمجيدِ للهِ (سُبحانه) مِنَ الذي كانتِ الابتسامةُ قد غَمرتْ مُحيّاه، أخذَ الوليدَ، قبّلَه وضمَّه إلى صدرِه ومدَّ لسانَه في فمِه وسمّاهُ عليًا.. يا إلهي.. لقد نَفدَ الوقودُ.. أحتاجُ إلى عددٍ من تسبيحاتِ فاطمة وصلواتٍ مُحَمّديةٍ أُخرى لكي أَعبُرَ إلى المَحلِ التالي... يا إلهي.. أينَ أنا؟! هذا غارٌ خالٍ من الناسِ.. لا أرى هُناك إلا نورين عظيمين كأنّهما الشمسُ والقمر! اقتربتُ أكثر وإذا بهما شخصين أحدهُما شابٌ يُقارِبُ الأربعين من العُمرِ عليه هيبةُ وجلالُ الأنبياء، وفتىً يجلسُ بين يديه بِكُلِّ أدبٍ واحترامٍ.. ما هذا النورُ الذي يَهبِطُ من السماءِ ويُكلِّمُ هذا الشاب؟ يبدو أنّ اللهَ (تعالى) قد اختارَ هذا الرَجُلَ نبيًا ورسولًا إلى قومِه، فلا يُمكنُ أنْ يتركَ اللهُ (تعالى) هؤلاءِ القومَ بلا مُرشِدٍ ومُصلِح، وهذا الفتى الذي خلفَه كانَ يسمعُ كُلَّ شيءٍ.. يبدو أنّه وصيُّه.. مرّتِ الأيامُ، واجتمعَ الناسُ في بيتِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله)، ماذا يفعلُ الرسولُ بدعوةِ هؤلاءِ الأشخاص إلى بيتِه؟! دَخلتُ المَنزِلَ وإذا بالرسولِ يبدأُ دعوتَه إلى قومِه لعبادِة اللهِ (سبحانه) وحده وتركِ عِبادة الأوثان... الرسولُ (صلى الله عليه وآله) يطلبُ منهم مَنْ يؤازرُه على أمرِه ويكونُ خليفتَه من بعدِه، لم ينهضْ أحدٌ منهم إلا ذلك الفتى الذي كانَ يُلازمُه طوالَ الوقت، إنّها المرّةُ الثالثةُ.. رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يدعوهم ولا يُجيبون! يا لِهؤلاء القومِ الجاحدين... أرى رسولَ الله (صلى الله عليه وآله) تَبَسّمَ وأخذَ برقبةِ عليٍ(عليه السلام) وقال له: إنّ هذا أخي، ووصييّ، وخليفتي فيكم؛ فاسمعوا له وأطيعوا" بدأتُ أزيدُ وقودي وأعبُرُ المَحَلَّ بعدَ الآخر، وأتجوّلُ بين الوقائِع حتى مررتُ على بدرٍ فلم أرَ شُجاعًا وفارسًا مِقدامًا وفاديًا لدينِه ونبيّه أعظمَ من عليٍ هذا الفتى البطل الهُمام، فها هو يُجندِلُ الفُرسانَ في معركةٍ بعدَ الأُخرى، والرسولُ (صلى الله عليه وآله) يُحيّيه ويدعو له ويُقبِّلُ ما بين عينيه، ويرفعُ يديه بالدُعاء له.. أبهرتني شجاعتُه؛ ففي يومِ الخَندقِ حيثُ أقبلَ ذلك الفارسُ الضخمُ (عمرو بن ودّ العامري) يدعو المسلمين لِلنزال لم يجرؤ أحدٌ على مُبارزتِه إلا علياً... برزَ إليه والرسولُ (صلى الله عليه وإله) يقول: "بَرزَ الإيمانُ كُلُّهُ إلى الشركِ كُلِّه" لقد ضربَه ضربةً كَسرتْ كبرياءه، وأرعبَتْ جيشَه، وأسقطتْه صريعًا على الأرضِ، فعَلَتْ أصواتُ جيشِ المسلمين بالتكبير، اللهُ أَكبَر، أللهُ أكبر، وإذا بمقولةٍ أُخرى لِرسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "ضربةُ عليٍ يومَ الخندق أفضلُ من عبادةِ الثقلين" وصلتُ إلى حيثُ خيبر والقومُ يفرّون، ولا أحدَ يستطيعُ الوصولَ إلى بابِها، فمرحبُ وأخوه الحارثُ يَحرُسانها مع جيشٍ كبيرٍ من اليهودِ، والمسلمون يفِرّون الواحد بعد الآخر، ورسولُ الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "لأعطينَ الرايةَ غدًا رَجُلًا يُحِبُّ اللهَ ورسولَه ويُحبُّه اللهُ ورسولُه، كرّارٌ غيرُ فرّار" والمسلمون في انتظار من سيأخُذُ الرايةَ من رسولِ الله (صلى الله عليه وآله).. لقد حانَ وقتُ إعلانِ الاسمِ.. من سيأخذُ الرايةَ؟ رسولُ اللهِ: أينَ علي؟ القوم: عليٌ أرمدُ العينين، وهو يُجهِّزُ الطعامَ للجنود! الرسول: ادعوه لي... أقبَلَ عليٌ ووقفَ بين يدي رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وقفةَ إجلالٍ وأدب، أخذ الرسولُ من ريقِه المبارك ومسحَ بِه عينيه فشُفيتا حالًا! أعطاهُ الرايةَ وإذا بهِ ينطلِقُ بِها ويُجندِلُ الفُرسانَ الواحد تلوَ الآخر، حتى الحارِث وأخاه مرحب، لم يستطيعا الوقوفَ في وجهِه، وسقطا قتيلين بسيفه... بقيتْ بابُ خَيبر.. كيفَ سَيفتَحُها؟ هذه البابُ التي عَجزَ عن فتحِها أربعون رجُلًا مَعًا! يا إلهي.. ماذا يُريدُ أنْ يفعلَ عليٌ، إنّه يُهروِلُ باتجاهِ الباب.. هل يُريدُ حقًّا أنْ يَفتحَ هذا البابَ الضخم؟! يا الله.. إنّه يأخُذُها بيدِه ويصنَعُ مِنها دِرعًا والقومُ في دهشة.. إنّهُ يُحلِّقُ بها بلا جناحين! وفي المدينةِ رأيتُ الرسولَ يؤاخي بينَ المسلمين، فاختار عليًا (عليه السلام) أخًا له.. ومرّات عديدة قال لِعلي: "أنتَ مِنّي بِمنزلةِ هارون من موسى إلا أنّه لا نبيَّ بعدي". ومررتُ بِرحلَتي باليومِ الذي زوّجَ فيه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) ابنتَه الوحيدةَ سيّدةَ نساءِ العالمين من علي، لا عجبَ في ذلك؛ فمن أحقُّ بِها منه؟ فهو سيّدُ المؤمنين وأميرُهم، وهي سيّدةُ نِساءِ العالمين... وصارتِ الزهراء (عليها السلام) أُمًّا لأولاده؛ فقد أنجبتْ لَهُ ساداتِ الورى ووجهاءَ الدُنيا والآخرة، لقد صارَ عليٌ أبًا لِذُرّيةِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين.. وفي فَتحِ مكّةَ كانَ عليٌ يتقَدّمُ قومَه والرايةُ بيدِه. وبعدئذٍ وصلتُ إلى الرحلةِ الأخيرة، لقد أنهى رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) مناسكَ حِجّته الأخيرة، وبينَ مُفترقِ أربعِ طُرُقٍ كانَ الجوُّ شديدَ الحرِّ، نادى أحدُهم: - الرسولُ يدعوكم إلى التجمُّعِ هُنا؟ - ولكن هذا ليسَ بوقتِ صلاة؟ يبدو أنّ هُناك أمرًا مُهمًّا قد أوقفَ رسولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) لأجله كُلَّ هؤلاءِ الناس الذين يزيدُ عددُهم على مائةِ ألفِ رجلٍ في هذا المكانِ ومع كُلِّ هذه الحرارة؟ يقولون: إنّ الوحي قد نَزَلَ على رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) بآيةٍ قُرآنيةٍ كريمةٍ أُخرى؛ "يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ" يبدو أنّ الرسولَ (صلى الله عليه وآله) سيُعيّنُ أميرًا على الناسِ من بعدِه، من هو يا تُرى؟ وإذا برسولِ الله (صلى الله عليه وآله) يخرجُ من فِسطاطِه وعليٌ خلفَه! ماذا هُناك يا تُرى؟! وأيُّ أمرٍ مُهِمٍّ سيُعلِنُ عنه رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) رغمَ أنّ الوقتَ في مُنتصَفِ الظهيرةِ والشمسُ قد عَلَتْ، ولكنّ نورَهما قد فاقَ ضياءَ الشمس.. خطبَ الرسولُ (صلى الله عليه وآله) بِقومِهِ خُطبةً أشهدَ فيها الناسَ على ولايتِه عليهم، ثُمَّ قال: "ألا من كُنتُ مولاه فهذا عليٌ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه وعادِ من عاداه..." عَلَتْ أصواتُ المؤمنين بالتكبيرِ وراحوا يُبايعونه، فيما غصّتْ أصواتُ المنافقين بالحسد: "بخٍ بخٍ لك يا علي؛ أصبحتَ مولاي ومولى كُلِّ مؤمنٍ ومؤمنة" ومن تراه أحقَّ من عليٍ بهذا المنصِبِ الإلهي؟ انتهتْ رحلتي عبرَ الزمن.. انهمرتْ عيناي بالدموعِ، وتعاظمَ حُبُّ ذلك الأميرِ داخلَ قلبي، رَفعتُ رأسي عاليًا: - عليَّ أنْ أفتخرَ بمنْ واليتُ، وأدعوَ اللهَ (تعالى) أنْ يحشرَني في زُمرةِ مُحبّيه ومواليه، فلا نجاةَ لي إلا بالثباتِ على ولايته، كما قالَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله): "عليٌ قسيمُ الجنّةِ والنار" فطريقُه طريقُ الحقِّ وحُبُّهُ وطاعتُه هو حُبُّ الباري (جل وعلا).. وسأبقى أُمجِّدُ يومَ الغديرِ في كُلِّ عامٍ داخلَ قلبي وبينَ أهلي وأحِبَّتي، وأذكِّرُ الناسَ به، وأدفعُ الصدقاتِ وأُكثِرُ الدعوات، وأنشرُ الأفراحَ في أكبرِ الأعيادِ حُبّاً بسيّدي ومُرادي وأميري وأمير كُلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ مولاي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فالسلامُ عليكَ يا سيّدي من قلبٍ ولهَ فيكَ عشقًا ويُشتاقُ إليكَ صُبحًا ومساءً ورحمةُ اللهِ وبركاته.

