تشغيل الوضع الليلي

صلاة بالظهور تتم

منذ سنة عدد المشاهدات : 543

بقلم: نورا گاصد العبودي
أحمل قلبي بيدي منذ أعوام وهو على قيد أمل لُقياك يعيش... كل أمانيه أن يؤدي صلاة أنت إمامها، بالخشوع تبدأ وبتدبير الأمر تُختتم... بين يديك تخر أمانينا ساجدة وتنصت لك كل حواسنا لترانيم صوت أذانك... الله أكبر، فتشهق الملائكة مرددة خلفك: الله أكبر...
قلبي الذي يبعث كل يوم من أيام شهر رمضان بدعائه على جناح الفراشات الحمراء! يؤطره بحلمه ويملي نفسه بصبر أيوب (عليه السلام)... أهز كل جذوع النخل فأجدها يابسة! لا تأوي غير النوى... ليتها كنخلة مريم (عليها السلام) تساقط علي ثمرًا جنيًا... العتمة تشق طريقها في كل جوانب روحي، لم تدع خلفها زقاقاً إلّا وكان لها مرتع ومقام! كظلام بطن الحوت على يونس (عليه السلام).
بات الحزن الأسود يذرف أمطاره على نوافذ الأحلام... قطرات غيث ملؤها غبار الفراق...
كبل الحزن أحلامي وقتل أمنياتي الصغيرة... كل الأبواب مؤصدة بوجهي كتلك التي أُقفلت أمام يوسف (عليه السلام).
إنها العجاف السبع يا مولاي! باتت تنهك بنا... تحيدنا عن الدرب ونعود نهرول خوفًا من خسرانك ونتمسك بك...
ونحن نرفع الأكف نرجو الله (سبحانه و تعالى)... ترتفع كل أكف المؤمنين وترتفع معها فراشات الدعاء حتى تصل إلى أعلى السماء... وميض النجوم المستبشرة هو أروع المناظر على الإطلاق.. أُشاهدها تستقبل فراشتي وتمهد لها طريق العبور.. تعبر بأمان.. سيري يا فراشة فأنتِ في قلبي وكفالة ابن الحسن (عجل الله فرجه).
بحضورك يا مولاي ستتم صلاة العيد.. فائز هو من يحظى بذلك اليوم.. سيمضي الليل مكفهراً وجهه عابساً!
يولي وجهه خجلًا منك ويداري بنفسه عن ظُلّامه...
ينجلي الأسى ويعم الفرح بثوبٍ أبيض أجمل من لون ورد الياسمين.. ستنشد الأيام أجمل تراتيل الفرح وبكل لون.. سينضب الحبر عن كتابة خواطر العشق إلّا لك.. فيمسي الشعر حرًا والقصص خالية من الخيال!
سيغادر الألم وينبت الحلم في مدينة الأوهام...

