تقوى القلوب

قبسٌ عقائدي من نورِ الإمام الجواد

بقلم: تقوى القلوب إحدى الوسائل التربوية التي اتبعها أهل بيت العصمة (صلوات الله عليهم أجمعين) وأيضًا وسيلة لبث علومهم من دون إثارة حفيظة الظلام، هي: الدعاء. الإمام الجواد (عليه السلام) كسائِر الأئمة تعرّض للظلم والتضييق من قبل الحكام الظالمين وأعوانهم، وقد كان عليه من جهة أخرى القيام بأعباء الإمامة والخلافة عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله)، في نشر تعاليم الشريعة المقدسة لكافة النّاس. وقد قام باستخدام الدعاء لبث التعاليم الإسلامية ونشر العلوم المحمدية، وقد ورد عنه (عليه السلام) عدة أدعية وأذكار، سنأخذ واحداً منها وهو: دعائه (عليه السلام) في شهر رمضان: "يا ذا الذي كان قبل كل شيء، ثمّ خلق كل شيء، ثمّ يبقى، ويفنى كل شيء، يا ذا الذي ليس كمثله شيء، ويا ذا الذي ليس في السّماوات العُلى ولافي الأرضين السّفلى، ولا فوقهنّ، ولا تحتهنّ، ولا بينهنّ إله يُعبَد غيره، لك الحمد حمداً لا يقوى على إحصائه إلا أنت، فصلّ على محمّدٍ وآل محمّد، صلاةً لا يقوى على إحصائِها إلا أنت" (1) - المضامين العقائدية العالية في دعائه (عليه السلام): الدعاء فيه مطالب عقائدية مهمة والتركيز من قِبَله (عليه السلام) على عقيدة التوحيد واضح، باعتبار أنه هو أصل الأصول، وأما باقي الأصول الاعتقادية، والتي هي العدل والنبوة والإمامة والمعاد، فإنّما هي مترشحة ومتفرعة عن ذلك الأصل. يفتتح دعاءه بقوله (عليه السلام): "يا ذا الذي كان قبل كل شيء" إشارة إلى أن الله تعالى هو القديم والمنزه عن الحدوث والتغيير. في توحيد الله (عز وجل) لا يكفي فقط إثبات الصفات الكمالية له سبحانه مالم ننزه ذاته المقدسة عن جميع صفات النقص. يكمل ويقول: "ثمّ خلقَ كلَّ شيء". ذكر الإمام في هذه الفقرة من الدعاء أن الله تعالى هو خالقُ كل شيء في إشارة منه إلى التوحيد في الخالقية، وأيضًا لتذكير النّاس عامّة والمسلمين خاصة بفضل الله تعالى عليهم إذ أفاض عليهم نعمة الوجود والخلق، بل وخلق كلّ شيء لأجل الإنسان ولخدمته. في قوله (صلوات الله عليه): "ثمّ يبقى ويفنى كلّ شيء" إتمامًا لذكر صفة القِدَم لله تعالى ذكرَ صفة البقاء والخلود، والاسم الجامع لهاتين الصفتين هو: السرمديّ، أي الذي لا أول لأوليته ولا آخِر لآخريته. "ويا ذا الذي ليس كمثله شيء" تنزيهًا وتقديسًا لله تعالى من أنه الرب الذي لا مثيل ولا شبيه له، فهو لا يشبهه شيئاً من مخلوقاته ولا يمكن أن يشبهه شيءٌ من صنع مخيلاتنا أو أوهامنا. ويستمر الإمام (عليه السلام) في التنزيه والتقديس فيقول: "ويا ذا الذي ليس في السماوات العُلى... ولا بينهنّ إله يعبد غيره" هنا يذكر الإمام أهم محور من محاور التوحيد ألا وهو: التوحيد في العبودية. وهنا قد يسأل سائل: - لماذا ذكر الإمام هذه الفقرة؟ وماذا يقصد بها؟ وهل بعد مجيء الإسلام والدعوة لعبادة الله تعالى الواحد الأحد وإزالة جميع الأصنام التي كانت تُعبد من دونهِ تعالى، هل بعد ذلك نحتاج إلى التذكير بأن الرب والمعبود هو الله عزّ وجلّ؟! في مقام الجواب نقول: نعم، فقد يكون نور الإسلام قد أزاح ظلمة الشرك الظاهر بالله تعالى في عبادة من سواه بدعوى أنه -وسبحانه- إله في السماء فقط، أو أن عبادة آلهة أخرى هي لتقربهم إلى الله زلفى، قال تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعبُدُهُم إلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلفَى" (2)، ولكن هناك من أشركَ مع الله تعالى في العبادة، سواءً كان متعمدًا أو غافلًا، ومنها: 1- هوى النفس، كما في قوله تعالى: "أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ" (3) 2- الإتيان بالأعمال العبادية رياءً والسمعة، كما في الرواية عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله): "إنّ أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: "الرياء...." (4) ويستمر بدعائه (عليه السلام): "لك الحمد حمدًا لا يقوى على إحصائه إلا أنت". عرّجَ الإمام (عليه السلام) هنا على بيان أهم واجبات العبد تجاه الرب المنعم والخالق والإله الواحد وهو: الشكر له، لأن العقل أولاً هو من يفرض علينا شكر المنعم، والنصوص القرآنية التي تؤكد على شكر الله تعالى كثيرة ومنها قوله تعالى: "ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون" (5) والروايات الشريفة أيضًا تؤكد على هذه المسألة المهمة. وقوله (سلام الله عليه): "حمدًا لا يقوى على إحصائه إلا أنت" بيان جليّ عن أنّ نعم الله كثيرة ولا يمكن إحصاؤها، فإن كنّا عاجزين عن إحصاؤها، فنحن عن شكرها أعجز. فيوكل (عليه السلام) له سبحانه، عدد الحمد والشكر على جميع النعم. "فصلِّ على محمّدٍ وآل محمّد، صلاةً لا يقوى على إحصائِها إلا أنت" لم يغفل الإمام (عليه السلام) عن تنبيه المؤمنين من أنّ واسطة الفيض الإلهي للعباد هو وجود الرسول الأعظم وآله الكرام (صلوات الله عليهم أجمعين)، وتقديم الصلوات لتلك الذوات النورانية هو من باب الشكر، فمن لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، كما أنّه هنا أوكل إحصاء الصلاة إلى الله تعالى، وهذه أيضًا إشارة إلى فضل الرسول الكريم وآله (صلوات الله عليهم أجمعين) وأنه مستمر ما دامت الحياة إلى يوم القيامة. فسلام الله على إمامنا الجواد يوم ولِد ويوم قضى شهيدًا مسمومًا ويوم يبعثُ حيًّا. _____________________ 1/كتاب المقنعة للشيخ المفيد. 2/سورة الزمر (3) 3/سورة الجاثية (23) 4/عدة الداعي لابن فهد. 5/سورة البقرة (56)

