تشغيل الوضع الليلي

أفلا تكون عبدًا شكورًا؟!

منذ شهر عدد المشاهدات : 151

بقلم: شمس الغدير الجبوري
في بيتها الصغير المتواضع الذي لا يتجاوز الـ٦٠ م٢، تحاولُ أمُّ جعفر أنْ تجعله بيتًا ينبضُ بالحياة. فهي تنظرُ من منظورها أنَّ السعادة لا تكمن في القصور الفارهة، فكمْ من هذه القصور لا تدبُّ بها الحياة، خاوية على عروشها، قد تحولت جُدارنُها إلى سجنٍ كبير.
هي تؤمن أنّ البيت الذي يملأُه الحُب والحنان والألفة حتمًا سيغدو قصرًا نيّرًا.
كالمعتاد، وفي كُل يوم تقفُ في مطبخِها الصغير جدًا المطلي بطلاءٍ بنفسجي فاتح اللون، الباعث للطاقة الإيجابية، حامدةً الله (تعالى) وشاكرةً فضله وإحسانه.
ذلك المطبخ الذي تفوحُ منه رائحةُ الأطعمة الشهيّة المُتبّلة، تلك الرائحة الطيبة التي تُداعبُ أنفَ كُلّ من يدخله.
تعملُ وتستمعُ، وترددُ مع قارئ القرآن وهو يرتل سورة الواقعة في كلِّ ليلةٍ عند تحضيرها وجبة العشاء. تشعرُ أنَّ لذلك الاستماع أثرًا طيبًا على نفسها، فكانت تقول لصديقاتها وجاراتها كلّ يومٍ: أعطِّر وأطهِّر البيت بقراءة القرآن بدلًا من رشِّ الملح في زواياه..
وذاتّ يومٍ وأثناء انشغالها بتحضيرِ الطعام وإذا بولدها جعفر يدخل، رمقته بنظراتها متعجبة! وقد اغرورقت عيناه بالدموع، ووجهه مصفرٌ شاحبٌ تبدو عليه علامات الاكتئاب! وعلى ما يبدو أنّ ذلك من آثار الحجر المنزلي بسبب جائحة كورونا؛ وقد اعتاد جعفر على الركض ولديه شغف بلعبة كرة القدم.
سألته قائلة: ما بك عزيزي جعفر لِمَ تبدو بهذا الشكل؟!
جعفر : أمّي أشعر بالمللِ والضجر دعيني أخرج قليلًا إلى الشارع، عسى أنْ أجد أحدًا من أصحابي؟
أجابته وعلى ملامحها ابتسامةٌ لطيفة وهي تمسح بيدها على رأسه: لا يا حبيبي، فالوضع كما ترى وتسمع ليس على ما يرام، ولكن دعنا نتكلم قليلًا. على الرغمِ من كونك صغيرًا ولست مُكلفًا بعد ولكن أنت مؤمنٌ إن شاء الله (تعالى)، ولا ينبغي للمؤمن يا عيناي أنْ يُقابل نِعم الله (تعالى) بالمللِ والضجر والتأفف، بل لابدّ من عملٍ مفيدٍ يُنظِّم وقتك، ويكسر لديك هذا الحاجز المصطنع من التذّمر. ولكَ في أختك حوراء أسوة، شاهد كيف هي تُنظِّم وقتها بين الجدِّ واللعب ، فقد خصصت وقتًا ونظّمت جدولًا لتعلّم كتاب الله (تعالى) قراءةً وتدبرًا وحفظًا. وما دمت في بحبوحةٍ من العيش ولم تَذُقْ طعم الضنك فأحمد الله (تعالى) واشكره على نعمه المتتالية, وآلائه المتوالية, وعطاياه التي لا تُعد ولا تحصى ..