المناسبات الدينية
منذ 4 أشهر
279

بينَ ثنايا أجنحةِ الملائكةِ

بينَ ثنايا أجنحةِ الملائكةِ حيثُ مهبطُ الوحيّ والتنزيلِ وبينَ سطورِ آياتِ الكتابِ العزيز شعّتْ حروفُ اسمِه وانتظمتْ #الإمام_الحسين_عليه_السلام

الخواطر
منذ 8 أشهر
285

روائعُ الكَلِمِ في شرحِ قِصارِ الحِكَمِ(8)

بقلم: حسين مصطفى الياسين المطلب الثاني: قوله (عليه السلام): (والآدَابُ حللٌ مُجَدَّدَةٌ). *الآدابُ: جمعٌ مُفردُه أدب، والأدب: حُسنُ الأخلاق، وكان عليٌّ (عليه السلام) يؤدِّبُ أصحابَه أيّ يُعلِّمُهم العلمَ ومحاسنَ الأخلاق(1). وذكرَ الزُبيدي لهذه المُفردة عِدّةَ معانٍ لا بأسَ بذكرها وهي: 1ـ الأدب: مَلَكَةٌ تعصمُ من قامتْ به عمّا يُشينه. 2ـ في المصباح: هو تعلُّمُ رياضةِ النفسِ ومحاسنِ الأخلاق. 3ـ قالَ أبو زيد الأنصاري: الأدبُ يقعُ على كُلِّ رياضةٍ محمودةٍ يتخرّجُ بها الإنسانُ في فضيلةٍ من الفضائلِ ومثله في التهذيب. 4ـ في التوشيح: هو استعمالُ ما يُحمَدُ قولًا وفعلًا. 5ـ نقلَ الخفاجي في العنايةِ عن الجواليقي في شرحِ أدبِ الكاتب: الأدبُ في اللُغة: حُسنُ الأخلاقِ وفعلُ المكارم(2). والتأدُبُ: هو تعليمُ الأدبِ وهو ما يدعو إلى المحامدِ من الأعمالِ الصالحةِ والأخلاق الفاضلة(3). والأدبُ: كُلُّ ما فيه خيرٌ ومنافعُ(4) وقال السيدُ العلاّمةُ الطباطبائي (قُدِّست روحه الطاهرة): الأدبُ ـ على ما يتحصّلُ من معناه ـ هو الهيئةُ الحسنةُ التي ينبغي أن يقعَ عليه الفعلُ المشروعُ أما في الدين أو عندَ العُقلاء في مُجتمعهم كآدابِ الدعاءِ وآدابِ مُلاقاةِ الأصدقاء. وإنْ شئتَ قلت: ظرافةُ الفعلِ، ولا يكونُ إلا في الأمور المشروعةِ غيرِ الممنوعةِ، فلا أدبَ في الظلمِ والخيانةِ والكذبِ إلا في الأفعال الاختياريةِ التي لها هيئاتٌ مختلفةٌ … وإذا كان الأدبُ هو الهيئة الحسنة في الأفعالِ الاختيارية لغرضِ الحياةِ ممّا لا يختلفُ فيه أنظارُ المُجتمعاتِ، لكنّه بحسبِ مصاديقه ممّا يقعُ فيه أشدُّ الخلافِ وبحسبِ اختلافِ الأقوامِ والأُمَمِ والأديانِ والمذاهبِ وحتّى المُجتمعاتِ الصغيرة المنزلية وغيرها …. غيرَ أنّ هذه الاختلافاتِ جميعًا إنّما نشأتْ في مرحلةِ تشخيصِ المصداقِ، وأمّا أصلُ معنى الأدبِ وهو الهيئةُ الحسنةُ التي ينبغي أنْ يكونَ عليها الفعلُ فهو ممّا أطبقَ عليهِ العُقلاءُ من الإنسانِ وأطبقوا أيضًا على تحسينِه فلا يختلفُ فيه اثنان(5). ثم إنَّ الأدبَ قد يتعلّقُ بالفردِ كالإتيانِ بالعملِ الذي يصلُحُ أنْ يُقدَّمَ إلى حضرةِ الربوبية، وقد يتعلَّقُ بالمُجتمعِ وهو ما يصحُّ أنْ يُسمّى بالأدبِ الاجتماعي، وهذا له أمثلةٌ مُتعددةٌ: منها أنّ الناسَ ليس لهم إلا ربٌّ واحدٌ فليجتمعوا على تقواه ويقطعوا بذلك دابرَ الاختلافاتِ والتحزُّبات. وإذا التقى الأمران أعني الأدبَ الفردي والاجتماعي تشكّلَ مُجتمعٌ واحدٌ بشريٌ مصونٌ عن الاختلافات(6). ومن خلالِ ما تقدَّمَ نفهمُ أنَّ الإسلامَ اهتمَّ اهتمامًا بليغًا بمسألةِ رعايةِ الأدبِ والتعامُلِ مع الأقربين مقرونًا بالاحترامِ والأدبِ سواء مع الفردِ أم مع الجماعةِ، ولذا عندما نرجعُ إلى كتبِنا الحديثيةِ نجِدُ كمًّا هائلًا تحدَّثَ عن قضيةِ الأدبِ والتعامُلِ مع الناسِ، منها قولُ الإمامِ علي (عليه السلام): (الأدبُ يُغني عن الحسب)(7). *والحللُ: برودُ اليمن(8). والذي يظهرُ من كلامِ الإمامِ (عليه السلام): (والآدابُ حللٌ مُجدّدةٌ) -حيث استعارَ لفظَ الحللِ وأردفَها بلفظِ الآدابِ- أن المعنى ـ واللهُ العالمُ ـ أنّه لا بُدّ على الإنسانِ من مُراعاةِ الأدبِ فهو بمُراعاتِه للأدبِ كأنّه يُجدِّدُ حُليةَ جمالِه المعنوي الروحي ويلبسُ حُلَلًا ويبدلُها بأخرى. والحُلَلُ المُجدَّدةُ باعتبارِ دوامِ زينةِ الإنسانِ بها وتجدُّدِ بهائه وحسنه، الأدبُ كذلك فمنْ لازمَه وعملَ به استخرجَ المحاسنَ وهذَّبَ نفسَه كالحُلَلِ التي لا تزالُ تجدّدُ على لابسِها، وقد تكونُ الحُللُ المُجدّدةُ كنايةً عن البهجةِ والزينةِ الدائمة(9). والذي يبدو من كلامِ الإمامِ (عليه السلام) أنّه يحثُّ على حُسنِ المُعاشرةِ مع الناسِ وتطبيقِ آدابِ المُعاشرة، وهذا له أقسامٌ باعتبارِ انقسامِ الناسِ إلى طوائفَ؛ فمنهم العلماءُ والمُعاشرةُ معهم لتحصيلِ الآدابِ وزيادةِ العقول، ومنهم ولاةُ العدلِ وأدبُ الناسِ معهم الطاعة لحفظِ العزّةِ، إلى غيرِ ذلك من الأقسام(10). وهُنا مطلبٌ نُشيرُ إليه حاصلُه: أنَّ لَكُلِّ عضوٍ من الأدبِ نصيبًا، فأدبُ العين النظرُ إلى المصنوعاتِ مثل الاستدلالِ بها على وجودِ الصانعِ وقُدرتِه وحِكمته، وأدبُ السمعِ استماعُ الآياتِ وغيرِها من الكلامِ الحقِّ، وأدبُ التكلُّمِ التكلُّمُ بما ينبغي والسكوتُ عن غيرِه من الفضول، وأدبُ القلبِ معرفةُ اللهِ تعالى وما يليقُ به ومعرفةُ الرسولِ والأحكامِ والأخلاقِ والاتصافِ بها، وقِسْ على ذلك(11). وحُسنِ الأدبِ هو إجراءُ الأمورِ على قانونِ الشرعِ والعقلِ في خِدمةِ الحقِّ ومُعاملةِ الخلق(12). وبالنتيجةِ فإنَّ الأدبَ هو من أشرفِ الكمالاتِ للإنسانِ، وهذا قابلٌ للتشكيكِ قوةً وضعفًا، فقد يُطبّقُ الإنسانُ الأدبَ بلحاظِ كُلِّ عضوٍ، وقد يضعفُ عندَ آخر، وقد يُطبّقُ عند ثالثٍ في بعضِ الأعضاء دونَ بعض، ولا يتحقَّقُ تطبيقُ ذلك إلا بالعلمِ والعملِ، وكفانا قولًا قول الإمامِ (عليه السلام) حينما قال: (… ولا حَسَبُ أبلغُ من الأدب)(13). المطلب الثالث: قوله (عليه السلام): (والِفكرُ مِرآةُ صافيةٌ). سأذكرُ بعضَ الكلماتِ التي قيلتْ في الفكرِ: 1ـ (الفكر)، الفاء والكاف والراء: تردّدُ القلبِ في الشيء(14). 