تشغيل الوضع الليلي
للكرم حكاية اسمها الحسن بن علي (عليه السلام)
منذ 5 سنوات عدد المشاهدات : 4000
بقلم: وجدان الشوهاني
التقيت الكرمَ ذات مرة، فتجاذبتُ معه أطراف الحديث، وسألته عن نفسه، فبدأ يتكلم عن نفسهِ، وكيف أنّه من الصفات المحمودة التي يتمنى أن يتصف بها كلُّ إنسان، وتكلّم عن خصائصه، و أنّ الإسلام دعا المسلمين للاتصاف به، ثم تطرقَ لحكاياته الكثيرة التي جمعته مع أشخاص كُثر، حتى أنهم عُرفوا به، وهنا قاطعته لأسأله:
أيّ تلك الشخصيات التي أُعجِبتَ بها؟
فابتسم قائلًا: إنّه الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام) .
فقلت له: أنّى كان أعجابك به، وأنت تقول إنّ مَن اتصف بك عُرف من خلالكَ، فالفضل لكَ.
فقال: إلّا الحسن بن علي (عليهما السلام)، فبه كان لي شأن عظيم.
فقلت: حدثني أكثر، فقد زادت لهفتي لمعرفة حقيقة ارتفاع شأنك به.
فقال: لست سوى صفة، ومَن يتصف بي بناءً على تكرار الفعل، سأكون قرينه ومَلَكة بالنسبة له، وهذا أمرٌ طبيعي يتمكن منه الجميع، فيرتفع شأنهم بي، لشرفي كصفة، ولكن عندما يتصف بي شخص ذو شأنٍ عظيم، وله مكانةٌ عند الله (سبحانه وتعالى)، وإن كان لي شرف الصفة؛ لكن ازددتُ شرفاً لشرفهِ، وأصبحتُ ذا مكانة لمكانتهِ، وصيّرني صفة يتسابق للاتصاف بها القاصي والداني بسبب اتصافه بي، بل بسبب اتصافي به، وهذا هو حالي مع الحسن بن علي (عليهما السلام)؛ لذا قلت: إنّه مختلف عن الآخرين.
قلت له: جميل كلامكَ عن الإمام الحسن (عليه السلام )، فقاطعني وقال: والأجمل هي حكاياتي مع كرمه (عليه السلام)، ولكن لا وقت لدي لأسردها جميعًا؛ لأنها تحتاج الى وقتٍ طويلٍ جدًا.
فقلت له: لدي سؤال يُحيّرني، ولكن لا أجد مَن يُجيبني عنه، لكنّكَ الوحيد الذي لديه الإجابة.
فقال: سلي ما بدا لكِ.
فقلت: لماذا عندما تُضرب الأمثال عن الكرم يذكرون حاتم الطائي، ولا يذكرون الإمام الحسن (عليه السلام)، هل لكَ أن تجيبني؟
فطأطأ رأسه، وكأنما أخجله سؤالي.
ثمّ قال: ظُلامة من ظُلامات الإمام الحسن (عليه السلام)...
أنا لا أنكر اتصاف حاتم بالكرم، ولكن لا قياس بين كرمه وكرم الإمام، فهو كنقطة في بحر كرم الإمام الحسن (عليه السلام)، ولكنّه التاريخ الذي ظلم أهل البيت (عليه السلام) وكان للإمام الحسن (عليه السلام) منه نصيب كبير، فكرم حاتم الطائي كرمٌ مشوب بتلويثات الجاهلية وثوب الصنمية، وكرمُ الإمام الحسن (عليه السلام) نقي، ناصع، فلو فتحنا باب الكرم عند الإمام الحسن (عليه السلام) وكشفنا اللثام، لتم فتح بقية الأبواب، ولكُشف اللثام عن كلِّ الحقائق، لكنّه التاريخ المشوه...
فقلت له: أعتذر منكَ، فلقد آلمتكَ بسؤالي.
فقال: كلا، لكن احذري فقد يتهمكِ البعض بالتعصب.
فقلت: تعودنا على ذلك، فالحقيقة تؤلم البعض.