وأذكر لك يا حبيبي، أنَّ إبليس اللعين عندما أمره الله (تعالى) بالسجود لآدم أبى واستكبر وكان من العاصين لله (تعالى) وأخذَ بالمعاندة والتّوعد بقوله: "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ". ولا تجد أكثرهم شاكرين لله (تعالى)؛ وذلك لابتعادهم عن التوحيد وإيقاعهم في دائرة سوء الظن بالله (تعالى).
واعلم يا قرةَ العين أنَّ في هذه الدنيا لن يكون إنسانٌ بمنجى من مواجهةِ المُنغِّصات كالاحتياجات والأمراض والعداوات وأنواع الحسد وغيرها، وفي نهاية المطاف الموت الذي لابدّ منه. فلا يستطيع إنسانٌ أنْ يهربَ من هذه الحياة! وليس له إلا الصبر وانتظار الفرج وذكر الله (سبحانه) وشكره على أيّ حالٍ يمرُّ به، وأُذكِّرُك وأذكِّرُ نفسي أنَّ الانقطاع عن الله تعالى هلاك الدنيا والآخرة ..
لقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته كثيري العبادة والخضوع والتهجد على الرغم من معرفة مكانهم في الجنّة، فقد ورد عن الإمام السجاد (عليه السلام) قوله: "إنَّ جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله و) قد غَفر الله (تعالى) له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، فلم يدعِ الاجتهاد، وتعبّد ـ بأبي هو وأمّي ـ حتّى انتفخ الساق وورم القدم، وقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟! قال: أفلا أكون عبدًا شاكرًا؟
جعفر: فعلًا يا أمي، لقد بعث كلامكِ إليّ الراحة والسكينة، وأعدُكِ بعدم تكرار هاتين الكلمتين (الملل والضجر)
الأم: أحسنت يا قرةَ عيني، يبدو أنَّ الطعام قد جهز، بعد قليل سأحضره لكم، ولكن ما رأيك أنْ تصعد إلى سطح المنزل تتوجه نحو القبلة تدعو الله (تعالى) بالفرج، وتُسلِّم على الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام)، وأنت تشاهدُ القبتينِ والمنائر، تأملْ في شموخها على مدى السنين وخلودها، وما السرُّ في ذلك الشموخ والخلود؟
جعفر : نعم يا أمّي سأصعد إن شاء الله.. وقد بدت على وجهه ملامح الرضى والابتهاج والانشراح ..

