صادق مهدي حسن

عُقوبَة الصِّدق!

بقلم: صادق مهدي حسن جلس الأب مع ولده عند منضدة الدرس الصغيرة كعادتهم كل مساء.. فتذاكرا درسًا في التربية الإسلامية للثالث الابتدائي، وكان درسًا أخلاقيًا بعنوان (الصدق) وقد تصدر الموضوع الحديث النبوي: ((أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة)).. وفي شرح الحديث ورد في الكتاب ما نصّه (يوصينا النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بالصدق في الحديث، إن الإنسان الصادق يحبه الله تعالى ويحترمه الناس والكاذب يهينه الناس ويحتقرونه ويعاقبه الله فهو يضر نفسه ولا يجد له صديقًا).. حفظ الولد درسه على الوجه الأكمل، ولم يكتف الأب بما ورد من تفصيل بسيط، بل جعل الدرس أكثر تشويقًا لطفله بذكر بعض قصص الكذابين وكيف وقعوا في مشاكل بسب أكاذيبهم.. وعزز الأب كلامه بالشواهد القرآنية المختلفة التي أوضحها لابنه بصورة تناسب من هم في عمره.. وذات يوم رنَّ هاتف الأب، وبعد أن قرأ اسم المتصل ناول الجهاز لابنه وقال: أبو يونس يتصل ولا أريد أن أسمع صوته المزعج، أخبره أني خرجت قبل ثلاث ساعات ونسيت الهاتف في البيت! فرد الولد على الاتصال بصوت مرتعش، وقال متلعثمًا (نعم عمي أبا يونس.. بابا موجود بالبيت)، وفي اللحظة ذاتها لطم الوالد وجه طفله فارتطم رأسه بجدار الغرفة وغاب عن الوعي.. وحين فتح الطفل عينيه في المستشفى! وجد الطبيب عنده وقد جلس والده واجمًا.. تبسم الطبيب بوجهه، وقال: لا تخف حبيبي فأنت بخير، هل تذكر ماذا حدث لك؟ دمعت عيناه وأجاب: لقد ضربني أبي لأني حفظت الدرس جيدًا! من الأخطاء التربوية الفادحة هو تناقض أقوال المربي مع أفعاله، فلا يكون لكلامه أي أثر على مستوى سلوكه، فلنتذكر جميعًا قوله تعالى في كتابه الكريم: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ)) (الصف:2-3)

