يا مهدي ادركني

خطوات هادئة

اقترب وقت الغروب وقطرات ماء البحر المتناثرة مع أمواجه المتلاطمة تعكس خيوط الشمس الذهبية التي بدأت بالاحمرار على ذرات الرمل، لترسم لوحة من جمال الكون الأبدي... وفجأة، مع نسيم البحر بدأت تأخذها خطوات هادئة لتمسك بيدها، ولكن... إلى أين؟! بدأت هذه الخطوات بالتسارع والخفة، وكأنما أدخلتها في فقاعة مفرغة لتبعدها عن ضجيج الدنيا وصخبها... نعم، هي لم تعد تسمع شيئاً من أصوات الدنيا، إنه صوت أمواج البحر المتلاطمة فقط... وهذه القطرات التي امتزجت مع دموعها لتغسل قلبها وتنقّيه من درن الذنوب وسواد المعاصي، ليكون ناصعاً كبياض القطن وخفته، فتأخذه الرياح وتحلق به بعيداً عن عالم مادي... لكن... إلى أين؟! أغمضت عينيها وسارعت في خطواتها، فإذا بها تحلق في سماء صافية، لتعانق أنواراً كانت مختبئة خلف السحب البيضاء، أضفت على قلبها خيوطاً ناعمة من النور، الذي زال عنه بعض الحجب التي كانت تحول بينه وبين الشعور بعشق الخالق، لينعم بلحظات نورانية ليس لها مثيل في أرض الدنيا... نعم... هو شعور امتزاج روحها بل وتلاشيها في عظمة الله جل وعلا... هو شعور بالذوبان في العبودية المطلقة التي حرّرتها من قيود الدنيا، وطهّرتها من أوساخها، هو شعور خالطه حزن وسعادة وخجل، حزن على ما أفنت فيه عمرها، وسعادة بما أنعم الكريم عليها، وخجل لتقصيرها وإسرافها على نفسها وعنادها لبارئها... نعم، الشكر هو ما تحتاجه الآن، فبه تدوم النعم، ولكن أي شكر هذا الذي تستطيع أن تقدمه، فمهما كانت كلماتها نقية طاهرة صادقة نابعة من أعماقها، إلا أنها لن تبلغ غاية شكر خالقها... وفجأة وسط هذه الأجواء النورانية الملكوتية، داهمها صوت مزّق سكون روحها ،وأوقف جريان دموعها ليعيدها إلى عالم ما زال متمسكاً بها... أمي... أمي... أمي إلى أين أنت ذاهبة؟!

اخرى
منذ سنة
685