اخترنا لكم

الصبر الإيجابي… السيدة الزهراء (عليها السلام) نموذجاً

بقلم: رضا الله غايتي للصبر قيمة كبرى في الفكر الإسلامي، فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: "الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد "(1). فإن الرأس من بين سائر الأعضاء الظاهرية الأخرى له خصوصية بالنسبة للجسد فهو مركز قيادته وإذا ما تعرض لسوء أو شلل فإن كلّ أو جل أعضاء البدن الأخرى تتعرض لذلك أيضاً وعندئذٍ لن يكون هناك أيّ فارق بين حياتها وموتها. بل هو ضروري جداً إلى درجة أن يفقد الجسد بفقده الحياة. ولا غرو في أن يكون الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد فهو القوة التي يتمكن بواسطتها الانسان من تجسيد معتقداته بصورة عملية. وهو الذي يُمكِّن المسلم من نفخ روح محاسن الأخلاق في جسد سلوكياته اليومية. وهو الذي يترجم أصول الدين ويساعد على تطبيق فروعه وأداء مختلف التكاليف الشرعية. وعندما يُفقَد الصبر، يُفقَد معه كل شيء من التوحيد الى إماطة الأذى عن طريق المؤمنين. بل إن رسالات السماء لم تكن لتصل الينا لولاه. فهو العامل الذي صان النداء الإلهي، وحفظ التوحيد والذي سيحفظه إلى يوم القيامة. من هنا يحرص أغلب المؤمنين على أن يصبروا، إلا أن الكثير منهم يفهم الصبر فهماً سلبياً يقتصر على تحمل الآلام والمصاعب وتجرّع الأحزان والمصائب. وهو فهم غامض ومطاط الى درجة يمكن توجيهه إلى معانٍ مختلفة، بل و متضادة أحيانا. فكما يمكن للصبر أن يوظف توظيفاً ايجابياً ليفتح للشعوب باباً إلى الحرية والرخاء فكذاك يمكن أن يوظف توظيفاً سلبياً يفتح لهم باباً إلى الاستعباد والشقاء. فيتجرّعون مرارة التعاسة وذل الاستعباد بكأس الفهم المغلوط للصبر مقتنعين قناعة تامة أنهم مأجورون على ذلك ومثابون. ومما لا شك فيه أن المستفيد الأول من كل هذا هم الظالمون والمفسدون. على حين أن الصبر حسب الرؤية الدينية مفهوم نشط وفاعل، لا أنه راكد وخامل، لا يعرف الاستسلام والسلبية. بل يتضمن عنصر العمل والحركة والفاعلية. ويحطم العقبات ويرفع الموانع ويواجه المشكلات ويتجاوزها بكل سهولة محققاً النتائج الإيجابية. وبذا يكون سبيلاً لتحقيق الأهداف ومفتاحاً للفرج والتقدم والتطور لا سبباً للشقاء والتعاسة والتقهقر. إذاً فالصبر: هو مقاومة الإنسان للعقبات والعراقيل الداخلية (النفسية) والخارجية (الظروف المحيطة به) للوصول الى الهدف الذي ينشده والغاية التي يرجوها. فهو يبعث على الهمة العالية والمثابرة المتواصلة والعمل الجاد إلى جانب تحمل المشاق والنوائب ومواجهة الظروف القاسية والمتاعب في سبيل تحقيق الأهداف وبلوغ الغايات. ومن أبرز من أحسنوا الصبر على مدى التاريخ هم الكُمّل من الناس الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) ثم الأمثل فالأمثل، ومنهم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام) فعلى الرغم من عمق حزنها و شدة أساها على فقد أبيها ــ فقد روي عن الامام علي (عليه السلام) أنه قال: "غسلت النبي (صلى الله عليه وآله) في قميصه فكانت فاطمة (عليها السلام) تقول: أرني القميص، فإذا شمته غشي عليها، فلما رأيت ذلك منها غيبته "(2)ــ إلا أنها صبرت صبراً فاعلاً صبراً حركياً إيجابياً شهدته الساحة