اخترنا لكم

الإمامُ الباقرُ مُصلِحٌ، ومُفكِّرٌ، ومُجدِّدٌ

بقلم: عباس قاسم المرياني كانَ للإمامِ الباقرِ (عليه السلام) دورٌ كبيرٌ ومُشرِّفٌ في تشذيبِ كيانِ المُجتمعِ الإسلامي، وإعادةِ ترميمه، وإقامةِ صروحِ العلمِ والفِكرِ، بل كانَ مدرسةً كاملةً.. لذلك أنصبّتْ جهودُه (عليه السلام) على تأسيسِ لبنةٍ علميةٍ ذات قاعدةٍ عريضةٍ، وهذه اللبنةُ اتسعتْ وتطوّرتْ بعدَ ذلك في عهدِ ولدِه الإمامِ الصادق (عليه السلام) فتنوّعتِ المجالات العلميةَ والفكريةَ فيها من جميعِ العلوم. كانَ (عليه السلام) مركزًا لجذبِ واستقطابِ الفقهاءِ وروّادِ العِلمِ والمعرفةِ في الدولةِ الإسلاميةِ، حيثُ عقدَ المناظراتِ والحواراتِ معهم ومع غيرِهم. وبهذا استطاعَ (عليه السلام) أنْ يُفنِّدَ ويردَّ العديدَ من الأحاديثِ والأفكارِ المُزيّفةِ والموضوعة، كما ساهمَ في زيادةِ النتاجِ العلمي والمعرفي بشكلٍ فعّالٍ من خِلالِ شحذِ الهِممِ وتبديلِ التصوّراتِ بالاتجاهِ الصحيحِ والحُرّ، فكانتْ ثمارُ عملِه هذا أنْ يولِّدَ فترةَ انتعاشٍ فكري رغمَ المُضايقات. كما أثرى المُجتمعَ الإسلامي بكفاءاتٍ علميةٍ وثقافيةٍ كبيرةٍ تميّزوا بنضوجِهم الفكري وتصدّوا لعمليةِ النهوضِ بواقعِ الأُمّةِ الإسلاميةِ، والأمثلةُ على هؤلاء كثيرةٌ. وبالنظرِ لما لاقتْه نهضةُ الإمامِ الشاملةِ من استجابةِ وترحيبِ وتوجُهِ أغلبِ عناصرِ المُجتمعِ إلى مدرستِه الفكريةِ والعلميةِ، أخافَ ذلك الأُمويين وأقلقَهم فأمرَ هشامُ بن عبد الملك باستقدامِ الإمامِ الباقر وابنِه الإمامِ الصادق (عليهما السلام) إلى دمشقَ؛ ليجعلَهم تحتَ نظره. حاول هشام أنْ يُقلِّلَ من شأنِ الإمامِ فقال له: يا مُحمّد بن علي، لا يزالُ الرجلُ منكم يشقُّ عصا المُسلمين، ويدعو لنفسِه ويزعمُ أنّه الإمامُ باطلًا ودون علم. فردَّ الإمامُ (عليه السلام) بكُلِّ جُرأةٍ ودون خوفٍ أو تردُّد: أينَ تذهبونَ، وأينَ يُرادُ بكم؟ بنا هدى اللهُ أولكم، وبنا يختمُ آخركم، فإنْ كان لكم ملكٌ مُعجّلٌ فإنَّ لنا مُلكًا مؤجلًا وليسَ بعدَ مُلكِنا ملكٌ؛ لأنّنا أهلُ العاقبةِ ويقولُ في ذلك (عزّ وجلّ): (والعاقبةُ للمُتقين). وبسبب كلامِ الإمامِ هذا أمرَ هشام بسجنه، ولمّا رأى نُزلاءُ السجنِ تقوى الإمامِ وورعِه وسعةِ علمِه رغبوا إليه واتبعوه، فأخافَ ذلك هشامَ وتحيّرَ في أمرِه فأطلقَ سراحَه وأرجعَه إلى المدينةِ المنورة. وأثناءَ خروجِه (عليه السلام) وجدَ جمعًا من الرُهبانِ والقساوسةِ، فجلسَ معهم وكانَ لهؤلاء عالمٌ يقعدُ لهم في كُلِّ سنةٍ يسألونه فيُجيبهم، ولمّا جاءَ عالمُ النصارى توجّه نظرُه إلى الإمامِ (عليه السلام) فسأله: أأنتَ مِنّا أم مِنْ هذه الأُمّةِ المرحومة- يعني المسلمين-؟ قالَ الإمامُ: بل منْ هذه الأُمّةِ المرحومة. فقالَ: أمِنْ عُلمائها أم من جُهّالها؟ قالَ الإمامُ: لستُ من جُهّالِها. وقالَ: أسألُك؟ قالَ الإمامُ: سَلْ. قالَ: من أينَ ادّعيتم أنَّ أهلَ الجنةِ يأكلونَ ويشربونَ ولا يُحدثون ولا يبولون؟ وما الدليلُ؟ وهل من شاهدَ الجنة؟ قالَ الإمامُ: الدليلُ الذي لا يُنكَرُ الجنينُ في بطنِ أُمّهِ يُطعَمُ ولا يُحدِثُ، فاضطربَ عالمُ النصارى من ذلك. وقالَ: زعمتَ أنّك لستَ من عُلمائها؟ فقال: ولستُ من جُهّالِها. قالَ: فأسألُك عن مسألةٍ أخرى؟ قالَ: سَلْ. قالَ: من أينَ ادّعيتم أنّ فاكهةَ الجنةِ غضّةٌ طريةٌ؟ وما الدليلُ من المُشاهدات؟ قالَ: إنّ الفراتَ غصنٌ طريٌ موجودٌ غير معدومٍ لا ينقطع. فتعجّبَ الحضورُ من سِعةِ علمهِ وسُرعةِ ردِّه. وأصبحَ لهذه المُناظرةِ صدى كبيرٌ وواسعٌ في دمشقَ واستبشرَ أهلُ الشام بما قامَ به الإمامُ من دحضِ آراءِ عالمِ النصارى. إلا أنّ هذا شكَّلَ ضغطًا كبيرًا على هشام الأُموي الذي أغضبَه ذلك، وولَّدَ هيجان الشاميينِ ضدَّه وميولهم إلى آلِ البيت؛ لذلك عَمدَ بعدَ ذلك إلى مُحاولةِ ضربِ أو تصفيةِ القواعدِ الفكريةِ للإمامِ الباقر (عليه السلام) فأمرَ بقتلِ أتباعِ الإمامِ ومنهم جابر بن يزيد الجعفي. فلمّا عَلمَ الإمامُ بذلك طلبَ من جابر أنْ يتظاهرَ بالجنون تقيةً لنفسِه وحفاظًا عليها، وفعلًا نجا جابرُ من القتلِ بعدَ ما ادّعى الجنون. ومارسَ الإمامُ (عليه السلام) عملًا كبيرًا للتخفيفِ من كاهلِ المُجتمعِ الاقتصادي الذي كانَ يعيشُ البؤسَ والفقرَ في بعضِ طبقاتِه، فعملَ على الإنفاقِ على الفقراءِ والمُحتاجين من خلالِ توزيعِ ما لديه من أموالٍ، أو تشجيعِ إنفاقِ الصدقاتِ عليهم، فضلًا عن ذلك حرصَ على تأمينِ الأموالِ لطلبةِ العلم. من خلالِ ما تقدّمَ نجدُ أنَّ الإمامَ كانَ يعيشُ مُجتمعًا مُبدّدَ الأوصالِ تنتابُه الفتنُ والاضطراباتُ بسببِ سوءِ سياسةِ الحُكّامِ وطُغيانِهم؛ لذلك حاولَ (عليه السلام) أنْ يرفعَ من مستوى المُجتمعِ وحمايتَه بكُلِّ السُبُلِ المُتاحةِ له رغمَ المُضايقاتِ والتهديداتِ التي تعترضُه. فعملَ على ذلك كما ذكرْنا من خلالِ تهيئةِ الطاقاتِ البشريةِ ورفعِ مستواها الفِكري وقيمتِها السلوكية، ومعالجةِ الوضعِ الاقتصادي للأُمّةِ الإسلاميةِ بطرحهِ العديدَ من النظرياتِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ التي ساعدتْ في مُعالجةِ بعضِ المشكلاتِ. لذلكَ كانَ للإمامِ الباقر (عليه السلام) دورٌ فكري واقتصادي واجتماعي كبيرٌ جدًا في بناءِ مُجتمعٍ مُتكاملٍ بما طرحَه وعملَه. ونجدُ ذلك واضحًا فيما بعدُ في مدرسةِ الإمامِ الصادق (عليه السلام) التي عُدَّتْ من أهمِّ مدارسِ الفِكرِ إنْ لم تكن أفضلها. وانتجتِ العديدَ من العلومِ الفكريةِ والمعرفيةِ المُهمّة، وخرّجتِ الكثيرَ من العُلماءِ الذين أفاضوا على الأُمّةِ الإسلاميةِ الفيضَ الجزيلَ والعطاءَ الوفيرَ الذي لم ينضبْ حتى الآن.

