Profile Image

وردة النرجس

الإمامُ الحسنُ (عليه السلام) أوّلُ شهداءِ كربلاء

بقلم: وجدان الشوهاني حقيقةٌ مُخفيّةٌ، أو قُل: لم يلتفتْ لها إلّا أولوا الألباب، ويُمكِنُ عدُّها ظُلامةً من الظُلاماتِ التي طالتِ الإمامَ الحسن (عليه السلام)؛ إذ لم نُسلِّطْ عليها الأضواء. تلك الحقيقةُ هي كونُ الإمامِ الحسنِ (عليه السلام) أوّلَ شهداءِ كربلاء، فكربلاءُ بدأتْ بشهادةِ الحسنِ، وانتهتْ بشهادةِ الحُسين (عليهما السلام). ولإثباتِ هذه الحقيقةِ التي قد نجدُ من يُنكِرُها للبُعدِ الزمني بين شهادةِ الإمامِ الحسن (عليه السلام) عام 50 هـ وبينَ شهادةِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) عام 61 هـ، علينا العودةُ لصُلحِ الإمامِ الحسن (عليه السلام) مع مُعاوية (عليه لعائن الله)، ولا يخفى اختلافُ المؤرخين في بعض مُتعلقاتِ الصُلحِ وبنودِه وإنِ اتفقوا على كونِ مُعاوية ناقضًا لبنودِ الصُلح الذي تمَّ عقده لأسبابٍ كثيرة. وقد قام الشيخ راضي آل ياسين في كتابه (صُلحُ الحسن) بمحاولةٍ للتنسيقِ بين الرواياتِ الواردةِ بشأنِ مُتعلّقاتِ بنودِ الصُلحِ وصاغَها في شكلِ بنودٍ خمسة، كانَ البندُ الثاني منها هو: (أنْ يكونَ الأمرُ للحسنِ من بعدِه، فإنْ حدثَ به حدثٌ فلأخيه الحُسين، وليس لمُعاويةَ أنْ يعهدَ به إلى أحد)1. فهذا البندُ إنْ تمعّنا به سنقفُ على حقيقةِ كونِ الإمامِ الحسنِ (عليه السلام) هو أوّلُ شهداءِ كربلاء، خصوصًا أنّ هذا البند يُمكِنُ عدُّه السببَ في قتلِ معاويةَ للإمامِ الحسن (عليه السلام) عن طريقِ زوجتِه بنت الأشعث، كما أنّه الشرارةُ التي كانتْ سببًا في خروجِ الإمامِ الحُسين (عليه السلام) في كربلاء، فلقد كانَ هذا البندُ تمهيدًا حسنيًا لنهوضٍ حُسيني لا يُنكِرُه أيُّ باحثٍ عن الحقيقةِ وأيُّ مُنصف. أما إن أشكلَ علينا أحدٌ بالبُعدِ الزمني بين استشهادِ الإمامين (عليهما السلام)، فيُمكِنُ تفسيرُ ذلك البُعد بالفرض؛ لأنّ قيامَ الحُسينِ (عليه السلام) بعدَ شهادةِ الحسن (عليه السلام) موقوفٌ على موتِ مُعاويةَ، فلو فرضنا أنّ مُعاويةَ ماتَ بنفسِ العامِ الذي قُتِلَ به الإمامُ الحسن (عليه السلام)، وقبل موتِه عَهِدَ بالخلافةِ ليزيدَ الفاجر؛ لخرجَ الحُسينُ (عليه السلام) آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المُنكرِ، وبهذا الفرضِ لا يُمكِنُ استبعادُ الإمامِ الحسن (عليه السلام) عن شهداءِ كربلاء، لكن جرتْ حكمةُ اللهِ (تعالى) أنْ يكونَ هناكَ بُعدًا زمنيًا، ليكونَ للإمامِ الحُسين (عليه السلام) دورُه الاجتماعي والشرعي وغيرها من مهامِ الإمامةِ التي تثبتُ لكُلِّ إمام، لكننا بهذا الفرض حاولنا أنْ نرفعَ الظُلامةَ عن الإمامِ الحسنِ (عليه السلام) باستبعادِه عن كربلاء من خلالِ توضيحِ الحقيقة المغفول عنها. فالحسنُ بن علي (عليهما السلام) كان ولا زالَ بصُلحِه مُمهدًا للقيامِ الحُسيني واستبعادُ المُمهِّدِ أكبرُ ظُلامةٍ لابُدّ أنْ نرفعَها عن إمامنا (سلام الله عليه)، عسى أنْ ننالَ شفاعتَه يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون إلّا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سليم. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١- راضي آل يس: صلح الحسن، ص ٢٨٩

اخرى
منذ سنة
481

كلامٌ من ذهب

بقلم: إيمان الشوهاني كثيرةٌ هي الكلماتُ التي نسمعُها أو نقرأها هُنا وهُناك، خاصةً الكلام المنقول عن المعصومين (عليهم السلام). لكن! كم واحداً منّا تمعّنَ في تلكَ الكلمات وجعلها دستورًا يمشي به؟ مَن مِنّا سأل نفسه: هل أستطيعُ تطبيقَ كلامِ المعصوم (عليه السلام)؟ هل تلك الكلماتُ صعبةٌ أو غيرُ مفهومة؟ لماذا لا نجعلُ هذه الدُرر أمامَ أعينِنا وفي حياتِنا اليومية؟ فلو سِرْنا بكلام المعصوم لفُزنا في الدُنيا والآخرة. وهُنا أستعرضُ بعضَ الكلماتِ للإمامِ الحسنِ المُجتبى (عليه السلام): "حُسنُ السؤالِ نصفُ العلم، ومُداراةُ الناسِ نصفُ العقلِ، والقصدُ في المعيشةِ نصفُ المؤونة". لو نظرنا لتلك الكلمات، كم هي دقيقة وسهلة في نفسِ الوقت؛ لكنّنا بعيدون عنها. فعلى سبيلِ المثال لو أردنا السؤالَ عن تاريخِ اليوم في التقويم الهجري، لكن لم يكن سؤالُنا بالشكلِ الدقيق، أي لم نُحسِنِ السؤال، فإنَّ الإجابةَ لن تكونَ دقيقةً. فقولُنا في السؤال: ما هو تاريخ اليوم؟ غيرُ مُحددٍ؛ لذلك قد تكونُ هناكَ عدّةَ إجاباتٍ (الهجري أو الميلادي)، وهذه المُشكلةُ كثيراً ما نُعاني منها وخاصةً في المسائلِ الفقهية وغيرها؛ حيثُ دائمًا ما نسمعُ أنّ هذا الشيخ كانت إجابتُه مُختلفةً عن ذلك الشيخ أو السيّد. ربما يكون ذلك الاختلاف بسببِ أننا لم نُحسن صياغة السؤال؛ ممّا أدّى لفقدانِ نصف العلم، وأمّا النصفُ الآخر فحالُه ليس بأفضل. كذلك لو تخلّقنا بأخلاقِ المعصومين (عليهم السلام)، وعاملْنا الناسَ بالكلمةِ الطيّبةِ والصادقةِ والرفقِ وبشاشةِ الوجه وهذا ما قد يُسمّى بـ(المُداراة)، فإنَّ ذلك سيجعلُ من حياتِنا أسهل ومشاكلِنا أقل، ولربما لن تكون هناكَ مشاكلُ، ويتحقّق بذلك نصف العقل. ولو قنعنا بأرزاقنا ولم ننظر لأرزاقِ غيرنا ولم نبذّر واقتصدنا في حياتنا، لا نقولُ أنْ نبخلَ بل التصرُّف بعقلانيةٍ سنجدُ الحياةَ سهلةً، وهُنا تتحقّق نصفُ المؤونة. دقيقةٌ هي كلماتُ المعصوم (عليه السلام)، وسهلةٌ، لكن ينقصها التطبيق وجعلها دستورًا وهذا ما نحن بحاجة إليه. فأرجو أنْ يفهم كُلٌّ منّا كلامَ المعصوم (عليه السلام) ويعمل به، لا أنْ نحفظَ فقط متى ولد؟ ومتى استشهد؟؛ فهم مصابيحُ لإنارةِ دربِنا. فهل استفدنا من ذلك النور؟