الاسلامية. و لم تنزوِ في بيتها؛ لأنها لاحظت بداية الانحراف في مسار الدين الاسلامي وأيقنت إنه إذا ما تُرِك سيزداد اتساعاً بمرور الزمن لا محالة. فبادرت الى تقويمه معرضةً نفسها وحياتها إلى الخطر ولم تدخر جهدا إلا واستثمرته ولم تدع وسيلة مشروعةً إلا ووظفتها. ففضحت زيف من اغتصب الخلافة (ولعمري لولا فاطمة (عليها السلام) لم يعرف المنافقون الضالون الذين تقمصوا الخلافة الكبرى، وعموا عن نص الولاء، وأغضبوا رب العلى؛ إذ كانت (عليها السلام) ترغم أنف المعاندين بحجتها، وتفحم مغاليطهم ببراهينها، وترفع لثام النفاق عن وجوههم بخطاباتها)(3) فإن كانت السقيفة قد رفعت شعار (من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات) تمهيداً لطمس ذكره وإماتة اسمه ــ وإلا لم يذكر التاريخ أن أحداً من المسلمين كان ليفعل ذلك ــ فهي (سلام الله عليها) قد سنّت في الدين سنة كبرى وهي شدة التعلق به(صلى الله عليه وآله) وذلك بديمومة حزنها وكثرة بكائها عليه (صلى الله عليه وآله) وبذلك فقد اعترضت اعتراضاً عملياُ على نهج السقيفة. ومن مظاهر فاعليتها أن القوم عندما حضروا عند باب دارها مطالبين أمير المؤمنين (عليه السلام) بأن يبايع الخليفة الأول اقتربت من باب دارها ورفعت صوتها لِتُعلم المعتدي أن في البيت روح المصطفى التي بين جنبيه علَه يعود أدراجه حياءً من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحفظاً لحرمته. لكنها فوجِئت باقتحام الدار من قبله وأعوانه فلاذت وراء الباب رعايةً للستر والحجاب. وعصرتها حينئذٍ أحقادُهم بين الحائط والباب وغُرس المسمار في صدرها وأسقط جنينها وبالرغم من كل ما كانت تعانيه من الألم النفسي والجسدي ما إن علمت بأن القوم قد اقتادوا أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى أسرعت لتدافع عنه، فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام) انه قال: "لما استخرج أمير المؤمنين (عليه السلام) من منزله، خرجت فاطمة (عليها السلام) فما بقيت هاشمية إلا خرجت معها حتى انتهت قريبا من القبر، فقالت لهم: خلوا عن ابن عمي، فو الذي بعث محمدا بالحق، لئن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري ولأضعن قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رأسي ولأصرخن إلى الله (تبارك وتعالى)، فما صالح بأكرم على الله من أبي ولا الناقة بأكرم مني ولا الفصيل بأكرم على الله من ولدي، قال سلمان (رضي الله عنه): كنت قريبا منها فرأيت والله أساس حيطان المسجد مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها لنفذ، فدنوت منها، فقلت: يا سيدتي ومولاتي، إن الله (تبارك وتعالى) بعث أباك رحمة فلا تكوني نقمة فرجعت، ورجعت الحيطان حتى سطعت الغبرة من أسفلها فدخلت في خياشيمنا "(4) ومن مظاهر تحركها أيضاً للمطالبة بالحق ورفض الباطل هي خطبتها في المسجد النبوي الشريف وما تضمنته من أدلة وبراهين وحجج دامغة لتثبت حق أميرها بالخلافة وحقها وحق بنيها بإرث أبيها (عليه وعليهم الصلاة والسلام أجمعين). وكلامها مع نساء المهاجرين والأنصار عندما عدنها في مرضها الذي استشهدت فيه. وإذا صح الحديث بأنّ الإمام علي (عليه السلام) كان يطوف بها على بيوت المهاجرين والأنصار أو جموعهم كما جاء في