Profile Image

ام محمد السوداني

الغـــدُ

بقلم: أم محمد السوداني لم أعرفْ ماذا سأكتبُ غدًا! لأنَّ كلَّ يومٍ من عمري هي صفحةٌ بيضاءُ يكتبُ قلمي فيها قَدَري! ولا أعرفُ هل ستنتهي أنفاسي قبلَ أنْ ينتهي مدادُه؟ وأتأملُ أنْ يَفيضَ إرادةً وقُدرةً وعزمًا على صفحة عمري .. الأمرُ بيدِ قلمي .. فإذا خارتْ قِوايَ، وانهدَّ رُكني، وضَعُفَتْ هِمّتي، وسيطرَ اليأسُ على قلبي، ونزفَ قلمي .. صاحَ الغدُ بي: خُذْ من نفسِكَ لنفسِكَ وتزودْ من يومِك لغدِك، واغتنمْ غفوَ الزمان، وانتهزْ فُرصةَ الإمكان .. فيصحو قَلَمي من غفوةِ الإهمال، ويكتبُ أحداثَ يومي المتسارعة التي تلهثُ كعقاربِ الساعة، تلحقُ بعضُها بعضًا! ما أسرعَ الساعاتُ في اليوم! وأسرعَ الأيامُ في الشهر! وأسرعَ الشهورُ في السنة! وأسرعَ السنينَ في العُمر! يا غدُ ... يا غدُ ... انتظرْ ... انتظرْ الغدُ نورٌ يتراءى في آخرِ النَفَقِ المُظلِم! لهُ جناحانِ من ريشٍ أبيض! كلُّ جَناحٍ عرضُ الَمشرِقِ والمَغرِب! يُناديني بصوتٍ شَجيّ! سابِقوا إلى جنةٍ عرضُها السمواتِ والأرض قُمْ واصعَدْ على ظهري لأرفعك إلى أعنانِ السماء... أيُّها الغدُ .. لي آمالٌ كبارٌ وصغار، ولكنْ أخافُ السقوطَ في هاويةِ الأوهام والأحلام قال مبتسمًا: إنَّ عُمرَك مهرُ سعادتِك، إنْ أنفدتَهُ في طاعةِ ربِك... وخطُ اللسان يدُك، فاكتب في صفحةِ عُمرِك ما تُريدُ... واعملْ فلن يضيعَ اللهُ عملَ عاملٍ منكم، واقرأ كتابَك... كفى بكَ اليومُ حسيبًا

اخرى
منذ سنة
599

ابقَ في بيتك

بقلم: أم محمد السوداني إنَّ المُتتبع لسيرة الأنبياء والمرسلين والأوصياء (عليهم السلام) يجدُ أنَّ صفة (الاعتزال) سمة ملازمة لهم، فالنبي موسى (عليه السلام) اعتزل قومه أربعين ليلةٍ، والنبي يوسف (عليه السلام) سبع سنواتٍ، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعتزل قومه كل عام أربعين يومًا في الغار، والنبي نوح (عليه السلام) اعتزل قومه وما يعبدون، والنبي إبراهيم (عليه السلام) قال: إنّي مهاجرٌ إلى ربّي، والفتية الذين التجأوا إلى الكهف هربًا من الطغاة والظالمين وحفاظًا على دينهم.. فالظاهر أنَّ قضية الاعتزال مهمةٌ جدًا في حياة القادة والمجددين، كأنّما يُعطي وقفةَ تأمل وإعادة ترتيبٍ للعمل أو التفكر في طريقةٍ للانطلاق بقوةٍ ومن جديد وبطرقٍ جديدة في مجتمعٍ لا يستجيب بسرعةٍ للإرادة الإلهية ومطالب الأنبياء الحقّة والايواء للكهف هو للتأمل والتفكر في مسير حياتنا؟ هل ما قمنا به كان صحيحًا؟ هل حققنا النتائج المرجوة؟ هل فعلًا كُنّا من الممهدين للظهور المبارك؟ أو كنا من الذين يحسبون أنّهم يصنعون خيرًا؟ الإيواء للكهف والاعتزال والتفكر والتأمل بما مضى والتخطيط للقادم من سيماء العقلاء والصالحين، فاعتزل في بيتك، وفكِّر في حياتك وحاول أنْ تغيرها للأفضل. ابقَ في بيتك

اخرى
منذ سنة
410

سلامان وكفنان

بقلم: أم محمد السوداني في العاشر من شهر رمضان المبارك كانت سيدة الحجاز مستلقية على فراش الموت، هبطت الملائكة في بيت النبوة، لإقامة العزاء الملكوتي على السيدة الطاهرة، واجتمعت الحور العين حول الكوثر تمسح دموعها اللؤلؤية، لفقد أُمها المرضية. عُرفت بسيدة قريش لشرفها ونسبها وعزتها، تتصف بالحزم والجمال، والعزة والوقار، صاحبة التجارة والمال، ضحّت بكل أموالها في سبيل الله تعالى، ونصرة لسيد المرسلين حتى مدح الله (عز وجل) هذا السخاء، واعتبره نعمة من نعّم الله علی رسوله بقوله: (ووجدك عائلا فأغنى). بمال خديجه صار محمد (صَلَّى الله عليه وآله) غنيًا، واستطاع أن يعتق العبيد، ويجذب قلوب المساكين والفقراء للإسلام، وقال: (ما قام الاسلام الا بسيف علي ومال خديجة). تنظر أفضل نساء الجنة لحبيبها، وتمر بخاطرها الكسير ذكريات الحب والجهاد تراها تتلألأ في عيونه الملكوتية؛ بغار حراء لأربعين يوم تحمل الطعام والماء بشوق للقائه، وذات يوم بشّرها بأنّ الروح الأمين نزل بمهمة واحدة وهي أنّ الله (عز وجل) أرسل لها سلامًا خاصًا، ففرحت وقالت: هو السلام ومنه السلام وإليه يعود السلام، وفي المرة الثانية عندما بشرها بأنّ الله (عز وجل) من أعالي عرشه بعث جبرئيل بسلام خاص لها مع بشارة بأن لخديجة بيتاً في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، ومن كرامتها أنّ الله (عز وجل) يخصها بالسلام مرتين، وهذا التكرار إنما يدل علی علو منزلتها ومقاماتها الاصطفائية عند الله (عز وجل) ظلت عيونها تدور حول صغيرتها الزهراء، وهي توصي حبيبها بأنّ يكفنها بقميصه المبارك حتی تنام مطمئنة في قبرها، فكفّنها ثم نزل جبرئيل بكفن من الجنة أرسله الله (عز وجل) لها؛ كرامة لها إذ إنها أنفقت أموالها في سبيله، فكانت أول امرأة تُكفن بكفنين، كما كانت الأولى في اسلامها وايمانها (السابقون السابقون اولئك المقربون). __________________ 1-ابن هشام، السيرة النبوية 2-بحار الانوار ،ج18 3-الدائرة الاصطفائية، للشيخ محمد السند