اخرى
منذ سنة
418

المنبرُ الحُسيني قضيةٌ وهدف

بقلم: وجدان الشوهاني لطالما اقترنَ المنبرُ بالإمامِ الحُسين (عليه السلام)، ولم يُفكِّرِ البعضُ بالسبب حتى توهّمَ الكثيرُ بأنَّ المنبرَ هو اكتشافٌ ظهرَ بعدَ عاشوراء الحسين (عليه السلام)! مع أنّ التأريخَ أثبتَ أنّ المنبرَ هو مرقاةٌ يرتقيها الخطيبُ ليُكلّمَ الناسَ، وهو مرتبطٌ بالأنبياء (عليهم السلام)؛ لأنّهم بُعثوا من أجلِ أنْ يُكلِّموا الناسَ ويُرشدوهم لطريقِ الحقِّ، كما إنّ القرآنَ أشار لذلك من خلالِ قصةِ النبي شُعيب (عليه السلام) مع قومِه؛ فكان من ألقابه (شيخُ الخطباء). ولا ننسى ارتقاءَ نبيّنا الأكرم مُحمدٍ (صلى الله عليه وآله) المنبرَ وكذلك المعصومين من أهل بيت النبوّةِ (عليهم السلام). وبهذا فالمنبرُ ليس اكتشافًا عاشورائيًا ولا إسلاميًا، بل هو قرآنيٌ ألهيٌ للخواصِ من الناس، ولكنّه كما الكثير من الشرائع التي أصابها التحريف فانحرفت، كذلك المنبرُ انحرف عن المسارِ الذي أرادَه اللهُ (عزّ وجل) له من خلالِ اعتلائه من قبل كُلِّ مَن هبَّ ودب، بعد شهادة النبي (صلوات الله عليه وآله) حتى عام 61 من الهجرة ،حيث واقعة الطفِّ وما جرى على أهلِ بيتِ النبوّةِ (عليهم السلام) من مصائبَ يشيبُ لها الرأس. فعاشوراءُ قضيةٌ خرجَ من أجلِها خامسُ أهلِ الكساء (عليه السلام)، وكتبَ بدمِه ودماءِ أهلِ بيتِه وأنصارِه عنوانَها وهو الإصلاح عندما قال (عليه السلام): "إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مُفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجتُ لطلبِ الإصلاحِ في أُمّةِ جدّي". ومن هُنا اقترنَ المنبرُ باسمِ الحُسين (عليه السلام)، وأصبحت له قضيةٌ اسمُها الإصلاح، وكان الهدفُ هو تنزيهُ المنبر من شوائب الانحرافِ التي طالته من قبلِ الكثير سواءً قبلَ الإسلام أو بعد استشهاد النبي (صلوات الله عليه وآله)، حيث اعتلاه من انحرف عن مساره (صلوات الله عليه وآله) وبالخصوص بني أميّة. وممّا يؤكِّدُ قولَنا هو كلامُ الإمام السجاد (عليه السلام) عند دخوله مجلسَ الطاغيةِ يزيدَ (لعنه الله) في الشام بعد مقتلِ أبيه الحسين (عليه السلام) فقال: "يا يزيد، ائذن لي حتى أصعدَ هذه الأعوادَ فأتكلّمُ بكلماتٍ للهِ فيهنَّ رضا ولهؤلاء الجلساء فيهنَّ أجرٌ وثواب". فربما كان وَصف إمامُنا السجاد (عليه السلام) -وهو أوّلُ خطيبٍ حُسيني- المنبر بالأعواد كنايةً وتأكيداً للانحراف الأموي، حيثُ كانت منابرُهم للتضليل، والمنبر إنّما أرادَه اللهُ وأهلُ بيته (صلوات الله عليهم) أنْ يكونَ منبرَ إصلاح. ومن بعدِ السجّادِ (عليه السلام) كانت لمولاتنا زينب ( عليها السلام) وقفةٌ منبريةٌ أخرى ضدَّ طاغيةِ الشام يزيد (لعنه الله)، وهذا هدفٌ آخر من أهدافِ الحُسين (عليه السلام) في أنَّ المرأةَ شريكٌ مهمٌ في القضيةِ الإصلاحية خصوصًا، وأنَّ مشيئةَ اللهِ (تعالى) اقتضت خروج النساء مع الحُسين (عليه السلام) في قضيته الإصلاحية، فكان للمرأةِ دورٌ بارزٌ؛ فزينبُ والسجّادُ (عليهما السلام) كانا رائدي المنبرِ الحُسيني.. ولكن لم يسلمِ المنبرُ الحُسيني بعدَ غيبةِ الإمام (عجّل الله فرجه) من المُغالطات، فهُناك الكثيرُ ممن يعتلي المنبر الحسيني، ويرفعُ رايةَ الإصلاح ولكن يُريدُ به تضليلَ الناس، وهذا ما يُسمّى (كلمةُ حقٍّ يُرادُ بها باطل).. ومن هنا سيكونُ أحدُ أهدافِ الإمام الحجة (عجّل الله فرجه)، هو تحقيقُ الهدفِ في تنزيهِ المنبر، ومن ذلك نفهمُ معنى نداء الإمام عند ظهوره –كما يُنقل عن لسان حاله-: "يا أهلَ العالمِ، إنَّ جدّي الحُسين قُتِلَ عطشانًا". وما ذلك إلَّا للتذكير بالقضية وتحقيق الهدف، فإلى ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) نسأل الله (تعالى) أنْ نكون وكُلُّ من يُقدّسُ المنبرَ ممّن وعى قضيةَ وهدفَ المنبرِ الحُسيني وعمل به.

اخرى
منذ سنة
721

فتوى عجوز!

بقلم: وجدان الشوهاني قطّبتْ وجهَها، عبسَتْ، بدأتْ تتلوّنُ بألوانِ الخوفِ والهلع.. - ماذا دهاكِ يا جدّتي؟ ردّتْ بنفور: - لا شيء، إنّه شهرُ صفر.. - وماذا يعني شهرُ صفر يا جدّتي، فهو شهرٌ كباقي الشهور؟ فغضبتْ وعلا صوتُها.. - أنتم جيلُ اليوم لا تفقهون شيئًا، تتعلّمون من الكُتُبِ ما يجعلُكم تنتفضون على عاداتِنا وتقاليدِنا التي ورثناها من أمهاتنا؛ فلم نكُنْ نُعارِضُ ما تواه أُمهاتُنا، أمّا أنتم فتُعارضونَ كُلَّ شيءٍ وتتبجّحون بالعلمِ والكُتُب. سكتتْ، وسكتَ الجميع، حتى هدأتْ ثورتُها؛ فداعبتُها، وقبّلتُ تجاعيدُها التي تجذبُني إليها فأزدادُ عشقًا لحكايتها. فقلتُ لها: كم أُحِبُكِ جدّتي! فردّتْ والغضبُ ما زالَ يعتليها، لو كُنتِ تُحبيني اسمعي كلامي . فتبسّمتُ لها قائلةً: حاضرة... هيّا قولي لي ما يجبُ وما لا يجبُ في شهر صفر.. وبدأتْ تُفتي بأنواعِ الفُتيا، بناءً على القاعدةِ الموروثة: (طبِّقْ ولا تُناقشْ). ومن تلك الفتاوى الخاصةِ بشهرِ صفر والتي صدرتْ من جدّتي من طريقٍ صحيحٍ عن سابقاتِها هي: *لا بيعَ فيه ولا شراءَ للأمورِ المُهمّةِ كبيعِ أو شراءِ دارٍ مثلًا، بسببِ موروثِ النحوسة. *لا عقدَ نكاحٍ فيه؛ لنفس السبب المُتقدِّم... وأنا أسمعُها تذكّرتُ فلمَ الرسالة، ومشهد أبي سفيان عندما يقول: (لا نتزوجُ منهم ولا يتزوجون منّا ....إلخ)... أتصوَّرُ أنّ المشهدَ قد استوحاه عباس محمود العقاد من موروثِ العجائز. *أما إذا رزقنا اللهُ (تعالى) بطفل في شهر صفر، فإنّها كارثةُ الكوارثِ عندَ جدّتي، لأنّه سيكونُ نحسًا، لا يبتسمُ إلّا بأموال، إضافةً إلى صفاتٍ أخرى منبوذةٍ سيتصفُ بها عندما يكبُرُ إنْ شاءَ اللهُ (تعالى)؛ والسببُ في كُلِّ تلك الصفات هو إنّه ولِدَ في شهرِ صفر، لكن عندَ جدّتي بعض التدابير فلا تقلقوا. *وإنْ تعرّضْنا لأمرٍ عارض؛ فالسببُ في ذلك الأمر هو أنّنا في شهر صفر؛ لأنّه يشهدُ نزولَ زخّاتٍ من البليّات، لن تنفعَ معها المظلّات ولذا ارتأت جدّتي الحذرَ منه بعملِ بعض الأمور، التي اختلفتْ فيها مع غيرِها من المُسنّات تبعًا لاختلاف الاجتهاد الموروث؛ فبعضُهن يُفتين بكسرِ شيءٍ زجاجي عند استقبال الشهر، أو حرق شيءٍ ما، والبعضُ الآخرُ -وجدّتي منهن- ترى أنْ يكونَ الكسرُ أو الحرقُ في آخرِ الشهر.. وكلُّ فريقٍ منهما له دليله في ذلك. ولكنّي أستوحي التخريبَ من تلك الفُتيا، وكأنّهن يتمتّعنَ بحنكةٍ سياسيةٍ لمُجابهةِ الأعداء، وبالخصوص شهر صفر، ويتفقنَ على أنْ يكونَ يومُ الأربعاء يومًا لذلك التخريب، وكُلُّ ما يختلفن فيه هو اختياره من أولِ الشهرِ أو آخره. فلا اجتهادَ في قِبالِ النص، فقد وردَ من الموروثِ التقليدي بروايةٍ مُعتبرةٍ عن جدّاتِنا الثقات أنّ يومَ الأربعاء ثقيلٌ، ولم يُذكَر دليلُ سببِ ثقلِ هذا اليوم. ولتخفيف عبء ثقله، سيشهدُ كرنفالًا لتكسيرِ الزجاج بشتّى أنواعه، وحرق بعضِ الحطبِ أمامَ أبوابِ الدور، وترديد هتافات الخروج.. ألمْ أقُلْ إنهنّ يتمتّعْنَ بحنكةٍ سياسية؟! طبعًا وأنا أستمعُ لكُلِّ كلامِ جدّتي والابتسامةُ تعلو وجهي، مع تفكيرٍ ينتابُني ويُقلقُني.. هل سأكونُ مثلَ جدّتي عندما أكبر؟ فنحنُ اليومَ في القرنِ الواحدِ والعشرين وعصرِ النهضة، ولكنّ فُتيا العجائزِ لا زالتْ ساريةَ المفعول عِبرَ قرونٍ مضت وإلى اليوم، بل إنّ تأثيرَ فتواها سرى للرجال أيضًا، ولبعضِ العقول التي تحملُ شهادةً أكاديميةً... ومن هُنا انتابني القلقُ في إنّني سأكونُ يومًا ما كجدّتي؛ فأنا اليوم بين أمرين إمّا أنْ آخذُ بما هو موجودٌ في كُتُبِ الفقهاء وأعمل به، وإمّا أنْ أرميها عرضَ الجدار، وآخذُ بما تقولُه جدّتي من فقهِ العجائز. وقبل أنْ أختمَ، لا تتوقعوا أنّ جدّتي وقفت عندَ شهرِ صفر فقط، لا، إنْ كان تفكيرُكم هكذا فأنتم تجهلون معنى (فتوى عجوز)؛ فهي مُجتهدةٌ بمعنى الكلمة، ومن يُرد التأكُد فليُراجع فتواها في شهر رمضان وعدّةِ المُتوفّى عنها زوجُها وغيرها من فتاوى، وستجدون العجب العجاب. أيّتُها العجوزُ المحبوبة، رغمَ حُبّي الشديدِ لكِ يا جدّتي، لكنّني أعتذرُ عن تنفيذِ فتواكِ، ففقد وهبَنا اللهُ (تعالى) نعمةَ العقل، ومن الظلمِ تعطيله. فعُذرًا جدتي، سوف أقودُ انتفاضةً على فتواكِ وفتوى كُلِّ عجوز، ولن يُكبِّلَني حُبُّكِ.