اخرى
منذ 7 أشهر
406

فُرْصَةُ خَيرٍ في شَهْرٍ كَرِيم

بقلم: صادق مهدي حسن في كلمة من روائعه يقول إمامنا أمير المؤمنين علي (عليه السلام): (انتهزوا فرص الخير فإنها تمرُّ مرَّ السَّحاب). إنًّ مِمّا لا شَكَّ فيه أَنَّ الله تَبارَكَ وَتَعالى هُوَ مَنْ يُوَفِّرُ فُرَصَ الخَيْرِ وَالرَّحْمَةِ لِعِبادِه.. إنعامَاً وَتَفَضُّلاً عَلَيهِم وَرَحْمَةً بِهِم و إلقاءً لِلحُجَّةِ عَلَيهِم، فَهُوَ مَنْ أفاضَ الوجُودَ عَلى الإنسانِ وَوَهَبَ لَهُ العَقْلَ وَأرسَلَ الأنبياءَ لِهِدايَتِه وَقيادَتِه إلى كُلِّ خَيْرٍ وَبِرٍّ، وَهوَ القائِلُ في كِتابِه العَزيزِ: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾، لأَنَّ جَميعَ النِّعَمِ المادّيَة وَالمَعنَويَّة لِلخالِقِ شَمَلَتْ جَميعَ الوجودَ وَعَلاوَةً عَلى ذلِك فإنَّ ما نَعْلَمُهُ مِنَ النِّعَمِ بِالنِّسبَةِ لِما نَجْهَلُهُ مِنها كَالقَطْرَةِ في مُقابِلِ البَحرِ الخِضَم... وَلَعَلَّ شَهْرَ رَمَضانِ المُبارَك يُشَكِّلُ واحِدَةً مِنْ أَعْظَمِ وَأكْبَرِ وَأَروَعِ النِّعَمِ لِما فِيهِ مِنْ فُرَصِ التَّزَوّدِ مِنْ فُيوضِ الخَيرِ وَالبَرَكَةِ التي تَعَطَّفَ الله تَعالى بِها عَلَينا، وَهذا ما بَيَّنَهُ النَّبِيُّ الأَكرَمُ (صَلّى الله عَلَيهِ وَآله) في خُطبَتِهِ المُبارَكَةِ لاستِقبالِ هذا الشَّهْرِ الكَريمِ.. حَيْثُ يَقولُ في بَعْضِ مَقاطِعها: (أَيُّها النّاس، إِنَّهُ قَدْ أقْبَلَ إليْكُم شَهْرُ الله بَالبَرَكَةِ وَالرَّحمَةِ وَالمَغفِرَة، شَهْرٌ هُوَ عِنْدَ الله أَفْضَلُ الشّهورِ، وَأَيّامُه أَفضَلُ الأيّام، وَلَيالِيه أَفضَل اللّيالي، وَساعاتُه أَفضَل السّاعات، هُوَ شَهْرٌ دُعِيتُم فِيهِ إِلى ضِيافَةِ الله، وَجُعِلْتُم فِيه مِن أَهْلِ كَرامَةِ الله، أَنفاسُكُم فِيهِ تَسْبيحٌ، وَنَومُكُم فِيهِ عِبادَةٌ، وَعَمَلُكُم فِيهِ مَقبولٌ، وَدُعاؤكُم فِيهِ مُسْتَجابٌ...) فَما أَعْظَمَها وَأَجَلَّها مِنْ نِعْمَةٍ أَنْ يَدْعوَنا رَبُّ العالَمينَ لِضِيافَتِه وَيُغدِقَ عَلَينا مِنْ نَفَحاتِ كَرامَتِه فَيَقبِلُ الأعمال وَيَسْتَجيْبُ الدُّعاء، وَكُلُّ هذا لا لِحاجَةٍ مِنْهُ إِلَينا بَلْ مَنّاً مِنهُ وَتَكَرُّماً وَتَرْبِيَةً لَنا لِنَكونَ مِنْ عِبادِهِ الصّالِحينَ... وَفي المُقابِلِ ما أَقْساهَا مِنْ حَسرَةٍ أَنْ تَمُرَّ هذه الفَيْنَةُ الوَجيزَةُ مِنْ الزَّمَنِ دُونَ التَّزَوُّدِ لِلقاءِ الله تعالى الوَشيكِ وَإِن امتَدَّ العُمْرُ بِالإنسانِ.. يَقولُ أَميرُ المُؤمِنين (عَلَيهِ السَّلام):(أشدُّ الغُصَصِ فَوْتُ الفُرَصِ) وَهَلْ هُناكَ غُصَّةٌ كَغُصَّةِ فَوْتِ المَغفِرَةِ وَنَيْلِ الثَّوابِ الجَزيل عَلى العَمَلِ القَليل؟! ألَسْنا نُخاطِبُ رَبَّ الرَّحمَةِ وَالعَطاءِ في مُناجاتِنا (يا مَنْ يَقْبَلُ اليَسيرَ وَيَعفُو عَنِ الكَثِير اقبَلْ مِنَّا اليَسيرَ وَأعْفُ عَنِ الكَثِيرِ..)