فنظرتُ إلى ساعتي، فالوقت يداهمني ولم يبق لوقت الإفطار الكثير؛ لأن اللقاء كان في شهر رمضان.
فقلت له: أيها الكرم، لم يبقَ للإفطار الكثير، ولكن لدي سؤال، ولعله الأخير.
فقال: قلتُ لكِ سابقًا، سلي ما بدا لك، والآن أعيدها، فالكرم لا يبخل أبدًا.
فابتسمت، وقلت: ونحن في شهر رمضان، وتعلم أنّ ولادة الإمام الحسن (عليه السلام) في الخامس عشر منه، ألكَ أمنية؟
فقال: نعم، أريد أن يعرف الجميع أنّ الإمام الحسن (عليه السلام) هو أجمل حكاياتي.
فقلت له: إن شاء الله ستتحقق.
وقلت له: فرصة سعيدة جمعتنا؛ وشكرًا.
فقال: وأنا الأسعد، ونصيحتي لكِ، لا تبخلي مع الكريم، واكتبي لقاءنا هذا.
فقلت: إن شاء الله.
وكان الوداع، لكنه وداع لقاءٍ لا وداع رحيل.
اخترنا لكم
فتوى التكافل ردعٌ للتفرقة لِتحقيق التكامل
بقلم : أنعام العبادي الأُمة اليوم بحاجةٍ لكلِّ ما يُقوّي أهم القضايا الإسلامية وهي وحدة المجتمع، ويكون ذلك في التكافل بين أفراده وأنْ يحمل الفرد همَّ مجتمعه ويهتم بمصالحهم العامة والخاصة، وهي من الأمور الراجحة عقلًا وشرعًا، أما عقلًا فقد أجمع العقلاء على أنّ المجتمع الذي يتعاون أفراده ويسود فيه التكافل، وتعمُّ في أرجائه الألفة فهو مجتمعٌ ثابتٌ في النكبات، ويجتاز بسرعةٍ كلَّ الأزمات؛ فالمصيبةُ تكون أخفَّ ثقلًا على الفرد إذا حملها معه فرد آخر. أما شرعًا فعند التأمل بكلِّ ما يدعو إليه الإسلام نجدُه يصل إلى نتيجةٍ واحدة، وهي صلاحُ الفردِ والمجتمع، والحفاظ على الألفة، وواحدةٌ من هذه الصور هي، الإنفاق، كما في قوله (تعالى) في وصف المتقين:{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ}(١)، ومما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه واله) بهذا الخصوص: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"(٢) فهم كالجسد إذا مرَّ أحد أفراده بألمٍ وضيقٍ استشعر المسؤولية وهبَّ لإغاثته الجميع، وهذا بالنتيجة يساهم في تكامل الفرد ورفع درجته، وهي رحمة من الله تعالى عندما يضع في طريق المؤمن من هو مُحتاج إليه؛ ففي تلك المواساة يكون المُحسن قد أحسن لنفسه قبل المحتاج؛ فكلُّ ما يصدر من الإنسان راجع إليه، قال تعالى:{ إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا}(٣)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام):"إنَّ العبدَ ليمشي في حاجةِ أخيه المؤمن فيوكل الله (عز وجل) به ملكين: واحدًا عن يمينه وآخر عن شماله، يستغفران له ربّه ويدعوان بقضاء حاجته"(٤). واليوم نجدُ حصون الإسلام، المرجعية الرشيدة تُعزز هذا الأمر في نفوس المؤمنين وتُطلقُ فتوى التكافل لِشدِّ الأواصر بين أفراد المجتمع سعيًا لتكامل أفراده، كما عوّدتنا سابقًا بردعِ كلِّ ما من شأنه أنْ يُفرقَ شملَه ويشتت جمعه، إذ بالزمن الذي ليس ببعيد أُطلقت فتوى (الجهاد الكفائي) وأعادت ثقة الناس بالقوى الأمنية من الجيش والحشد المقدس بعدما هدم تلك الثقة النظام المقبور، واليوم أعادتِ الثقة بالكوادر الصحية والأطباء بعدما صدّع تلك الثقة بعض الجشعين الذين يمتهنون مهنة الطب، وصولًا إلى إطلاق فتوى التكافل الاجتماعي لِعبور الأزمة الراهنة.. وقد هبَّ الغيارى مُلبين دعوى المرجعية ومن كان في الصدارة للدعم اللوجستي، مما جعل المجتمع يعيش حالة الطمأنينة من جديد، وإنَّ رحمة الله تعالى ما زالت تحفُّ بعباده من خلال التراحم فيما بينهم، وهذا يجعل المؤمن فخوراً بدينه الذي كلُّ قوانينه تهدف لتكامل الفرد والمجتمع في جميع المجالات. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- سورة البقرة آية (٣) ٢- ميزان الحكمة ج٤ ٣- سورة الإسراء آية (٧) ٤- الكافي للكليني ج٢