اخرى
منذ سنة
588

وســوســة

بقلم: أم محمد السوداني دخلت جارتي قلقةً مضطربةً وهي تقول: ــ لقد تغيّر حالُه معي، كلّما طلبتُ منه شيئًا رفض، ولم أسمعْ منه كلمةً طيبةً منذ أسبوع، حتى أطفاله لا يلعب معهم، عصبي المزاج، طال سكوته، وزادت تصرفاته سوءًا، ماذا أفعل؟ سأذهب إلى العرّافات، سمعتُ من إحدى جاراتنا أنّ في منطقتنا واحدة منهن، تفتح القرآن وتكشفُ من خلال قراءته كلَّ أسرار حياة الشخص. ربما هناك من صنع له سحرًا، أو ربما زميلته بالعمل صنعتْ له حرزَ محبةٍ حتى يتزوجها، يا إلهي .. يا إلهي .. سينهدم بيتي وتتدمر حياتي إنْ لم أتصرفْ قبل فواتِ الأوان. تعجّبتُ منها وقلت لها: ــ اهدأي ،اهدأي! وابحثي عن الأسباب من داخل بيتكِ، وليس من خارجه. هذا أولًا. وثانيًا زوجكِ رجلٌ طيبٌ ومؤمنٌ، لا يظلمُ عائلته ومُحِبٌ لها، فلا بُدّ أنّ هناك ما يشغل باله أو يزعجه في مجال العمل أو ربما في مجالٍ آخر .. فحاولي أنْ تجلسي معه وتتحدثي إليه لتعرفي سبب تصرفاته الأخيرة. وثالثًا أنتِ امرأة مؤمنة فكيف تتركين الالتجاء إلى الله (عز وجل) والاستغاثة بصاحب العصر (عجل الله فرجه)، وتطلبين مساعدةَ جنودِ الشيطان؟! نزل كلامي عليها كالصاعقة! فانهارت بالبكاء، وصرخت استغفر الله، استغفر الله، ماذا جرى لي؟ كيف نسيتُ ربي وإمامي، واتبعت خطوات الشيطان؟! واخجلتاه من إمامي. وكيف لم أفكر بالبحث عن الأسباب التي جعلت زوجي يتغيّر خلال هذا الأسبوع؟ وأجهشت بالبكاء والنحيب، حتى هدأت من روعها، فطلبتُ منها أنْ تذهب لتستريح وتصلي ركعتين تستغفر الله (عز وجل) وتتأمل في كلِّ ما حصل مع زوجها. عادت جارتي منكسرةً نادمةً ورجع زوجها إلى الدار فوجدها على سجادة الصلاة ودموعها على عينيها ولما وقع نظرها عليه اعتذرت إليه وطلبت منه براءة ذمتها لأنّها قصّرت في حقه هذا الأسبوع بسبب انشغالها بامتحانات أولادها. فتبسم الزوج وتوضأ ووقف أمامها للصلاة واصطف الأولاد خلفهم فصلوا جماعةً ورفعوا أيديهم للدعاء (اللهم إنّا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا إنّك أرحم الراحمين).

اخرى
منذ سنة
555

الإنفاقُ سرُّ السعادة

بقلم: أم محمد السوداني الإنفاقُ في سبيل الله (عز وجل) من أحبّ الأعمال إلى الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله)، وقد ذُكِر في القرآن الكريم أكثر من ثمانين مرةً. والمتتبع لسيرة أهل البيت (عليهم السلام) يجد أن أبرز صفةٍ في حياتهم رجالًا ونساءً هو الإنفاق، فهذه السيدة الزهراء (عليها السلام) يُروى عنها: "حُبِّبَ إلي من دنياكم ثلاثة: الإنفاق في سبيل الله، والنظر لوجه رسوله، والصلاة". عزيزتي، يقينًا أنّكِ تُحبين الزهراء (عليها السلام) وتحرصين على أنْ تتخلقي بأخلاقها، فانفقي في سبيل الله (تعالى) على الفقراء والمحتاجين، وقللي من الإنفاق على الاكسسوارات والكماليات غير الضرورية في حياتك وادخريها للفقراء. فلو خصصتِ كلَّ يومٍ ألف دينارٍ فسيُصبح لديكِ ثلاثون ألفًا بالشهر، تستطيعين أنْ تشتري بها سلةً غذائيةً تكفي عائلة من سبعةِ نفرات لمدة أسبوع أو أكثر، وتدفعين بذلك عن عائلتك بلاءً وإنْ أبرِمَ إبرامًا كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وربما تشترين بهذا المال ثوبًا لا تلبسينه إلا مرة واحدة لمناسبةٍ دنيوية، ولكنَّ إطعام عائلةٍ بهذا المبلغ سيرزقك الله (تعالى) به ثياب السندس والاستبرق في جنات الخلد. وإذا كنتِ لا تُحبين التصدق والإنفاق فلا شكَّ أنّكِ تُحبين زوجك وأطفالك وتُحبين أنْ تعيشي حياةً مستقرةً وسعيدةً، والإنفاق يُحقق كلَّ ذلك وأكثر بدليل قوله (تعالى): "فأما من أعطى واتقى وصدّق بالحسنى فسنيسره لليسرى". فكلُّ حياتكِ ستكون سهلةً ويبتعدُ عنكِ الخوف والحزن والمشاكل ويعمُّ الأمن والحب والمال والاستقرار لقوله (تعالى): "الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منًا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون" ولا تتردي في الإنفاق؛ لقلة ما يمكنكِ إنفاقه، فالصدقة القليلة أفضل من لا شيء. ومهما كان مقدار الصدقة احرصي دومًا على إنفاقها خالصةً لوجه الله (تعالى) وليكن لكِ بخير الخلق أسوة، إذ ذكرهم القرآن الكريم: "يطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا".