اخرى
منذ سنة
1116

العلاقة بين المحبة والعبادة

بقلم: تقوى القلوب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أفضل النّاس من عشق العبادة، فعانقها وأحبها بقلبه وباشرها بجسده وتفرغ لها، فهو لا يبالي على ما أصبح من الدنيا، على عسرٍ أم على يسر. لسبر أغوار الرواية والنّهل من نمير عطائها علينا أولاً أن نبين المعاني اللغوية لبعض المفردات الواردة في الرواية. فضلَ: غلبه في الفضل، فضّله على غيره: حكم له بالفضل عليه، صيّرَه أفضل منه(1). عَشِقَ: تعلق قلبه به، العشق (مصدر): إفراط الحب(2). عبدَ عبادةً وعبودية الله: وحّده وخدمه وخضع وذلّ وطاع له(3). تعرضت الرواية الشريفة إلى بيان مَن هم أفضل النّاس وذكرت عدة أوصاف وعلامات لهم، وبدأت بالقول: (من عشق العبادة) أي إنه ليس حبًّا طبيعيًّا وإنما هو الإفراط في الحب للعبادة، والعبادة ليست فقط هي فقط الطقوس الدينية من صلاة وقراءة قران وصيام و... وإنما تشمل الذل والخضوع والطاعة من العبد لمولاه، فهي مفهوم واسع يشمل الكثير من الأعمال والممارسات. ولكن بشرط أن يكون القصد في إتيان هذا العمل هو القربة لله تعالى، فالنية هي جزء جدًا مهم من العبادة، وعدم توفرها يوفر القدرة على تحويل العمل الذي يكون ظاهره عبادة إلى شرك، كما في إتيان الصدقة رياءً (والعياذ بالله) فهنا سيتحول من عمل مقرب إلى الله تعالى إلى عمل فيه شرك يستحق فاعله العقاب، كما إنّ النّية الخالصة لله تعالى ممكن أن تحول عملًا ظاهره دنيوي إلى عبادة، كمن ينام أول ساعات الليل للاستعانة على قيام الجزء الأخير مِنه، فيتحول هذا النوم إلى عبادة وهكذا، وهناك مضمون رواية عن الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله): "يا عليّ إن استطعت أن لا تأكل إلا بنيّة فأفعل" أي حتى الطعام الذي تتناوله اجعل له نيّة قربية لله تعالى وبذلك تتحول ممارساتنا اليومية التي هي للمحافظة على انفسنا ستتحول إلى عبادة للاستعانة بها على الطاعة لله، فيتحول العبد إلى مصداق من مصاديق الآية الكريمة: "قُل إنَّ صَلاتِي وَنُسُكي وَ مَحيَايَ ومَمَاتي لِلهِ ربِّ العَالَمِينَ". من ثم قالت الرواية: فعانقها وأحبها بقلبه. الفاء هو أحد حروف العطف ويُفيد الترتيب والتعقيب ومعنى الترتيب أي إن الثاني بعد الأول والتعقيب أي عقيبه بلا مهلة، أي إنّه بعد أن عشق العبادة عانقها وأحبها بقلبه وباشرها بجسده، والترتيب هنا رُتَبي أي: ما باشر العبادة ومارسها بجسده إلا بعد أن وصل مرحلة من الحب إلى درجة العشق، وبما أن هناك شبهًا في بعض الأمور بين الروح والجسد سنذكر حقيقة علمية تقول: إنّ أكل الطعام بشهيّة يساعد في جودة وسرعة هضمه وبالتالي الحصول على الفائدة من هذا الطعام والذي هو تغذية الجسد وتقويته، ففي شهر رمضان المبارك مثلًا نجد الكثير من يوفق للتوبة والكثير من المؤمنين يحرص على تأدية الكثير من الأعمال كالأدعية الواردة في الشهر الفضيل وصلة الأرحام والبذل والعطاء في سبيل الله تعالى و.....الخ وما ذلك إلا لأن الأرواح مقبلة على الطاعات لأن الشياطين في هذا الشهر الفضيل مغلولة ولأن الروح بفعل الصيام تكون انقى وأصفى، فالطريق لمعانقة العبادة بالروح مفتوح وإتيانها بحب يؤتي ثمارها بشكل أقوى وأسرع، ونحن نعلم أن الغاية من الطاعة وممارسة العبادات بأنواعها هي لتطهير الروح من الشوائب المادية والارتقاء بها إلى مدارج كمالية عالية تؤهلها للقرب من الله تعالى. ثم قالت الرواية: وتفرّغ لها. التفرغ ليس بالضرورة أن يكون تفرغاً مادياً فليس الهدف من الشريعة المقدسة هي أن يتحول النّاس إلى زهاد وعباد معتكفين في مساجدهم فقط للعبادة، وإنما قد يكون القصد هو التفرغ القلبي لطلب القرب من الله تعالى، اي يتفرغ من باقي النوايا والأهداف فتصبح نية إتيان كل عمل صالح ونية الابتعاد عن كل عمل طالح هو للقرب من الله تعالى ونيل رضاه. كما إنّ الرواية ذكرت نتيجة هذا العشق وما يُوصِل إليه هذا العبد، وأيضًا ممكن أن نحتسبها علامة من علامات هذا العبد ألا وهي: أن يتساوى لديه حال العسر واليسر، فهو قد وصل إلى مرحلة من اليقين والاطمئنان والرضا بما قسم الله تعالى إلى درجة أن تساوى عنده العسر واليسر..... اللّهمّ إنّي أسألُك إيماناً تُباشرُ به قلبي ويقيناً حتى أعلم أنّه لن يُصيبَني إلا ما كتبت لي ورضّني من العَيش بما قسمت لي يا أرحمَ الراحمين. ___________________ 1- كتاب المنجد. 2-نفس المصدر. 3- نفس المصدر.