اخرى
منذ 11 شهر
358

رسالةُ محبة (٢)

بقلم: رشا عبد الجبار لو تعرفين قيمةَ أنْ تكوني امرأةً ما غضضتِ الطرفَ عن السترِ والحشمةِ أبدًا؛ فاللهُ (تعالى) قد أودعَ فيكِ خصالًا جمّةً، خصالاً تُفُصِحُ عن مدى أهميتِك في المُجتمع، فأنتِ النصفُ وبسعيكِ الدؤوب تُسهمين في بناءِ النصفِ الآخر.. أُخيّتي، اعرفي قيمةَ نفسِك، وكوني حريصةً على أنْ تكوني مصداقًا للخيرِ والبركة؛ فقد عُقِدتْ عليكِ الآمالُ بإيمانك.. عزيزتي مِمَّ تشكو الملابسُ الفضفاضةُ، لتلبسي ملابسَ ضيقةً تحكي معالم جسدِك؟! ها أنتِ تُحبّين أنْ يكونَ بيتُك واسعًا، تلفُّه لمحةٌ من لمحاتِ الهدوء والراحة.. وتختارينَ من الأثاثِ ما يملأ عينيكِ وعيون ضيوفِك بهجةً وجمالًا.. فلِمَ تختارين ملبسًا يُسقِطُ من مهابتِك ويحطُّ من قيمتِك، لا لشيءٍ سوى لأنّه على الموضة! أيُّ رُقيٍ هذا الذي يدفعُكِ إلى ارتداءِ المُمزّقِ من الثياب، ويجعلكِ أضحوكةً ! أ تحسبينَ أنّك بذلك اللباس ستكونين أميرةً؟ كلا... أنتِ حينئذٍ مُجرّدُ دُميةٍ مُتحركةٍ، ينفخونَ في رأسكِ لتتبعيهم متى ما أرادوا ذلك..

