Profile Image

شفاء طارق الشمري

قطوفٌ رمضانيةٌ الحلقة الأولى: الارتقاءُ الروحيّ بشهر رمضان/ ج١

بقلم: شفاء طارق الشمري الكثيرُ منّا يقولُ: أنا مُتعبٌ وروحي مُثقلةٌ بالمعاصي، أُريدُ أنْ أرتقيَ بروحي وأسموَ بها إلى مراتبَ إيمانيةٍ أعلى وأرقى. إنَّ تجدُّدَ الأرواحِ وسموّها يكمنُ في شهرِ رمضان المبارك، حيثُ يقرعُ المؤمنون بابَ الغفرانِ والعفوِ فتُمحى خطاياهم. والسؤالُ الذي يطرحُه الكثيرُ: كيف أرتقي روحيًا في شهر رمضان؟ الارتقاءُ الروحيّ في شهرِ رمضان يكونُ عبر عِدّةِ محاور وهي: المحور الأول: معرفةُ مكانةِ وفضلِ شهر رمضان: إنّ أطهرَ بقعةٍ على وجهِ الأرض هي الكعبةُ المُشرفةُ؛ كونها بيتَ الله (تعالى)، وفُضِّلَ القرآنُ الكريمُ على سائرِ الكتب؛ لأنّه كتابُ الله (تعالى)، والأنبياءُ أفضلُ الناسِ علمًا وعملًا؛ لأنّهم أنبياءُ الله (تعالى)؛ فكُلُّ شيءٍ يُنسَبُ إلى اللهِ (سبحانه) يوضَعُ في مقامِ العظمةِ والرِفعةِ والمنزلة. ومن بينِ أحدَ عشر شهرًا اختارَ اللهُ (تعالى) شهرَ رمضان ليكونَ شهرَه المُبارك ويوضعَ في مقامِ التعظيمِ تحتَ اسم (شهر الله). وقد جاءت أحاديثُ كثيرةٌ في بيانِ فضلِ شهرِ رمضان على سائرِ الأشهر، وكأنَّ جميعَ الشهورِ كواكبُ إلا هو يجتمعُ فيه الشمسُ والقمر، حيثُ يتجلّى النورُ فيه، وكأنّ نورَ الشمسِ نهارًا يحرقُ الذنوبَ بالصيام، والقمرُ يُنيرُ في لياليه لتضمحِلَّ الذنوبُ بأدعيةِ الأسحار تحتَ ضوءِ القمر. وقيل إنّ اسمَ الشهر الكريم رمضان: من "الرمض"، أي: شِدّةُ وقعِ الشمس. وقيلَ: سُمّيَ رمضانُ؛ لأنّه يرمضُ الذنوبَ أيّ يحرقُها بالأعمالِ الصالحة، من الإرماضِ وهو الإحراق، ومنه رمضتْ قدمُه من الرمضاءِ أيّ احترقت(١) ومن فضلِ هذا الشهر أنّه شهرُ نزولِ القرآنِ الكريم والكُتُبِ السماوية، ذكرَ تفسيرُ البرهان حديثًا للنبيّ الکريم (صلّی الله عليه وآله) جاء فيه: "إنّ کُلَّ الکتبِ السماوية: التوراة والإنجيل والزبور والصحف والقرآن نزلتْ في هذا الشهر، شهر رمضان أفضلُ شهور الله". وعن أميرِ المؤمنين (عليه السّلام) عن رسولِ اللّهِ (صلی اللّه عليه وآله) أنّه سُئلَ عن مُجابهةِ الشيطان، فقالَ: ‏«الصّومُ يُسوّدُ وجهَه، والصّدقةُ تكسرُ ظهرَه، والحبُّ في اللّهِ والمواظبةُ علی العملِ الصّالح يقطعُ دابره، والاستغفارُ يقطعُ وتينه»(٢) وروي عن النّبي (صلّی اللّه عليه وآله) قال: «إنّ للجنّةِ بابًا يُدعی الرّيّان، لا يدخلُ فيها إلا الصّائمون». ويقول المرحومُ الصدوقُ في «معاني الأخبار» مُعلِّقًا علی هذا الحديث: إنّما سُمّيَ هذا البابُ بالريّانِ؛ لأنّ مشقةَ الصائمِ إنّما تكونُ في الأغلبِ من العطش، وعندَ ما يدخلُ الصائمون من هذا الباب يرتوون حتی لا يظمؤوا بعدَه أبدًا(٣) وقد وردَ الصيامُ في أغلبِ الأديانِ الأخرى، قال (تعالى): "كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَی الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"، فقد وردَ في التوراةِ أنّ النبيَّ موسی (عليه السّلام) صامَ أربعين يومًا، فقد جاءَ فيها: «أقمتُ في الجبلِ أربعين نهارًا وأربعين ليلةً لا آكلُ خبزًا ولا أشربُ ماءً»(٤). ونصَّ التوارةُ عن لسانِ حالِ النبيّ موسى بالقول: "حِينَ صَعِدْتُ إِلَى الْجَبَلِ لِكَيْ آخُذَ لَوْحَيِ الْحَجَرِ، لَوْحَيِ الْعَهْدِ الَّذِي قَطَعَهُ الرَّبُّ مَعَكُمْ، أَقَمْتُ فِي الْجَبَلِ أَرْبَعِينَ نَهَارًا وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً لاَ آكُلُ خُبْزًا وَلاَ أَشْرَبُ مَاءً"(٥) فحتى اليهود نراهم يصومون، فاليهودُ كانوا يصومون غالبًا حينما تتاحُ لهم الفرصةُ للإعرابِ عن عجزِهم وتواضعِهم أمامَ اللّه (تعالى)، ليعترفوا بذنوبِهم عن طريقِ الصومِ والتوبة، وليحصلوا علی رضا حضرةِ القُدسِ الإلهي(٦) وقيلَ: إنّ السيّدَ المسيح (عليه السّلام) صامَ أيضًا أربعين يومًا، يظهرُ ذلك من «الإنجيل»: «ثم أصعدَ يسوعَ إلی البريةِ من الروحِ ليجرّب من إبليس، فبعد ما صامَ أربعينَ نهارًا وأربعين ليلةً.."(٧) وجاء أنّ السيدَ المسيحَ أوصى الحواريين بالصوم. فإذن نجدُ في ذلك أهميةَ الصيامِ دينيًا أو حتى من الناحيةِ الصحيّة التي تُحدِّثُنا عن الفوائدِ الهائلةِ لصيامِ شهرِ رمضان. وللشهرِ الفضيلِ أسرارٌ وفيوضاتٌ إلهيةٌ لا يعرفُها إلا من تعمَّقَ في بحرِ الارتقاءِ الروحي في شهرِ رمضان المُبارك، فاللهُ جعلَ فيه خيرَ الليالي والأيام، وكُلُّ يومٍ فيه يكونُ حافلًا بالأهمية. والنبيُّ (صلى الله عليه وآله) صرّحَ في خُطبتِه في نهايةِ شهرِ شعبان واستقبالِ شهرِ رمضان بأهميةِ الشهرِ الكريم وفضلِه وكيفَ يسمو الإنسانُ إلى مراتبَ عباديةٍ أعلى، فحينَ ألقی رسولُ اللّهِ (صلّی اللّه عليه وآله) خطبةً أعدّ فيها المُسلمين لاستقبالِ شهرِ رمضان المُبارك قال فيها: ‏«أيُّها النّاسُ إنّه قد أقبلَ إليكم شهرُ اللّهِ بالبركةِ والرّحمةِ والمغفرة، شهرٌ هو عندَ اللّهِ أفضلُ الشّهور، وأيّامُه أفضلُ الأيّام، ولياليه أفضلُ اللّيالي، وساعاتُه