Profile Image

زَهْرَاء مَكّي.

يُبسٌ فحَياة

بقلم: زهراء كورقةِ شجرةٍ يابسة، هوَت إلى الأرض تتناقل بين النسمات، ودّعت قريناتها على الشجرةِ القابعةِ بجانب جدارٍ قديم. واستقرّت على الرصيف البارد الرطب، لقد سبقَ المطرُ سقوطَها. على الرّغم من لطافةِ الحدثِ للشاهد، حيثُ تتراءى له الورقة تسقطُ بهدوءٍ، تداعبُها خصلات الهواء، ستسكنُ نفسُهُ إنْ تأمّلها ناسيًا جميعَ من حوله للحظات. المشهدُ يبدو رقيقًا، لكنّه كان موحِشًا بالنسبة للورقة؛ فقد شعرت بضرورة الانسلاخ عمّا كانت تعيش فيه، فلم يعد خَضارُ الشجرة يؤنِسُها، ولا الأوراق تشاركُها تلاؤم أرواحِها. هوَت فكانت تلك النسمات تعصفُ بها فتزيد من شحوبِها. كانت في سابق الأيام تنتظرُ هطول قطراتِ الماء -التي ترسلُها السماء- عليها حتى يعودَ نقاؤُها ثم تبعث قطرةَ الماء إلى الأرضِ بكلِّ سلام. أما الآن، فما عاد الغيثُ يُجدي نفعًا، فحتّى عند ملامستِها لرطوبة الرصيف، تغلغلت قطرةٌ إلى أعماقها لكنّها لم تُصلح شيئًا؛ لقد يبست تمامًا. نظرت حولها، على علوِّ شاهق، السماءُ رماديّةٌ لا غيومَ فيها، يسيرُ أحدهم في الشارع منتعلًا حذاءً جلديًا أسودَ قد تلطّخ أسفله بالطين، كانت قادرةً على سماع حبّاتِ الرملِ الخشنِ تُدهسُ تحت قدمه. مع كلِّ ذلك، ما زالت تحبُّ رائحةَ التراب المختلط بالمطر؛ لذا لم تمانع من الاستئناس به قليلًا. هبّت ريحٌ حلّقت معها لتحطّ على عتبةِ بابٍ خشبيٍّ مغلق، المكان رطبٌ وباردٌ أيضًا.. لكنّ فيه من الأمان ما لم تشعر به من قبل. البابُ متّصلٌ بجدارٍ منقوشٍ أزرق. إنّها ترى فيه رسمًا على هيئة أوراقٍ أيضًا.. خضراء، صفراء وزهرية. فكّرت مليًّا.. لا يُمكنُ لورقةٍ من شجرةٍ أنْ تسكنَ جدارًا، فتَحيا وتُحيي الناظر إليها؛ حيث أنَّ شيئًا من البهجة قد تمكّن منها حينما تطلّعت نحوَها، لكنّها -ومع كونها نقشًا- تؤدّي دورَها. ثم إنَّ المكانَ آمنٌ و غيرُ موحشٍ، كأنَ أحدهم مسح على رأسها فأزالَ شحوبَها وأعادَ الحياة إليها... ما زالت ورقةً يابسة، لكنّها ستحاول أنْ تعمل على إدخال الهدوء والسّكينة إلى نفوسِ الناظرين إليها. لن تنسلخَ عن كونِها ورقةً، ولن تتمنّى عَودَها لما استوحشت، لكنّها ستَحيى وتُحيي. كذلك هي روحي...

الخواطر
منذ سنة
426