اخرى
منذ 10 أشهر
515

قطبُ الرحى في حديثِ الثقلين

الجزء الثاني بقلم: أُمّ محمد السوداني ٤-الخلود: إنّ الحكمةَ الإلهيةَ اقتضتْ أنْ يكونَ الدينُ الخالدُ مقرونًا بالمُعجزةِ الخالدةِ حتى تتمَّ الحُجّةَ على جميعِ الأجيالِ والقرونِ إلى أنْ تقومَ الساعةُ: "لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا"(النساء65)؛ لأنّ القرآنَ الكريمَ هو معجزةُ خاتمِ الأنبياءِ والمُرسلين، جعلَه اللهُ (تعالى) خالدًا إلى يومِ القيامة. وقد ذكرَ النبيُّ الخاتمُ هذا في حديثِ الثقلين بقوله: "لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض"، والحوضُ هو حوضُ الكوثرِ والذي مقامُه يومَ القيامة. إذن فخلودُ القرآنِ مُلازمٌ لخلودِ العترةِ الطاهرة، يدلُّ على ذلك مرورُ أكثرِ من أربعة عشر قرنًا ونيف على نزولِ القرآن وعلى حديثِ الثقلين وما زالا موجودين وخالدين إلى يومِنا هذا ونحن في القرن الواحد والعشرين الميلادي، وسيخلدانِ إلى يومِ القيامة. أما سببُ هذا الخلود؛ فلأنّهما ينتسبانِ للخلودِ المطلق، ولأنّ إرادةَ اللهِ (تعالى) قد أرادتْ لهما الخلود، فرغمَ جحودِ الكافرينِ وشُبُهاتِ المُرجفين إلا أنّ القرآنَ كُلّما مرّتِ العصورُ لا يزدادُ إلا غضاضةً وغزارةً بالعلوم، روي أنّ رجلًا سأل الإمامَ الصادقَ (عليه السلام): ما بالُ هذا القرآن لا يزدادُ عندَ النشرِ والدراسةِ إلا غضاضةً فقال: "لأنّ اللهَ لم يُنزِلْه لزمانٍ دونَ زمان، ولا لناسٍ دون ناس، فهو في كُلِّ زمانٍ جديدٍ، وعندَ كُلِّ قومٍ غضّ إلى يومِ القيامة"(6) وهذا دليلٌ على خلوده، والعترةُ الطاهرةُ خالدةٌ أيضًا رغمَ مُحاولةِ أعداءِ الدينِ التعتيم على دورِهم وفضائلِهم وجهادِهم في سبيلِ نُصرةِ الإسلامِ ونشرِ أحكامِ القرآن إلا أنّهم كالشمسِ مثلما ذكرَ القرآنُ ذلك بقوله: "يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ"(التوبة٣٢). وذكرَ المفسرون أنّ هذا وعدٌ حتميٌ بانتشارِ الإسلامِ وتطبيقِ القرآنِ الكريمِ بينَ البشريةِ جمعاء، وهذا لا يتحقّقُ إلا بزمانِ ظهورِ الحُجّةِ ابنِ الحسنِ خليفةِ رسولِ اللهِ (صلوات الله عليهم أجمعين)، فالقضيةُ المهدويةُ خالدةٌ وحاضرةٌ مع خلودِ القرآن؛ لأنّها امتدادُ العترةِ الطاهرة. ومن آثارِ خلودِ العترةِ الطاهرةِ الثورةُ الحُسينيةُ العظميةُ، فقد خرجَ الإمامُ الحسينُ (عليه السلام) لإنقاذِ الأُمّةِ الإسلاميةِ من الانحراف، وضحّى بأولادِه وإخوته في صحراءِ كربلاء إذ قُتِلوا غُرباء، فمن يتوقّعُ لهم الخلودُ مع كُلِّ ما فعلته الماكنةُ الإعلاميةُ الأمويةُ الخبيثةُ من تشويهِ صورتِهم والطعنِ فيهم إلا أنّ نورَهم علا كمناراتِهم الذهبيةِ في كربلاء، وسببُ هذا الخلودِ الحُسيني انتسابُه للهِ (عزّ وجلّ)، فهم فتيةٌ آمنوا بربِّهم وأخلصوا للهِ (تعالى) فصارَ الحُسينُ ثأرَ اللهِ الموتور؛ لأنّ رسالتَه إلهيةٌ وقضيتَه ليستْ شخصيةً، فصارَ الطلبُ بثأرِه انتصارًا للرسالةِ وإحباطًا للجاهليةِ التي قاتلَها الحُسينُ وأصحابُه.. فكربلاءُ جسّدتْ صراعًا بينَ حضارتينِ بينَ الإسلامِ والجاهليةِ، ومُقاومةُ الحُسين (عليه السلام) وثورتُه الإصلاحيةُ هي لإيقافِ زحفِ الردّةِ الجاهليةِ على المجتمعِ الإسلامي، وقد تعهّدَ القرآنُ الكريمُ بحفظِ دمِ الشهيدِ المُخلص للهِ (سبحانه) حيث قال: "إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ"(غافر٥١)، وقد وردت آياتٌ كثيرةٌ عن نصرِ الله (تعالى) لمن ينصرُه ويُدافعُ عن دينِه. وسِرُّ خلودِ العترةِ الطاهرةِ هو تعهُّدُ اللهِ (عزّ وجلّ) بحفظِ جهودِ العاملين في سبيلِه حيثُ قال تعالى: "وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ" (الأعراف١٧٠) وهل هناك من يعملُ في سبيلِ اللهِ (تعالى) مثل مُحمّدٍ وآلِ محُمّدٍ (صلوات وسلامه عليهم)، إذ ضحّوا بأنفسهم للهِ (تعالى) وفي سبيله وعلى مِلّةِ رسولِه؛ ليستنقذوا عبادَه من الجهالةِ وحيرةِ الضلالة. ٥-التأثير: لا يختلفُ اثنانِ في أنّ للقرآنَ تأثيراً على الإنسانِ، وقد ظهرَ تأثيرُه على الجاحدين والكافرين وعلى المُسلمين على حدٍّ سواء، وقد ذكرتْ كُتُبُ التاريخِ قصصَ العُتاةِ وأهلِ البلاغةِ من قُريش وتأثُّرَهم بالقرآنِ العظيم واعترافَهم بذلك، منهم الوليدُ بن المُغيرة وهو من حُكّامِ العربِ وكانَ الشعراءُ يحتكمونَ إليه فلمّا سمعَ القرآنَ قال: واللهِ لقد سمِعتُ من مُحمّدٍ آنفًا كلامًا ما هو من كلامِ الإنس ولا من كلامِ الجن، وإنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة وإنّ أعلاه لمثمر وإنّ أسفله لمغدق، وإنّه ليعلو ولا يُعلى عليه"(7) إنَّ المشركينَ لمّا علِموا بتأثيرِ القرآنِ على النفوسِ منعوا الناسَ من الاستماعِ إليه، قال (تعالى): "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ"(فصلت٢٦). وعلى الرغم من حربِهم الإعلاميةِ ومنعِ أهلِ مكةَ من سماعِه إلا أنّ كُلَّ من يسمعُه يتأثّرُ به، إنّ القرآنَ الكريمَ غيّرَ أُمّةً كانتْ لا تعرفُ غيرَ التقاتُلِ والتناحُرِ فيما بينها وكانوا يشربون الطرق ويقتاتون الورق، أذِلّةً خاسئين فمنَّ اللهُ (تعالى) عليهم بمُحمّدٍ وبقرآنهِ العظيم وأصبحوا خيرَ أُمّةٍ أُخرِجتْ للناسِ وأصبحَ القرآنُ دستورًا للحياةِ المدنيةِ ومنهاجًا للإنسانيةِ ولا غرابةَ فاللهُ (عزّ وجلّ) يُخبِرُنا بقوّةِ تأثيرِ القرآنِ على كُلِّ الموجوداتِ حيث قال: " لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ"(الحشر٢١). أي لتصدّعتِ الجبالُ الرواسي لكمالِ تأثيرِه على القلوبِ وعلى كُلِّ الموجوداتِ في هذا الكون. والعترةُ الطاهرةُ لأنّها مُلازِمةٌ للقرآنِ فهي أيضًا لها تأثيرٌ بالغٌ في النفوسِ؛ فهم يُمثِّلون روحَ القرآنِ ونهجَه القويم، والكُتُبُ تزخرُ بسيرةِ أهلِ البيت وأثرِهم على الناسِ، وقصةُ الإمامِ موسى بن جعفر (صلوات الله عليهما) مع بِشرِ الحافي الذي كانَ ماجنًا منحرفًا عن نهجِ الإسلامِ، وبكلمةٍ واحدةٍ سمعَها من الإمامِ انقلبَ كيانُه وصارَ من المؤمنين المُخلصين للهِ (تعالى) ورسولِه (صلى الله عليه وآله). وكذا الإمامُ الحسين (صلوات الله عليه) فلا يسمعُ أحدٌ بقصةِ ذبحِه الأليمةِ وتضحيتهِ برضيعِه وأهلِ بيته الأطهار إلا ما تأثّرَ وصارَ سببًا في بحثِه عن الإسلامِ ليعرفَ حقائقَه، خصوصًا في عصرِنا الحالي حيثُ لا قيودَ على الفِكرِ الواعي والعقولِ المُستنيرةِ. وكذا أميرُ المؤمنين (عليه السلام) الذي حيّرَ الباحثين والكُتّابَ والعُلماءَ بسيرتِه وعدلِه بينَ الناسِ حتى كتبَ عنه المُحِبُّ والمُبغِضُ والناكِرُ لولايتهِ من جميعِ المذاهبِ الإسلاميةِ وحتى الدياناتِ المُختلفة، وكتابُ عليٌ صوتُ العدالةِ الإنسانيةِ للكاتبِ الشهير جورج جرداق المسيحي ليس بعيدًا