2ـ الفكر: إعمالُ الخاطرِ في الشيء(15). 3ـ الفكر، بالكسر: إعمالُ النظرِ في الشيء(16). 4ـ الفكر: جنسٌ من النظرِ الذي هو سببُ العلم(17). 5ـ التفكُّر: التأمُّلُ والفكرُ بالكسر اسمٌ منه وهو لمعنيين: أحدُهما القوّةُ المودعةُ في مُقدّمةِ الدماغ، وثانيهما: أثرُها أعني ترتُب أمورٍ في الذهنِ يُتوصّلُ بها إلى المطلوب(18). 6ـ الفكر: جَوَلانُ القلبِ بالخواطر(19). 7ـ الفكر: ترتيبُ أمورٍ معلومةٍ لتحصيلِ أمرٍ مجهول(20) 8ـ الفكر: وهو انتقالُ النفسِ من المعلومات التصوّريةِ والتصديقيةِ الحاضرةِ فيها إلى مجهولاتِها المُستحضرة(21). 9ـ الفكر: هو حركةُ العقلِ بينَ المعلومِ والمجهول (22). والفكرُ -سواء أكان بمعنى القوةِ المودعةِ في مُقدّمةِ الدماغ، أو بمعنى أثرِ تلك القوةِ من ترتُبِ أمورٍ في الذهن يُتوصّلُ بها إلى المطلوب كما هو تعريفُ أغلبِ أهلِ الاختصاصِ في هذا المجال- فهو -على كل حال- الأساسُ الوحيدُ الذي يبتني عليه الكمالُ الوجودي الضروري؛ لأنّه لا بُدّ للإنسانِ من تصديقاتٍ عمليةٍ أو نظريةٍ يرتبطُ بها كمالُه الوجودي ارتباطًا بلا واسطةٍ أو بواسطة(23). ثم إنّه ممّا لا ارتيابَ فيه أنَّ الحياةَ الإنسانيةَ حياةٌ فكريةٌ لا تتمُّ له إلا بالإدراكِ الذي نُسميه فكرًا، وكان من لوازم ابتناءِ الحياةِ على الفكرِ هو أنَّ الفكرَ كُلّما كانَ أصحَّ وأتمَّ كانتِ الحياةُ أقوم، فالحياةُ القيّمةُ ترتبطُ بالفكرِ القيّمِ وتبتني عليه وبقدرِ حظِّها منه يكونُ حظُّها من الاستقامةِ؛ لذا نجدُ أنَّ القرآنَ الكريمَ قد أمرَ بالدعوةِ إلى الفكرِ الصحيحِ وترويجِ طريقِ العلمِ وهذا ممّا لا ريبَ فيه، قال (تعالى): (إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ)(24)، أيّ الملّة أو السُنّة أو الطريقة التي هي أقوم. وعلى أيّ حالٍ هيَ صراطٌ حيويٌ، وكونُه أقومَ يتوقّفُ على كونِ طريقِ الفِكرِ فيه أقوم(25). فهذه القوّةُ - وهي الفِكرة- متى ما عاملَها صاحبُها بعيدًا عن الأهواءِ واتباعِ الهوى أدّتْ به إلى الحقِّ وطريقِ الصواب. ولعلَّ الإمامَ عليًّا (عليه السلام) كنّى عن هذا المعنى بالمرآةِ الصافيةِ، والمرآةُ من الواضحِ أنّها تعكسُ الشيءَ فيها كما هو الواقعُ الخارجي، وكذا الفكرُ القويمُ يعكسُ للإنسانِ الحياةَ القويمةَ والسيرَ الصحيح. وورد في رواياتِنا التعرُّضُ للفكرِ وأهميتِه منها: *ما وردَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (التفكُّرُ في ملكوتِ السماواتِ والأرضِ عبادةُ المُخلصين)(26). *وقال (عليه السلام): (التفكُّرُ في آلاءِ اللهِ نِعمَ العبادة)(27). *وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قالَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) في