تشغيل الوضع الليلي

خاطرة

منذ أسبوع عدد المشاهدات : 69

في ليلةِ العشقِ الملكوتي
تجرّدَتِ الروحُ من سلاسلِ الرذيلة
واغتسلت من واحةِ الاستغفار
واستنشقتْ رحيقَ التوبة
ولامستْ أرضَ الخيالِ
لتبحثَ عن ومضةِ عطفٍ
تدلُّها على طريقِ النجاة
في ذراتِ ترابٍ لامستْ قدماي

#أمير_عرفة

اخترنا لكم

شبهاتٌ حول مذهب التشيّع/ في التوحيد(9) حدوث كلام الله تعالى وقدمه

ما المراد من كلام الله تعالى؟ وكيف يتكلم سبحانه؟ وهل كلامه قديم بقدمه سبحانه؟ أم حادث مخلوق؟ وهل اتفقت المذاهب على معتقدٍ واحد؟ وما هو القول الفصل؟ الجواب على هذه التساؤلات سيتضح ضمن المطالب التالية. المطلب الأول: ما هو كلام الله تعالى؟ لم تتفق المذاهب الكلامية على تشخيص ماهية كلام الله عز وجل, فمنها من قالت بأنه أصوات وحروف مركبة تركيباً مفهماً، ومنها من قالت بأنه نفساني. وعلى كل حال، فالذي ذهب إليه الشيعة الإمامية هو أن كلام الله عبارة عن "أصوات وحروف يخلقها الله ليوصل عن طريقها مقصوده إلى المخاطب، ويسمّى هذا الكلام بـالكلام اللفظي"(1). وتبعهم المعتزلة، قال القاضي عبد الجبار: " حقيقة الكلام الحروف المنظومة، والأصوات المقطعة، وهذا كما يكون منعما بنعمة توجد في غيره، ورازقا برزق يوجد في غيره، فهكذا يكون متكلما بإيجاد الكلام في غيره وليس من شرط الفاعل أن يحل عليه فعل "(2). وأما الأشاعرة فذهبوا إلى الكلام النفسي، الذي قال في تفسيره الفاضل القوشجي: " إن من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو إخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبر عنها بالألفاظ التي نسميها بالكلام الحسي، فالمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده، لا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات ويقصد المتكلم حصوله في نفس السامع ليجري على موجبه، هو الذي نسميه الكلام النفسي"(3). المطلب الثاني: كيف يتكلم الله سبحانه؟ أجمعت المذاهب الإسلامية على أنّ الله تعالى متكلم, إلاّ أنها اختلفت في الطريق الذي أثبتت به هذه الصفة لله سبحانه, "فالشيعة الإمامية تعتقد بأنّ الطريق نقلي وهو القرآن الكريم حيث فيه قال تعالى: {وكلّم الله موسى تكليما}, ووافقهم المعتزلة في ذلك, أما الأشاعرة فطريقهم عقلي"(4). كما اختلفوا في كيفية الكلام, رغم تعدد مصاديقه التي أشارت لها الآية الكريمة:{ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء}(5). فتارةً يكون إيحاءً, واخرى إيجاداً لشيء, واخرى لفظاً. 1- الكلام إيحاء بدليل الآية الكريمة: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ *عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِين}(6). 2- الكلام نفس وجود الأشياء بدليل الآية الكريمة: { إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَة}(7). 