اخرى
منذ سنة
2879

المرأة المتفقهة ودورها في المجتمع

بقلم: تقوى القلوب/ وعلوية الحسيني هناك نماذج من النساء في تاريخنا المجيد، مثل السيدة طوعة (رضوان الله تعالى عليها) تلميذة السيدة زينب (عليها السلام)، تلك المرأة الناصرة لأهل بيت الرحمة (علیهم السلام). والمتأمل في سيرتها يجد أنّ لها ثلاثة مواقف دالة على كونها عالمة بدينها، وعلى حكمة في تصرفها، والمواقف هي: الموقف الأول: قولها لمسلم بن عقيل (عليه السلام): "لا اجيز لكَ الوقوف على باب داري"، وهذا يدل على أنها عالمة بحدود شريعة الله (عز وجل)، وقد استخدمت صلاحياتها المشروعة لها عندما أحست بوجود رجل غريب أمام باب دارها، وعند علمها أنه مسلم بن عقيل (عليه السلام)، الذي هو ابن أخ أمير المؤمنين (عليه السلام)، وسفير الإمام الحسين (سلام الله عليه)، كانت ردّة فعلها هي الشجاعة الدالة بشكل صريح على قوة ورسوخ ايمانها، مما جعلها لا تأبه بالأخطار المحدقة بها في حال إقدامها على مساعدة سفير الإمام الحسين (عليه السلام) وإيوائه في بيتها مما يعرضها لبطش السلطة الظالمة آنذاك. الموقف الثاني: عندما علم القوم بوجود مسلم بن عقيل (عليه السلام) في بيتها وأحاط بدارها العسكر لاعتقاله، لم تخف أو يهتز إيمانها، بل ذهبت بكل وقار وشموخ الى مسلم بن عقيل (سلام الله عليه) لتنبأه بمجيء القوم له، وإنهم يطلبون رأسه، وحثته بكل شجاعة على أن يبرز لهم ويذكرهم ببطولات أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأثارت فيه روح ذكر بطولات عمه في القتال لتثير حميته على دينه ليقاتل بكل بسالة وإقدام، وما ذلك إلاّ لأنها مجاهدة في سبيل الله (عز وجل). الموقف الثالث: التفقه في الدين لا يقتصر على التعبد وذكر الله (عز وجل) وإن كان التعبد خيرًا، إلا أنه يتوسع أكثر ليشمل التعامل الحكيم مع الاخطار والمواقف الصعبة التي يتخيّر فيها الإنسان بين الدين والدنيا، و بين رضا المخلوق و رضا الخالق، ثم لا يؤثر على رضا ربه شيئاً، فكانت تلك الفقيهة البطلة ناصرة لدينها، ولإمام زمانها، ثابتة بعزمها ورباطة جأشها. ومن تلك المواقف تستمد المرأة درسًا قيّمًا في ضرورة الحذو حذو نساء السلف من الصالحات، تلميذات المعصومات، لتحظى برضا الواحد الأحد والوصول إلى أعلى الكمالات. *فمن الموقف الأول تستمد المرأة ضرورة الكون على معرفة بعقيدتنا في وجوب نصرة المؤمن عمومًا، وأهل بيت النبي (عليهم السلام) خصوصًا، وضرورة الكون على معرفة بكيفية التعامل مع الرجال الأجانب مع الحفاظ على الحشمة والوقار الذي أكرم الله تعالى به المرأة. *ومن الموقف الثاني تستمد المرأة ضرورة الكون على معرفة بعقيدتنا بعدل الله تعالى، حيث أنّه عادل، لا يحيف في حكمه، قد يمهل الظالم، لكنه بالأخير سينتصر للمظلوم. *ومن الموقف الثالث تستمد المرأة ضرورة أن تكون للمرأة قدوة صالحة تكون بوصلة حياتها، علمًا وعملاً، في جميع الشؤون الحياتية، والحذو حذوها. فالسيّدة طوعة (عليها السلام) كانت من خيرة النساء، تفقهت في دينها، وأحسنت توظيف ما تفقهت به، حتى كتب