أفضلُ السّاعات. هو شهرٌ دُعيتُم فيه إلی ضيافةِ اللّه، وجُعِلتُم فيه من أهلِ كرامةِ اللّه. أنفاسُكم فيه تسبيحٌ، ونومُكم فيه عبادةٌ، وعملُكم فيه مقبولٌ، ودعاؤكم فيه مُستجابٌ فاسألوا اللّهَ ربّكم بنيّاتٍ صادقة، وقلوبٍ طاهرةٍ أنْ يوفّقَكم لصيامِه وتلاوةِ كتابِه، فإنّ الشّقيَّ من حُرِمَ غفرانُ اللّهِ في هذا الشّهر العظيم، واذكروا بجوعِكم وعطشكم فيه جوعَ يومِ القيامة وعطشه، وتصدّقوا علی فقرائكم و مساكينكم، ووقّروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلًّ النّظرً إليه أبصارَكم، وعمّا لا يحلُّ الاستماعُ إليه أسماعكم، وتحنّنوا علی أيتامِ النّاسِ يُتحنَّنُ علی أيتامكم ...» فحتى الأنفاس تكونُ فيه قدسيةً تُسبِّحُ بحمدِ اللهِ (تعالى) وذكرِه، والنومُ الذي كثيرًا ما يُنبَذُ لكنّه في شهرِ رمضان يكونُ عبادةً، فأيُّ ضيافةٍ إلهيةٍ هذه التي تجعلُ من الإنسانِ في مراحلِ أعلى وأجلّ، تلك الضيافةُ التي تزهو بالمغفرةِ والرحمة، لا سيما في ليالي القدر حيثُ نزول القرآن الکريم، ونزول الأقدار، واحتفاءُ الملائكةِ بإمامِ الزمان وإجابةُ الدُعاءِ، حيثُ التغذيةِ الروحية.. إذن الارتكازةُ الأولى التي ترتكزُ عليها قواعدُ الارتقاءِ الروحي هي معرفةُ فضلِ وأهميةِ الشهر؛ لأننا بالمعرفةِ سنغتنمُ الشهرَ، أمّا إنْ كُنّا نجهلُه فلنْ نقدرَ على اغتنامِه؛ فالجاهلُ هو أكثرُ الناسِ ضياعًا وفتورًا بالفُرص. ولذا فالكثيرُ –للأسف- يمرُّ عليه شهرُ رمضان كُلَّ عامٍ كما مرَّ مُنذُ خمسين عامًا، شهرُ رمضان بالنسبةِ إليه امتناعٌ عن الطعامِ والشراب فقط، وجاءَ في الأحاديثِ عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن أميرِ المؤمنين (عليه السلام) : "كم من صائمٍ ليس له في صيامهِ إلا الجوع والعطش". ويمرُّ على البعضِ بينَ التذمُّر والكلامِ السلبي، نحو: أنا مُتعبٌ، أرهقني الصيامُ، الصداعُ يقتلُني وغيرها، على حين يُمثِّلُ شهرُ رمضان الصحةَ، فترى الشهرَ قد انتهى دون أنْ ينالَ ذلك الصائمُ من الضيافةِ الإلهيةِ شيئًا.. فلكي تُنيرَ قلبَك وترتقيَ بنفسِك عليك أنْ تعرفَ فضل الشهر الفضيل. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١)تفسير النور للآية (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ …) (٢)و(3)بحار الأنوار، ج ٩٦، ص ٢٥٥. (4)و(5) التوراة، سفر التثنية، الفصل ٩، الرقم ٩. (٦) قاموس الكتاب المقدس، ص ٤٢٨. (٧) إنجيل متی، الإصلاح الرابع، الرقم ١ و ٢.