اخرى
منذ سنة
492

لماذا أكتُبُ في مدونةِ الكفيل (عليه السلام)؟

بقلم: أم محمد السوداني لماذا أكتُبُ؟ بينما تنتقل نظراتُ عيوني المترقبةُ بين صفحاتِ تدويناتي المُلتهبة شوقًا إلى من يقرأها ويتأثرُ بصورِها، وقفَ قلمي مُتسائلًا، لماذا أكتُبُ؟ قالتِ المُدونة: لأنّكِ خُلِقتِ للكتابة؛ (ن والقلمُ وما يسطرون)؛ كي تكوني قلمًا من النورِ المُبينِ ضدَّ أقلامِ الشياطين.. تنهّدَ القلمُ وقالَ مُتحسرًا: لماذا أقِفُ ضدَّ الأقلام؟! تبسّمَتِ المُدونةُ وقالت: لأنَّ الحقَّ والباطل منذُ الأزلِ يقتتلان، وقدِ اختاركَ اللهُ (تعالى) وزيرًا للحقِّ، وألبسَكَ ثوبَ العلمِ والمعرفةِ؛ لتنصرَ أنبياءه وأولياءه, فتَحَمّلْ مسؤوليتكَ وقِفْ لتقولَ كلمتَك.. صاحَ القلمُ مُضطربًا: ولكنّها مسؤوليةٌ عظيمةٌ، تنوءُ من حملها الجبالُ، وأشفقتْ منها السمواتُ والأرضون، وأخافُ أنْ أفشلَ فيها وانكسر ... إجابتْهُ بهدوء: حيثُ تقبعُ روحُك المُتهالكة هناك ... لا تيأسْ، وانهض؛ ففيكَ انطوى العالمُ الأكبر، فمنكَ وفيكَ معاني الخلود، تلكَ التي تبحثُ عن الذين لا يعرفونَ الانكسار .. تأوَّهَ القلمُ ونادى بصوتِ الجراح: ماذا أكتُبُ وقد لَبِسَ الباطلُ ثوبَ الحقِّ، وكُسِرَتْ أقلامُ الهُداة، ومُزِّقتْ قراطيسُ المعارفِ والدعاء، وقد خلطوا الأوراقَ، وزخرفوا الكذبَ، ونشروا الأباطيلَ، ونصروا أولياءَ الشياطين. احتضنتْه بقوّةٍ وقالتْ: هدِّأ من روعِك، واعلمْ أنّ اللهَ (تعالى) ناصرٌ من ينصرُه ولو بعد حين، والجهادُ بالكلمةِ أقوى من سيوفِ الأعداء، فأطِلقْ سهامَ كلماتِك، ومزِّقْ ثوبَ الباطلِ، وبدِّدْ ظُلُماتِ الفتنِ؛ لتُشرِقَ شمسُ الحقيقةِ بينَ الأنام. فللحقِّ كلمةٌ مُدويّةٌ تصلُ عِبرَ الأجيالِ إلى يومِ الدين، وتسلّحْ بالعلمِ والمعرفةِ، واقرأ قبلَ أنْ تكتبَ "اقرأ وربُّك الأكرم الذي علَّم بالقلم علَّم الإنسانَ ما لم يعلم" تحسَّر القلمُ وأجابَ متحيرًا: قرأتُ كثيرًا، وكتبتُ أكثر، ولكن لا أحدَ يقرأ؟! إجابته باطمئنانٍ: إليهِ يصعدُ الكَلِمُ الطيّبُ، والعملُ الصالحُ يرفعُه، ولأن يهدي بك الله (تعالى) رجلًا خيرٌ لك مما طلعتَ عليه الشمس. فثبِّتْ موقفَك، وقُلْ كلمتَك، وارفعْ صوتك فوق ضجيجِ الأقلام الصفراء التي تصرخُ بالسّمِ، وتبثُّ العداوةَ والبغضاء، عسى بكلمةٍ تهدي ضالًا، أو تنصر مظلومًا، أو تُطفئ نارًا أوقدها شياطينُ الفتن. اكتبْ كلماتِك على صفحاتِ التاريخ، وسيأتي يومٌ تُنشرُ فيه الصحائفُ، وتُرفعُ الأقلامُ، وهذا يومٌ ينفعُ الصادقين صدقهم. أخيرًا أسألُك وأرجو المعذرة: لماذا أكتُبُ على مدونةِ الكفيل (عليه السلام) بالذات؟ فهناكَ الكثيرُ من المواقعِ والمدونات والمجلات؟! إجابته مُدونةُ الكفيل (عليه السلام) والكلماتُ تميلُ وتميلُ، تُريدُ أنْ تصلَ لنهايةِ الكلام؛ لتهدأ نبضات قلبِ القلمِ الكسير، التفتت إلى صفحاتِها فإذا بها تنوحُ بدموعِ العين، وقد خُطّتْ كلماتُها الأخيرة بوجعِ المصاب: لأنّ صفحاتي نُسِجَتْ من نورِ قمرِ بني هاشم ذبيحِ شطِّ الفرات؛ لترتشفَ منه الصفحاتُ مدادَ الحياة الذي قدَّمَ دماءه مدادًا لنصرةِ من لم يجدْ له ناصرًا ولا كفيلًا، وبطلعته يُنيرُ ليالي مدونةِ الكفيل (عليه السلام)، ويطلعُ بدرًا على الأُفُقِ جلّلته الدماءُ .. تكتبُ كفّاهُ بسهمِ عينهِ المسمومِ على صفحاتِ الأجيالِ والعصورِ قصةَ الفداءِ والولاءِ الحسيني .. فهل تُريدُ أنْ تكونَ تحتَ كفالتِه ومن أنصاره؟ هل تريدُ؟