الله تعالى لها أن تحامي عن سفير سيد الشهداء (عليهما السلام)، وإلاّ كان بإمكانه الدفاع عن نفسه، إلاّ أنّ للحكمة الإلهية دوراً في مجريات ما حصل، فكان ما كان دور المرأة المتفقهة جليّا. ولا يخفى ما للتفقه في الدّين بمعناه الأعم –التفقه بأصول الدّين، وفروعه، وأخلاقه- له ما له من الأهمية البالغة، ظهورًا من بعض الأحاديث الدالة على ذلك، فحريٌ بالمرأة أن تنهج هذا النهج، واضعةً نصب عينيها شخص السيّدة طوعة (عليها السلام)، وكيفية نضالها وهي في بيتها، ومن تلك الأحاديث: 1/كون التقفه في الدّين أفضل العبادات؛ حيث رويَ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "ما عُبِدَ الله تعالى بشيءٍ أفضل مِــن الفقه في الدِّين" (1). فالمرأة إذا تفقهت في دينها كان لها من الثواب العظيم عند الله تعالى، الذي يفوق عبادتها على غير تفقه؛ لأنّ العبادة الخالية من روح العلم عبادة روتينية، أو كما سمّاها أمير المؤمنين (عليه السلام) بعبادة التجار. 2/ كون التفقه في الدّين دعامة للدِّين؛ حيث روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: "إنّ لكلّ شيءٍ دعامة، ودعامة هذا الدِّين الفـقه" (2). فالدعامة هي واجهة الدّين، أي إنّ المرأة التي لا تفقه لها لا دين متيناً لها؛ إذ ستكون عرضة الانقياد وراء الشبهات الفكرية، سريعة الجزع من الابتلاءات الإلهية، وبعيدة التخلّق بالأخلاق المحمدية؛ إذ لا مستند دينياً تعتمد عليها. 3/ كون التفقه هو الخير الذي يريده الله تعالى؛ حيث روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "إذا أراد الله بعبدٍ خـيراً، فقّـهه في الدِّين، وألهمه اليقين" (3). حتمًا تلك نتيجة من وراء سعي الإنسان نحو كل خير يقصد به التقرب إلى الله تعالى، وهو خير الدارين، واليقين، والمرأة مشمولة بهذا الكرم الإلهي، فبالتالي لو تفقهت في دينها لنالت الخير واليقين. ولا ننسى أنّ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) تأفَّفَ مِن المسلم الذي لا يخصّص وقتاً لتعلّم أحكام الشريعة والتفقّه في الدِّين، والتأفّف يدل على انـزعاج النبيّ (صلى الله عليه وآله) من المسلم الذي يصدر عنه الأمر السيِّء؛ حيث رويَ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): "أفٍّ لكلّ مسلم لا يجعل في كلّ جمعة يوماً يتفقّه فيه أمر دينه، ويسأل عن دينه" (4). فالمرأة التي تقضي اسبوعها دون تفقه في دين الله تعالى تدخل الأسى على قلب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله). والمتأملة في سيرة نساء السلف الصالحات تجد أنّهنّ كنّ يتجالسنَ في مجالس للتفقه في دينهنّ، وهذا دليل على تخصيص بعض من أوقاتهنّ للتفقه، مع عدم التقصير في أدوارهنّ المنزلية الأخرى. والسيدة طوعة (عليها السلام) كانت من تلك النسوة اللواتي نهجنَ ذلك النهج؛ تأسيًا بقدوتيها، السيدتين الزهراء والحوراء (عليهما السلام). ______________________ (1) ميزان الحكمة: ج3، ص 2454. (2) المصدر نفسه. (3) غرر الحكم ودرر الكلم، ح 4133. (4) مصدر سابق، ج3، ص 2454.