اخرى
منذ 5 أشهر
287

قطوفٌ رمضانيةٌ الحلقة الثالثة: الارتقاءُ الروحي في شهر رمضان/ ج٣

بقلم: شفاء طارق الشمري ثلاثُ ليالٍ مُهمّةٌ على الإنسانِ أنْ يُحافِظَ على روحانيتِها: أولًا: ليلةُ الجمعةِ الرمضانية: من المعروفِ أنّ لليلةِ الجمعةِ من الخصائصِ والفضلِ الكثير، ودون باقي الليالي فقد مُيّزتْ حيثُ يجتمعُ الناسُ بقلوبٍ مؤمنةٍ وصادقةٍ ويتوجّهون إلى اللهِ (تعالى) بنفحاتِ دُعاءِ كُميل المُتوسِّلةِ والتي تطلبُ من اللهِ (تعالى) الغفرانَ والعفو، لكن ما أروعَ أن يرتقي الإنسانُ بنفسِه بليلةِ جمعةٍ رمضانيةٍ يسمو بها، فبلا شكّ إنَّ الفضلَ يتضاعفُ، وجبالَ الهمومِ والذنوب تزول. ثانيًا: ليلةُ النصفِ الحسنية: تزدهرُ الخيراتُ، وتبتهجُ السماء، بولادةِ سيّدِ الجنان الإمامِ الحسن المجتبى (عليه السلام)، وقد فُضِّلتْ هذه الليلةُ لما لها من الفضلِ عندَ اللهِ (عز وجل) كرامةً للإمامِ الحسنِ (عليه السلام) الذي كانَ يقولُ عنه الرسولُ (صلى الله عليه وآله) وعن الإمامِ الحسين (عليه السلام): (الحسن والحسين ابناي، من أحبَّهما أحبَّني، ومن أحبَّني أحبَّه اللهُ، وَمَن أحبَّه الله أدخله الجنة، ومن أبغضَهُمَا أبغضَني، ومن أبغضَني أبغضَه الله، وَمَن أبغضه الله أدخلَه النَّار عَلى وجَهه). وفي حديثٍ آخر: (اللهم إنّي أُحِبّه فأحِبّه وأحِبّ من يُحبّه) فاقرعوا بابَ كريمِ آلِ البيتِ (عليهم السلام)، وكونوا ضيوفَه ليلةَ النصفِ من رمضان، وتوسّلوا باللهِ بالإمامِ الحسن (عليه السلام). ثالثًا: ليالي القدر العلوية: هذه الليالي التي تفوحُ بالحزنِ على رحيلِ الأمير (عليه السلام)، ولليالي القدرِ عندَ اللهِ (تعالى) من الفضلِ الذي لا يُحصى حتى قالَ اللهُ في كتابِه: (وما أدراك ما ليلة القدر). فالذي يقولُ: أنا مذنبٌ، أو حالي مُتعسرٌ، أقولُ له: في ليلةِ القدرِ تُغفَرُ الذنوبُ وتُرفَعُ صحائفُ الأعمال، وقد جعلَ اللهُ (تعالى) فيها تغييرَ الأقدار والانتقالَ من حالٍ إلى حال.. ليالٍ امتزجتْ بروحانيةِ مجالسِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) فكيف يكونُ هناك مجلسٌ والإنسانُ يدعو والله لا يُجيب إنْ كان في الإجابةِ مصلحةُ العبد؟! يُعطينا أميرُ المؤمنين (عليه السلام) درسًا عباديًا جليلًا حيثُ يقولُ في دعائه: (إلهي قرعتُ باب رحمتِك بيدِ رجائي، وهربتُ إليك لاجئا من فرطِ أهوائي).. فاقرعوا بابَ اللهِ في ليلةِ القدرِ بدموعٍ علويةٍ ترتقي أنفسُكم إلى مراتبَ أعلى وأجل. ربما يقولُ البعضُ: أنا أحضرُ مجالسَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) في ليالي القدر، لكن لا أشعرُ بروحانيةٍ، لا أستطيعُ البكاءَ، أو حتى أستطيع الدعاء؟! أقولُ: إنّ سؤالك يكمنُ جوابُه عندَ أميرِ المؤمنين (عليه السلام) حيثُ يقولُ: (ما جفّتِ الدموع إلا لقسوةِ القلوبِ، وما قستِ القلوبِ إلا لكثرةِ الذنوب)؛ فكثرةُ الذنوبِ تحجبُ القلوبَ عن الروحانيةِ في العبادة. فهنا على الإنسان أنْ لا يبتعدَ عن اللهِ (تعالى) بحُجّةِ أنه لا يشعر بروحانيةٍ بل ليجلس وليستغفر وليُعلِن توبتَه، وليُكثِر من ذكرِ اللهِ (سبحانه) حتى لا يقسوَ قلبُه ويصيرَ كالحجارة، قال (تعالى): (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ). ولتعلموا أنّ النفسَ الإنسانيةَ تميلُ إلى المعاصي عادة؛ لأنّ الشيطانَ يُزيّنُها لها، وهُنا على الإنسانِ أنْ يكبحَ جماحَ النفسِ الأمّارةِ بالسوء ويسعى إلى تهذيبِها وتزكيتِها، قال (تعالى): (قد أفلح من زكّاها وقد خابَ من دسّاها). فتزكيةُ النفسِ من الأمورِ المُهمّةِ جدًا التي على الإنسانِ أنْ يلتفتَ إليها خصوصًا في هذا الشهر الكريم.