اخرى
ضياءٌ وإحياء مِن كلمات ربِّ السّماء(٦) الجزء الأول: رؤية الله (تعالى)
بقلم: علوية الحسيني كل ما يُمكن أن يُرى بالعين فإنه يمكن اللقاء به. وقد يظهر من قوله تعالى:{ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا}(1) أنّ اللقاء هو العرفي المادي، كما قد يظهر من آياتٍ عديدةٍ، من قبيل قوله (تعالى): {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ* إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة}(2) وما تقدّم يُثير في الذهن أسئلةً لابُدّ من الجواب عنها، وهي: 1- هل تجوز رؤية الله (تعالى) ليُمكننا القول بلقائه؟ 2- كيف نتعامل مع الظهور الذي يقول بجواز اللقاء والرؤية؟ 3- ما هو موقف النص الروائي من ذلك؟ فهنا عدة نقاط: ■النقطة الأولى: علّة امتناع رؤية الله (تعالى): إنّ الرؤية الممتنعة هي الرؤية البصرية، لا القلبية؛ لأنّ البصرية تستلزم كون المرئي في جهةٍ ومكان، وبالتالي يكون جسمًا، فضلًا عن استلزامها الإحاطة بالمرئي، وكلّ ذلك لا يكونُ مع الله (جلّ جلاله). وهذا لا يُفرق فيه بين الدنيا والآخرة، وبين المؤمن وغيره. وإنّما امتنع أن يكون (تعالى) جسمًا؛ لسببين: ١- عقلًا: أ/ لو كان الله (تعالى) جسمًا لكان محتاجًا إلى أجزائه، والاحتياج صفة المخلوقات، والله (سبحانه) هو الغني المُطلق، والاحتياج ينافي قوله (تعالى): {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد}(4). ب/ لو كان الله (تعالى) جسمًا لجرت عليه أحكامُ وقوانين الزمكان، فيلزم أن يكون موجودًا في المكان والزمان الذين تُفترض رؤيته فيهما، مع لزوم عدم وجوده في جميع الأزمنة والأمكنة الأخرى، وإنْ جاز وجوده في بعضها؛ وذلك لأنَّ من سمات الجسم الحدوث والعدم، فيقتضي ذلك وجوده في بعض الأزمنة والأمكنة دون جميعها، وهذا ينافي قوله تعالى:{وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير}(5). ٢-نقلاً أ/ قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِير}(6)، وهذه الآية محكمةٌ، ويجب إرجاع كلّ آيةٍ متشابهةٍ إليها، فالله (سبحانه) شيء؛ لأنَّ الشيء مساوق للوجود، إلا أنَّه لا كسائر الأشياء؛ إذْ لا تثبت له الجسمية والصورة، أي ليس كمثله موجود في الوجود، والذات، والصفات، والأفعال؛ فهو موجود واجب الوجود، وغيره ممكن الوجود، وهو المائز الأساسي بينهما والذي تترتبُ عليه جملة من النتائج المهمة، ومنها عدم رؤيته (جلّ وعلا). سُئل الإمام أبو جعفر (عليه السلام): أيجوز أنْ يُقال: إن الله (عز وجل) شيء؟ قال: "نعم، يُخرجه عن الحدين حدّ التعطيل وحدّ التشبيه"(7). فنسبَ إليه (تعالى) الشيئية حتى لا يُثبت له العدم، وسلب منه التشبيه حتى يوجب له التنزيه، فإذا سُلِب عنه التشبيه، فهو (سبحانه) لا يُرى. ب/ قال تعالى: {أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيط}(8). سياق الآية في جزئه الأول يدل على أنّ هناك ذمًا لمن يُشكك في لقاء الله (تعالى)، لكن المُتدبر في جزئها الثاني يجد أنّ المقصود باللقاء لا اللقاء بمعناه المادي؛ بدلالة القرينة المتصلة اللفظية (بكلّ شيءٍ محيط)، فالمحيط لا يُحاط به، فكيف نلاقيه ونُحيط به؟! وهذا ليس تناقضًا بين صدر الآية الكريمة وذيلها، بل فيها دقّة غاية في الأهمية؛ إذْ إنَّ تذييلها بأحد أسماء الله (تعالى) الحسنى، وهو المحيط، دليلٌ على حكمة المتكلم (سبحانه)، بتشخيصه لهذا الاسم دون غيره من أسمائه الحسنى، واشارة منه تعالى إلى أنّه هو المحيط بكلِّ شيءٍ، إذًا هو محيطٌ بالأبصار وليس العكس، فانتفت الرؤية البصرية عنه. تالله إنَّ التفسير الحرفي للألفاظ الذي استلزم جملة من النتائج الخاطئة ومنها جواز رؤيته (سبحانه)) من ضروب قصور وتخبط العقل؛ إذ لا يُمكن الجمود على ظاهر اللفظ، دون معرفة غاياته. ■النقطة الثانية: تعارض الظهور مع الدليل العقلي: إن ظهور الآيات المتقدمة يقتضي أن يكون الله (تعالى) مرئيًا، يجوز لقاؤه ورؤيته، إلا أنّ هناك براهين عقلية تنفي الرؤية البصرية؛ لأنّ لازم الرؤية البصرية إثبات الجسم لله (تعالى)، فلا بد من تأويل الآيات تلك بما يتناسب مع هذه البراهين العقلية، لأنّها بمثابة القرينة المتصلة في علم التفسير، والقرينة تُقدّم على ذي القرينة، فيُقدّم الدليل العقلي القائل بتنزيه الله (تعالى) عن الجسمية ولوازمها كالرؤية البصرية. *بيان الدليل العقلي: لو كان الله (تعالى) مرئيًّا لـكان جسمًا، وكلّ جسمٍ مركبٌ من أجزائه، وكلّ مركبٍ مُحتاج إلى أجزائه، وكلُّ مُحتاجٍ مخلوق، والله (سبحانه) خالق وليس بمخلوق. فإذًا انتفى أن يكون (تعالى) مرئيًّا وجب تأويل الرؤية إلى ما يُليق بقداسة الله (تعالى)، والحفاظ على التوحيد الحق. ■النقطة الثالثة: التفسير الروائي للرؤية البصرية: فسّرت الروايات الرؤية البصرية بالرؤية القلبية، استنادًا إلى ما روي عن سادة التوحيد، أهل البيت (عليهم السلام)، فقد روى الصدوق عن أبي الحسن الموصلي، عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: جاء حبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته؟ فقال: ويلك ما كنتُ أعبدُ ربًا لم أره، وقال: كيف رأيته؟ قال: ويلك لا تُدركه العيون بمشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان"(9). كما جاءت بعض الروايات نافيةً للرؤية البصرية الزمانية ــ التي قال بها بعض المسلمين ــ، وهي الرؤية يوم القيامة؛ استنادًا إلى دلالة ظاهر الآية على ثبوتها، منها ما روي عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، قال: سألت الرضا علي بن موسى (عليهما السلام)، عن قول الله (عز وجل): (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فقال: إنّ الله (تبارك وتعالى) لا يوصف بمكانٍ يحلّ فيه فيحجب عنه فيه عباده، ولكنه يعني، إنّهم عن ثواب ربهم لمحجوبون"(10). وبعضها الآخر جاء نافيًا الرؤية البصرية المكانية في الجنة، التي دلّ على جوازها ظهور بعض الآيات؛ وأوّلت مجيء الله (تعالى) بمجيء أمره، منها ما روي عن علي بن الحسن بن علي بن فضال، عن أبيه، قال: سألت الرضا علي بن موسى (عليهما السلام)، عن قول الله (عز وجل): (وجاء ربك والملك صفا صفا)، فقال: إن الله (عز وجل) لا يوصف بالمجيء والذهاب (تعالى) عن الانتقال، إنّما يعني بذلك وجاء أمر ربك والملك صفا صفا"(11). وأخرى أزالت الغموض عمّا يمكن أن يرى يوم القيامة، وصرّحت بأنّه ثواب وكرم الله اللطيف؛ حيث روي عن إبراهيم بن أبي محمود قال: قال علي بن موسى (عليهما السلام) في قول الله (عز وجل): (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة): يعني مُشرقة تنتظر ثواب ربها"(12)، فليس المقصود بالنظر في الآية المباركة النظر البصري، وإنما المقصود أحد أمرين: الأول: تقدير اسم محذوف، والتقدير: إلى ثوابِ ربِّها ناظرة. الثاني: أن (إلى) هو مفرد الآلاء، فيكون التقدير: لأحد آلاء ربِّها منتظرة"(13). *فإن قيل: أنّ بعض الروايات المُنزِّهة عن الرؤية البصرية ضعيفة السند، فلا يمكن الاستشهاد بها. قلنا: إن الروايات مؤيدة لحكم العقل، والمؤيِد ليس كالمستنَد؛ فمُستند عقيدتنا في تنزيه الله (تعالى) عن الجسمية ولوازمها –كالرؤية واللقاء- هو الدليل العقلي، والآيات والروايات جاءت مؤكِدة لذلك الدليل. النقطة الخامسة: تأتي إن شاء الله تعالى... ________________ (1) الكهف: 110. (2) القيامة: 23. (4) فاطر: 15. (5) الحديد: 4. (6) الشورى: 11. (7) التوحيد: للشيخ الصدوق، ب7، ح1. (8) السجدة:54. (9) المصدر السابق، ب8، ح6. (10) المصدر السابق، ب18، ح1. (11) المصدر السابق، ب19، ح1. (12) المصدر السابق، ب8، ح19. (13) كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد: للعلامة الحلي، مق3، ف2، م20، ص412.
اخرى
رسالاتٌ في زمن الوباء (٥)
بقلم: علوية الحسيني عملٌ يطيل العمر, ويكثر الحسنات, ويزيد في الرزق, ويقوي أواصر العلاقات, ويرضي الله (سبحانه وتعالى), ألا وهو صلة الأرحام. فمن منّا لا يرجو تحقيق كل ذلك! إنّ حاجة الإنسان إلى ربّه لا زالت قائمة, فلا غنى عنه (سبحانه وتعالى), وإظهار الحاجة يكون في وقت الشدّة أكثر من وقت الرخاء, وهذه حقيقة أغلب الناس. ومن الشدائد التي يمر بها العالم اليوم هي شدّة الوباء العالمي (كوفيد19), فنجد أنّ أكثر الناس يرجون الله (سبحانه وتعالى) أن يسلّمهم من هذا الوباء, ويطيل عمرهم في عافية, ومن أحد الحلول هو توصيتهم بصلة أرحامهم ليطيل الله (سبحانه وتعالى) في عمرهم. روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) أنّه قال: "يَكُونُ الرَّجُلُ يَصِلُ رَحِمَهُ فَيَكُونُ قَدْ بَقِيَ مِنْ عُمُرِهِ ثَلاثُ سِنِينَ فَيُصَيِّرُهَا الله ثَلاثِينَ سَنَةً وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء" (1). لكن نسبة كبيرة من الناس تقع في التناقض؛ حيث يطلبون زيادة العمر من خلال برّهم بأرحامهم بزيارتهم, وفي الوقت نفسه يعرّضون عمرهم وعمر أرحامهم للموت, رغم التحذير من عدم التجمعات والاختلاط. رسالتنا اليوم ليس هدفها قطع الأرحام؛ بل صلة الأرحام أثناء الحجر الصحي, من دون زيارتهم, وذلك من خلال عدّة أفكار, منها: 1/ الاتصال الهاتفي والسؤال عن الأرحام, فهذا