اخرى
منذ سنة
715

رسولُ الإنسانية

بقلم: إيمان الشوهاني في أرضٍ القويُّ فيها يأكلُ الضعيفَ، والغنيٌّ يتعالى على الفقير، والسيّدُ فيها يُعذّبُ العبدَ، والبنتُ توأد، والابنُ يرثُ زوجةَ أبيه وله أنْ يتزوّجها، يعبدونَ ما يصنعون من أوثان، الخمرُ والميسرُ غيّبا عقولهم فتراهم قُساةً، تحكمُهم العصبيةُ للونِ والقبيلةِ، عقولُهم كالحجارةِ بل أشدّ. في هكذا أرضٍ وهكذا مُجتمعٍ ولِدَ ونشأ رسولُنا الكريمُ (صلّى الله عليه وعلى آله)، وكان مُختلفًا عنهم مُميّزًا في كُلِّ شيء، فكان بعيداً كُل البُعدِ عن فعلِ الموبقات التي ميّزتْ ذلك المُجتمع، بل كانَ صادقًا أمينًا نزيهًا كثيرَ الحياءِ وغيرها من الصفاتِ الحميدة... كان يمتلكُ من الخُلُقِ الرفيعِ ما يجعلُ ذلك المُجتمعُ الوثني يحترمُه ويُجِلُّه. وما إنْ جاءتْ لحظةُ التغيير بأمرٍ إلهي؛ ليُبعثَ رسولاً لأمّةِ الجهل؛ وليهديهم إلى النور، لم يتقبلْ ذلك المُجتمعُ الجاهلُ وجودَ شخصٍ واحدٍ ليسَ من عشائرٍهم ولا من الأغنياء يكونُ نبيًا عليهم، ولم تتحملْ عقولُهم الحجريةُ أنّ هذا الرسولَ بعثَه اللهُ (تعالى) إليهم رحمةً؛ ليُنهيَ على يديه ذلك الجهل ويُنيرَ به الدربَ، فحاربوه بشتّى الوسائلِ حتّى خرجَ من تلك الأرضِ إلى أرضٍ أخرى؛ لتكونَ أساسًا لبدايةِ دولةِ الرحمةِ والإنسانية. دولةٌ فيها الإنسانُ له قيمةٌ بغضِّ النظر عن جِنسِه أو لونِه، حُرًا كان أو عبدًا، غنيًا أو فقيرًا، الجميعُ فيها له حقوقٌ، كما عليه واجبات، وما هي إلا سنواتٌ قليلةٌ حتّى أصبحتْ تلك الدولةُ من أعظمِ الدول. إنّه النبيُّ الإنسانُ صاحبُ الخُلُقِ العظيم، تلك الإنسانيةُ، وذلك الخُلُقُ جعلتِ القلوبَ تتهافتُ عليه، حيث حرّرَهم من عبوديتِهم لينطلقوا إلى الحرية، فكانتْ خيرَ أمّةٍ أُخرِجتْ للناس. اليومَ نستذكرُ برحيله تلك الأمّةَ التي غيّرها ابتعادُها عنه وعن إنسانيته، وخُلُقِه الرفيع، فعادتْ إلى الجهل شيئًا فشيئًا، ونحنُ ندعو اللهَ (تعالى) أنْ يردَّنا إليها ردًا جميلًا بحقِّ نبي الرحمة (صلوات الله عليه وآله).. اللهم آمين

اخرى
منذ سنة
451

أوّلُ أوجاعِ الزهراء برحيلِ خاتمِ الأنبياء

بقلم: وجدان الشوهاني عبارةٌ وردت في كتابِ مفاتيح الجنان للشيخِ القُمّي في ذكرى شهادةِ نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله) وهو يروي قولَ أنسٍ بن مالك حين قال: "لما فرغنا من دفنِ النبي (صلى الله عليه وآله) أتتْ إليّ فاطمةُ (عليها السلام) فقالت: كيف طاوعتْكم أنفسكم على أنْ تهيلوا الترابَ على وجهِ رسولِ الله وبكت". وقفتُ عندَها، تأمّلتُها وأمعنتُ النظرَ فيها طويلًا لأستقيَ منها حقيقة رحيل النبي الموجعة، فلا يُعقَلُ أنّها لا تؤمنُ بقضاءِ اللهِ (تعالى) وقدره وهي سيدةُ النساء والمُتصفةُ بالعصمةِ فحاشاها من عدمِ الإيمان؛ لكنّها فقدتْ من كانتْ صفاتُه إلهيةً. حاولتُ أنْ أستقصيَ صورةً للوجعِ الفاطمي، من تلك العبارة، وإذا بالعجز يتحدّاني، فأغلقتُ كتابَ مفاتيحِ الجنانِ مُحمّلةً بخيبةِ العجز. ولكنَّ العبارةَ رافقتني رغمَ إغلاقي للكتاب بسببِ حفظها، وبدأ أرقُ التفكير ينتابُني، فيُخيّلُ لي صوتُها الحزين وهي تُردِّدُ تلك العبارة. حقيقةً لا أعرفُ كيفَ أصِفُ حالَ الزهراءِ (عليها السلام) في تلك اللحظةِ، فأيُّ وجعٍ استشعرتْه مولاتي بفقدانِ أبيها وهي أم أبيها؟! لا أُنكِرُ أنّي أستشعِرُ ألمَ رحيلِ النبي (صلوات الله عليه وآله)، وأشكو للهِ (تعالى) ألمَ فقدِه في شهرِ رمضان من خلالِ دعاء الافتتاح، وحينما أستأذنه للدخولِ لأيّ مرقدٍ من مراقدِ ذُريّته؛ ولكن يبقى وجعُ الزهراءِ (عليها السلام) مُختلفًا، خصوصًا وإنّها العالمةُ غير المُعلَّمة. تعالوا معي لنُسلِّطَ الضوءَ على تلكَ الأوجاعِ ونتركَ الحكمَ للقارئ الحاذق، ولنبدأَ بماضٍ ليس ببعيدٍ عن الزهراء (عليها السلام)، فلقد كانت ذات مكانةٍ عندَ أبيها، حتى إنّه يقفُ لها إجلالًا، يُقبّلُ يديها، يطرقُ بابَها، وجبريلُ يزورُ بيتَها لوجودِ النبي (صلى الله عليه وآله) فيه حتى تركَ أثر زغبِه في بيتِها، إلى آخرِ الأمورِ التي لا يُمكِنُ أنْ تُجمع بسطور.. فقد ودّعت كُلَّ ذلك، ولم يبقَ سوى (أشهدُ أنّ مُحمدًا رسولُ الله)، فبعدَ أنْ كانتْ تراه أصبحتْ تسمعُ اسمَه عند الأذان، ويوماً ما أذِّنُ بلال، فوقعت مغشيًا عليها فأمر الحسنان بلالاً بالسكوتِ خوفًا على أُمِّهما الزهراء وعلي بن أبي طالب يُصبّرها. لكِ كُلُّ الحقِّ مولاتي، فمُحمّدٌ (صلوات الله عليه وآله) أبوكِ ونبيّكِ، نعم، نتألّمُ لفقدِه لكنّه ليس كألمكِ ووجعكِ فهو عظيمٌ بعِظَمِ ما فقدته. وأمّا المُستقبلُ الذي أنبأها به النبيُّ (صلوات الله عليه)، فسوف اختصرُه لأنّي إنْ فتحتُ الملفَ فلن أتوقفَ عن سردِ أوجاعِ الزهراء (عليها السلام) ولذا سأكتفي ببعضِ الكلماتِ علّها تُفصِحُ ولو بشيءٍ قليلٍ عن أوجاعٍ ستقطفُ زهرةَ أبيها عن قريبٍ؛ فرحيلُه كانَ إيذانًا بأوجاعٍ ستبدأ بتهديدٍ بحرقِ البيتِ الذي لامسَت بابَه يدُ النبوة، ولن تنتهيَ حتى ظهورِ القائم (عجّل الله فرجه). فمعَ ما فقدتْه من ماضٍ جميل، وما ستُلاقيه من قادمٍ مؤلم، سقطتْ كُلُّ علاماتِ الاستفهامِ في بحرِ أوجاعِ الزهراء (عليها السلام). سيّدتي لقد تحيّرتُ في وصفِ وجعكِ، فعُذرًا يا بنتَ خيرِ الورى بيومِ فقدِ خيرِ الورى، فعِظمُ الوجعِ كبّلَ قلمي، وباتَ عاجزًا عن الوصف؛ لأنّ وجعكِ برحيل خاتمِ الأنبياءِ (صلى الله عليه وآله) قد فاقَ كُلَّ الأوصاف. سيّدتي ليتني كُنتُ عندَك في ذلك اليوم لأواسيكِ؛ ولكن للأسف شاءَ اللهُ (تعالى) أنْ يجعلني في زمانٍ ليس لي طريقٌ لمواساتكِ سوى بكلماتٍ أخطُّها بقلمي، حاولتُ مع تهديدِ العجزِ لي أنْ أرسمَ ملامحَ وجعكِ الذي ما زال يئنُّ مُنذُ أنْ رحلَ خاتمِ الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، ونحنُ اليومَ ننادي: "اللهم عجّل لظهور خاتم الأوصياء لينتهي بظهوره وجع الزهراء (عليها السلام)". فعظّمَ اللهُ أجر الزهراء بفقدِ خاتمِ الأنبياء..