كلامٍ له: (يا ابنَ آدم، إنَّ التفكُرَ يدعو إلى البِرِّ والعملِ به)(28). ولا يتوهّمُ أحدٌ بأنّ السكوتَ مطلقًا هو عبارةٌ عن الفكرِ، فقد يكونُ السكوتُ مُصاحبًا للتفكُرِ وقد يكونُ بلا تفكُرٍ فيكونُ غفلةً كما قال (عليه السلام) في كلامٍ له: (وكُلُّ سكوتٍ ليس فيه فِكرٌ فهو غفلةٌ)(29). *وقال (عليه السلام): (الفِكرُ في العواقبِ يُنجي من المعاطب)(30). *وقال (عليه السلام): (أصلُ السلامةِ من الزللِ، الفِكرُ قبلَ الفعلِ، والرويّةُ قبلَ الكلام)(31). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) يُراجع مجمع البحرين، ج1/ ص51ـ 52 بتصرف. (2) يُنظر تاج العروس/ ج1 / ص296 بتصرف. (3) يُراجع شرح اصول الكافي، ج6/ ص53. (4) يُراجع مصدر سابق / ج7/ ص292. (5) يُراجع تفسير الميزان، ج6/ ص256ـ 257. (6) يُراجع مصدر سابق/ ج6 / ص263 بتصرف. (7) يُنظر تفسير الامثل/ ج16/ ص516ـ 517 بتصرف. (8) يُراجع لسان العرب ج11 ص172. (9) يُراجع في ظلال نهج البلاغة / ج4 ص218. (10) يُنظر شرح اصول الكافي / ج1/ ص197/ الهامش (2). (11) يُنظر مصدر سابق / ج11 / ص204ـ 205، وج12 / ص161. (12) يُراجع المحاسن، ج1/ ص191، الهامش (1). (13) يُنظر من لا يحضره الفقيه / ج4 / رقم 5880/ ص406. (14) يُنظر معجم مقاييس اللغة/ ج4 / ص446. (15) يُراجع لسان العرب، ج5 / ص65. (16) يُنظر القاموس المحيط / ج2/ ص111. (17) يُراجع الفروق اللغوية/ ص209. (18) يُنظر مجمع البحرين، ج3/ ص422. (19) يُراجع التبيان/ ج2/ ص343. (20) يُنظر مصباح الأنس بين المعقول والمشهود/ ص180. (21) يُراجع الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الاربعة/ ج4/ ص516. (22) يُنظر المنطق للشيخ محمد رضا المظفر (رحمه الله تعالى) ج1/ ص19. (23) يُنظر تفسير الميزان / ج1 / ص211 بتصرف. (24) سورة الإسراء/ آية 9. (25) يُراجع تفسير الميزان/ ج5 ، ص254/ بتصرف. (26) و (27) يُنظر مستدرك الوسائل/ ج11/ باب استحباب التفكر فيما يوجب الاعتبار والعمل / ح8/ ص185. (28) يُنظر المصدر السابق، ح11 ص186. (29) يُنظر المصدر السابق/ ص186. (30) يُراجع المصدر السابق، باب وجوب تدبر العاقبة قبل العمل ص307. (31) يُراجع المصدر السابق ص308.

اخرى
منذ 11 شهر
325

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
107712

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
102649

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
60693

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
56789

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
55090

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51889