اخرى
منذ 6 أشهر
305

سهم سوء الظن ودرع حسن الخُلق

بقلم: تقوى القلوب كانت ابتهال جالسة في الحافلة التي تُقِلّها الى منزلها، قرب النافذة تتأمل شوارع مدينتها الحبيبة، مجرد رؤية الإعمار أو ملاحظة الخير للناس كفيل بإدخال الفرح إلى قلبها، لأنها تحب الخير لكل النّاس، مهما كان اختلافهم، يكفي أنّهم صنيعة الرب العظيم سبحانه وتعالى، ولكنها هذه المرة كانت شاردة الذهن، حزينة، بسبب موقف حدث مع زميلتها التي كانت تربطها بها علاقة جيدة على الرغم من أنَّ المدة لم تكن طويلة، ولكنها كانت كفيلة بمعرفة إحداهنّ للأخرى، حاولت ابتهال استرجاع أحداث الموقف علّها تتمكن من تحديد ما آلمها وأدخل على قلبها الهمّ لمعالجة جرحها بصمت، كما اعتادت في أغلب الأحيان. عند رؤيتها لرفيقتها سلمى استقبلتها بابتسامة لطيفة وحيّتها بكل حب: -ابتهال: سلام عليكم عزيزتي سلمى، كيف الحال؟ -سلمى: وعليكم السلام والرحمة، أهلا برفيقتي، الحمد لله، وأنتِ كيف حالك؟ -ابتهال: بخير والحمد لله، استلمت نتيجتي "قالت هذه الكلمة بابتسامة وشوق معلنة عن النتيجة بمشاعر الفرح". -سلمى "بترقب": هيا اخبريني، نجاح أم ماذا؟ -ابتهال: الحمد لله حمدًا يبلغُ غاية رضاه، نعم يا رفيقتي النجاح هو ثمرة الجهد والمثابرة، وأنتِ؟ -سلمى: نجاح وبامتياز أيضًا، قالتها بشيء من الزهو. -ابتهال: كنت واثقة من نجاحك الباهر، وأنا على ثقة بأنك تمتلكين القدرة على تحقيق أهدافكِ بكل جدارة، وبتفوق (قالتها من باب التشجيع، وهي تعلم أنّ الكلمة الطيبة حسنة). وما كان من سلمى بعد سماع هذا الإطراء إلا أن ركزت على عيون ابتهال وهي "تقلب عينيها بطريقة الحَوَل* تعرف ابتهال أنّها حركة للبعض لطرد حرارة العين او الحسد كما يعتقدون" فشعرت بذهول، لأنها كانت تظنّ أن المستوى العلمي لسلمى يمنعها من ممارسة مثل هذه الأعمال، كما إنّها ظنّت أنّ معرفة سلمى بها كافية لدرجة عدم توقع صدور الحسد من ابتهال. فتداركت نفسها بإنهاء اللقاء بلباقة ودون أن تُشعِر زميلتها بأنّها على علم بمعنى هذه الحركة، حفاظًا على مشاعرها، وما اهتمام ابتهال بقلوب النّاس ومشاعرهم، كبيرًا كان أو صغيرًا، مثقفًا كان أم بسيطًا، قريبًا كان أو بعيدًا، إلا طلب لقرب الله تعالى ورضاه. -ابتهال: بالتوفيق يا سلمى، عليّ الرجوع الآن للمنزل لئلا تقلق عليّ والدتي، ولأدخل السرور على قلبها بنجاحي، أستودعك الله يا سلمى. -سلمى: إلى اللقاء. فكرت مليًّا بالموقف في محاولة منها لتحليله، لعلمها أنْ ما من مشكلة إلا ولها حلّ، وما من مرض إلا وله علاج، لا ينبغي للمؤمن أن يفكر فقط في نفسه، بل عليه أن يهتمّ بالآخرين ويأخذ بأيدي من يتمكن من الأخذ بأيديهم للقرب من الله تعالى، نعم هذا هو أحد أهداف ابتهال. تأملت... الشريعة المقدسة حريصة على رعاية مشاعر الأخرين، وعلى سبيل المثال: عند رؤية شخص مريض أو مُعاق، يوجد دعاء يردده المؤمن لئلا يقع بمثل ذلك البلاء، ولكن يجب فيه مراعاة ذكر الدعاء إخفاتًا لكيلا يدخل الحزن على قلب صاحب الابتلاء، وهذا رعاية لمشاعره، وهناك الكثير من أمثال ذلك في الشريعة المقدسة. تُرى لا يوجد دعاء، أو رقيّة يرددها من يخشى الحسد؟! ولكن دون إشعار الطرف المقابل؟ لأنّه قد يكون الشخص الآخر لا ينوي الحسد، فيكون صدور مثل هذه الأفعال بالإضافة لكونها سوء ظنّ، هي أيضًا مصدراً لدخول الهمّ لقلبه... لا بدّ من وجود أكثر من دعاء وليس دعاء واحد في تراث أهل البيت (عليهم السلام) لأنّهم أهل العلم والمعرفة بجميع الأمراض الروحية، وتراثهم غنيّ بالأدوية المناسبة لمعالجة هذه الأمراض، فهم امتداد للرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) وهو من كان يُقال في حقه: "طبيب دوّار بطبه" فتذكرت أنها قرأت في أحَد كتب الأدعية أنّ من خشيَ على نعمة من حسد حاسد أو خاف من صدور الحسد من نفسه، فعليه بذكر الصلاة على محمد واله الكرام (اللهم صلّ على محمد وال محمد) على تلك النعمة لتحصينها. هنا شعرت ابتهال بشيء من الراحة، ووطّنت النفس على البحث عن دعاء مناسب وإيصاله إلى رفيقتها التي كانت تخشى كثيراً من الحسد، ولكن كان شغل ابتهال الشاغل هو كيفية إيصال هذه الأدعية من دون أن تُشعِر سلمى بأنّها قد علمت مغزى حركاتها، وتريد إيصال المعرفة اليها دون المساس بها بسوء؟! نعم، هذا ما كان يشغل ابتهال، لأنها تهتم بقلوب المؤمنين، لعلمها بأنّه الطريق المختصر لرضا ربّ قلوب المؤمنين، فهو غاية المنى. مع اقتراب الحافلة من الشارع المؤدي لمنزلها، ومع وصولها لهذه النتيجة المرضية، استعادت ابتهال روحها ونشاطها المعهود، وحبها للتواصل مع الآخرين، لأنّها كانت على ثقة شديدة بأنّ الله تعالى سيوفقها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل حبّ ورفق. *شكل من الحَوَل ينحرف فيه محور عين عن محور الأخرى.