اخرى
منذ سنة
486

نساءٌ.. ولكن!

بقلم: وجدان الشوهاني في قاموسِ النساء، مفاهيمُ كثيرةٌ أصبحتْ من التُراثِ إنْ لم يتم قتلُها، فوضعُ النساءِ اليومَ يُنبئُ بالخطر؛ لأنَّ الجنسَ اللطيفَ لم يعُدْ لطيفًا، فلقد استبدلَ ثوبَ اللطافةِ بأثوابٍ أُخرى، وليتَها أثوابٌ تليقُ بكيانِ المرأة... سؤالٌ حيّرَ لُبّي، وكادَ يُرديني قتيلةً كتلك المفاهيم: ماذا جرى لتستبدلَ النساءُ ثيابَها الجميلة؟! لا تستغربوا الكلامَ! فحقًا نحنُ بحاجةٍ إلى النقاشِ في هذا الموضوع الخطير. فمنذُ سنواتٍ قلائل تمَّ استبدالُ ثوب الجمال الطبيعي بالجمالِ البلاستيكي بمصطلح اليوم، من خلالِ عملياتِ التجميل التي جعلتنا لا نُميّزُ بينَ امرأةٍ وأُخرى؛ فبعضُ النساءِ اليومَ أصبحنَ نُسَخاً متشابهة، تلك العمليات لم تتركْ شيئًا في جسدِ المرأةِ إلّا وغيّرته. تعاملَ البعضُ مع الأمرِ بعنوان(الحرية الشخصية)، والبعضُ الآخرُ ألبسها ثوبًا إسلاميًا يحملُ شعارَ 《 اللهُ جميلٌ ويُحِبُّ الجمال》، لتتناسبَ مع توجّهاتِ بعضِ الإسلاميين الجُدد خصوصًا أرباب الشاشةِ الصغيرة (التلفاز) وأخصُّ بالذكر الشاشات الإسلامية؛ لأنَّ الإسلامَ عندهم قد خضعَ لعمليةِ تجميلٍ هو الآخر كحالِ مُقدّماتِ برامجهم.. ونحن إذ ننتقدُ عملياتِ التجميل؛ فنحنُ لسنا بصددِ بيانِ الحُرمةِ والحلّيةِ فهذا الأمرُ لهُ أهلُه، ولكنَّ الإقبالَ المنقطع النظير عليها حتى من قبل من تمتلك شكلًا جميلًا هو الذي قادنا إلى أنْ نطرحَ الموضوعَ على نحوِ الاستغراب.. ولا أفهمُ السببَ وراءِ هذه العمليات... وحيث إنّنا ما زلنا لم نستفِقْ من صدمةِ استبدالِ ثوبِ الجمالِ الطبيعي بالجمالِ البلاستيكي حتى أُصِبْنا بصدمةٍ أُخرى هي الأدهى والأمر؛ فلقد تفاجأنا بالآونةِ الأخيرة باستبدال ثوبِ الرحمةِ بثوبِ العُنفِ لنستفيقَ بينَ أسبوعٍ وآخر على جريمةِ قتلٍ تقومُ بها نساء! فنجدُها تقتلُ الزوجَ والأبناء. أمرٌ نقفُ أمامه مذهولين؛ إذ كيف تقتل أبناءها بدمٍ باردٍ وكأنّها تقتلُ لُعبة! وأُخرى تقتلُ زوجَها، وليتَ الأسبابَ مُقنعةٌ. لا أعلمُ هل اللواتي قتلنَ الأبناءَ والأزواجَ نساء؟ أيُعقَلُ أنَّ عملياتِ التغيير لم تكن للجسدِ فقط؟ لا أعرفُ ماذا أقول؛ فالأحداثُ الأخيرةُ قيّدتِ الأقلامَ وما عادتْ تتمكّنُ من وصفِ النساءِ؛ ولهذا لا يسعُني إلّا أنْ أقول: إنّ بعضَ نساءِ اليومَ هُنّ نساءٌ.. ولكن! فهل من مُجيبٍ يُعيدُ الثيابَ الجميلةَ للنسوةِ لتعودَ كما كانتْ جنسًا لطيفًا، أم نودِّعُ الثيابَ من غيرِ رجعة؟ سأتركُ قلمي لكِ سيّدتي؛ لتُكملي عبارةَ: نساءٌ.. ولكن!