3- الكلام لفظ بدليل الآية الكريمة: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِين}(8). وفي كيفية التكليم اختلفت المذاهب الإسلامية، ونذكر فرعين في ذلك: الفرع الأول: كيفية تكلم الله سبحانه في معتقد الشيعة الإمامية تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الله سبحانه تكلّم عن طريق خلق أصواتٍ في غيره مركبة تركيباً مفهماً, كما في قيام كلام الله تعالى في الشجرة حينما كلّم موسى النبي (عليه السلام). إذاً كلامه سبحانه هو فعله وإيجاده, وهو أمرٌ ممكن, والباري سبحانه قادرٌ على جميع الممكنات؛ لمقتضى اطلاق قدرته, وامتناع وجود المانع من تعلّق قدرته بجميع المقدورات"(9). ووافقهم المعتزلة في ذلك. الفرع الثاني: كيفية تكلم الله سبحانه في معتقد الأشاعرة تعتقد الأشاعرة أنّ كلام الله تعالى معنى قديم قائم بذاته، وهو مغاير للصفات الذاتية كالعلم والقدرة, وهو ليس حرفاً, ولاصوتاً, ولااستخباراً, ولاخبراً, ولاأمراً, ولانهياً. المطلب الثالث: هل كلام الله تعالى قديم أم حادث؟ اختلفت المذاهب الإسلامية في ذلك, حتى سفكت دماء بسبب هذا الاختلاف, فسميت تلك المحنة بـ(محنة خلق القرآن), والكتب الكلامية أسهبت في بيانها. وعليه سيتم التعرف على عقيدة أشهر المذاهب الإسلامية في ذلك إجمالاً. الفرع الأول: حدوث كلام الله سبحانه في معتقد الشيعة الإمامية تعتقد الشيعة الإمامية أن لا قديم إلاّ الواجب سبحانه, وصفاته الذاتية -بلحاظ أنّها عين ذاته, فلا اثنينية-, وأما كلام الله سبحانه فهو من الصفات الفعلية(10), وكل صفة فعلية فهي حادثة. والقران الكريم صرح بأن كلام الله سبحانه حادث, بدليل الآية الكريمة: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون}(11). ويعلق العلامة السبحاني (رضوان الله عليه) ويقول: "ليس المراد كونه محدثا من حيث نزوله، بل المراد كونه محدثا بذاته بشهادة أنه وصف ل " ذكر "، فالذكر بذاته محدَث، لا بنزوله فلا معنى لتوصيف المحدث بالذات بكونه من حيث النزول، لتقدم ما بالذات على ما بالعرض. ويدل على حدوثه قوله سبحانه: (ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا) فهل يصح توصيف القديم بالإذهاب والإعدام ؟!"(12) سادة التوحيد أهل البيت (عليهم السلام) لم يتركوا شيعتهم سدى دون بيان معالم اصول الدين, وقد صدحوا بأنّ كلام الله سبحانه حادثٌ مخلوق, حيث قال الإمام علي(عليه السلام): "يقول [ تعالى ] لما أراد كونه "كن" فيكون، لا بصوت يَقرَع، ولا بنداء يُسمع، وإنّما كلامه سبحانه فعلٌ منه، أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائناً، ولو كان قديماً لكان إلهاً ثانياً"(13) فالإمام (عليه السلام) يشير إلى عقيدتنا في كلام الله تعالى بأنه صفة فعلية له سبحانه. وسُئل الإمام العسكري (عليه السلام): القرآن مخلوق أم غير مخلوق؟ فقال: للسائل: يا أبا هاشم، الله خلق كل شيء وما سواه مــخلوق(14). الفرع الثاني: قِدم كلام الله سبحانه في معتقد أبناء العامة أبناء العامة كفّروا من قال بحدوث القرآن, وجعلوا جهنم مثواه _ ويكأن مفاتح أبواب الجنة بيدهم_. قال أحمد بن حنبل: "والقرآن كلام الله ليس بمخلوق، فمن زعم أنّ القرآن مخلوق فهو جهمي كافر، ومن زعم أنّ القرآن كلام الله عزّ وجلّ ووقف، ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق، فهو أخبث من الأوّل. ومن زعم أنّ ألفاظنا بالقرآن وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي، ومن لم يكفِّر هؤلاء القوم كلّهم فهو مثلهم"(15). المطلب الرابع: القول الفصل أنّ القول بقدم القرآن الكريم يلزمه النتائج الفاسدة التالية: 1-لو كان القرآن قديماً للزم تعدد القدماء. إذ لو افترضنا أنّ القرآن الكريم قديم - غير مسبوق بالعدم- وهو مستقل بذاته، فلزم تعدد القدماء. 2- لو كان القرآن قديماً للزم الكذب على الله سبحانه. بيان الملازمة: لو سلّمنا جدلاً بأنّ القرآن الكريم قديم, وقرأنا الآية الكريمة: {إنّا أرسلنا نوحاً إلى قومه} نجد أن الفعل (أرسل) ماضي, وحيث أنّه سبحانه لم يخلق بشراً منذ الزمن الأزلي ولا حتى النبي نوح (عليه السلام) فيكون مدلول الآية هو الكذب الصادر من الله سبحانه, وتعالى عن ذلك علواً كبيرا. أي إنه يلزم أن يكون الإخبار قبل الوقوع. 3- لو كان القرآن قديماً للزم ثبوت العبث واللغو لله سبحانه. بيان الملازمة: لو سلّمنا جدلاً أنّ القرآن الكريم قديم وقرأنا الآية الكريمة: {وأقيموا الصلاة}, فحيث لا مخلوق في الأزل, فيكون توجيه الله سبحانه خطابه للعدم عبثاً منه ولغواً. تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً 4-إنّ الله سبحانه يصف كلامه بأنّه محدث لا قديم, بدليل صريح الآية الكريمة: { مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُون} والذكر هو القرآن بدليل الآية الكريمة: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون}(16). فلا مجال لتفسير الذكر بأنّه النبي محمد (صلى الله عليه وآله) كما ذهب إليه البعض. 5-أنّ ألفاظ القرآن الكريم حادثة, بدليل أنّنا حينما نتحدث بآية ونتلو الأخرى تصبح الآية الثانية حادثة في نفس السورة, وهكذا الحال في تراتب السور بأكملها, فآخرها أحدثها. _________________ (1) ظ: النكت الاعتقادية: للشيخ المفيد، ف1, ص 27. (2) شرح الاصول الخمسة: للقاضي عبد الجبار المعتزلي, 528. (3) شرح التجريد للقوشجي: 319. (4) ظ: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر, ص41. (5) الشورى:51. (6) الشعراء: 192-195. (7) النساء:171. (8) القصص: 30. (9)ظ: النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر, ص42. (10) الصفات الفعلية: هي الصفات التي ممكن أن تنفك عن الذات, وتتقوم بطرفين: متكلم, وموجَه له الخطاب, وممكن وصف الذات بنقيضها, فنقول: أنه تعالى تكلم مع النبي موسى (عليه السلام) ولم يتكلم مع فرعون. (11)الأنبياء:2. (12) محاضرات في الإلهيات: للعلاّمة السبحاني, 125_126. (13) نهج البلاغة: خطبة 186, ص 368. (14)مناقب آل أبي طالب: لابن شهر آشوب , ج2, ص 525. (15) كتاب السنة: لعبدالله بن أحمد بن حنبل, ص49. (16) الحجر: 9. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمدٍ وآله. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
3309