؟! فَكَيفَ وَنَحْن نَعيشُ أَياماً شاء الله تعالى أنَّ مَنْ قَرأَ فِيها آيةً كَمَنْ خَتَمَ القُرآنَ في غَيرِهِ مِنْ الشّهورِ، وَمَنْ تَطَوَّعَ فِيه بِصَلاةٍ كَتَبَ الله لَهُ بَراءَةً مِنَ النّار، وَمَنْ أدّى فِيه فَرْضَاً كانَ لَهُ ثَوابُ مَنْ أَدّى سَبعينَ فَريضَةً فِيما سِواهُ مِنَ الشّهور، وَغَيرِها مِن نِعَمِ مُضاعَفَةِ الأجْرِ وَالثَّوابِ التي قَلَّ نَظيرُها بَلْ قَدْ لا نَجِدُ لَها نَظيرَاً في باقي أيّامِ السَّنَة..(فَلَكَ اللّهُمَّ الحَمدُ عَلى ما أَنعَمَتَ وَأَنتَ أَرحَمُ الرّاحِمين).. وَهُنا لَنا كَلِمَة ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ هُنالك مُحاولاتٌ مُجرِمَةٌ وَمَسعُورَةٌ وَمُخَطَّطٌ لَها بِشَراسَةٍ لَتَشوِيهِ هذا الشَّهْرِ المُبارَكِ وَحَبْطِ العَمَلِ فيه، فَمَثَلاً نَجِدُ أَنَّ الكَثيرَ مِنِ الفَضائيّات التلفزيونية المُسَيَّرَةِ مِنْ قِبَلِ أَعداءِ الله تعالى وَرَسولِهِ (صلى الله عليه وآله) وَبِكُلِّ ما أوتِيَتْ مِنْ عَزْمٍ وَقُوَّةٍ وَسُلطانٍ في سِباقٍ حامي الوَطيس لِعَرضِ (البَرامِج الرَّمضانية المُنَوَّعَة!)وَالتي أُعِدَّت لَها العُدَّةُ قَبلَ عامٍ كاملٍ لِتَفريغِ هذا الشَّهْرِ المُبارَكِ مِنْ مُحتَواهِ الرّوحي وَالأَخلاقي وَالتَّربَوي، وَجَمعٌ لا يُسْتَهانُ به مِنّا نَشوان مُتَشَوِّقٌ إلى المُسَلسَلِ التّافِه وَالفِلمِ البائِس والبَرنامَجِ المُبتَذَل وَالإعلانِ الرَّخيصِ و...و... عَلى امْتِدادِ الوَقتِ الفاصِلِ بَينَ الإفطارِ وَصَلاةِ الفَجرِ إلى دَرَجَةِ أَنَّ المُعتَكِفَ المُواظِبَ عَلى مُتابَعَتِها لا وَقتَ لَه لِلدُّعاءِ أَو تِلاوَةِ القُرآنِ أَو غَيرها مِنَ القُربات المُؤكَّدَةِ لإحياءِ ليالي شَهْرِ العَطاءِ هذا ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾... فَيا أَيُّها الأَحِبَّةُ في الله تعالى، الحَذر ثُمَّ الحَذَرَ مِنْ هذه الفِخاخِ التي أَسَّسَ لَها شَياطِينُ الإنس مِن أَعداءِ الإسلام.. هَيّا لِنَشحَذَ الهِمَمَ وَنَتوَجَّهُ إلى مَحْضِ الخَيرِ والرّحمَةِ تَبارَكَ وَتَعالى، وَنُقبِلُ بِكُلِّ ذَرَّةٍ مِن جَوارِحِنا إلى العِبادَة، فَهو شَهْرُ الوَرَعِ... شَهْرُ الصّلاةِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ وهو شَهْرُ الدُّعاءِ ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ وهذا يَتَطَلَّبُ مِنّا الالتزام والمَواظبة والصَّبر على الطّاعَةِ وَعَنْ المَعصِيَة لِيتَحَقَّقَ الهَدَفُ التَربَويُ الأسمَى مِنْ فِريضَةِ الصِّيامِ المُبارَكَة ﴿لَعلَّكم تتقون﴾... وَهذِهِ دَعوَةٌ لأنفُسِنا أوّلاً، وَلِكُلِّ مَن في قَلبِهِ مِثقالُ ذرّةٍ مِن حُبِّ الله تعالى وحُبِّ نبَيِّه الكريم (صَلّى الله عَلَيهِ وَآله) وَأهْلِ بَيتِه الطّاهِرين (عليهم السلام) أن نَكونَ ضُيوفَاً مُؤدّبين عِندَ مائِدَة رَبِّ العالمَينَ؛ لِنَحظى بِالخَيْرِ وَالبَرَكَة في الدُّنيا وَبالنَّعيمِ الأبَدي في الآخِرَة، وَهِيَ استِجابَةٌ لِنداءِ القُرآن الكَريم ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾... نَسألُ الله جَلَّتْ قُدرَتُه أنْ نَكونَ مِنْ المَقبولينَ في هذا الشّهْرِ الكريم بَحَقِّ مُحَمَّدٍ وَآله الطّاهِرين ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾.

اخرى
منذ 3 أشهر
248