اخرى
منذ 11 شهر
376

الطلاقُ أسبابٌ وحلولٌ حسب منظورِ أهلِ البيت

بقلم: أُمّ محمد السوداني رأيتُها مُنهكةَ المشاعر، كئيبةَ الملامح، أنفاسُها حسراتٌ، تحتضنُ طفلًا مُقطبَ الوجه، نظراتُه حائرةٌ تلتقي بنظراتِ أُمّه الغارقةِ بذكرياتِ الماضي، التائهةِ بمُستقبله الغامض.. إنّه الطلاقُ هادمُ الملذات، ومُفرِّقُ الأزواجِ ومُيتّمُ الأولاد رغم وجود والديهم. انتشرتْ ظاهرةُ الطلاقِ كالنارِ في الهشيم بمُجتمعنا المعروفِ بتقديسه للأسرةِ التي كرّمَها الإسلامُ ووضعَ القوانين لحمايتِها من الانهيارِ وشجّعَ على بنائها لبناءِ مُجتمعٍ مُتكاملٍ، قال (تعالى): "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ"[ الروم21]، ورويَ عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله): "تزوّجوا ولا تُطلِّقوا؛ فإنّ الطلاقَ يهتزُّ منه العرش"(1) إنّ المُتتبِّعَ لسيرةِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وأهلِ بيتِه يُلاحظُ أنّهم لم يُطلِّقوا –إلا نادراً- رغم وجودِ نساءٍ مؤذياتٍ في حياتهم؛ لأنّ الطلاقَ أبغضُ الحلالِ عندَ اللهِ (تعالى)، وهو آخرُ الحلولِ التي وضعَها الإسلامُ للحفاظِ على تماسُكِ الأُسرةِ رغمَ عواصفِ الحياةِ وضغوطاتِها. وأسبابُ الطلاقِ أكثرُها معروفةٌ منها الفقرُ والبطالةُ وعدمُ تأهيلِ الزوجين للزواج وإحاطتهما بواجباتهما الزوجية والخيانةُ الزوجية وتدخُّلُ الأهلِ وغيرها. السيدةُ (...) في محكمةِ الأحوالِ الشخصيةِ، أُمٌّ لطفلين، بعدَ ست سنواتٍ من الزواج ترفعُ قضيةَ نفقةٍ؛ لأنّ زوجَها أصبحَ فقيرًا بسببِ ديونِه المُتراكمة، وهي لا تُريدُ العيشَ معه وتقولُ: إنّها ستُفكِّرُ بالعودةِ إليه إذا تحسّنتْ ظروفُه المادية. مع الأسفِ هناك حالاتٌ كثيرةٌ مُشابهةٌ لحالةِ هذه السيدة، إذ إنَّ أهمَّ شيءٍ عندهن الدُنيا والحياةُ المُرهفةُ؛ والزوجُ عبارةٌ عن خزينةٍ تُنفقُ منها، ومتى ما نفدت تركته! ولو تأمّلنا بقولِه (تعالى): "هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ"[البقرة 187] نُلاحظُ أنّ الزوجةَ هي فراشٌ ودثارٌ لزوجِها، تعيشُ معه في السرّاءِ والضرّاءِ لأنّ رباطَ الزواجِ مُقدسٌ إلى يومِ القيامة. وفي الآيةِ التاليةِ يطلبُ اللهُ (عز وجل) من النبي أنْ يتركَ الخيارَ لزوجاتِه اللواتي طلبنَ متاعَ الدُنيا؛ إما أنْ يصبرنَ على العيشِ معه أو يُطلِّقُهنَّ؛ لأنّ الحياةَ مُشتركةٌ بكُلِّ حلوِها ومُرِّها بينَ الزوجين، قال (تعالى): " يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا"[الأحزاب 28]. ورويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): (..وأيّما امرأةٍ لم تُرفِقْ بزوجِها وحمّلته ما لا يقدِرُ عليه وما لا يطيق لم يقبلْ منها حسنةً وتلقى اللهَ وهو غاضبٌ عليها"(2) وعندما نطالعُ سيرةَ السيدةِ الزهراء (عليها السلام) نجدُ إنّها لم تُكلِّفْ أميرَ المؤمنين يومًا، حتى إنّه (عليه السلام) سألها يومًا عن طعامٍ، فأجابته (عليها السلام) بأنَّ الدار يخلو من الطعام منذُ ثلاثةِ أيامٍ، فسألها عن سببِ عدمِ إخباره بذلك، فكان ردُّها (عليها السلام) بأنّها قد التزمتْ بوصية أبيها (صلى الله عليه وآله) بأنْ لا تطلبَ منه شيئًا. الفتاة (...)، تبلغُ من العمر عشرين سنةٍ، من عائلةٍ فقيرةٍ، طلّقها زوجُها بعدَ سنتين من الزواج؛ لأنّ والدته لم تُحِبُّها، واتهمتها بأنّها سحرتْ ابنها ليتزوّجها، تقولُ تلك الفتاة: إنّها تُحِبُّ زوجَها رغمَ قسوتِه، وكانتْ تتمنّى أنْ لا يُطلِّقَها ولكنّ تدخُّلَ الأهلِ هو الذي دمّرَ أحلامَها بحياةٍ زوجيةٍ سعيدةٍ. روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "خيرُ الرجالِ من أُمّتي الذين لا يتطاولون على أهليهم ويحملون عليهم ولا يظلمونهم"(3) ورويَ عنه (صلى الله عليه وآله) أيضًا: "أوصيكم بالضعيفين: النساء وما ملكت أيمانكم". إنّ الظلمَ إثمٌ عظيمٌ خصوصًا ظلم المرأةِ وظلم من لا يجدُ ناصرًا إلا اللهَ، فالزوجةُ ريحانةٌ تنتظرُ من زوجِها وأهلِه الرحمةَ والدعمَ لتبني أسرةً مستقرةً تحتَ ظِلِّ الزوجِ وأهلِه. (...) زوّجها والدُها عندما كانت تبلغُ من العمر اثنتي عشرة سنة، وطُلِّقتْ بعد سنتين؛ لأنّها لم تُشبِعْ حاجاتِ زوجها الذي كانتْ لديه علاقاتٌ مُحرّمةٌ! الخيانةُ الزوجيةُ ما أقبحَها من كلمةٍ! دمّرتْ الآلافَ من الأُسر، دخلتْ علينا مع رياحِ الانفتاحِ والحريةِ المغلوطة؛ فالزوجُ لم يفهمْ قُدسيةَ الحياةِ وأهمية أنْ يحتويَ زوجتَه الصغيرةَ ويُعلِّمَها كيفَ يعيشانِ كزوجين، رويَ عن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "بحُسنِ العِشرةِ تدومُ المودة"(4) ومن أسبابِ الطلاق اختيارُ الزوجِ الخاطئ للفتاة، والعكس بالعكس، فتكونُ النتيجةُ هي الطلاقَ، رويَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "ابنتُك كريمتُك، فانظرْ لمن ترِقّها" أضف إلى ذلك فإنّ الحياةَ الزوجيةَ رباطٌ مُقدّسٌ، يحتاجُ إلى تضحياتٍ؛ لذا رويَ عن رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله): "جهادُ المرأةِ حُسنُ التبعُّل"(5) والجهادُ هو القتالُ في سبيلِ الحفاظِ على أقدسِ لبنةٍ خلقَها اللهُ على الأرضِ، والجهادُ يحتاجُ إلى أسلحةٍ وهي الصبر والتضحية والتخلُّق بأخلاقِ مُحمّدٍ وآلِ مُحمّد (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) هذه نماذجُ من آلافِ حالاتِ الطلاقِ في المحاكمِ التي تحتاجُ إلى وقفةٍ من الحكومةِ ومن مؤسساتِ المُجتمع المدني لوضعِ حلولٍ جذريةٍ، والعملِ على بناءِ الأسرةِ حسبَ منظورِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) والاقتداءِ بأسعدِ بيتٍ على وجهِ الأرضِ وهو البيتُ العلوي الفاطمي. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-وسائل الشيعة دص 268 2-مكارم الأخلاق ،ص216 3-وسائل الشيعة ص116 4-غرر الحكم ،ح 4200

اخرى
منذ 3 أشهر
187

خاطـــرة

بقلم: أمّ محمد السوداني تعلّمْتُ من أُمِّ البنين أنْ أكونَ أو لا أكون.. كانتْ زوجةً ثانيةً فأصبحتْ أمَّ البنين.. دخلتْ سيّدةً لبيتِ سيّدِ الوصيين، فاختارتْ أنْ تكونَ خادمةً للحسن والحسين.. عظَّمَتْ أصحابَ الكساءِ في قلوبِ المُحبين.. فخلّدَها ذكرُ الحُسين على مرِّ السنين...