اخرى
منذ 6 أشهر
343

كيف أقوّي يقيني؟ (من أسئلتكم)

بقلم: تقوى القلوب السائل: كيف أقوّي يقيني وإيماني بربِّ العالمين؟ علمًا أنّ عمري 25سنة، وأنا منذ صغري أقرأ الأدعية والمناجاة وأتقرب بالدعاء ولا أقطع الصلاة ولحدِّ الآن، ولكن أشعر شعورًا قويًا بأنّي لستُ قريبةً من الله تعالى، وليس عندي يقينٌ باستجابة الدعاء. أنا ملتزمة دينيًا، ولكن لا أشعر بالإيمان بقلبي إلا مراتٍ قليلة، بل مجرد مخافة من الله (سبحانه وتعالى) رغم كثرة الأدعية والمناجاة والصلوات. أعرف أنَّ الإيمان ليس بكثرة الأدعية، ولكني أحاول التقرب إلى الله تعالى عبرها. كيف أجعل علاقتي بربي علاقة حبٍّ وإيمان ويقين باستجابة الدعاء؟ المجيب: واضحٌ جدًا مِن سؤال الأخت السائلة أنّها تمرّ بمرحلة وعيٍ جديدة، إذ أنّها وبالرغمِ مِن التزامها الطويل بالعبادات، والدعاء، والمناجاة، إلا أنّها تفتقد شيئًا مهمًا وهو الإيمان بالله (تعالى). وهو ما جعل روحها تثور لإيجاد السبيل إلى الهداية للإيمان به (سبحانه) وبأنّه قريبٌ مجيبٌ، مع العلم أنّ الفطرة السليمة تحملُ بين طيّاتها الإيمان بوجود ربّ لا يحدّ قدرته شيء. إذن علينا أولًا، أنْ نفرِّق بين العبادة والعبودية، وبين الأعمال الجوارحية والجوانحية، وأنّ أداء العبادات هو شيءٌ مغاير للعبودية، وللإيمان بالمعبود، وهو أشبه بالفرق بين الإيمان والإسلام، سُئِلَ أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الإيمان، فقال: "الإيمانُ معرفةٌ بالقلب، وإقرارٌ باللسان، وعملٌ بالأركان"1 وهذه المعرفة هي ثمرةٌ من ثمار التفكر، الذي حثّت عليه الكثير من الآيات القرآنية والروايات الشريفة، ومنها، قوله (تعالى): "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ"2 وقوله تعالى: "إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ"3 وغيرها الكثير من الآيات التي تدعو إلى التأمل والتفكر في عظيم خلق الله (تعالى)، ومن الروايات الشريفة، عن أمير المؤمنين(عليه السلام): "التفكر في آلاء الله نِعمَ العبادة"4 وعن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): "ليس العبادة كثرة الصيام والصلاة، إنّما العبادة كثرة التفكر في أمر الله"5 لأنّ التفكر -ومن بعده المعرفة- يوصل الإنسان إلى معرفةِ عظمةِ الخالق، وقدرتِهِ اللامتناهية، ويُظهِر جميلَ صفاته، كما إنّه يوصله إلى العمل الصالح، ورد عن أمير المؤمنين (سلام الله عليه): "التفكر يدعو إلى البرّ والعمل به"6 ومتى ما ترسخت عظمةُ الخالق في النفس أوجدتِ التقوى، والتقوى هي عبارة عن الاجتناب عن محارم الله (تعالى)، والقيام بما أوجبه عليهم من التكاليف الشرعية، ومما لا شكَّ فيه أنّ التقوى هي من موجبات القرب الإلهي، كما في قوله (تعالى): "كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ"7 و"وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِين"8 و" لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ"9. وأما الدعاء فهو بحدِّ ذاته عبادةٌ وامتثالٌ للأمر الإلهي، وليستِ الغاية منه أنْ نطلب ويستجيب الله (تعالى) لنا من فوره، كلا، وإنّما له ثمارٌ وأهدافٌ كثيرةٌ أحدها الاقتراب منه (تعالى)؛ إذ إنّه مظهرٌ من مظاهر العبودية له (عزّ وجلّ)، يستشعرُ فيه العبدُ ضعفَه وذلَه بين يديه (سبحانه). قال (عزَّ مِن قائِل): "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون"َ10 و "وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ"11 وللدعاءِ آدابٌ وشروطٌ يجبُ مراعاتها من قِبل الداعي، وقد أشار الإمام عليّ (عليه السلام) إلى هذا المعنى عندما سأله رجل عن قوله (تعالى): "ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"، قال: ما لنا ندعوا فلا يُستجاب لنا؟ فقال(عليه السلام): «...