بعض الروايات. فكل هذا يعني أنها (عليها السلام) كانت صابرةً صبراً إيجابياً حركياً فاعلاً لا صبراً سلبياً خاملاً يتسم بالانطواء والاستسلام.. ولم تكتفِ بكل ما قدمت (سلام الله عليها) بل استمرت بالصبر الايجابي الفاعل متخذة من الدمعة شعاراً ومن الحزن دثاراً. ولم تهدأ عبرتها ولم تسكن لوعتها فأدركت السلطة الحاكمة أن دموع الزهراء (عليها السلام) قد تجاوزت معناها العاطفي المحدود الى معانٍ تتسم بالقوة والصمود ومواجهة جورهم بالثورة فتضايقت من ذلك وانزعجت انزعاجاً شديداً لا سيما أن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) قد دُفِن في بيتها المطل بابه على المسجد. وكان المسلمون عندما يؤدون زيارة قبره المقدس يسألون عن حالها وأخبارها ولا غرو في ذلك فهي البنت الوحيدة له (صلى الله عليه وآله) وهم على يقين من قربها إلى قلبه وعظم مقامها عنده. فيطلعون على عظم أساها وديمومة حزنها وكثرة بكاها ويذكرهم ذلك بما جرى عليها من ظلامات من غصب الخلافة وغصب حقها واقتحام بيتها وهتك حرمتها واسقاط جنينها.. عندئذٍ أيقنت السلطة بأنها باتت تشكل مصدر خطر عظيم عليهم وعلى خلافتهم فبادرت ـ وربما تكون قد حرضت بعض أتباعها ـ للمطالبة بإخراجها من هذا المكان الحساس جداً بالنسبة إليهم، خشية أن يتغير مجرى الأمور في غير صالحهم فيما لو استمر الحال على ما هو عليه. فادعت دعوى بعيدة كل البعد عن الصحة وهي أن بكاءها يؤذي أهل المدينة!! فبنى لها أمير المؤمنين (عليه السلام) بيتاً للأحزان تذهب إليه نهاراً وتغادره ليلاً. ولو كانت دعواهم تتمتع ولو بنسبةٍ من الصحة لكان الأجدر بها أن تذهب إليه ليلاً لأن بكاءها (عليها السلام) في الليل بلا شك أكثر إزعاجا للناس من النهار إذ إن الليل وقت السكون والراحة بخلاف النهار الذي يتفرق فيه الناس إلى متابعة أعمالهم وقضاء حوائجهم. هذا فضلاً عن أنها أجل وأعظم من أن تؤذي أهل المدينة ببكائها وهي من روى عنها الإمام الحسين (عليه السلام): "رأيت أمي فاطمة عليها السلام قامت في محرابها ليلة جمعتها فلم تزل راكعة ساجدة حتى اتضح عمود الصبح وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات وتسميهم وتكثر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها يا أماه لم لا تدعون لنفسك كما تدعون لغيرك؟ فقالت يا بني: الجار ثم الدار"(5) فعلى الرغم مما ألمَّ بها من مصائب شديدة ونوائب عظيمة غير أنها لم تستسلم بل كانت تستجمع قواها مرةً بعد أخرى لتصون الدين من الانحراف وتدافع عن الولاية وتحافظ على إمام زمانها (عليه السلام) بصبرها الايجابي الفاعل الحركي حتى آخر لحظات حياتها المباركة. بل وحتى بعد استشهادها وإلى يومنا الحاضر حيث أوصت أن تُدفَن سراً لتكون بذلك فيصلاً بين الحق والباطل على مر العصور وتعاقب الدهور وبذلك حققت هدفها في حفظ الشريعة من الانحراف لأنها إذ لم تتمكن من تنحية الغاصبين فقد جردت نهجهم من الشرعية للعالم أجمعين. وميّزت للقاصي والداني من استحق رضا الله تعالى ممن استحق غضبه إلى يوم الدين. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أصول الكافي ج12 ص436 (2) بحار الأنوار ج43 ص157 (3) فاطمة بهجة المصطفى ج1 ص40 (4) بحار الانوار ج28 ص206 (5) علل الشرائع ج1 ص182 