اخرى
منذ 7 أشهر
217

دعوةٌ لشاربِ الخمر

بقلم: أُمّ محمد السوداني تسيرُ السيارةُ في شوارعِ مدينتي الضيّقةِ المُزدحمةِ بالمارّة، وأنا أنظرُ من النافذةِ كأنّه فيلمٌ تمرُّ صورُه بسُرعةٍ أمامَ عينيّ، لفتَت انتباهي صورةٌ لشابٍ ثلاثيني رثِّ الملابس يحملُ قنينةً يتكلّمُ مع نفسِه ويؤشِّرُ بيديه على السيارات والمارّة، ويصرخُ بوجهِ من ينتقدُ وقوفَه وسطَ الشارعِ.. هل هو سكرانُ أم مجنونٌ؟ يبدو كالمجنون، بل هو فعلًا مجنونٌ وسكرانُ، فقدْ فقدَ عقلَه الذي كانَ يُزيّنه كالتاجِ على رأسه.. تساءلتُ عن سببِ جنونِ شابٍ بعنفوانِ طاقته؟ أجابَ والدي الذي عرفه عندما رآه مُتحسرًا: كانَ شابًا جيدًا، وزوجتُه امرأة طيّبة، ولكن تغيّرتْ أحوالُه عندما رافقَ أصحابَ السوءِ وأدمنَ على الخمر. إذن السببُ الرئيسي هو شربُ الخمر؛ لهذا حرّمَتِ الشريعةُ شربَ الخمرِ، وكُلَّ ما يُدمِّرُ هذه الجوهرةَ النفسيةَ، للحفاظِ على كيانِ الإنسانِ المُتقوِّمِ بعقلِه فهو كالسراجُ وسط الجسدِ المُظلمِ يُنيرُ له السُبُلَ للسيرِ إلى الكمالِ والرُقي الإنسانيّ، قال (تعالى): (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(سورة المائدة90) سألَ زنديقٌ الإمامَ الصادق (عليه السلام): فلِمَ حرّمَ اللهُ الخمرَ ولا لذّةَ أفضلُ منها؟ فقالَ الإمام: (حرّمها؛ لأنّها أُمُّ الخبائثِ ورأسُ كُلِّ شرٍّ، يأتي ساعةٌ على شاربها يُسلَبُ لُبُّه فلا يعرفُ ربَّه ولا يتركُ معصيةً إلا ركبَها، ولا حرمةً إلا انتهكها، ولا رحمًا ماسّةً إلا قطعَها، ولا فاحشةً إلا أتاها، والسكرانُ زمامُه بيدِ الشيطان، إنْ أمره أنْ يسجدَ للأوثانِ سجد، وينقادُ حيثما قادَه)(1) إنّ شربَ الخمر له آثارٌ نفسيةٌ وصحيةٌ واجتماعيةٌ وخيمةٌ على الإنسان، فقد أكّدتِ الدراساتُ أنّ الإدمانَ على شُربِ الخمر يُسبِّبُ تلفًا للمخّ ويؤثِّرُ على وظائفِ الخلايا العصبية بالدماغ، يقولُ الدكتورُ بلوز: (الإدمانُ يجرُّ إلى الجنونِ، ويُمكِنُ القولُ إنَّ الكحولَ عاملٌ مباشرٌ في جنونِ البالغين بنسبةِ 17%)(2) بالإضافة إلى الاضطراباتِ النفسيةِ مثل الاكتئابِ والهَوَسِ والقلقِ العامّ والفصامِ والانتحار. أما تأثيرُه على بقيّةِ أعضاءِ الجسمِ فالقائمةُ طويلةٌ لها بدايةٌ وليس لها نهاية، إذ يُسبِّبُ تليُّفَ الكبدِ القاتلَ وارتفاعَ ضغطِ الدم والسرطانَ والذبحةَ القلبيةَ والسكتةَ الدماغيةَ وغيرها.. أمّا آثارُ شُربِ الخمرِ الاجتماعيةِ فأهمُّها انطواءُ شاربِ الخمرِ وانعزاله اجتماعيًا، ومُعاناةُ من حوله من تصرُّفاتِه خصوصًا زوجته وأولاده؛ لأنّه يتعاملُ بعُنفٍ واضطرابٍ فكري معهم ولا يُمكِنه السيطرةَ على تصرُّفاته، وقد أكّدتْ آخرُ الإحصائياتِ العالميةِ على أنّ شربَ الخمرِ ساعدَ على انتشارِ الجرائمِ في المجتمعِ، فأكثر من 60% من القتلِ المُتعمد و75% من الضرب والجرح و20% من السرقةِ سببُها المشروباتُ الكحولية، بل إن المُجرمين الذين يحاولون أن يُفجِّروأ أنفسَهم -وعندَ إلقاءِ القبضِ عليهم- تبيّن أنّهم قد تعاطوا الخمرَ والمخدراتِ حتى تُساعدهم على القيامِ بأعمالِهم الإجراميةِ الخبيثة، يروى عن الإمامِ الصادقِ (عليه السلام): (من شربَ جُرعةً من خمرٍ لعنهُ اللهُ وملائكتُه ورسلُه والمؤمنون، وإنْ شربَها حتى سكر نُزِعَ روحُ الإيمانِ من جسده، ورُكِّبتْ فيه روحٌ سخيفةٌ خبيثةٌ ملعونةٌ)(3) واليومَ زادتْ حالاتُ الطلاقِ بسببِ شربِ الخمر أيضًا؛ فالزوجُ لا يشعرُ بخطورةِ شُربِ الخمر على حياتِه الشخصية، ويعتقدُ أنّها شهوةٌ عابرةٌ لن تؤثِّرَ على عملِه وعلاقاتِه الأُسرية والاجتماعية، على حين أنَّ لها على جميع تلك الأصعدة التأثيرَ الكبير؛ لذا حثّتِ الرواياتُ على كراهيةِ تزويجِ شاربِ الخمر، رويَ عن رسولِ الله (صلوات الله عليه وآله الأطهار) أنّه قال: (...فإنّ من زوّجَ ابنتَه من شاربِ الخمرِ فكأنمّا قادَها إلى النار )(4)، وروي عنه: (لا تُجالسوا شاربَ الخمرِ ولا تعودوا مرضاهم، ولا تُشيّعوا جنائزهم، ولا تُصلّوا على أمواتِهم؛ فإنّهم كلابُ أهلِ النار)(5)، فمُعاشرةُ شاربِ الخمرِ لا تجلبُ إلا الشرّ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): (جُمِعَ الشرُّ كُلُّه في بيتٍ وجُعِلَ مفتاحُه شربَ الخمر)(6) أمّا آثاره الآخروية فقد روي عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): (يجيءُ مُدمنُ الخمرِ يومَ القيامةِ مزرقةً عيناه مُسودًا وجهه، مائلًا شفتيه، يسيلُ لعابُه، مشدودةً ناصيته إلى إيهامِ قدميه، خارجةً يده من صلبه، فيفزعُ منه أهلُ الجمع إذا رأوه مُقبلًا للحساب)(7) فقط تخيّلوا وارسموا بأذهانكم صورةَ شاربِ الخمرِ يومَ القيامة كما تصفه الروايةُ كالوحشِ والعياذُ بالله وفي حديثٍ لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله) قال: (لا ينالُ شفاعتي من استخفَّ بصلاته ولا يردُ عليّ الحوض واللهِ، لا ينالُ شفاعتي من شربَ المسكرَ ولا يردُ عليّ الحوض والله )(8) هذه الآثارُ الدُنيويةُ والآخرويةُ الخطيرةُ لشربِ الخمر، تحتاجُ وقفةً من شبابِنا للتفكُّرِ والتأمُّل، فلا حياةَ ولا أسرةَ ولا مُستقبلَ ولا دُنيا ولا آخرة.. هذه دعوةٌ لشاربِ الخمرِ للعودةِ إلى اللهِ (عزّ وجلّ) والتوبةِ من ذنبِه، فالتائبُ من الذنبِ كمن لا ذنبَ له، واللهُ يُحِبُّ التوّابين، ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاةِ وتدعونني إلى النار. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-وسائل الشيعة : 17 / 282 2-مجلة العلوم الطبية 3-الكافي :9/397 4-الفقيه :ص 133 5-البحار :ج58 ص 148 6-نفس المصدر السابق 7-ثواب الأعمال وعقابها :ص 935 8-الكافي ؛4/412