سلسلة فيءٌ من أروقة القرآن الكريم (9) العلم الإلهي بعالم الأرحام

بقلم: يا مهدي ادركني قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [سورة لقمان: آية34] إن من صفات الله (جل وعلا) صفة (الهادي)، وللهداية مراتب وأول مرتبة من مراتب تلك الهداية هي تلك الهداية التكوينية المتمثلة بتزويد جميع الناس على حدٍ سواء بما يحتاجون إليه في حياتهم، وأهمها: بالعقل، فالعقل هبة من الله تعالى وهبها لعباده ليهتدوا به إلى ما به صلاحهم ونجاتهم. فنجد بالعقل استطاع الإنسان أن يطأ القمر وأن يرى بأجهزة دقيقة ما يكمن في أعماق البحار المظلمة، بل واستطاع أن يعلم ما في الأرحام من نوع الأجنّة وعددها. فإذا كان العلم قادرًا على أن يكشف عن تلك الأمور التي كانت تعتبر من الغيبيات في القرون الماضية، فهل يمكن أن نبطل إعجاز القرآن الكريم، ونعتبر أن بعض آياته أصبحت مجرد معلومات تاريخية قديمة، لكونها لا تتناسب مع التقدم العلمي الذي وصلت له البشرية اليوم؟ سؤال يتردد على لسان الكثير من المشككين اليوم وقد تصل ذبذباته إلى أسماع أولادنا بلحن معسول فتتخلل قلوبهم وتخدش عقيدتهم إذا لم نحصنها نحن بأجوبة شافية تبدد الضبابية عن ناظرهم. وفي المقام نقول: إن الآية الكريمة تعرضت لأمور هي من مختصات علمه (جل وعلا) وليس لأحد أن يتوصل إلى معرفتها لحكمة فيها نفع للإنسان، ولكن كيف نوفق ما هو موجود فعلًا اليوم من أجهزة حديثة استطاعوا من خلالها أن يعلموا ما في الأرحام، فلا أحد ينكر إمكانية تحديد جنس الجنين وحجمه وعدد الأجنة بعد أن يتجاوز عددًا من الأسابيع في رحم الأم، بل وحتى استطاعوا أن يقوموا ببعض العمليات الجراحية للأجنة وهم في عالم الأرحام. وبيان جواب ذلك يكون من خلال نقطتين: الأولى: إنّ علم الله تعالى غير متناهي فليس هناك حد له، فإن كان علم الإنسان الذي يحصله من خلال الأجهزة الدقيقة يمكنه من معرفة جنس الجنين بعد أن يتجاوز عدة أسابيع في رحم الأم، فإن علم الله تعالى أزلي وهو يعلم بنوع الجنين منذ لحظة انعقاد تلقيح البيضة في رحم الأم، وحسب ما استطاع أن يتوصل له العلم إن تحديد جنس الجنين يتوقف على الكروموسوم الذي يحمله الحيوان المنوي للرجل الذي يقوم بتلقيح البيضة، ولكن تلك الأجهزة الدقيقة لا تستطيع أن تعرف نوع تلك البيضة المخصبة في تلك المرحلة المبكرة. بل إن الله تعالى يعلم ما ستلج تلك الأرحام من (حيوانات منوية) وهي في عالم الأصلاب، بل وفي عالم الذر، بل وقبل أن تكون شيئاً مذكورا. الثانية: إنّ غاية ما يستطيع أن يصل له علم الإنسان هو علم بالأمور التي لها مقادير محددة ومتلبسة بلباس الظن فهي وإن كانت لها من الدقة التي توصلها مرحلة اليقين ولكن إمكانية الخطأ فيها واردة جدًا، ولكن علم الله تعالى لا يقع فيه الشك أو الخطأ أبدًا، هذا بالإضافة إلى أن علمه تعالى الذي أشار إليه في الآية الكريمة فيما يخص الأرحام هو ليس محدودًا بنوعية جنس الجنين وحجمه وما إلى ذلك من أمور، بل أنّ علمه تعالى أوسع من ذلك فهو يعلم بكل الأمور والمتعلقات بهذا الجنين وماذا سيكون في مستقبل أيامه: صالحاً أم طالحاً عالماً أم جاهلاً غنياً أم فقيراً باراً أم عائقاً؟ الخلاصة: أنّ الإنسان مهما توصل بعلمه إلى اكتشافات واختراعات وتطور فإنه يجب عليه أن لا ينسى بأنّ علمه هذا هو فيض من الله تعالى، ولولا لطفه (جل وعلا) لم يستطع الإنسان أن يتعلم حرفًا، فهو في حقيقة وجوده واستمرارية ذلك الوجود مفتقر إلى تلك الذات الغنية العالمة المقدسة، وهذا ما اشار له أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) قائلًا: فَيَعلَمُ الله سبحانَهُ ما في الأرحامِ مِن ذَكَرٍ أو أنثى ، وقَبيحٍ أو جَميلٍ ، وسَخيٍّ أو بَخيلٍ ، وشَقيٍّ أو سَعيدٍ ، ومَن يكونُ فِي النارِ حَطباً، أو فِي الجِنانِ للنَّبيِّينَ مُرافِقًا، فهذا عِلمُ الغَيبِ الذي لا يَعلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَهُ ، وما سِوى ذلكَ فَعِلمٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ نَبِيَّهُ فَعَلَّمَنيهِ، ودَعا لِي بأن يَعِيَهُ صَدرِي، وتَضطَمَّ (1) عليه جَوانِحي. (2) ________________ 1- تضطم: هو افتعال من الضم، أي وتنضم عليه جوانحي. والجوانح الأضلاع تحت الترائب مما يلي الصدر. وانضمامها عليه اشتمالها على قلب يعيها. 2- نهج البلاغة: الخطبة 128.

