ام محمد الاسدي

البُعد المعنوي العرفاني لملحمةِ عاشوراء

بقلم: أم محمد الأسدي على الرغمِ من أنّ بُعدَ الجهادِ والشهادةِ هو البعدُ البارزُ ليومِ عاشوراء، إلا أنّه في الحقيقةِ تجلٍّ ونتيجةٌ حتميةٌ للبُعدِ المعنوي العرفاني في شخصيةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)؛ فهو (عليه السلام) حفيدُ النبيّ الخاتمِ الأعظمِ (صلى الله عليه وآله) الذي "دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى". وهو الإمامُ السبطُ، وسيّدُ شبابِ أهلِ الجنة، الذي تجلّتْ في دعائه في يومِ عرفة أبرزُ معاني ودلالاتِ العبوديةِ لله (تعالى)، والمحبةِ للخالقِ (جلَّ وعلا)، ومنتهى الطاعةِ والتسليمِ والفناءِ في الذاتِ الإلهية، يقفُ في يومِ عاشوراء؛ ليُترجِمَ تلك المعاني والمفاهيم بصورةٍ عملية. الحسينُ العارفُ، الحسينُ العاشقُ، الحسينُ السالكُ إلى ربِّه طريقَ العبودية والمعرفة الخالصة، وإلا فأيّ ارتباطٍ، وأي علاقةٍ، وأي معرفةٍ تلك التي جعلتِ الحسينَ يُقدِّمَ كُلَّ تلك التضحيات، وكُلَّ تلك القرابين الواحدَ تِلوَ الآخر في يومِ عاشوراء؟ بدءًا من عبدِ اللهِ الرضيع (عليه السلام)، وعلي الأكبر، والعباس (عليه السلام)، وكُلِّ أهلِ بيته وأصحابه، ويبقى صامدًا صلبًا لا يلين ولا تأخذه في الله لومة لائم. ثم بدأ يتلقّى السهامَ والطعناتِ حتى بلغتْ إلى حدِّ الطعنةِ فوقَ الطعنةِ، والضربة فوقَ الضربةِ، فلم يبقَ مكانٌ خاليًا من جسده الشريف إلا وفيه أكثرُ من طعنةٍ وضربةٍ وجرحٍ. فما سِرُّ ذلكَ التحمُّلِ والصبرِ على ويلاتِ كربلاء غيرَ الحُبِّ والعشقِ الذي أنساه كُلَّ الآلامِ والجراح. بل كان (عليه السلام) كُلّما ازداد طعنًا ازداد وجهه إشراقًا وتلألؤًا. حتى قالَ حميد بن مسلم: "فواللهِ ما رأيتُ مكثورًا قد قلَّ ولدُه وأهلُ بيته وأصحابُه أربطَ جأشًا ولا أمضى جنانًا منه" وهو بهذا حيّرَ الألبابَ، وأذهلَ العقولَ بشجاعتِه وصلابتِه وثباتِه، وقد أظهرَ من الشجاعةِ والإقدامِ ما عجزَ عنه الفُرسان والأبطال. كيف لا، ولسانُ حالِه في وادي الطفوف يُفصِحَ عن حقيقةِ عشقه وذوبانه وفنائه في المعشوق الأبدي قائلًا: تركتُ الخلقَ طُرًا في هواكا وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا فلو قطّعْتني في الحُبِّ إربًا لما مالَ الفؤادُ إلى سواكا فالحُبُّ والعشقُ إذا كان مُتعلّقُه غيرَ اللهِ كان مذمومًا، قالَ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) لمّا سُئلَ عن العشقِ المجازي مُجيبًا: "قلوبٌ خلتْ عن ذكرِ الله، فأذاقَها اللهُ حُبَّ غيره"(1). أمّا العشقُ الحقيقي وتعلُّق القلبِ بالله (تعالى) فهو ممدوحٌ بلا أدنى شك مهما زاد وتجذّر، بل ولا معنى للإفراطِ فيه؛ لأنَّ مُتعلّقَ الحُبِّ هو الوجودُ والكمالُ والجمالُ المُطلقُ، فلا نهايةَ لحُبِّه ليصدُقَ فيه عنوان الإفراط. وفي وادي الطفوف فإنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) في رحلتِه إلى ربِّه في سيرِه وسلوكِه، وبأقدامِ المعرفةِ الحقيقيةِ الثابتة، وبوسيلةِ التضحيات العظيمة تنقّلَ في منازلِ السائرين عِبرَ المقاماتِ الملكوتية، وطوى مراحلَ ومراتبَ السيرِ والسلوكِ، حتى وصلَ إلى الكمالِ المودع في فطرته الموّحدةِ العاشقة، حيثُ حريم غيبِ الغيوب الذي ظهرَ نورُه في وادي الطفوف يومَ عاشوراءِ الحتوف. وبدورنا نحنُ يجِبُ أنْ نحصلَ على العشقِ الحُسيني حتى نصلَ إلى حُبِّ اللهِ (جلَّ وعلا)؛ لأنّه بابُ اللهِ (تبارك وتعالى)، والوسيلةُ إلى رضوانِه، ونزدادُ يقينًا بحقائقِ الإيمانِ، ونُناجيه في سرِّنا وذواتِ عقولِنا؛ لنتعلَّمَ ونفهمَ أنَّ أجلَّ وأعلى المقاماتِ ونهايةِ المنازل هو حبُّه وحبُّ قائمه والنظرُ إلى سُبُحاتِ وجهِه الكريم. والنفوسُ والقلوبُ بفطرتها السليمة جُبِلتْ على حُبِّ الخيرِ والجمالِ والكمالِ المُطلق، مثلما جُبِلَتْ على حُبِّ المُنعمِ، وخيرُ ما يوصلُنا إلى حُبِّ المُنعمِ (جل وعلا) هو حُبُّ الحُسين (عليه السلام). فلنذُب ونُجن في حُبِّه؛ فحبُّه ظاهرهُ جنونٌ وباطنُه العقلُ والحكمة، فحيَّ على الحُبِّ والجنونِ.. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أمالي الصدوق: 396.

اخرى
منذ شهر
108