اخرى
منذ 3 أشهر
172

السيّدةُ الأولى

بقلم: أُمّ محمد السوداني في فترةٍ من الرسلِ عاشتْ سيّدةُ الحجازِ في مُجتمعٍ جاهليّ، يسودُه الفسادُ ولا قيمةَ فيه للمرأة؛ فقد كانتْ تُباعُ كالمتاعِ في سوقِ العبيد، هذا إذا لم تُدسّ في الترابِ من سوءِ ما بُشِّرَ به أبوها وهو خائفٌ يترقّبُ العار وقد ظلَّ وجهُه مسودًا فهو كظيم. عُرِفتْ بالطاهرةِ في زمنٍ لا عهدَ ولا أمانَ فيه للنساء، اشتُهِرتْ برجاحةِ العقلِ وكمالِ اللُبِّ وحُسنِ التفكير، وكان يستشيرُها كبارُ القومِ، وكانتْ تُشيرُ عليهم بأرجحِ الحلول. على الرغمِ من صغرِ سنِّها كانتْ من القوّةِ أنّها ترفضُ خاطبيها بكاملِ إرادتِها وحريتِها، مما يدلُّ على عِظَمِ خطرِها حتى قالَ أبو طالب عنها: (إنّ خديجةَ امرأةٌ كاملةٌ ميمونةٌ، خطبَها ملوكُ العرب ورؤساؤهم وصناديدُ قريش وساداتُ بني هاشم وملوكُ اليمن وأكابرُ الطائفِ، وبذلوا لها الأموال، ولم ترغبْ بأحدٍ منهم، ورأتْ أنّها أكبرُ منهم)(١). هي أولُ سيّدةٍ تهبُ نفسَها لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله) في الجاهلية حتى قبل أنْ ينزلَ قولُه (تعالى): (وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ)(الأحزاب50). وربما هي أولُ امرأةٍ في تاريخِ البشريةِ تهبُ نفسَها لرجلٍ وتدفعُ مهرَها، المهرَ الذي كتبه اللهُ (عز وجل) على الرجالِ للنساءِ في كُلِّ الأُممِ وبكُلِّ الأديان، حيث قالت للنبي (صلى الله عليه وآله): (يا ابنَ العمّ قد رغبتُ فيك لقرابتِك منّي، وشرفِك في قومِك، وأمانتِك عندَهم وحُسنِ خُلُقِك وصدقِ حديثك)(2). وهذا إنْ دلَّ على شيءٍ إنّما يدلُّ على عظمةِ السيدةِ خديجة (عليها السلام) وغورِ معرفتِها ورغبتِها في خيرِ البريةِ من الأولين والآخرين، حتى استهجنَ أكابرُ قريش ذلك عندَما أرسلتْ مهرَها لرسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) مع أثمنِ الهدايا حيث قالَ أبو جهل: (يا قومُ رأينا الرجالَ يمهرون النساءَ، ولم نرَ النساءَ يمهرنَ الرجالَ، فقال أبو طالب: مثلُ مُحمّدٍ يحملُ إليه ويُعطى، ومثلُك من يهدي ولا يُقبَلُ منه)(3). وغضبتْ نساءُ مكة وهجرنها؛ لأنّها فضّلت يتيمَ أبي طالب الفقير الذي لا مالَ له على أشرافِ قريش. ورغم حسدِ الحاقدين وتجبُّرِ المُتكبّرين بقيتِ السيّدةُ ثابتةً لا يهمُّها غضبُ كُبَراءِ قريش وأصبحتْ أولَ سيدةٍ تُعلِّمُ النساءَ الريادةَ وقوةَ الإرادةِ، وإنْ تركوا مجالسَها كما فعلَ نساءُ قريش ورجالُهم والأحبارُ والشعراءُ وغيرُهم، وتركتْ وجاهتَها الاجتماعيةَ والاقتصاديةَ في سبيلِ نُصرةِ دينِ مُحمّدٍ (صلى الله عليه وآله) وأتباعِه الضعفاء، وأثبتتْ للبشريةِ بأكملِها أنْ لا أحدَ يصلُ لذكائها وعبقريتِها عندَما تاجرتْ مع اللهِ (تعالى) ورسولِه (صلى الله عليه وآله) وضحّتْ بكُلِّ ما تملكُ لنصرةِ دينِ نبيّها مُحمّدٍ (صلى الله عليه وآله فربحتْ جنةً عرضُها السمواتِ والأرض. وكانَ لدعمِها الماديّ الدورُ الرئيسيّ في غنى رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) وتبليغ الرسالة، حتى عدَّ ذلك من النِعَمِ التي أنعمَ اللهُ (تعالى) بها عليه بقوله: (ووجدَك عائلًا فأغنى) (الضحى٨). وكانَ يُثمِّنُ ذلك العطاءَ الوفيرَ المُبارك ويُشيدُ بصاحبتِه بقوله: (ما نفعني مالٌ قط مثل ما نفعني مال خديجة)(4) فكان يعتقُ الرقابَ بمالِها ويؤدّي الديونَ ويساعدَ الفقراء. وفي حصارِ شعبِ أبي طالب أنفقتِ السيدةُ آخرَ ما تملكُه لإنقاذِ بني هاشم من الموت. السيدةُ خديجةُ هي أولُ سيدةٍ تُصبِحُ وزيرةَ صدقٍ لخاتمِ الأنبياء (عليهم السلام)، عندَما أخبرَها بنبوته أعلنتْ إسلامَها بنفسِ اللحظةِ وآزرتْه على أمرِه فخفّفَ اللهُ (تعالى) عنه بها، فكلما عاد مهمومًا مغمومًا من قومِه وجحودِهم استقبلتهُ خديجةُ بكلامِها وثقتِها بنصرٍ قريبٍ وفتحٍ عظيمٍ، وكانت تداوي جراحَه وتمسحُ الترابَ والدمَ عن وجهه، وهي المُدثِّرةُ وهي المُزملة وهي المُصدِّقة لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، وهي السندُ والمُعينُ في الفتراتِ الحرجةِ للدعوةِ الإسلامية. بل هي أحدُ الأركانِ الأربعةِ التي استندَ عليها رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) في دعوتِه: أبي طالب، وعلي بن أبي طالب، وخديجة وفاطمة الزهراء. وهي السيدةُ الأولى التي صلّتْ خلفَ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله) قالَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام): (كُنتُ أولَ من أسلمَ فمكثنا ثلاثَ حُججٍ وما على الأرضِ خلقٌ يُصلّي ويشهدُ لرسولِ اللهِ بما أتاه غيري وغير بنت خويلد (رحمها الله))(5). وهي السيّدةُ الأولى التي آمنتْ بولايةِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) عندَما عرضَ رسولُ اللهِ عليها الولايةَ قالت: (آمنتُ بولايةِ عليٍ وبايعته)(6). السيدةُ خديجة الصدّيقةُ الكُبرى هي السيدةُ الأولى التي تزوّجها رسولُ اللهِ لغرضِ الزواجِ وإنجابِ الذرية، فاختارَها اللهُ (عزّ وجل) لتكونَ وعاءً للإمامةِ وينبوعًا للكوثر؛ فهي جدّةُ الأئمةِ الأطهارِ (عليهم السلام) الذين طالما ذكروها في زيارتِهم وخصّوها بالسلامِ كما كانَ اللهُ (عز وجل) يخصُّها بالسلامِ مرارًا وتكرارًا في حياتِها المُباركة. وهي السيّدةُ الأولى التي عوّضَها اللهُ تعالى عمّا أنفقتْه في سبيلِه في حياتِها وبعدَ مماتِها، عندَما بعثَ اللهُ (تعالى) لها كفنًا من الجنة أنزله جبريلُ لرسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) مكافأةً لخدماتِها الجليلة. وبهذا فهي أولُ سيدةٍ تُكفَّنُ بكفنين، بردةٍ من الجنةِ وقميصِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله). وبعد انتصارِ الإسلامِ وفتحِ قلعةِ فدك على يدِ رسولِ الله وأمير المؤمنين (صلى الله عليهما وآلهما) بلا خيلٍ ولا ركابٍ، وارتفاعِ قواعدِه المتينةِ بفضلِ تضحياتِ السيّدةِ الأولى مثلما تواترتِ الرواياتُ على ذلك، وأكدّه رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) بقوله: (ما قامَ الدينُ إلا باثنتين: سيفِ علي وأموالِ خديجة)(7) أنزلَ اللهُ (تعالى) أوامرَه بإعطاءِ فاطمةَ الوريثةِ الوحيدةِ للسيدةِ خديجةَ تعويضًا عن مهرها وأموالِها المُباركة، إذ نزلَ جبريلُ بقوله (تعالى): (وآتِ ذي القُربى حقَّه)(الإسراء،٢٥)، فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفاطمةَ قائلًا: (يا بُنيّة إنَّ اللهَ قد أفادَ على أبيك بفدك وأختصَّه بها فهي له خاصّةً دونَ المسلمين، أفعلُ بها ما أشاءُ، قد كانَ لأمِّك خديجةَ على أبيك مهرٌ وأنّ أباكِ قد جعلَها لكِ بذلك وأنحلكِ إيّاها تكون لكِ ولولدكِ بعدكِ)(8). فدك التي دارتْ وتدورُ عليها رحى الحقيقةِ هي من ثمارِ إنفاقِ السيّدةِ خديجة ونتائج صبرِها، ستظهرُ أسرارَها بظهورِ ولدِها الحُجّة (عجل الله (تعالى) فرجه). نختمُ بحديثٍ جامعٍ لكُلِّ فضائلِها على لسانِ خاتمِ الأنبياء (صلى الله عليه وآله)، عندَما أدركتِ الغيرةُ إحدى زوجاتِه لشِدّةِ حُبِّه لخديجةَ وكثرةِ ذكرِه إيّاها، فقالت: لقد أبدلك اللهُ خيرَا منها، فغضبَ رسولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وقال: (لا واللهِ ما أبدلني اللهُ خيرًا منها، آمنتْ بي إذ كفرَ الناس، وصدّقتني وكذّبني الناس، وواستني بمالِها إذ حرمني الناس، ورزقني اللهُ منها أولادًا إذ حرمني أولاد النساء)(9). فالسيدةُ خديجةُ الكُبرى هي السيدةُ الأولى بكُلِّ ما تعني الكلمة، قولًا وفعلًا، وقد عجزَ الوصفُ والبيانُ عن فهمِ عظمةِ هذه السيدةِ التي غُيّبتْ فضائلُها وسُلِبتْ ألقابُها من قبل الحاسدين والمُنافقين والمُبغضين للإسلام، ولكن أبى اللهُ (تعالى) إلا أنْ يُتِمَّ نورَه ولو كره الكافرون. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١-بحار الأنوار للمجلسي:١٦-٥٦ ٢-بحار الأنوار للمجلسي :ج١٩-ص63 ٣- الحاكم المستدرك ج٢، ص٢٠٦ ٤-بحار الانوار للمجلسي:ج١٩،ص٦٣ ٥-خصائص أمير المؤمنين للنسائي، ص٤٥ ٦-الإصابة لابن حجر ،ص٢٨٣ 7- تذكرة الخواص لابن الجوزي :ص٣١٤ 8- بحار الانوار للمجلسي:ج٢٠،ص٢٠٦ ٩-الإفصاح في الإمامة للمفيد، ص٢١٧

اخرى
منذ 5 أشهر
268

يومٌ بمائةِ عامٍ!