اخرى
منذ 9 أشهر
521

أرواحٌ مُنهكة

بقلم: وجدان الشوهاني من خلفِ قُضبانِ أجسادٍ لاهيةٍ في دُنيا فانيةٍ، تقطنُ أرواحٌ أنهكَها الزمنُ، أخفتْ آلامَها خلفَ ابتسامةٍ كاذبةٍ تُحاولُ من خلالِها أنْ تزفَّ تباشيرَ فرحٍ مُزيفٍ لمَن همْ حولها. على مدى أعوامٍ طوال، وتلك الأجسادُ تُخفي تعبَ الأرواح، والمُضحِكُ أنَّ بعضَ تلكَ الأجسادِ تجتهدُ بالعملِ مُتصوِّرةً أنّ القوةَ تكمنُ في كثرةِ الأموالِ والبنين والجاهِ والسُلطة، ولا تهُمُّ طُرُق الحصولِ على كُلِّ ذلك؛ أ مِن حلالٍ أم حرام؟! لم يخطرْ في بالِ تلكَ الأجسادِ أنْ سيأتي يومٌ وتُفتضحُ لتكونَ أجسادًا باليةً تُنبئُ عن رحيلٍ وشيكٍ قد لا يجدُ الدودُ فيها طعامًا شهيًا. إنّه الموتُ يا سادة، لا مُحرِّرَ للأرواحِ المُنهكةِ من ظلامِ سجنِ الجسدِ سواه. فالعجبُ من ذلك الانهماكِ المُضني! تساءلتُ كثيرًا حتى تصوّرتُ أنَّ تلك الأسئلةَ سحابةٌ مُمطرةٌ أغرقتني بزخّاتِها مُحاولةً بتلك الزخّاتِ أنْ تحرفَني عن جادةِ الحقِّ وما أؤمن به؛ فلم يكن لي من بُدٍ إلّا النظر لأصحابِ تلك الأرواحِ فوجدتُهم على نحوين، فمرة أنظرُ لأُناسٍ لاهثين وراءَ أهوائهم، فرحين، يضحكون على أنفسهم بقصورهم وثرائهم الذي جاء من الحرام، يتصورون أنّ أرواحَهم في راحة... وأخرى أنظرُ لأُناسٍ يسعون في طلبِ الطاعةِ وكثرة السعي قد رسمَت الحُزن على وجوهِهم لوحاتٍ، فلم يتمكنوا من خداعِ الآخرين بشيءٍ؛ لأنّهم لا يملكون شيئًا، فبانَ التعبُ على أرواحِهم . فالجهتانِ أرواحهم مُنهكةٌ، سواء أخفوا ذلك التعب خلفَ ضحكاتٍ كاذبةٍ أم لا، وهُنا انتابَني الفضولُ من خلالِ شكٍّ بدأ يرسمُ طريقَه بمعونةِ الشيطانِ ليبثَّ أوهامَه في نفسي ويقولُ لي: الجميعُ مُتعَبٌ لا فرقَ بينَ المُطيعِ والعاصي، فلماذا نحرمُ أنفسَنا من ملذّاتِ الدُنيا؟ أشبِعي رغباتِكِ؛ فليس هناك من حساب، فالحسابُ خُدعةُ الإسلاميين.. عيشي حياتكِ كما تشائين؟ وكيف تشائين؟ فكّرتُ هُنيئةً، كيف لي أنْ أضعَ حدًا لوسوسةِ الشيطان التي وجدت عقولًا ساذجةً تُصدّقُها، وتُقنعُهم بإشباعِ الغرائزِ العمياءِ بلا خوفٍ، بل وقد تسوِّلُ لهم أنْ حتى لو آمنتم بالحسابِ فهُناك بابٌ اسمُه التوبةُ والمغفرةُ والرحمةُ، فلماذا الحرمانُ من ملذّاتِ هذه الدنيا؟! نعم لا أنكرُ أنَّ جميعَ الأرواحِ مُنهكةٌ، لكن مع فارقٍ لا يُدرِكُه إلّا ذووا الألباب؛ فاللاهثون وراء أهوائهم، أرواحُهم مُنهكةٌ بفعلِهم فهم في ظلامٍ مُستديم، إذ تلك الأموالُ والأبناءُ والسلطةُ ما هي إلّا قيودٌ إضافيةٌ سيرونَ حقيقتَها بعدَ حين، فحتى لو تحرّرتْ أرواحُهم من سجنِ الجسدِ فهو تحرُّرٌ مؤقتٌ؛ لأنّها ستُقادُ إلى سجنٍ أشدّ لن ينفعهم فيه ما جمعوه، على عكس الساعين للطاعةِ؛ فأرواحُهم مُتعبةٌ بفعلِ بحثِهم عمّا يُرضي خالقِهم، فهؤلاءِ وإنْ كانوا في سجنِ ذلك الجسد الذي يُنازعُهم في الطاعةِ لكنّهم بالموتِ تتحرَّرُ أرواحُهم لتُجزى عن ذلك التعب جزاءً عظيمًا. فيا أيتها الأرواحُ المُنهكة، ستنتهي قيودُ ذلك الجسد، وستتضحُ حقيقةَ ذلك التعب، أ كانَ في طاعةٍ أم سخط... فنحنُ من نختارُ لأرواحِنا سعادتَها وتعاستَها. والعاقلُ مَن لا ينظرُ للأرواحِ من زنزانةِ الجسدِ فقط، بل عليه أنْ ينظرَ لأبعد من ذلك ليفهمَ هدفيةَ الخلقة؛ فالدُنيا دارُ امتحانٍ، جميعُ الأرواحِ فيها مُنهكةٌ، وحقيقةُ ذلك الامتحانِ ستنكشفُ في دارِ البقاء.

اخرى
منذ 11 شهر
521

الأسرارُ الزينبيةُ

بقلم: وجدان الشوهاني حاولتُ أنْ أتغاضى عن الكتابةِ، فوجدتُ القلمَ يجذبُني إليه، أدرتُ بوجهي عنه، فشدّني إليه بقوّةٍ ليقولَ لي: - إنّها زينب. فوقفتُ مُندهشةً! أيُّ سرٍ تحملُ صاحبةُ هذا الاسمِ حتى وصل تأثيرُه إلى القلم؟! فما كان منّي إلا أنْ أمسكَ بقلمي لأبدأَ بكتابةِ الأسرارِ الزينبية سرًا سرًا، بعدَ بحثٍ مُطوّلٍ في حياةِ لبوةِ عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام). فالبُكاءُ أوّلُ تلك الأسرارِ التي بدأتْ منذُ ولادتِها، فهذا خاتمُ الأنبياء (صلى الله عليه وآله) تسيلُ دموعُه بدلَ الفرحِ بقدومها، لما سيجري عليها من مصائبَ، بل إنّ جميعَ المعصومين كانتْ تسيلُ دموعُهم لما جرى على مولاتِنا زينب (عليها السلام)، حتى صارت (سلام الله عليها) علةً من علل بُكاءِ وحُزنِ المعصومين والموالين. وبعدَ دموعِ جدِّها يأتي السرُّ الثاني ليطُلَّ علينا بغموضِه؛ فحياتُها حتى معركةِ الطفِّ لم تكنْ مكشوفةً بتفاصيلِها، فلم يصلْنا عن طفولتِها وشبابِها إلّا النُزر اليسير. وكان أبوها وإخوتُها (عليهم السلام) قد أحاطوها بستارِ العفّةِ، حتى أنّه لم يُرَ خيالُها لأحدٍ قطّ، وما ذلك إلا ليرسموا للمُجتمعِ صورةً رائعةً للعفافِ ستتجلّى لهم في واقعةِ الطفِّ.. فكان السِرُّ في عفافِها هي تلك الإحاطةُ الأبوية والأخوية طوالَ حياتِها التي أهّلتْها للشجاعةِ، تلك الصفةُ التي كانتْ سرًا آخر تجلّى في قصورِ الطُغاة. فالشجاعةُ الزينبيةُ كانتِ السِرَّ الثالثَ من أسرارِ تلك الشخصيّةِ العجيبة؛ وعِلّةُ شجاعتِها كانَ الغِذاء النوراني من أهلِ بيتِ العِصمةِ حتى صيّرَها ذلك الغذاءُ فارسةً تذودُ بكلماتِها عن الحرمِ لتقطعَ ألسنةَ الطُغاةِ بخُطبتِها في الكوفة والشام. فزينبُ (عليها السلام) لم تكنْ مُجرَّدَ امرأة، بل كانتْ صورةً لسبعةٍ من المعصومين عاصرتْهم واقتبستْ منهم وتجلّتْ في السبعةِ الآخرين، لتكونَ سرًا رابعًا من أسرار العصمة، فما جرى في كربلاءَ كانَ وصمةَ عارٍ في جبينِ الباطلِ الذي سلَّ سيفَه بوجهِ الحقّ.. ومن هُنا كانتْ زينبُ (عليها السلام) النصفَ الآخر للمعصومين أجمع. وهُنا توقّفَ القلمُ بعدَ أنْ استنزفَ حبرَه، ليقفَ مذهولًا أمامَ تلك الأسرارِ، فما كانَ منه إلا أنْ يقول: سيّدتي كُلُّ الكلماتِ عاجزةٌ عن وصفكِ، بل هي ذليلةٌ أمامَ شخصِك الذي لم يُرَ خيالُه حتى واقعةِ الطف. فعُذرًا يا ابنةَ الطُهرِ فأسرارُك جمّةٌ، ولم أبُحْ إلا بالقليل فقط؛ فأعينيني لأكتبَ كُلَّ الأسرار، وأكشفَ للناسِ عنها، وسأتخذُ من أسراركِ حبرًا كي لا أجفَّ في يومٍ من الأيام. واسمحي لي أنْ أكونَ قنبرًا في بابكِ مولاتي، اقبليني وكوني سرَّ مدادي. والسلامُ على سِرِّ المعصومين زينب (صلوات الله عليها وعليهم أجمعين)..