عنا فقد أثارَ ضجّةً في الأوساطِ العلميةِ والأدبيةِ وتأثّرَ به كثيرٌ من الناس، وهناكَ العشراتُ من المؤلفاتِ عن هذه الشخصيّةِ العظيمة (علي بن أبي طالب). إذن نستنتجُ ممّا تقدّمَ أنّ الأخبارَ قد تواترتْ على أنّ العترةَ الطاهرةَ عدلُ القرآنِ والثقلُ الذي أوصى به النبيُّ الأعظمُ والدالُّ على تلاحُمِهم المُطلقِ مع القرآنِ فكرًا وقولًا وعملًا، بل نجزمُ لولا مُحمّدٌ وآلُ مُحمّدٍ ما خُلِقَ القرآنُ لأنّهم هم من دافعوا عنه، وهم من نشروا علومَه وفسّروه للناسِ، ووضّحوا أحكامَه، ولولا مُحمّدٌ وآلُ محُمّدٍ ما عُرِفَ الكتابُ المجيدُ ولا بقي شيءٌ منه، وقد بيَّنَ اللهُ (عزّ وجلّ) هذا المعنى في حديثِ الكساء بقوله: (ما خلقتُ سماءً مبنيةً ولا أرضًا مدحيةً ولا فلكًا يدورُ إلا لأجلهم)(٨)، ورويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "نحنُ الشعارُ والأصحابُ والخَزَنةُ والأبواب"(9) فلولا القرآنُ لم يكنْ للحياة هُدى ولا للإنسانِ رُشدٌ، ولولا مُحمّدٌ وآلُ مُحمّدٍ لم يكنْ للرشدِ مُرشدٌ ولا للعلمِ مُعلِّمٌ، فالقرآنُ أصلُ العلمِ والعترةُ الطاهرةُ معرفتُه ومعدنُه وبيانُه. مُحمّدٌ وآلُ مُحمّدٍ هم خَزَنةُ القرآنِ وأبوابُ اللهِ (تعالى) وهم أصحابُ الجنةِ وأبوابُها، نختمُ بروايةٍ بليغةٍ جامعةٍ وتختصرُ كُلَّ ما ذكرناه سابقًا على لسانِ مؤسّسِ المدرسةِ الجعفريةِ التي نشرتِ العلومَ المُحمّديةِ وخرّجتْ آلافِ الطلاب الذين انتشروا في الأمصارِ لتعليمِ الناسِ أحكامَ القرآنِ وأصولَ الدينِ الحنيف، حيثُ قال: "إنّ اللهَ جعلَ ولايتَنا أهلَ البيتِ قُطبَ القرآن"(10) والقطبُ هو قطبُ الرحى بضُم القاف وفتحها وكسرها، (والقُطبُ كوكبٌ بين الجدي والفرقدين يدورُ عليه الفلك)(11) والتأمُّلُ والتفكُّرُ في هذه الروايةِ العظميةِ يفتحُ لنا أبوابًا للعلمِ ومعرفةِ أسرارٍ للباحثين عن الحقائق المُستودعةِ بمُحمّدٍ وآلِ مُحمّدٍ الأطهار. إنَّ مُحمّدًا وآلَ مُحمّدٍ هم أصلُ القرآنِ وهو يدورُ حولهَم كما تدورُ الأرضُ حولَ الشمس، وقد أكَّدَ ذلك خاتمُ الأنبياءِ والمرسلين: "عليٌّ مع القرآنِ والقرآنُ مع علي"، فأكثرُ ما نزلَ من القرآنِ مُرتبطٌ بهم من قريبٍ أو بعيدٍ، فبعضُه في ولايتِهم ومحبّتِهم وطاعتِهم، وبعضُه في فضحِ أعدائهم، وبعضُه في فضائلِهم والأحكامِ التي لا تصلُ غايتَها ولا تقعُ مقبولةً عندَ الله (تعالى) إلا بمحبتهم. ولتلازُمِ القرآنِ والعترةِ الطاهرةِ فما زالَ ينزلُ عليهم كُلَّ ليلةِ قدرٍ في شهرِ رمضانَ المبارك، إذ ينزلُ على ابنِ رسولِ الله وخاتمِ أوصيائه الحجةِ ابن الحسن فهما لن يفترقا إلى يوم القيامة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ٦-عيون أخبار الرضا ،٩٣،ا/ح٣٢ ٧-محمع البيان ج٥،ص٣٨٧ ٨-مفاتيح الجنان ،ص٣٢٤ ٩-نهج البلاغة ،ص٢١ ١٠-بحار الأنوار ج٢٧،ص٩٨ ١١-مختار الصحاح، ص٢٥٣

اخرى
منذ شهرين
171

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 3 سنوات
112029

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
105484

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
63589

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
59339

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
57299

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
52421