الطريق الأسلم, بل هو الحد الشرعي لصلة الرحم؛ حتى روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: " قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عَلَيهِ السَّلام) صِلُوا أَرْحَامَكُمْ وَلَـوْ بِالتَّسْلِيمِ يَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَاتَّقُوا الله الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالأرْحامَ إِنَّ الله كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبا" (2). فبكبسة زر ترى أرحامك ويرونك مع التطور التكنلوجي الذي نعيشه اليوم. 2/ عمل مجموعات إلكترونية في أحد مواقع التواصل الاجتماعي, تشمل كافة الأرحام -إن أمكن-, وتبادل الحديث والسؤال عنهم, هذا الطريق سيقوي الأواصر العائلية بين الأرحام كثيرًا, وسيجعلك في تواصل دائم مع أرحامك، مع حفظ الحدود الشرعية طبعاً، والحل: أن تكون مجموعة النساء مختلفة عن مجموعة الرجال. 3/ عمل جدول معيّن لتنظيم أوقات الاتصال, وأسماء الأشخاص الذين تتصل عليهم؛ كأن تخصص كل يوم للاتصال على الوالدين, والسبت على الإخوان, والأحد على الأعمام, والاثنين على الأخوال, وهكذا. فهذه الطريقة تضمن لك التفقد الدائم لأرحامك, دون أي تقصير أو نسيان. 4/ المبادرة بالاتصال على من قطعكَ من أرحامكَ, وتكرار الاتصال عليه, وهذا بحد ذاته خلق عظيم أرشدنا إليه نبي الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله)؛ فروي عنه أنّه قال: "ولا تقطع رحمك وإن قطعك" (3). 5/ ممكن أن تصل أرحامك بالصدقة الواجبة والمستحبة دون اعلامهم أنّها صدقة؛ لئلا تسبب لهم حرجًا؛ روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "...فقيل لرسول الله: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ فقال: على ذي الرحم الكاشح" (4). 6/ تتحقق صلة الأرحام بالدعاء لهم واهدائهم ثواب الأعمال المستحبة, وهذا من مصاديق إكرام الأرحام والوصل بهم, خصوصًا إذا أخبرتهم بذكرك لهم بالدعاء الصالح, وكيف لا تدعو وهم أصلك! روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال: "وأكرم عشيرتك، فإنهم جناحك الذي به تطير، وأصلك الذي إليه تصير، ويدك التي بها تصول" (5). *وهناك أربع نقاطٍ مهمة لا بد من الإشارة إليها: ■أوّلًا: ينبغي عند التواصل مع الأرحام ضرورة مراعاة (وقت الصلاة), فرغم أنّ صلة الأرحام واجبة كذلك الصلاة واجبة, إلّا أنّ هذا لا يعني تقديم الكلام مع الأرحام عـلى الكلام مع الله (سبحانه وتعالى), فلننتبه. ■ثانيًا: ينبغي على العاقل أن لا يبالغ كثيرًا في قضاء وقته مع أرحامه, فلا يهذر ويسرف في القول؛ كأن يكلمهم بما لا يعنيهم, حتى لا يكلموه بتفاهات الأمور أيضًا؛ لما للوقت من أهمية عظيمة, فذلك أسلم للطرفين؛ إذ قد تريد انجاز أمرٍ بعد الاتصال فيأخذ الأرحام وقت عملك, وقد يريدون أن يقوموا بعملٍ ما, لكن نتيجة استرسالك في الحديث تمنعهم من ذلك. فلنتأمل, ونتكلم بالحد المعقول معهم. ■ثالثًا: ضرورة تشخيص من هم الأرحام؛ حتى لا يقع الإنسان بمحذور التكلم مع غير الأرحام إن كانوا من جنسٍ آخر, "والعبرة في الرحم بالصدق العرفي" (6), ومن هنا لا يتبجح الرجل ويقول بأنّه يريد أن