اخرى
منذ 11 شهر
426

ظُلامةُ الزهراءِ (عليها السلام) في كُتُبِ العامّة

بقلم: وجدان الشوهاني لقد ضجّتْ كُتُبُ الشيعةِ بظُلامةِ الزهراءِ (عليها السلام)، ولكن يبدو أنّها ليستِ الوحيدة؛ فقد شاركتْها كُتُبُ العامّةِ وإنْ لم تُعنوَنْ بعنوانِ الظُلامة. والرواياتُ التي ترويها كُتُبُهم المُعتبرةُ تحملُ بينَ طيّاتِها اعترافًا بوقوعِ التعدّي على سيّدةِ نساءِ العالمين (عليها السلام)، ولكن سياسة تجهيلِ المُجتمعِ التي مارسَها أربابُ السُلطةِ الحاكمةِ كانتْ هي السائدةَ منذُ وقوعِ الظُلامةِ وحتّى اليوم، وهذا ما يؤسفُ له. ونحنُ إذ نُشيرُ لظلامةِ الزهراءِ (عليها السلام) في كُتُبِ العامة، فلسنا بصددِ إثارةِ نعراتِ طائفيةٍ كما يراها البعضُ، بل الهدفُ الأساسيّ من وراءِ ما نكتبُه هي دعوةٌ للوقوفِ على الحقيقةِ التي يُحاوِلُ البعضُ تغييبَها بعناوينَ مُختلفةٍ. وللوقوفِ على الحقيقةِ علينا أنْ نتعرَّفَ أوّلًا على مقامِ الزهراء (عليها السلام) في كُتُبِ العامّةِ، ثمَّ نُشيرُ إلى ظُلامتِها في نفسِ الكُتُب؛ وذلك لأنّ ثبوتَ المقامِ الرفيعِ للزهراء (عليها السلام) كاشفٌ عن أنّ المساسَ بذلك المقامِ يُعَدُّ تعدٍّ صريحٍ لا يُمكِنُ أنْ يُغتفر. فلنُقلِّبْ معًا صفحاتِ كُتُبِ العامّةِ لإثباتِ مقامِ الزهراء (عليها السلام)، ولنبدأ بأهمِّ الكُتُبِ ثم نُعرِّجْ للبقية. ففي صحيحِ البُخاري/ كتاب بدءِ الخلق أخرجَ البُخاري عنِ النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «فاطمةُ بضعةٌ منّي من أغضبَها أغضبَني». ووردَ في نفسِ صحيحِ البُخاري وكذلك في مُسندِ أحمدَ وأبي داود وصحيح مُسلمِ أنّه جاءَ عن النبيّ [صلى الله عليه وآله] أنّه قال: «فاطمةُ بضعةٌ منّي يُريبُني ما أرابَها ويؤذيني ما آذاها». كما جاءَ في صحيحِ مُسلم/ باب مناقب فاطمة [عليها السلام]، مسند أحمد 4/5، المستدرك 5/323 وقال: صحيحٌ على شرطِ الشيخين قولُ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله): «إنّما فاطمةُ بضعةٌ منّي يؤذيني ما آذاها»، وقال أيضًا: «إنّما فاطمةُ بضعةٌ منّي يؤذيني ما آذاها وينصبُني ما أنصبَها»، وقالَ: «فاطمةُ بضعةٌ منّي يُقبِضُني ما يُقبِضُها ويُبسِطُني ما يُبسِطُها» ووردَ في المُستدركِ والإصابةِ وكنزِ العُمَال عن أبي يعلى والطبراني وأبي نعيم عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه [وآله]): «إنَّ اللهَ يغضبُ لغضبِ فاطمةَ، ويرضى لرضاها». يبدو من كُلِّ تلك الرواياتِ للزهراءِ (عليها السلام) أنّها قطعةٌ من النّبيّ (صلّى الله عليه وآله)، وأنّ لها مقامًا يصلُ إلى أنّ في غضبِها (عليها السلام) غضب اللهِ (جلَّ وعلا) والنبيّ (صلوات الله عليه وآله)؛ لأنّه ليس بالأمرِ الهيّن. وهُنا نُلفِتُ نظرَ القارئ الكريم لأمرٍ مُهمّ وهو: لِمَ كانَ النبيُّ (صلواتُ الله عليه وآله) يُكرِّرُ الرواياتِ بألفاظٍ مُتعدِّدةٍ على أصحابِه؟ ألا يوحي لنا ذلك التكرارُ بتحذير النبيّ (صلى الله عليه وآله) من أيّ اعتداءٍ على مقامِ ابنتِه (صلوات الله عليها)؛ لعلمه فضلًا عن توقُعِه وقوع ذلك ؟! وقبلَ أنْ ننتقلَ للشِقِّ الثاني من رواياتِ العامةِ التي تُشيرُ إلى أنّ الزهراءَ (عليها السلام) رحلتْ غاضبةً على بعضِ القومِ بسببِ ما وقعَ عليها من ظلم، لنُبيّنْ للقارئ الكريم حُكمَ اللهِ (تعالى) في كتابِه الكريم لمَن يؤذي الرسولَ (صلوات الله عليه وآله) فقد قال (تعالى): «إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57)»[الأحزاب57]. والحكمُ واضحٌ لا يحتاجُ منّا إلى بيان. والآن لننتقلْ إلى رواياتِ العامّةِ حولَ ظُلامةِ الزهراء (عليها السلام)؛ فهذا تاريخُ الطبري 3/202 وقريبٌ منه ابنُ أبي شيبة وهو من مشايخ البُخاري في المصنف 7/432، فعنِ الطبري بسندِه: «أتى عمرُ بن الخطاب منزلَ عليٍّ وفيه طلحةُ والزبيرُ ورجالٌ من المُهاجرين، فقال: واللهِ لأحرِّقَنَّ عليكم أو لتَخرُجُنَّ إلى البيعة .....». أمّا كتابُ أنسابِ الأشراف 1/586، وقريبٌ منه ابنُ عبدِ ربِّه في العقدِ الفريدِ 5/13، وأبو الفداءِ في المُختصر في أخبارِ البشر 1/156، فعنِ البلاذري بسندِه: «إنَّ أبا بكرٍ أرسلَ إلى عليٍ يُريدُ البيعةَ، فلم يُبايعْ، فجاءَ عمرُ ومعه فتيلةٌ، فتلقّتْه فاطمةُ على الباب، فقالت فاطمة: يا بن الخطاب أتُراكَ مُحرّقًا عليّ بابي؟! قال: نعم ...». ولا يقتصر ذكرُ ظُلامةِ الزهراءِ (عليها السلام) على تلك الكتب فقط، بل وردَ ذلك أيضًا في كتابِ مروج الذهب 3/86، وشرح ابن أبي الحديد 20/147، فقد روي عن عروة بن الزبير: «أنّه كانَ يعذرُ أخاهُ عبدَ اللهِ في حصرِ بني هاشم في الشِعبِ وجمعِه الحطبَ ليُحرِقَهم، قالَ عروةُ في مقامِ العُذرِ والاعتذارِ لأخيه عبدِ اللهِ بن الزبير: بأنَّ عمرَ أحضرَ الحطبَ ليحرقَ الدارَ على من تخلّفَ عنِ البيعةِ لأبي بكر». وفي كتابِ ميزان الاعتدال 1/139 قالَ ابنُ أبي دارمِ المُتوفّى سنة 352: «إنَّ عمرَ رفسَ فاطمةَ حتّى أسقطتْ بمُحسن». وفي كتابِ المِلل والنحل 1/59، والوافي بالوفيات 6/17، قالَ إبراهيمُ بن سيّار النظّام المُتوفى سنة 231: «إنَّ عمرَ ضربَ بطنَ فاطمةَ يومَ البيعةِ حتّى ألقتِ الجنينَ من بطنِها، وكانَ يصيحُ عمرُ: احرقوا دارَها بمنْ فيها، وما كانَ بالدارِ غيرَ عليٍ وفاطمةَ والحسنِ والحُسين». وفي كتابِ المعارفِ لابنِ قُتيبة كما عنه ابن شهر آشوب في مناقبِ آلِ أبي طالب 3/358 (وقد تمَّ حذفُ المقطعِ من كتابِ المعارف في الطبعاتِ الجديدة)، روي عن ابنِ قُتيبة: «إنَّ مُحسنًا فسدَ من زخمِ قُنفذ العدوي». وفي شرحِ ابنِ أبي الحديد 14/192، عن شيخِ ابنِ أبي الحديد: «لمّا ألقتْ زينبُ ما في بطنِها أهدرَ رسولُ اللهِ دمَ هبّار؛ لأنّه روّعَ زينبَ فألقتْ ما [في] بطنها، فكانَ لابُدَّ أنّه لو حضرَ ترويعَ القومِ فاطمةَ الزهراء وإسقاطَ ما في بطنِها لحَكمَ بإهدارِ دمِ منْ فعلَ ذلك، فقال له ابنُ أبي الحديد: أروي عنكَ ما يرويهِ بعضُ الناسِ من أنّ فاطمةَ روِّعَتْ فألقتْ مُحسنًا؟ فقال: لا تروِهِ عنّي ولا تروِ عنّي بُطلانه». وبالرجوعِ إلى تاريخِ الطبري 3/430، والعقدِ الفريد 2/254، وكتابِ الأموال لابنِ سلام، ومروجِ الذهب، والإمامةِ والسياسة، نجد ما روي عن أبي بكر: «أنّه قالَ قُبيلَ وفاتِه: إنّي لا آسى على شيءٍ من الدُنيا إلا على ثلاثٍ فعلتُهنَّ ووددتُ أنّي تركتُهن ...... وددْتُ أنّي لم أكشفْ بيتَ فاطمةَ عن شيءٍ وإنْ كانوا قد أغلقوه على الحرب...». وهذا صحيحُ البُخاري/ بابُ غزوةِ خيبر، وصحيحُ مُسلم/ كتابُ الجهادِ والسير؛ إذ أخرجَ البُخاري ومُسلمُ عن عائشةَ: «إنَّ فاطمةَ بنت النبيّ أرسلتْ إلى أبي بكر ... فوجدتْ فاطمةُ على أبي بكرٍ فهجرتْه، فلم تُكلِّمْه حتّى توفيَت، وعاشتْ بعدَ النبيّ ستةَ أشهرٍ، فلمّا توفيَتْ دفنَها زوجُها عليٌّ ليلًا، ولم يؤذَنْ بها أبا بكر ...». ومن خلالِ تلك الرواياتِ التي أثبتَتْ مقامَ الزهراء (عليها السلام)، ومن ثمَّ أثبتَتْ وقوعَ التعدّي الصريحِ الذي وصلَ بتصريحٍ من زوجِ النبيّ (صلوات الله عليه وآله) بأنّ الزهراءَ (عليها السلام) لم تُكلِّمِ الأولِ بسببِ ما جرى حتّى رحلت. فبعد كُلِّ ما تقدّمَ، هل يبقى مجالٌ لإنكارِ ظُلامةِ الزهراء (عليها السلام)؟! إيُّها القارئُ الكريمُ، أيًّا كان فكرُك أو مذهبُك أو دينُك، عليكَ أنْ تفهمَ أنّ ما جرى كانَ على فاطمةَ بنتِ مُحمّدٍ (صلوات الله وسلامه عليهما وآلهما)، ومن ثم فليستِ القضيةُ قضيةً شيعيةً، وإنّما هي قضية الإسلام.