اخرى
منذ 3 أشهر
187

عروض الأزياء وأثرها على المجتمع الإسلامي

بعد أن يئس أعداء الدين الإسلامي الحنيف من سلب المسلمين هويتهم الدينية عن طريق القوة الشرسة والحرب العسكرية قرروا سلبها عن طريق القوة الناعمة والغزو الفكري، فشرعوا بتجنيد الوسائل المناسبة لكسب هذه الحرب لصالحهم، وأبرز تلك الوسائل هو الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، فبذلوا كل ما في وسعهم من أجل حشوها بالأسلحة التي من شأنها أن تهدم الفكر الديني وتدمر الالتزام القيمي وتحلل الانضباط الخلقي بهدف تجريد الإنسان المسلم لا من دينه وخلقه ومبادئه وحسب بل ومن إنسانيته أيضاً، بحيث يصبح ولاهمَّ له سوى الغرائز والشهوات، عديم الإرادة خالٍ من الطموحات، وبذلك يغدو أداةً طيّعةً يُسهِّل عليهم استعمار وطنه، ونهب خيراته والتحكم بإمكانياته ومقدراته. ومن أبرز تلك الأسلحة هي المواد السامة التي توضع على موائد العوائل المسلمة عبر وسائل التلفزة والفضائيات ، ومن أخطرها عروض الأزياء، فقد نجح باستخدامها أعداء الإسلام في تجريد الكثير من المسلمين من شخصيتهم الإسلامية نجاحاً كبيراً، ولذا فقد اهتموا بها ورصدوا لأجلها الأموال الطائلة، وبذلوا الجهود الكبيرة، حتى أصبح لها مدارس ومنظِّرون ومخطّطون ومصممّون ومتعهّدون ومتاجرون... بل وأصبح لعارضات الأزياء معاهد تعلِّم فن العرض, وطريقة المشي والوقوف والانطلاق والاستدارة, بل وحتى التأمُّل, والنَّظرة ... وما شاكل ذلك من حركات يرونها ضرورية لأجل الإثارة والإغراء، علاوةً على جسد العارضة الذي ينتخبونه بدقة وعناية فائقتين.. ولأجل إضفاء صفة التميز عليها ولجذب المزيد من الاهتمام إليها من جهة ولتواكب التغيرات التي تنعكس على الأزياء من جهة أخرى فقد باتت لها مواسم خاصة تنطلق بها وسط ترقب وتلهف شديدين من قبل زبائنها ومنتظريها, وكأنها حدث عالمي, بل أمست ــ للأسف ــ كذلك بحيث تتناقل أخبارها وسائل الإعلام والتلفزة في الدول الإسلامية فضلاً عن العالمية منها, نشراً للفساد وإمعاناً للإفساد وترويجاً عن بضائعهم وتحقيقاً لأرباح شركاتهم، كل ذلك تحت شعار الحضارة والتطور! وللأسف الشديد فقد وجد أعداء الإسلام ضالتهم في الكثير من المسلمين الذين أصبحوا سوقاً رائجة تستهلك الأفكار المستوردة فضلاً عن البضائع، حيث أثرت تلك الأفكار المعادية للدين في بعض المسلمين تأثيراً كبيراً بعد أن تسربت إلى أدمغتهم الخاوية من الثقافة الدينية، وترسخت في نفوسهم العطشى إلى الشعور بالتقدير والحرية، عبر كلمات منمَّقة ودعاوى برَّاقة وعناوين جذَّابة من قبيل: الدعوة إلى التحرر من الستر والحجاب، وضرورة إبراز الجانب الأنثوي للمرأة لتسحر كل من حولها وتخطف قلوبهم قبل أبصارهم، وأن أناقة المرأة تكمن في إظهار مفاتنها، وجمالها في الأزياء التي ترتديها، وصب كل تلك الدعاوى في قالب مادي جذَّاب