Profile Image

حنان الزيرجاوي

بإيمانها هزمتهُ - وبعقلها سلكتهُ

إنني حزينةٌ نعم حزينةٌ، إنه حزن الحب في قلب النجوم، إنه حزن الجمال في وجه الاقمار، إنه نفحة العشق في سماء الكون، إنه حزن الوردة لفراق الفراشات، إنه حزن الذوبان في طريق الوديان... هكذا اعتادت كل صباح؛ بعد أن تتذوق حلاوة مناجاة من أحبّته وتشعر بالاطمئنان والراحة بعد كل مناجاة لربها. تجلس وهي تمسك كتاب الله؛ لترتل بعض آياته، رغم أنها لم ترى من يفعل هذا في ذلك البيت الذي ولدت وترعرعت فيه بين أهلها! نعم، لم تشاهد من يفعل هذا الشيء! فكل من معها في المنزل يصلون ويصومون، لكن يؤدون الفريضة فقط، وكل منشغلٌ في حياته، فلم تجد من يسدي نصيحة للآخر، أو ربما قل: هكذا هي فطرتهم ولكنها منذ صغرها ارتبطت بالقرآن؛ ليكون انيسها في وحدتها. وكعادتها في ذلك الصباح بعد أن أدت صلاة الفجر، جلست لتتلو بعض الآيات فمرت بتلك الآية المباركة التي تقول: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). هنا توقفت عن القراءة؛ وكأنها تقرأ هذه الآية لأول مرة، ولأول مرة يحدث هذا الشيء معها، إذ سرحت في أفكارها قليلاً لتزدحم الأسئلة في مخيلتها، وتتجاذب الأفكار في حالة من اليأس والبؤس، وبدأ الشيطان يقترب منها إذ وجد ما كان قد عجز عنه لفترة طويلة، وهو يحاول أن يغويها وبدأ يهيئ لها سؤالا تلو السؤال ليعجزها عن الإجابة وتتنفس الصعداء لحقده عليها، ولكونها أتعبته كثيراً ووجد مبرراً للإغواء، لأنها بلغت الأربعين ولم تتزوج... هنا همس لها: متى أكون سكناً ومودة ورحمة؟ ألست أنا من بنات حواء؟ لماذا أرى من حولي يهنأنَ بهذا وأنا لا؟ لم أعصِ الله كما تفعل الأخريات، ومع ذلك كان لهن ما أردن، لم اقصّر في عبادتي، لم أتكلم عن الآخرين بسوء، بل إن قلبي يحب الجميع، ويتمنى الخير للآخرين؛ عكس كثير ممن أعرف وها هنّ يتمتعْنَ بالسكن والرحمة ورُزقْنَ الذرية ويداعبن أطفالهن.. إذن لماذا أنا هكذا؟ ربما إذا أعمل كما هنّ يعملن أكون مثلهن، فكفاني تبتلاً وعبادة، وما الذي حصلت عليه غير الوحدة والألم والحزن... هنا تحركت جنود الرحمن في عقلها، وخرت باكية وهي تذرف الدموع وتخاطب نفسها: ما الذي أسمعه منكِ أيتها النفس الأمارة بالسوء؟! أبتعد عني أيها اللعين، لن تغويني مهما حاولت، فأنا الوذ بكهف حصين، هيا ابتعد أيها اللعين... وخرت ساجدة تناجي محبوبها: رحماك يا الله، إلهي لا تؤاخذني بما فعلت، اعف عني رحماك يا رب. فبينما هي كذلك؛ تستشعر لذة الغلبة على اللعين، وحبط ما جاء به وبطل ما كان يصنع، إذ غلب يقينها شكها، فاليقين يساوي طريق آل محمد (عليهم السلام)، والشك يساوي الشيطان الرجيم، إذ بزغ نور؛ ومن خلفه قائل يقول: استمري على جهادك كي أراك علماً يرفرف في سماء القرب، وفي قرب السماء أراك كوكباً، ككوب الزهرة، يزهر في جمال كماله، ويكتمل في جماله وبهائه، فكم من قلب ساهٍ في جمال الكواكب، وكم من كواكب حلقت في جو القلوب... سأنتظر نجمَ سعدي، وطالع حظي، وبريق أملي، ووداد روحي، وكمال نقصي، وتمام همتي، هيا بنا فإن الوقت تقتله الأيام، والأيام تقتلها السنون، فلنقطف آمال الشوق، وبهجة الذوق.

اخرى
منذ 5 سنوات
1053