بقلم: أُمّ محمد السوداني تمرُّ الأيامُ ثقيلةً، وعقاربُ الساعاتِ تلدغُنا حدَّ الموت، فاليومَ مثلُ الأمسِ وغدًا مثل اليوم، نعيشُ أضغاث أيام، فتهبُّ نسائمُ ونفحاتٌ إلهيةٌ تُعيدُ لأرواحِنا الحياةَ، وتُعالجُ سمَّ العقاربِ بأجسادنا بترياقِ الرحمةِ والأملِ، إنّ لرحمةِ اللهِ (تعالى) أبوابًا مجنحةً تأوي القلوبُ إليها، هي محطاتٌ ملكوتيةٌ وُضِعَتْ لاستراحةِ القلوبِ المُنهكةِ بالذنوب، وحبّاتُ غيثٍ مُنهمرٍ تروي أرضَ النفوسِ الجرداءِ من ذكرِ الله (تعالى).. إنّها أيامٌ خصَّها اللهُ (تعالى) لعبادِه في أماكنَ مباركةٍ وأشهرٍ حُرُم، يومَ دحو الأرضِ من الأيامِ المُباركةِ، نزلتْ فيها أولُ رحمةٍ من السماءِ إلى الأرض على أولِ بيتٍ وضِعَ للناسِ للذي ببكةَ مُباركًا، اجتمعتِ الرحمةُ والبركةُ في زمانٍ ومكانٍ واحدٍ ليتضاعفَ ثوابُ هذا اليوم إلى مائةِ عامٍ من العملِ الصالح، رويَ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنّ أولَ رحمةٍ نزلتْ من السماءِ إلى الأرضِ في خمسٍ وعشرين من ذي القعدة، فمن صامَ ذلك اليوم وقامَ تلك الليلة فله عبادةُ مائةِ سنةٍ صامَ نهارها وقامَ ليلها...وينزلُ في ذلك اليوم ألفُ رحمةٍ يضعُ منها تسعةً وتسعين في حلقِ الذاكرين الصائمين )1 دحو الأرض: يعني بسطها ومدّها، ودحاها: أي أزالها عن مقرِّها، أيّ بسطَها وهيّأَها للحياة، ونُشِرتِ الرحمةُ ونُصِبَت فيها الكعبة، روي عن الإمامِ الصادق (عليه السلام): "إنّ اللهَ دحا الأرضَ من تحتِ الكعبةِ إلى منى، ثم دحاها من منى إلى عرفات، ثم دحاها من عرفاتٍ إلى منى، فالأرضُ من عرفاتٍ وعرفانٍ من منى، ومنى من الكعبة"2 وزادَ شرفُ هذا اليومِ المُبارك ولادةُ نبيينِ من أولى العزم، خليل الله إبراهيم وعيسى روح الله (عليهما السلام).. والمُتأمِّلُ في رواياتِ أهلِ البيت (عليهم السلام) يلمس حثَّهم على فضلِ هذا اليوم وعظمته عندَ اللهِ (عزّ وجل)، إذ يأمرون أتباعهم بصومه، ويُرغِّبونهم بذلك ببيانِ عظيم ثواب من صامه بأنَّ له عبادة مائة سنة.. والسؤالُ المُلِحُّ هو: لماذا هذا التأكيد؟ ولماذا يتضاعفُ عملُ يومٍ واحدٍ إلى مائةِ عامٍ؟ رويَ عن الصيقل أنّه قال: "خرجَ علينا الإمامُ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) -بمرو- في يومِ خمسٍ وعشرين من ذي القعدة فقال: صوموا؛ فإنّي أصبحتُ صائمًا"3 الظاهرُ أنَّ التعرُّضَ لهذه النفحاتِ الإلهيةِ والارتشافَ من رحيقِها عملًا وعبادةً وطاعةً، ستنعكسُ على مُجرياتِ تفاصيلِ حياتِنا تهذيبًا وتأديبًا وتربيةً وسلوكًا في طريقِ القُربِ والكمالِ الإنساني وصولًا لأعلى درجاتها؛ إذ العملُ بهذا اليومِ يُعادِلُ عملَ مائة عام! وربما نعملُ عمرنا كُلّه ولا نصلُ إلى هذه الدرجات؛ لأنّنا لم نتعرّض لهذه النفحاتِ الإلهيةِ، فمن لم يتعرضْ لها فهو عليلُ القلبِ والروحِ وشقيٌ في حياته، رويَ عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): " إنَّ لربِّكم في أيامِ دهرِكم نفحاتٍ فتعرّضوا له لعلّه أنْ يُصيبَكم نفحةٌ منها فلا تشقون بعدها أبدًا"4 وللصومِ فيه شكرًا للهِ (تعالى) على نعمه في هذا اليوم المبارك وإقرارًا بالعبودية له والطاعة لرسولهِ علاوةً على أنَّ فيه فضلًا كبيرًا، فإنّه يُميتُ مُرادَ النفسِ وشهوةَ الطبع، وفيه صفاءُ القلب وطهارةُ الجوارح وإزالةُ كُلِّ الخبائث عنها.. اللهم يا داحيَ الكعبة، وفالقَ الحبّةِ، وكاشفَ كُلِّ كربةٍ، اكشفْ عنّا الهمومَ واجعلنا من المُتعرِّضين لنفحاتِ رحمتِك لننالَ السعادةَ برؤيةِ الطلعةِ الرشيدةِ والغرّةِ الحميدة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-إقبال الأعمال :ج2،ص 27 2-تفسير نور الثقلين :ج5،ص502 3-وسائل الشيعة :10/450 4-ميزان الحكمة :محمد الريشهري ،ج2،ص105

اخرى
منذ شهرين
196

بَوحٌ في أرضٍ غريبةٍ

بقلم: أُمّ محمد السوداني شاءتِ الأقدارُ أنْ أكونَ في يومِ عاشوراء خارجَ العراقِ في بلدٍ لا يعرفُ الولاءَ.. جلستُ صبيحةَ عاشوراء أبحثُ عمّن يُقيمُ العزاءَ لمواساةِ رسولِ اللهِ (صلى الله عليه وآله) وبضعته الزهراء (عليها السلام)، وبحثتُ عمّن يقرأُ مقتلَ الموتورِ بكربلاء.. فلمّا وصلَ القارئ إلى ذبحِ الحُسينِ بالرمضاءِ واشتعلَ قلبي نارًا لا يُطفِئُها أيُّ ماءٍ.. اقتربتْ غيومٌ تسحبُها الرياحُ للعزاءِ، ولمّا أحسّتْ بحرارةِ قلبي توجّمتْ سوداءَ، وما إنْ سمعتْ أنَّ الشمرَ ارتقى صدرَ ابنِ الزهراء (عليهما السلام) أرعدتْ.. صرختْ.. وأبرقتْ نيران حمراء تلاطمتِ الرياحُ مع الغيومِ فأمطرتْ دماءً وشقَّ البرقُ ثوبَ السماءِ حزنًا على سليبِ الرداءِ.. هذا بوحُ قلمي في أرضٍ غريبةٍ على سيّدِ الغُرباءِ، مشاعرُ قطَّعتْ نياطَ قلبي شوقًا لأرضِ العاشقين في كربلاء..

اخرى
منذ 3 أسابيع
75