يتمثل في عروض الأزياء، كما تمكنت في الوقت نفسه من جذب الطائش من الرجال لاسيما فئة الشباب منهم لتلبيتها لنداء غريزتهم الحيوانية وإشباع نفوسهم الشهوانية عبر تمكينهم من افتراس أجساد النساء بنظراتهم الكاسرة، وإشباع جوعهم الشهوي بما تهيأ لهم من مفاتن سافرة. وقد ترتب على ذلك نتائج خطيرة أبرزها التشوّه الفكري الذي أُحدِثَ في ذهن بعض النساء حيث أصبحن يرين أن متابعة الأزياء ومواكبة الموضة عنوانُ الحضارة ورمز التقدم والرقي، وبذلك هان عليهن خلع ثوب الحياء والفضيلة، والإدمان على محال المكياج وتصفيف الشعر، والهوس في اقتناء الكثير من الأزياء الكاشفة للمحاسن الواصفة لما في الأجسام من مفاتن، بل وحتى ولوج عالم عمليات التجميل وبكثرة كما نلمسه اليوم، وكأنهن في سوق نخاسة يتبارين في إثارة الأجانب ويبدعن في إغراء الغرباء من أجل الفوز بمن يبتاع ما يعرضنْه بكلمة ودٍ ورغبة أو حتى ولو بالفوز بنظرة إعجاب!! وقد أخبر الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) بتحلل بعض نساء آخر الزمان وكشفهن الفاحش لمفاتنهن إذ روي عنه أنه قال:" صنفان من أهل النار لم أرهما: قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا"(1) وقد أبدع الشاعر في وصفهن إذ قال: فتاة اليوم ضيعت الصوابا *** والقت عن مفاتنها الحجابا ولم تأب حياء من رقيب *** ولم تخش من الله الحسابا كخائضة ببحر سرمدي *** عن الساقين شمرت الثيابا اذا سارت يلاحقها كلام *** وان جلست ترى العجب العجابا مفاتنك كنوز فاحفظيها *** وهذا الكنز حاشا ان يعابا فانت ان كشفتيها اهينت *** وعز الكنز ان يبقى مهابا وقد ترتب على هذا النمط من التفكير أن تعيش هؤلاء النسوة على هامش الحياة، حاكماتٍ على ذكائهن ومواهبهن بالإعدام، فعوضاً عن التفكير في توسيع آفاق فكرهن بالعلم والمعرفة يلجأن إلى تضييق ثيابهن وتقصيرها!! وبدلاً من أن يبحثن عّما يمرّن أذهانهن ويزيد من توقده، يبادرن إلى تمرين أيديهن على تلوين الخدود ورسم الحدود، وتمرين أجسادهن على المِشيةِ المثيرة، والنظرة المغرية، لا يفكرن إلا في تجميل الجسد وتحسين الظاهر، غير آبهاتٍ إلى تعطيل الفكر والعقل وتقبيح الباطن!! وقد تظن المثقفة من بينهن أن تبرجها شيء ظاهري لا يمس عقلها رغم إمعانها في التجميل وإسرافها في التصنيع. وهي في هذا جدُّ مخطئة، إذ إن كل عمل يقوم به الإنسان لابدّ وأن تترتب عليه آثار فكرية وروحية ولو على المدى البعيد لتعيد بالتالي صياغتها، فمن لم يُسلِّم مقاليد الحكم والقيادة إلى العقل في سلوكه، تحكّم سلوكه في عقله وقاده إلى الهاوية.. ثم إن مجرد عرض المرأة لمحاسنها ولسان حالها: تفضلوا بالنظر.. فأنا أتمتع بالكثير من المفاتن.. هو في حدِّ ذاته إذلال لكرامتها وامتهان لإنسانيتها؛ لأنها تستدل بذلك على شعورها بالنقص وعدم قناعتها بأن فكرها وشخصيتها الإنسانية كافيان للتعبير عن ذاتها و إثبات جدارتها، فتتوسل بالجسد بما فيه من مفاتن وبما عليه من أزياء وبما يعلوه من أصباغ، للتعبير عن ذلك... وعلى الرغم من أن تجريد المؤمن من هويته الدينية وإفساده هدف هام يسعى الأعداء إلى تحقيقه من خلال عروض الأزياء غير أنه ليس بالهدف الوحيد فإلى جانبه يسعون إلى تحقيق الربح المادي لمعاملهم والحياة المرفهة لهم ولشركائهم؛ وذلك لأن المرأة الأنيقة بحسب مقاييسهم يجب أن تملك ثياباً كثيرة ومتنوعة فترتدي البعض صباحاً والأخرى في حفلات المساء، وسواهما في اللقاءات الرسمية، وهكذا... ثم ان لكل زي من هذه الأزياء ما يناسبه من حقيبة وعقد وسوار وحذاء بل وحتى عطر! وكل ذلك يُحمِّل المرأة ضريبةً فادحةً عليها أن تدفعها ثمناً لقناعتها بالأفكار المستوردة والرؤى المعلبة الممهورة بمهر الماركات العالمية المشهورة!! وهكذا نجح أعداء الاسلام باحتواء الكثير من المسلمين والمسلمات عبر توفير ما تصبو إليه نفوسهم بعد غسل أدمغتهم بالرؤى التي يريدون والفكر الذي يرغبون. ولأن الاحتواء غالباً ما يولد في النفوس الولاء، لذا نجد المنبهرين بالحضارة المادية من الرجال والنساء، قد سلّموا لكل ما يرتئيه ويقول به الأعداء، بل وأخذوا يرددون دعاواهم الخبيثة ترديد الببغاء. مستهزئين بمن ثبت على هويته من المسلمين، ساخرين بمبادئه وقيمه وما يحمله من فكر ويعتقد به من دين.. في حين أن الإسلام لم يقيد المرأة المسلمة بأي قيد ولم يفرض عليها الحجاب إلا لحجب حقيقتها الأنثوية التي ما إن تبرز إلى المجتمع حتى تنشر فيه الفساد لأنها تثير شهوات بعض الرجال وغرائزهم وتدفعهم إلى التعامل وفقاً لذكوريتهم، بخلاف حجب أنوثة المرأة الذي يرقى بالمجتمع لأن الهدف منه الحفاظ على التعامل الانساني والخلقي، والارتقاء بالجانب الفكري والمعرفي لكل من الرجل والمرأة على حد سواء.. ولذا فإن للزي الإسلامي بالنسبة للمرأة مواصفات دقيقة لتحقيق تلك الغاية، فينبغي أن لا يصف ولا يشف ولا يلفت النظر، ومن الملاحظ أن كل ما تعرضه دور الأزياء مخالفٌ لذلك تماماً لأجل جذب بعض المسلمات إلى ما يخالف شريعتهن، بل وحتى من ثبتت على حجابها فإنها لم تسلم من ذلك حيث ظهرت فعلاً أزياء إسلامية معاصرة لاجتذاب الفتيات المحجبات وترغيبهن فيها، وفي الحقيقة ما هي إلا عبارة عن أزياء ضيقة بألوان صارخة تنأى كثيراً عما يُشترط في الزي الإسلامي. ولحضراتكم الحكم: أي من الشريعتين تحقق الكرامة للرجل والمرأة وتضمن لهما الحرية التي لا تتجاوز على حرية الآخرين وترقى بالمجتمعات.. تقول عارضة الأزياء الفرنسية فابيان في مقابلة مع جريدة (المسلمون) بعد إسلامها وفرارها من جحيم بيوت الأزياء اللعينة : "كان الطريق أمامي سهلاً أو هكذا بدا لي فسرعان ما ذقت طعم الشهرة وغمرتني الهدايا الثمينة التي لم أكن أحلم بها ولكن الثمن كان غالياً ، فقد كان شرط