اخرى
منذ سنة
1923

هل إنّ جميع اصحاب النار خالدون فيها؟

من أسئلتكم السائل: هل إنّ جميع اصحاب النار خالدون فيها؟ أم يعذبون ويخرجون منها؟ وهل يتساوى العقاب في النار درجةً بين السارق والقاتل مثلاً؟ المجيب: حياكم الله تعالى, بدايةً لابد من التفرقة بين العاصي الكافر, والعاصي غير الكافر, فالأول خالدٌ في النار بلا شك, والثاني فيمكن أن يخلّد في النار ويمكن أن يخرج منها, وسيكون الجواب ضمن مطلبين يسلط كل مطلب منهما الضوء على قسم من قسمي العاصي. المطلب الأول: العاصي الكـافر: لاشك في أنّ العاصي الكافر مصيره جهنم خالداً فيها؛ لدلالة الآيات الكريمة على ذلك, حيث أعطت قواعد عامة كلية ما إن انطبقت على أحد مصاديقها فيتحقق حكم الخلود بحقهم, فالخالدون في النار منهم(1): 1- الكفّار والمشركون. حيث قال تعالى : {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}(2). 2- قاتل المؤمن. حيث قال تعالى : {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيما}(3). 3. آكل الربا. حيث قال تعالى : {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ الله الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون}(4). المطلب الثاني: العاصي غير الكافر: تعتقد الشيعة الإمامية أنّ الخالد في النار هو مرتكب الكبيرة -العاصي- غير الكافر, إلاّ أنّه يجوز أن يعفو عنه الله سبحانه, حيث قال الشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه) في عقائده: " أمّا النار فهي دار من جهل الله سبحانه, وقد يدخلها من عرفه بمعصية الله غير أنه لايخلد فيها بل يخرج منها إلى النعيم المقيم, وليس يخلد فيها إلاّ الكافرون"(5). فالعاصي غير الكافر قد يخلّد في النار وقد يخرجه الله تعالى منها فيعفو عنه كما هو ظاهر من النص, وما سيؤيده, وهو قول المحقق البحراني (رضوان الله تعالى عليه) في قواعده: " المكلف العاصي إما أن يكون كافراً أوليس بكافر، أما الكافر فأكثر الأمة على أنه مخلد في النار، وأما من ليس بكافر، فإن كانت معصيته كبيرة فمن الأمة من قطع بعدم عقابه وهم المرجئة الخالصة، ومنهم من قطع بعقابه وهم المعتزلة والخوارج، ومنهم من لم يقطع بعقابه إما لأن معصيته لم يستحق بها العقاب وهو قول الأشعرية، وإما لأنه يستحق بها عقابا إلا أنّ الله تعالى يجوز أن يعفو عنه، وهذا هو المختار"(6). فالعاصي في محل سؤالكم، إن كان كافراً فهو خالدٌ في النار بلا أدنى شك, أمّا إذا لم يكن كافراً بالله تعالى فيمكن أن يناله عفو الرحمن الرحيم؛ لإيمانه بربّه -رغم عصيانه- على أن العقلاء يستقبحون استدامة عقابه. وإلى ذلك أشار المحقق الطوسي (رضوان الله تعالى عليه) قائلاً: " وعذاب صاحب الكبيرة ينقطع؛ لاستحقاقه قلة الثواب بايمانه, وقبحه عند العقلاء"(7). فهنا أمران: 1- عذاب العاصي غير الكافر ينقطع لاستحقاقه الثواب بإيمانه. فمن عدل الله تعالى أنّه يثيب على طاعته, ويعاقبه على معصيته, فهنا نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما(8): أ) يقدّم الله تعالى اثابة مرتكب الكبيرة على عقوبته: وهذا باطل؛ لأنّ الإثابة تكون بالدخول إلى الجنة, والداخل فيها لا يخرج منها لامحالة بنص القرآن الكريم, حيث قال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ* أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِين}(9). فاذا أثابه الله تعالى على ما كان من ايمانه ثم عاقبه بالدخول إلى النار فانّه يكون مخالفاً لصريح الآية الكريمة. ب) يقدّم الله تعالى عقوبة مرتكب الكبيرة على إثابته: وهذا هو المطلوب, فيدخله النار فترة من الزمن إلى أن يشاء, ثم يخرجه منها, ويدخله الجنة استحقاقاً لإيمانه في غيـر المورد الذي عصى ربّه به وارتكب الكبيرة. 2- عذاب العاصي غير الكافر ينقطع لقبح خلوده في العذاب عند العقلاء. إنّ ذلك العاصي لو قدّم أنواع الطاعات لله تعالى في حياته ثم ارتكب أحد الكبائر ومات ولم يتب منها, فإذا أخلده الله تعالى في النار لــكان نظير مَن أشرك بالله تعالى طيلة عمره؛ لاشتراكهما في وحدة العذاب, وهذا قبيح عقلاً صدوره من الله تعالى؛ لعدالته التامة, واعطاءه كل ذي حقٍ حقه ومنزلته. فالعقل إذن يحكم بعدم تخليد مثل هذا العاصي في النار، وهو المطلوب. وأما الشق الثاني من سؤالكم حول تساوي أو عدم تساوي عقوبة القاتل والسارق في النار, فجوابه عقلاً أنّ الله سبحانه عادلٌ لا يحيف في حكمه, فكما يثيب كل عبدٍ على قدر طاعته, كذلك يعاقب كلاً منهم على قدر معصيته. _________________ (1) ظ: الخلود في جهنم: محمد عبد الخالق كاظم. (2) الأعراف: 36. (3) الأعراف: 40. (4) البقرة: 275. (5) شرح عقائد الصدوق, 55. (6) قواعد المرام, 160. (7) ظ: كشف المراد, المقصد 6، المسألة 8. (8) ظ: محاضرات في الإلهيات, 474. (9) آل عمران: 135. اللّهم إنّا نعوذ بك من النار فأعذنا بحق محمدٍ والآل الأطهار. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
3530