يصل رحمه من خلال تواصله واسترساله بالكلام مع بنات أعمامه أو عماته, أو بنات خاله أو خالاته, فهنّ أجنبيات عنه. وكذلك المرأة لا يصل بها المقام إلى حد تحقيق صلة أرحامها بالتواصل مع أبناء أعمامها أو عماتها, أو أبناء خالها أو خالاتها بما يخرج عن جدود الشرع, فهُم أجانب عنها. والتقوى فوق الفتوى. ■رابعًا: لا كبرياء بين الأرحام, ومن هنا تبرز حرمة قطع الأرحام, فكم منّا يتكبر على أرحامه, لا يصلك إلّا إذا أنت وصلته, وإن لم تصله قطعك, وهذا هجر بحد ذاته, ويحرم هجر المؤمن؛ روي عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "أيما مسلمين تهاجرا فمكثا ثلاثا لا يصطلحان إلّا كانا خارجين من الإسلام ولم يكن بينهما ولاية، فأيهما سبق إلى كلام أخيه كان السابق إلى الجنة يوم الحساب" (7). هذا إن كان تهاونه في صلة أرحامه من باب الهجر لهم. أما إن كان من باب القطع بهم, فقاطع الرحم ملعون بصريح القرآن الكريم؛ قال الله (سبحانه وتعالى): {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (8), وهذا افسادٌ في الأرض, تلك الأرض التي ينادي الجميع اليوم بتخليصهم من الفساد فيها, فليس الفساد ماليًا أو إداريًا فقط, بل أخلاقيًا, فهلّا أصلحنا فساد أنفسنا بصلتنا لأرحامنا؟! فما أحوجنا اليوم لرفع اللعنة عنّا وترقب الرحمة الإلهية بنا لا سيما ونحن نعيش ما كسبته أيدينا من بلاءٍ ووباء, فلنتأمل قليلًا. *وخلاصة الرسالة: صِل رحمكَ بجميع الوسائل, ما عدا الزيارة في الوقت الراهن؛ حفاظًا على حياتك وحياتهم من نشر الوباء. ولا تنس أن تصل حتى من قطعك. ___________________ (1) الكافي للشيخ الكليني, ج2, باب صلة الرحم, ح3. (2) المصدر نفسه, ح22. (3) بحار الأنوار: للعلامة المجلسي, ج71, صلة الرحم، واعانتهم، والاحسان إليهم، والمنع من قطع صلة الأرحام، وما يناسبه, ح63. (4) المصدر نفسه, ح61. (5) نهج البلاغة, ج3, ص57. (6) موقع مكتب السيد السيستاني دام ظله, صلة الأرحام, س3. (7) وسائل الشيعة: للحر العاملي, ج12, باب تحريم هجر المؤمن بغير موجب، وكراهته بعد الثلاث معه، استحباب المسابقة إلى الصلة, ح5. (8) سورة محمد: 22-23. اللهم سددني لأن أجزي من هجرني بالبر, وأكافئ من قطعني بالصلة, ولا تجعلني من أهل عقوق الأرحام, بحق محمدٍ وآله خير الأنام.
القضايا الاجتماعيةالتعليقات
يتصدر الان
لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع
يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي
اخرىبين طيبة القلب وحماقة السلوك...
خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي
اخرىلا تقاس العقول بالأعمار!
(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي
اخرىالمرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)
بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.
اخرىالطلاق ليس نهاية المطاف
رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي
اخرىهَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ
عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي
اخرى
Najat Razak
منذ 5 سنوات
نسال الله ان يجعلها في ميزان الحسنات أثقل بضاعة عند الكريم