النجاح والتألق أن أفقد حساسيتي وشعوري وأتخلى عن حيائي الذي تربيت بداخله، وأفقد ذكائي ولا أحاول فهم أي شيء غير حركات جسدي وإيقاعات الموسيقى... إن بيوت الأزياء جعلت مني مجرد صنم مهمته العبث بالقلوب والعقول. فكنت جماداً يتحرك ويبتسم، ولكنه لا يشعر، فكلما تألقت العارضة في تجردها من بشريتها وآدميتها، زاد قدرها في هذا العالم القاسي البارد. أما إذا خالفت أياً من تعاليم دور الأزياء فإنها تعرض نفسها لألوان العقوبات التي يدخل فيها الأذى النفسي والجسمي معاً، وعشت أتجول في العالم عارضة لأحدث خطوط الموضة بكل ما فيها من تبرج وغرور ومجاراة لرغبات الشيطان في إبراز مفاتن المرأة دون خجل ولا حياء. ولم أكن أشعر بجمال الأزياء فوق جسدي بينما كنت أشعر باحتقار الناظرين لي شخصياً واحترامهم لما أرتديه فقط"(2) وبعد إن اتضحت الآثار الخطيرة التي تترتب على عروض الأزياء لابد من بذل كل الجهود الممكنة في سبيل منعها في الدول الإسلامية لاسيما المدن المقدسة منها، وعدم التهاون في ذلك، كما ينبغي توعية المؤمنين والمؤمنات والتشديد على أن وقاية أبنائهم من الفساد إنما هي مسؤوليتهم الأولى، فيجب أن لا يقصروا فيها، وأولى خطوات الوقاية تكمن في بنائهم بناءً عقدياً فقهياً خلقياً متيناً، وغرس القدوات الصالحة في أذهانهم منذ الصغر والتأكيد على ذلك باستمرار لكي يزدادوا تأسياً بها وحباً لها كلما كبروا وبذلك لن يكونوا بحاجة الى الاقتداء بالمغنين والمغنيات أو ما شابه ذلك. كما ينبغي غرس الثقة في أنفسهم منذ الصغر خصوصاً الفتيات وقايةً لهم من الشعور بالنقص الذي غالباً ما يُكمله الأبناء في مرحلة المراهقة بالأسلوب الخاطئ، كما إنه من أهم العوامل التي تدفع الفتاة الى التبرج والتزين للأجانب لتثبت لهم ولنفسها أن لا نقص فيها. كما تعد حذف الفضائيات اللا أخلاقية خطوة جيدة في هذا المجال، ولا ننسى تقنين استخدامهم للشبكة العنكبوتية من خلال توعيتهم أولاً بالمضار المترتبة على مشاهدة المواد اللا أخلاقية من النواحي الدينية والخلقية والصحية بشقيها الجسدية والنفسية، وحجب بعض المواقع والرقابة المستمرة عن بعد.. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) ميزان الحكمة ج2 ص178 (2) من عالم الشهرة إلى رحاب الإيمان ص12- 13 نقلا عن دور المرأة المسلمة بين الأصالة والمعاصرة ص165 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
1421

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
50552

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
37936

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
30679

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30439

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
24064

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
23553