إثبـات بعض مناسك الحـج مِن كتاب الانـجـيل

لـم ينفرد المسلمون بأداء تلك الفريضة المقدّسة، بل لو تتبع القارىء تاريخ الأديان لوجد تجسّد تلك العبادة إلى مناحٍ مختلفة. ولا يخفى إنّ لبعض العباد مكاناً وزمانً تختص بهما؛ للشرفيّة، كاختصاص الكعبة المشرّفة بعبادة الحج، وكاختصاص شهر رمضان بعبادة الصوم، وما ذلك إلاّ تعبّداً بالنص الوارد عن الله تعالى. ومِن السذاجة عدّ تلك الأمكنة أو الأزمنة آلهة تُعبد دون الله تعالى؛ إذ هو سبحانه مَن شرّعها لذلك, فأنّى له بأن يدلّنا على الشرك ؟! وهو سبحانه بقول في كتابه الكريم: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)(1). ولإيصال الجواب نضرب مثالاً عقليّاً، ونقول: لـو أقامت أحدى الدول تمثالاً لشخصية مهمّة كـتذكار له ومواقفه، هـل يعني أنها تحث على عبادة ذلك التمثال؟! العقل يجيب هاتفاً: "كلا"، فكذلك نصب الكعبة المشرّفة. إنّ الكعبة هي بيت الله الحرام الذي بني لتُقام فيه وعنده الصلوات لله وحده لاشريك له، وقد قيل لإبراهيم وهو يؤسسه: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)(2). فها هي الكعبة أول بيت بني في الدنيا لتوحيد الله عزّ وجل، وما يؤدّى فيها مِن مناسك فإنّه مذكورٌ على الأغلب في كتب بعض الأديان, ومنها الإنجيل. فبحسب سفر التكوين – أحد أسفار العهد القديم في الانجيل- تنصّ النصوص التالية على أنّ اللهَ تعالى قد أمرَ النبيّ إبراهيم (عليه السلام) بتركِ زوجته هاجر وطفلهما اسماعيل فى الصحراء (صحراء باران) حيث لا يوجد ماء، فتترك هاجر ابنها باحثة عن الماء لمسافة رمية قوس – وهو ماعليه المسلمون اليوم مِن السعي ركضاً بين الصفا والمروة-، وعند عطش الطفل و بكاء هاجر فجّـر الله تحت أقدامه بــئراً للماء, ما اسم هذا البئر؟ وأين موضعه؟ وبمَ سينفعنا في هذا المبحث؟ هـذا مايجيـبنا عليه سـفر التـكوين: لـنقرأ ماذا نصّ الإنجيل على البئـر الموجود في بـكة (بـئر شيع) كما يُسميـه الانجيل الذي تفجّر تحت قدميّ إسماعيل النبي، إليكم النص باللغتين العربيّة والإنجليزيّة؛ توثيقاً للقارئ، ومنعاً من الاتهام بالتحريف والتدليس. "Early the next morning Abraham took some food and a skin of water and gave them to Hagar. He set them on her shoulders and then sent her off with the boy. She went on her way and wandered in the desert of Beersheba. When the water in the skin was gone, she put the boy under one of the bushes. 16 Then she went off and sat down nearby, about a bowshot away, for she thought, "I cannot watch the boy die." And as she sat there nearby, she began to sob. God heard the boy crying, and the angel of God called to Hagar from heaven and said to her, "What is the matter, Hagar? Do not be afraid; God has heard the boy crying as he lies there. 18 Lift the boy up and take him by the hand, for I will make him into a great nation. Then God opened her eyes and she saw a well of water. So she went and filled the skin with water and gave the boy a drink."(3). وبـترجمة النص: فبكّر إبراهيم صباحاً وأخذ خبزاً وقربة ماء وأعطاهما لهاجر واضعاً اياهما على كتفها والولد وصرفها.فمضت وتاهت في برية بئر سبع. ولما فرغ الماء من القربة طرحت الولد تحت إحدى الأشجار. ومضت وجلست مقابله بعيداً نحو رمية قوس.لأنها قالت: لا أنظر موت الولد. فجلست مقابله ورفعت صوتها وبكت. فسمع الله صوت الغلام.ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها: ما لك يا هاجر، لا تخافي، لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو. قومي احملي الغلام وشُدّي يدك به. لأني سأجعله أمة عظيمة. وفتح الله عينيها فأبصرت بــــئر مــاء. فذهبت وملأت القربة ماءً وسقت الغلام. وكان الله مع الغلام فكبر.وسكن في الـــبرية وكان ينمو رامي قوس. وسكن في برية فــــاران(4). والنتيـجة: •أنّ البئر التى تفجّرت تحت أقدام إسماعيل هى البئر التى يطلق عليها المسلمون الآن (بـئر زمــزم), وهي بئر الشبع –أو شيع- و التى لم تنضب حتى الآن, و يشرب الحجاج منها والعمار طوال هذه السنين والقرون. وبشأن ذبح ابراهيم النبي لولده (عليهما السلام) فقد أشار الانجيل إلى ذلك في سفر التكوين، الإصحاح 22: 13 "Abraham looked up and there in a thicket he saw a ram caught by its horns. He went over and took the ram and sacrificed it as a burnt offering instead of his son. 14 So Abraham called that place The LORD Will Provide. And to this day it is said, "On the mountain of the LORD it will be provided."