اخرى
منذ 10 أشهر
465

هل أنتَ جاهز؟

بقلم: وجدان الشوهاني تفرّدَ الإمامُ الحُجّةُ (عجّل الله فرجه) بأنّه الإمامُ الوحيدُ الذي له تاريخُ ميلادٍ من دون تاريخِ شهادة إلى الآن رغم طوله عمره... تُرى ماذا يعني لك هذا الأمر؟ وهل أخذَ من فكرِك بعضَ الوقت؟ نحنُ نحتفلُ ونفرحُ ونُباركُ لبعضِنا البعض بالولادةِ الميمونة، ويُردِّدُ الكثيرُ دُعاءَ الفرج، ولكن لا نُدقِّقُ وكأنّ الأغلبَ يُحاوِلُ أنْ يُعمِّمَ الفرحَ بالميلاد، والقليل يُطمئنُ النفوسَ بوجودِه، وهذا أمرٌ حسنٌ وضروريّ؛ لكنّه غيرُ كافٍ. والأقلُّ من القليلِ فقط هم مَن ينظرُ إلى بواطنِ الأمور وينظرُ للميلادِ بأنّه إشعارٌ لهم بالتجهيز؛ ولهذا أردنا بهذه الأسطرِ أنْ نُصوِّرَ للآخرين حقيقةَ ذلك الإشعارِ وكيفيةَ التدقيقِ في الأمور عندَ هؤلاءِ القِلّةِ القليلة. فميلادُه عندَ هؤلاءِ ليس مُجرّدَ شمعةٍ وفرحةٍ وترديدِ دعاءِ الفرج، بل إنّ ميلادَه الذي لا يشوبُه حزنُ الشهادةِ والرحيل ما هو إلا رسالةٌ للموالين، خالية من كُلِّ شيءٍ باستثناءِ سؤالٍ يقِفُ أغلبُ المُحتفلين بميلادِه وقفةَ حيرة، وقد يذرِفُ البعضُ الدموع. ذلك السؤال هو: هل أنتَ جاهزٌ الآن؟ فهؤلاءِ القلةُ قد تعاملوا مع الميلادِ معاملةَ إشعارٍ بالتجهيزِ، فجهّزوا أنفسَهم بكُلِّ ما فيه رضا الإمام (عجّل الله فرجه)، سواءَ أكانوا بمناصبَ عُليا أم بوظيفةٍ بسيطةٍ أم طلبةً أم أناسًا بسيطين. الحرامُ عندَهم حرام ٌ لا يقربونه ولا يُحاولون أنْ يحتالوا لأجلِ الوصولِ إليه بحيلةٍ شرعية، ولا يجعلونَ له عناوينَ جذابة. يُحاولون بقدرِ الإمكانِ أنْ يضعوا حجرَ أساسٍ لعاصمةِ الإمامِ (عجّل الله فرجه) أينَما كانوا، لا يهمُّهم في ذلكَ لومةُ لائم، عندهم مبادئ رسمَها لهم أهلُ البيتِ (عليهم السلام)، وتمسّكوا بها. فمثلُ هؤلاءِ لا يرفعُهم الناسُ، فلا جيشَ لهم ولا حزبَ كغيرِهم بل يرفعُهم اللهُ (تعالى). أيُّها المُحتفلون، هل دققتُم في الأمرِ؟ فميلادُ الإمامِ (عجّل الله فرجه) ليسَ مُجرّدَ تاريخٍ، وإنّما هو مُطالبةٌ بأنْ جهّزوا أنفسَكم لظهوره. فعلى من يرى نفسَه مواليًا، أنْ يُجهِّزَ نفسَه ليكونَ ناصرًا، وعلى من يرى نفسَه مُذنبًا ومُقصِّرًا بحقِّ إمامِ زمانِه (عجّل الله فرجه) أنْ يُجهِّزَ نفسَه للتطهير، فإن من غرقَ ببحرِ الذنوبِ حتى طبعَ اللهُ (تعالى) على قلبه، فلن تنفعَه شموعُه ولا دعواتُه ولا جيشُه ولا حزبُه ولا مقامُه الذي صنعَه له الحمقى من الناس، وسيكونُ الإمامُ له بالمرصاد.. وبهذا نفهمُ أنّ ميلادَ الإمامِ الحُجّةِ (عجّل الله فرجه) هو –فيما هو له- إشعارٌ بالتجهيز. فهل أنتَ جاهزٌ الآن؟

