نقاء

ليلةُ العاشر، وفجرُ الحسين ...

ظلامٌ دامس، أصوات منخفضة، تُسَبّح ربها، وتستعد للقاء الحبيب غداً. يجمعهم سيدهم، ليسألهم عن عزائمهم (إنَّ للحسين العلم الكامل بحال أصحابه ولم يكن يحتاج لسؤالهم، لكنه أراد أَن يثبِّت موقفاً للتاريخ) أجابهُ مسلم بن عوسجة الأسدي: أنحنُ نخلي عنك ولمَّا نعذر إلى ﷲ في أداء حقك؟ أما واﷲ حتى أكسر في صدورهم رمحي وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمة في يدي وأفارقك، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة دونك حتى أموت معك. وقال الآخرون: واﷲ لا نُفارِقكَ ولكن أنفسنا لك الفداء نقيك بنحورنا وجباهنا وأيدينا فإذا نحن قتلنا كنا وفيّنا وقضينا ما علينا. فما كان منهم إلّا أعلى درجات التضحية وبذل النفس في سبيل الحق، حتى قال فيهم الحسين: ما رأيتُ أصحاباً أوفى من أصحابي. مشهدٌ آخر: فارسٌ يحومُ حولَ الخيام، يحميها ويطمئن من فيها، فلسانُ حالهِ: ما دام لي نفس في صدري فلن يقربكم أحد. لكن كيف سيكون حالهُ غداً عندما يرى الحسين قد انحنى ظهره على مصرعه؟ يرى الشمر يدفع أختهُ زينباً بكعب الرمح ويقول لها: إن لم تبتعدي عن الحسين سأقتلكِ بعده! يدوس الشمر على صدر أخيه ويحتز رأسه الشريف، يسمعُ زين العابدين (عليه السلام) يقول للنساء: عليكن بالفرار. زينب في الخيام تصلي وتدعو، تسمعُ صوتاً يثلجُ قلبها، صوتُ أخيها الحسين (عليه السلام) يتلو القرآن، هذا الصوت الذي لن تسمعهُ مرةً أُخرى، فتنصتُ له ثم تذهب وتجلس عنده في ليلتهم الأخيرة معاً. تودع أخاها وتتزود منه، فيوصيها الحسين بوصية عظيمة: أختي زينب، إذا رأيتِ الشمر يجلس على صدري فابتعدي عنه ولا تكلميه، عليكِ بالصبر، أختاه لا تلطمي عليَّ خداً ولا تشقي عليَّ جيباً... وهي تقول سمعاً وطاعة. الرباب جالسة ترضع طفلها الصغير، تناغيه، تلاعبه، تتأمل ملامحه البريئة، تقبل نحره. هذا النحر الذي سيُذبح غداً وهو عطشان! علي الأكبر يجالس أخاه زين العابدين، وهما يعلمان أن غداً لن يبقى مجالاً للقاء. سيرحل الأخ عن أخيه مدافعاً، ويرجع مقطّعاً. بنات الحسين (عليه السلام) يقضين آخر ليلة مع الأب الحنون، فالبنت لها علاقة روحية مميزة مع أبيها. فكيف بمن لها أب كالحسين.. كيف كانت آخر ليلة معه! وهكذا كان كل واحد منهم يعدُّ نفسه لبلاء يوم غد، يشوّق نفسه للتضحية والفداء في سبيل الحق. فما كان منهم يوم العاشر، إلّا أسمى درجات الوفاء بالوعد، والإخلاص لسبط رسول ﷲ. وكانت مثال الصبر والتضحية سيدتنا زينب (عليها السلام) عندما قالت بعد واقعة الطف المفجعة أمام الأعداء: ما رأيتُ إلّا جميلاً. سيدتي انتِ تقولين هكذا؟! نعم، لأن مولاتنا زينب (عليها السلام) كانت تنظر بعين الرضا والتسليم والحب للّه نظرة عميقة. فهي عالمة غير معلمة، تعلم ما لهذه الواقعة من أثر إيجابي على الإسلام، وتعلم أن أخاها قد انتصر بدمه على الظلم والجور، فلم ترَ من صنع اﷲ إلا جميلاً. هذه الأحداث القليلة ليست فقط لأثارة المشاعر، بل هي للتفكّر واستيعاب العِبَر والقيم العالية في التضحية والتسليم للحق.. الحسين (عليه السلام) يعلمنا بذل النفس والأهل والأصحاب، في سبيل الإسلام، والمصلحة العامة، فهل هناك من هو أكرم منه؟ قدّمَ أصحابه خيرة الأصحاب، ولمّا لم يبقَ منهم أحد، قدّمَ أهل بيته واحداً تلو الآخر، وكان يتهلل ويشرق وجهه كلما مرت عليه مصيبة. حتى لم يبقَ أحدٌ من أهل بيته. فأراد أن يقيم الحجة على أعدائه في آخر موقف له معهم، فنادى: أما من ناصر ينصرنا، أما من محامٍ يحامي عن حرم رسول الله! فلم يجبهُ أحد، فرأى الوقت قد حان لفداء النفس، فقدّم نفسه لنصرة الحق، والمصلحة العامة للإسلام والمسلمين على مر العصور، فلولا هذا الدم الطاهر في كربلاء، لما وصل لنا الإسلام الصحيح! فالحسين (عليه السلام) يعلمنا كيف نعيش حياة مشتركة، متراحمين فيما بيننا، نقدم المصلحة العامة على مصالحنا، نرفض الظلم والجور، ونكون أحراراً. يعلمنا كيف نكون في قمة الإنسانية. أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، نرضى بما يقدره ﷲ لنا... الحسين يعلمنا الحب... والكثير الكثير من العبر الجميلة الرفيعة العالية التي لا تُحصى. البكاء والجزع على الحسين جميل وضروري لبقاء معالم الثورة والظُّلامَة. لكن بالمقابل فإن التأمل واستلهام العبر من مواقف هذا اليوم الملحمي العظيم، هو في غاية الضرورة أيضاً. فواقعة الطف هي تجسيد للإسلام الكامل القوي، وهي مدرسة عظيمة لمن يروم الدخول فيها، ويخسر من يتخلف عنها. نقاء

اخرى
منذ سنة
1031