(5) وتم تفصيل ذلك في الفقرات التالية من نفس الاصحاح: 1 وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم، فقال له: «يا إبراهيم!». فقال: «هانذا [ها أنا ذا]». 2 فقال: «خذ ابنك وحيدك، الذي تحبه، إسماعيل، واذهب إلى أرض المريا، واصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك». 3 فبكر إبراهيم صباحاً وشدّ على حماره، وأخذ اثنين من غلمانه معه، وإسماعيل ابنه، وشقق حطباً لمحرقة، وقام وذهب الى الموضع الذي قال له الله. 4 وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد، 5 فقال إبراهيم لغلاميه: «اجلسا انتما ههنا مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد، ثم نرجع إليكما». 6 فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسماعيل ابنه، وأخذ بيده النار والسكين. فذهبا كلاهما معاً. 7 وكلم إسماعيل إبراهيم أباه وقال: «يا أبي!». فقال: «هانذا يا ابني». فقال: «هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟» 8 فقال إبراهيم: «الله يرى له الخروف للمحرقة يا ابني». فذهبا كلاهما معاً. 9 فلما اتيا الى الموضع الذي قال له الله، بنى هناك إبراهيم المذبح ورتب الحطب وربط إسماعيل ابنه ووضعه على المذبح فوق الحطب. 10 ثم مدّ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه. 11 فناداه ملاك الرب من السماء وقال: «إبراهيم! إبراهيم!». فقال: «هانذا [ها أنا ذا]» 12 فقال: «لا تمدّ يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئاً، لأني الآن علمت أنك خائف الله، فلم تمسك ابنك وحيدك عني». 13 فرفع إبراهيم عينيه ونظر وإذا كبش وراءه ممسكاً في الغابة بقرنيه، فذهب إبراهيم وأخذ الكبش واصعده محرقة عوضاً عن ابنه. 14 فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع «يهوه يراه». حتى إنه يقال اليوم: «في جبل الرب يرى». 15 ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء 16 وقال: «بذاتي أقسمت يقول الرب، إني من أجل أنك فعلت هذا الأمر، ولم تمسك ابنك وحيدك، 17 أباركك مباركة، وأكثر نسلك تكثيراً كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه، 18 ويتبارك في نسلك جميع أمم الأرض، من أجل أنك سمعت لقولي». 19 ثم رجع إبراهيم إلى غلاميه، فقاموا وذهبوا معاً إلى بئر سبع. وسكن إبراهيم في بئر سبع" (6). حيث أمر الله تعالى إبراهيم (عليه السلام) بالدعوة إلى الحج إليه والوقوف عليه عند حجّهم إلى بيت الله الحرام الذى رفع إبراهيم قواعده فى بكة، و المسلمون يقفون عند هذا الجبل كلّ عام, ولا يُعرف جبلاً غيره. ولو تمعنّا في أنّ إبراهيم النبي (عليه السلام) عرف الحق في أنّ ذريته ســـتملأ الأرض، و هل تملأ الأرض الآن سوى ذرية إسماعيل؟!. وما ذلك إلّا إشارة إلى مباركة ذلك النسل وبه تختم الرسالة السماوية – نبوّةً وإمامةً -. وما تلك إلاّ ومضات تزيد المسلمين ثباتاً على دينهم, في أنّه الدّين الخاتم فعلاً, وأنّ فرائضه منها ماهي مسنونة في كتب بعض الأديان – وإن أنكرها أصحاب تلك الكتب-. يُـذكر أنّ كتب الأديان ليست جميعها مشوبة بالتحريف كما قرأنا وجود الخطأ في اسم ابن ابراهيم النبي (عليه السلام) حيث ذكر الانجيل أنّ الذبيح هو اسحق! في حين أنّه هو اسماعيل (عليهما السلام), فمن النصوص ما هو صحيح, ومنها ما تطاولت أيدي القساوسة والرهبان لتحريفه وفقاً لمصالحهم, لـهذا يتم اعتماد الصحيح منها فقط للإستدلال. __________________________ (1) الحج: 31. (2) الحج: 26. (3) Genesis: 21. (4) سفـر التكوين: إصحاح 21. (5) سفر التكوين: اصحاح 22. (6) سفر التكوين: اصحاح 22, ف 1-19. وبهذا البحث المتواضع نكون قد سلطنا الضوء على بعض مناسك الحج كالسعي بين الصفا والمروة, والفدي والهدي, والوقوف على جبل عرفة، آملين أن نكون قد وفقنا في الإسهام بنشر معلومة تصب في صالح الإسلام والمسلمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين, وصلّى الله على خير خلقه محمّد وآله الطيبين الطاهرين. عـلوية الـحسيني

اخرى
منذ سنتين
1822

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
57010

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
38958

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
31047

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30924

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
30745

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
27006