اخرى
منذ 7 أشهر
415

فلسفةُ الصيامِ وأثرُه في تغييرِ الذاتِ الإنسانية

بقلم: وجدان الشوهاني الصومُ فريضةٌ بذلَ العلماءُ قُصارى جُهدهم لبيانِ فلسفته، ولا نعني بالفلسفةِ التشريعَ فقط، وإنّما المُرادُ من هذه الكلمةِ هو فهمُ الصومِ بكُلِّ أبعاده. إذن لا بُدّ من الوقوفِ على تلك الفلسفة؛ ليتسنّى لنا معرفةُ أثرِ الصومِ في تغييرِ الذاتِ الإنسانيةِ والارتقاءِ بها في أيامٍ معدوداتٍ مثلما جاءَ في القرآن الكريم. في بادئ الأمرِ، لا بُدّ إنْ نفهمَ أنّ الإنسانَ هو المُخاطبُ من قِبلِ اللهِ (سبحانه وتعالى) بكُلِّ الفرائض، والتي منها فريضةُ الصوم؛ ولذا نجدُ الإشارةَ توجَّهُ إلى هذا الإنسانِ المخلوقِ بالقولِ الآتي الذي يُنسَبُ لأميرِ المؤمنين (عليه السلام): (أتحسبُ أنّكَ جُرمٌ صغيرٌ، وفيك أنطوى العالمُ الأكبرُ؟!) فأسرارُ الكونِ قد انطوتْ في هذا المخلوقِ الإنساني، ولهذا خاطبَه اللهُ (سبحانه وتعالى) بالفرائض، ورفعَه الى مقامِ الخِلافةِ الإلهية. فالإسلامُ دينٌ جاءَ ليضعَ للإنسانِ برنامجًا شاملًا ومتكاملًا، يشعرُ معه بالطُمأنينةِ والهدوءِ. وكانتِ الفرائضُ أهمَّ ما في ذلك البرنامجِ الذي يقودُ الإنسانَ للاطمئنانِ القلبي والروحي، فالعباداتُ بالإضافةِ إلى كونِها سلوكًا جسديًا فهي إعدادٌ روحيّ للارتقاءِ وعلى جميعِ الأصعدة، والصومُ أحدُ العباداتِ التي ينفتحُ فيها الإنسانُ بعلاقةٍ تواصُليةٍ مع ربِّه ليرتقِ بمستواه الروحي والإيماني. ومن هُنا علينا أنْ نتعاملَ مع هذه العبادةِ تعامُلًا خاصًّا يُعطيها دورَها الحقيقيّ لنرى أثرَ هذه العبادةِ في حياةِ الإنسانِ. ويُمكِنُ إجمالُ فلسفةِ الصيامِ في نقطتين: أولهما: الحكمةُ من هذه الفريضة، والثانية: أثرُها في تغييرِ الذاتِ الإنسانية. وبيانُ الأولى تبينه الآية (١٨٣) من سورة البقرة بقوله (تعالى): (يا أيّها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، فالحكمةً تكونً بالتقوى التي جاءتْ في ذيل الآية، ومعنى التقوى هُنا، هو أنْ يكونَ الإنسانُ محميًّا ومُحصّنًا من أيّ تقلباتٍ سلبيةٍ، فاللهُ (سبحانه وتعالى) قد وهبَ الإنسانَ اثني عشر شهرًا، وخصَّصَ من بينها واحدًا؛ ليأخذَ فيها الإنسانُ جرعاتٍ تمنعُه من الإصابةِ بأيّ مرضٍ قد يؤدّي به إلى تغييرٍ سلبي. ورُبَّ سائلٍ يسأل: أينَ مُتعلِّقُ التقوى؟ ولن نبتعدَ عن القرآنِ، فالجوابُ لا يخرجُ عنه، وذلك بقوله (تعالى) في سورة الحج آية (32): (ذلك ومن يعظّم شعائرَ اللهِ فإنّها من تقوى القلوب). فالقلبُ هو مُتعلِّقُ التقوى ومحلُّه الذي يستقرُّ فيه ليطمئنَّ الإنسان، فالتحصينُ للقلب. فإذا تبيّنَ أنَّ الحكمةَ هي التقوى، وأنَّ القلبَ مُتعلِّقُ التقوى، ولتكتملَ الصورةُ كانَ للمُتقين صفاتٍ ذكرَها اللهُ (تعالى) في سورةِ البقرة في الآيات (٢، ٣، ٤، ٥) بقوله: (ذلك الكتابُ لا ريبَ فيه هُدىً للمُتقين * الذين يؤمنونَ بالغيبِ ويُقيمونَ الصلاةَ وممّا رزقناهم يُنفقون * والذين يؤمنون بما أُنزِلَ إليك وما أُنزلَ من قبلك وبالآخرةِ هم يوقون * أولئكَ على هُدىً من ربهم وأولئك هم المفلحون). ولو دقّقنا في الآياتِ لوجدنا أنّها أشارتْ إلى أنَّ الكتابَ -وهو القرآنُ- هو كتابُ هُدى للمُتقين الذين تميّزوا بصفاتٍ كثيرة، ونزولُ القرآنِ كانَ في شهرِ رمضانَ مثلما قالَ اللهُ (تعالى) في سورة البقرة آية (185): (شهرُ رمضانَ الذي أُنزلَ فيه القرآن هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان)، فالناسُ في هذه الآية هم المُتقون في الآية رقم (٢) من نفسِ السورة. وبهذا تتضِحُ فلسفةُ الصومِ من أنّه فريضةً عباديةً -في حقيقتِها- عبارةٌ عن مُخيّمٍ زماني ومحطةٍ زمانيةٍ مقدارُها أيامٌ معدودةٌ يكتسبُ فيها الإنسانُ التقوى والمنعةَ والحصانةَ التي ستتركُ أثرَها عليه طوالَ أحد عشر شهرًا مُتبقيًا من السنة. فلُطفُ اللهُ (تعالى) واضحٌ في هذه الفريضة، ولكنّه مخفيٌّ عن البعضِ لجهلِه بفلسفتِها، فهي عبادةٌ تربويةٌ، وعاملٌ قوي لتعزيزِ روحِ التقوى في الإنسانِ لتتركَ أثرَها في تغييرِه للأفضل، وعلى جميعِ الأصعدة، فتكتملُ فلسفةُ الصومِ ببيانِ النقطةِ الثانيةِ التي تتناولُ أثرَ الصومِ في تغييرِ الذات، وأهمُّ تلك التغييرات هي: أولًا/ التغييرُ الروحيّ والتربويّ: فأهمُّ تغييرٍ يحصلُ عليه الإنسانُ هو الإيمان؛ لأنّ اللهَ (سبحانه وتعالى) خاطبَه بعنوان (يا أيُّها الذين آمنوا)، فهذا الخطابُ بحدِّ ذاته هو عاملٌ مهمٌ في شحنِ الهِمّة، ودافعٌ للإنسانِ من أجلِ التقدُّمِ والعطاء، فلن يكونَ مُجرّدَ إنسانٍ مُسلمٍ بل سيكون مؤمنًا، وردَ عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله: (ولذّةُ ما في النداءِ أزالَ تعبَ العبادةِ والعناء)[١]. فمع تعبِ العبادةِ إلّا أنّ الخطابَ بالإيمانِ كفيلٌ بإزالةِ التعب، فأيُّ دافعٍ روحيّ يهبُه اللهُ (تعالى) للإنسانِ للتغيير؛ ليكونَ في بقيةِ الشهورِ ساعيًا للحفاظِ على هذا العنوان، ففي هذا الشهرِ ينتقلُ الإنسانُ من عالمِ البهيميةِ إلى عالمِ الملائكةِ في فترةٍ زمنيةٍ معينةٍ، من خلالِ الأثرِ الروحي الذي تزوّدتْ منه النفس، حيثُ مائدة الرحمةِ الإلهيةِ الممدودةِ له مِن قِبلِ الله (تعالى)، التي بها يستعينُ بقيةَ الشهور. ثانيًا/ التغييرُ الاجتماعي: إنّ الرغبةَ في المُستحباتِ تظهرُ في شهرِ رمضان، وكأنّما هو برنامجٌ اجتماعيّ للتواصُلِ والتراحُمِ من أولِه إلى آخره، ذلك يظهرُ من قولِ النبي (صلى الله عليه وآله) في آخرِ جمعةٍ من شهرِ شعبان وهو يستقبلُ شهرَ رمضان فقال: (وتصدّقوا على فُقرائكم ومساكينكم ووقروا كبارَكم وارحموا صغارَكم وصلوا أرحامكم)، حتى ينتهيَ الشهرُ بزكاةِ الفِطرةِ التي تُعدُّ امتدادًا للتواصُلِ ودافعًا للإنسانِ ليأخذَ دورَه في الحياةِ الاجتماعية، فيتواصل مع مَن انقطعَ عنهم لأسبابٍ دُنيويةٍ؛ فشهرُ رمضانَ صفحةٌ جديدةٌ للبعضِ لإعادةِ الصلةِ المقطوعةِ، وهذا بحدِّ ذاتِه يُغيّرُ الإنسانَ للأفضلِ ويُشعِرُه بدورِه في هذا المجتمع. ثالثًا/ التغييرُ الفكري: فقد وردَ عن الإمامِ الرضا (عليه السلام) قولُه: (إنّما أُمِروا بالصومِ لكي يعرفوا ألمَ الجوعِ والعطشِ فيستدلّوا على فقرِ الآخرة)[٢]، فساعاتُ الجوعِ والعطشِ التي يمرُّ بها الإنسانُ وهو صائمٌ هي رسالةٌ إلهيةٌ للإنسان، مفادُها: أنّك يا إنسانُ ضعيفٌ وفقيرٌ، وبهذه الرسالةِ تنفتحُ الآفاقُ الفكريةُ عندَ الصائمِ، فيستدِلُّ على غنى الله (تعالى) وقدرتِه من ضعفِه وعجزِه لمُجرّدِ انقطاعِ الطعامِ والشرابِ لفترةٍ مؤقتةٍ، وهذا بحدِّ ذاتِه يُغيّرُ الإنسانَ فكريًا؛ فتأخذُ العبادةُ عندَه دورًا حيويًا وتتركُ أثرَها في فكره. رابعًا/ التغييرُ السياسي: لقد شهِدَ شهرُ رمضانَ أهمَّ انتصارٍ للمُسلمين في معركةِ بدرٍ الكُبرى، ولذا فشهرُ رمضانَ شهرُ الانتصاراتِ الذي يشعرُ معه الإنسانُ المُسلمُ بالعِزّةِ والكرامةِ ولا ننسى شهادةَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام )، فمعَ كونِها خسارةً للمُسلمين لفقدِه (سلام الله عليه)، لكن لمُجرّدِ استذكارِ قولِه عندَما ضربَه اللعينُ: (فُزتُ وربِّ الكعبة) يُشعِرُنا بالنصر، الذي له طعمُه الخاصُّ؛ لأنّه يختلفُ بكُلِّ أبعادِه عن نصرِ المعركةِ الخارجية؛ إذ إنَ جهادَ النفسِ هو الجهادُ الأكبرُ، وحيثُ إنّ شهرَ رمضان تُغلَقُ فيه الأبوابُ بوجهِ الشيطان، فأمكنَ أنْ ينتصرَ الإنسانُ على الشيطانِ، وهذا بحدِّ ذاتِه دافع للتغييرِ الحقيقي للإنسان. وبهذه الفلسفةِ يتضِحُ أنّ شهرَ رمضانَ مدرسةٌ إلهية، قد دعانا اللهُ (سبحانه وتعالى) كافة للدخولِ فيها والتزوّدِ بجرعاتٍ من الرحمةِ والمغفرةِ والبركةِ؛ لنتمكّنَ من تحصين أنفسنا وتغييرها للأفضلِ فنخرج من الشهرِ ونحنُ أناسٌ آخرون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ [1] تفسير مجمع البيان ، ج٢، ص ٦ [2] وسائل الشيعة ، ج٤، ص 9

اخرى
منذ 7 أشهر
370