انعام علی محمد جواد

الله عز وجل هو السعادة الحقيقية

دعتني صديقتي إلى مأدبة غداء، اعتذرت منها لانشغالي بأمور أخرى، فترجتني أن احضر إذ إنّ صدیقة قدیمة لها تقطن في محافظة أخرى سوف تکون موجودة وتريد أن تعرفني بها، وعندما رأيت إلحاحها، قلت: حسناً سوف آتي متأخرة، ابتسمت وقالت: لا بأس أهلاً بك في أي ساعة جئتِ. عندما وصلت كانوا قد أنهوا غداءهم وجلسوا في الصالة لاحتساء الشاي، دخلت إليهم وعرفتني بصدیقتها التي کانت قادمة مع ابنتها المراهقة والتي تدعی (أسوا) جلسنا نتحدث وجلست ابنة صدیقتي (نبأ) مع (أسوا)، لمحت على محیى نبأ أنها لم تکن راضیة عن (أسوا) ولکنها بدت متحملة الوضع وبدا الضجر على سیماء (أسوا) ودار بنا الحدیث وتشعب نحن الأمهات عن لطف الله عز وجل في لحظات حياتنا، فقلت: إن الله عز وجل يرأف بنا في ساعات الشدة، ویلطف بنا في کل لحظة فأیدت صديقتي وصدیقتها کلامي بقول: نعم والله. رأيت امتعاضاً على وجه (أسوا) فقلت لنفسي: لربما هو أمر بينها وبين (نبأ)، وتسلل بنا الحدیث عن فراق الله عز وجل وکم هو مؤلم فراقه. فانبرت (أسوا) مستهزئة: کم هو مؤلم فراقه! بدا على وجه أمها التوتر والغضب وبدأت توبخها. فالتمست من الأم أن ترأف بها وتدعها تتكلم. فقالت الأم: سوف تبدأ بالهذيان. قلت لها: إذا سمحتِ أودّ أن اسمع منها ما تقول. فأطرقت الأم وهي خجلة: حسناً، نظرتُ إليها، وقلت: یا صاحبة الاسم الجميل، ماذا في جعبتك من أفكار؟ قالت: إذا تکلمت سوف تغضب أمي! نظرتُ إلى الأم وقلت: هل تسمحین أن أتكلم مع ابنتك على انفراد؟ نظرتْ إلى صديقتي فطمأنتها أن تتحدث معي. خلوت مع (أسوا) وقلت: تحدثي وقولي ما عندك. قالت: أنا عندما أقول شيء ما تغضب أمي. قلت لها: ماذا تقولين مثلاً وتغضب امك؟ تلکأت لثوان وقالت: أنا لا أعتقد أن هناك إلهاً! نظرت إليها بتأمل وقلت: هذا کلام کبیر. قلت: وماذا بعد؟ قالت: کنت قبلها أتساءل: هل هناك خالق لله؟ فکانت تغضب أمي، وتجیب الخالق هو الله ولا خالق غیره. قلت: وبعد ماذا أيضاً؟ قالت: کنت أتساءل: هل هناك إله أقوى من الله؟ فکانت أمي تثور غضباً، وأخيراً أنا متأكدة أنه لا یوجد إله، إذ لو كان موجوداً لرأیته… قلت: حسناً هذه أسئلة کثیرة، هل هناك غیرها من الأسئلة تراودك؟ قالت: نعم، توجد غیرها، ولکن هذه أهمها. قلت: حسناً... تطلعت إليّ مستغربة وقالت: ألن تنعتيني بالكافرة الملحدة كما تدعوني أمي کلما تحدثت معها بهذه المواضیع؟ وتنهاني أن أتكلم أمام أي أحد من الناس؟! قلت: کلا یا فتاتي یبدو علیك الذکاء والفطنة، ولا تحبين أن تقبلي أمراً إلّا وأنتِ تعرفين ماهیته وتسبرین غوره. ابتسمت وقالت: نعم، أنا هکذا. قلت لها: حسناً، فلنأخذ الأمور ببساطة ولنقل أن الله عز وجل خلقه إله آخر، وقلنا بعده هناك إله آخر خلقه. أخيراً یجب أن نخلص من هذا التسلسل وننتهی إلى إله خلق الجمیع، حسناً فلنعبد هذا الإله الذي هو خالق کل شيء وإذا قلنا: هناك إله أقوى، أيضاً سوف نذهب إلى التسلسل والدور حتی نصل بالنهاية إلى إله أقوى من جمیع الآلهة الأخرى ویجب أن يكون کاملاً لیس به أي نقص أو عيب، وإلّا لن نرضی أن یکون إلهنا الذي نعبده ضعیفاً أو مخلوقاً أو محتاجاً إلى أي أحد. فکّري بکلامي قلیلاً ودعي عقلك ینفض الغبار عنه وبعدها نعود إلى بقیة أسئلتك. بعد لحظات رفعت رأسها، وقالت: وإذا لم أكن أعتقد بوجود إله أبدا؟ قلت: حسناً یا فتاتي، إذا لم یکن لهذا الکون والوجود إله، فمن أوجده إذاً؟ قالت: هو أوجد نفسه. ابتسمت وقلت: هذا القميص الذي ترتدینه، أيمكن أن تقولي إنه هو أوجد نفسه دون أن یکون هناك قماش ودون أن یکون هناك خیاط یخیطه؟ ونقول هو أوجد نفسه من العدم. تلکأت وقالت: المسألة تفرق قلت: بماذا تفرق؟ لم تجب. قلت: کون کامل متکامل بدون إله، وقمیص صغير له صانع! أليس هذا منافیاً للعقل؟ لم تجبني وسألتني: لماذا تعصب أمي عندما أسألها؟ قلت: أمك تحبك وتخاف علیك من الانحراف الذهني، ولکن الله عز وجل وهو اللطيف الخبير عندما یری حیرتك وألمك لا يريد لكِ الخذلان ووضعني في طریقك حتی تسمعي مني الشيء القلیل عن الحقيقة وسوف یضع في طريقك أناساً آخرين عندما تريدين الوصول إلى الحقيقة والوصول إلى السعادة، أتعلمين يا بُنيتي أن معرفة الله سبحانه وتعالى هي السعادة الحقيقیة... أتمنى أن أراكِ أكثر وأن نتحدث عن وجود الله سبحانه وتعالى أكثر. قالت: أتمنى ذلك. نعم إن الحديث عن الله عز وجل حديث شیق ولطیف ویستحق منا أن نقضي ساعات نتكلم به، أومأت برأسها: نعم. ابتسمت لها وقلت: هل أخبرك بحدیث قدسي؟ ابتسمت ترید أن تسمع. قلت: (لو علم المدبرون عني کیف اشتياقي إلى توبتهم لماتوا شوقاً الي ولقطعت اوصالهم) إن الله سبحانه وتعالى هو نفسه یخبرنا کم یحب المدبرین عنه، فکیف إذا أقبل قلبك إليه؟ قلت لها: إنه یحبك یا فتاة ویحب کل ما وجد ویحبك أنتِ بالذات لأنه أوجدك إنسانة عاقلة ولك کامل الاختیار في الحياة، ولم یخلقك جماداً أو أي شيء آخر. قلت: هذا کله من حبه لكِ. أطرقت برأسها وقالت: لم اسمع هذا الكلام من قبل. قلت: بنیتی، ابحثي عن الله سبحانه وتعالى في وجودك في قلبك إنه موجود معك ولکنك اغمضتِ عینیك ولم تریه، افتحي عینيكِ وافتحي قلبكِ وسترین النور والسعادة یقبلان إليك. ____________________ 1_ بداية المعرفة: الاستاذ العلامة الشیخ حسن مکی العاملي بيان التسلسل وبطلانه ص 58 . 2_ السیر إلى الله: میرزا جواد التبريزي، ط1 ، بیروت لبنان دار البلاغة ص 199_200. انعام علي محمد جواد

اخرى
منذ 11 شهر
556