فأيُّ دعاءٍ يُستجابُ لكم وقد سددتم أبوابه وطرقه، فاتّقوا الله وأصلحوا أعمالكم وأخلصوا سرائركم، وأمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فيستجيب الله دعاءكم»12 وأما كيف نجعل علاقتنا بالله (تعالى) علاقةَ حبٍّ؟ فالحبُّ لله (عزَّ وجلَّ) هو من الفطرة التي فطر الله (تعالى) الناس عليها. ولكن هذه الفطرة قد تتلوث جراء سوء التربية أو تأثير المحيط إذا كان غير صالحٍ، ولكن مع ذلك يمكن أنْ يعود مجددًا ويُشرق في النفس الإنسانية إذا وُجِدَ نور المعرفة لله (تعالى) في الفؤاد، ولاحَ اليقين في القلب، حينها يجدُ الإنسان حلاوة الإيمان. وقد ذُكِر هذا المعنى في الرواية عن الفضل بن يسار قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحبّ والبغض أَمِنَ الإيمان هو؟ فقال: "وهل الإيمانُ إلا الحبّ والبغض"13 هناك الكثير من الأعمال الموصلة للحبِّ الإلهي، سنوردُ بعضًا منها على سبيلِ الذكر لا الحصر: 1-اتباع الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله): "قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"14 2-المداومة على ذكرِ الله (تعالى)، وهو من الامور التي تعزز الحب الإلهي في القلب، كما جاء عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "الذكر مفتاح الأنس"15 ومما يؤكد هذا المعنى، قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا"16 3-المداومة على الوضوء، فقد ورد في الكتاب العزيز قوله تعالى: ".....إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ"17 4- اجتناب الذنوب، والمعاصي، جاءَ رجل إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، أُحِب أنْ أكونَ من أحبِّاءِ الله ورسوله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أحب ما أحبَّ الله ورسوله، وابغضْ ما أبغض الله ورسوله"18 ولا يخفى على كلِّ مسلمٍ أنّ الله (تعالى) ورسوله (صلى الله عليه وآله) يُبغضان المعصية. وهنا لابدّ من التذكير بأنّ تقوى الله (تعالى)، واجتناب معاصيه موصلةٌ إلى تأييد الله (سبحانه) لعبده لامحالة . وهي خيرُ الأمور كُلِّها، كما جاء عن لسان النبيّ الأَكرم (صلى الله عليه وآله) في وصيته لأبي ذر (رحمه الله): "عليك بتقوى الله فإنّه رأس الأمر كله"19 5-التفكر، وهو من السبل المؤدية إلى حبّ الله (تعالى)، كما أكدته الروايات الشريفة، فعن الصادق (عليه السلام) أَنّه قال: "إنّ أولي الألباب الّذين عملوا بالفكرة حتى ورثوا منه حب الله....."20 . وهذا المورد بالذات يؤدي من جانبٍ إلى حبّ العبد لله (تعالى)، ومن جانبٍ آخر يؤدي إلى حبّ الله (عزّ وجلّ) لعبده. فالرحلةُ إلى قوةِ الإيمان بالله (تعالى)، وحبِّه، واليقين به، تحتاجُ إلى صفاءٍ داخلي. وهذا الصفاء يحدث بفعل العبادات، فما من عبادةٍ خالصةٍ لوجهه الكريم إلا وتركت أثرها على الروح. وهو ما يؤدي لانفتاح عين البصيرة وقوة سمع أذن القلب، حتى يكون هذا القلب، محلًا لإشراقِ نور معرفته، وحبِّه (عزّ وجلّ). ((اللهم ارزقني حُبَّك، وحُبَّ ما تُحِبُه، وحبَّ من يُحِبُك، والعملَ الذي يُبلغني إلى حُبِّك، واجعل حبَّك أحبُّ الأشياءِ إليّ)) ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-نهج البلاغة ص508 2-سورة ال عمران، آية 190 3- سورة البقرة، آية 164 4-عيون الحكم والمواعظ: 29، حديث رقم 438 5-الشيخ الكليني، الكافي ج2، ص50 6-الكافي، ج2، ص55 7-سورة البقرة، آية 187 8-سورة البقرة، آية 194 9-سورة البقرة، آية 103 10-سورة البقرة، آية 186 11-سورة غافر، آية 60 12-أعلام الدين 269 13-الكافي2، 125، 5 14-سورة ال عمران، آية 31 15-ميزان الحكمة، ص970 16-سورة الأحزاب، آية 41 17-سورة البقرة، آية 222 18-ميزان الحكمة، ج1، ص504 19-بحار الأنوار، ج67، ص289 20-بحار الأنوار، ج36، ص403

اخرى
منذ أسبوعين
97