اخرى
منذ 5 أشهر
177

قطوفٌ رمضانيةٌ الحلقة الرابعة: الارتقاء الروحي في شهر رمضان الحلقة الرابعة ج٤ (التغيير)

قطوفٌ رمضانيةٌ الحلقة الرابعة: الارتقاء الروحي في شهر رمضان الحلقة الرابعة ج٤ (التغيير) بقلم: شفاء طارق الشمري يقولُ عُلماءُ النفسِ والتنميةِ الذاتيةِ: إنّ ثلاثين يومًا كفيلةٌ بتغييرِ الإنسانِ من حالٍ لآخر، وتجعلُه يتخلّصُ من عادةٍ سيئة، فالشهرُ الكريمُ –وهو ثلاثون يومًا- من المُمكنِ أنْ يُغيّرَ الإنسانَ إذا استثمره خير استثمار، لكنّ المؤلمَ جدًا أنْ يمرَّ الشهرُ دونَ تغييرٍ في حياةِ البعض، فحالهم اليومَ كحالهم في العام الماضي! ولا ينبغي أنْ يفهَمَ الإنسانُ أنَّ الشهر الكريم يُغيّرُه بمجرد الصوم أو بالدعاء فقط، نعم الدعاء مهمٌ لكن ليس كُلُّ شيءٍ؛ فاللهُ (تعالى) يقولُ: (إنّ اللهَ لا يُغيّرُ ما بقومٍ حتى يُغيّروا ما بأنفسِهم). فالتغييرُ ينبعُ من الإنسان نفسِه ومن ذاته، وأما من لا يُبادِرُ للتغييرِ أبدًا فهو مغبونٌ جدًا، وقد وصفهم أميرُ المؤمنين (عليه السلام) في حديثِه حينَ قال: (المغبونُ من تساوى يوماه)، وعليه فالمغبون أيضًا من تساوى شهرا رمضان عنده، فشهر رمضانَ العامِ الماضي يجبُ أنْ يختلفَ عن شهرِ رمضانَ هذا العام. فما أروع أن نُطلقَ شعار: (شهر التغيير) كي نتغيّر، فإنْ كانتْ لدينا عادةٌ سيئةٌ كاستماعِ الغناء أو الغيبةِ وما شابه ذلك، فعلينا أنْ نتخلّصَ منها؛ فهذه العادات -علاوةً على أنّها محرمةٌ- تذلُّ الإنسانَ، إذ ورد في وسائل الشيعة عن الإمامِ العسكري (عليه السلام) أنّه قَالَ: ”مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ“. وما أقبحَ أنْ لا نُغيّرَ من ذواتنا ونبقى سجناء عاداتٍ سيئةٍ، لا سيما إنَّ شهرَ رمضانَ فرصةٌ عظيمةٌ، فحريٌّ بنا أنْ نُغيّرَ من أنفسِنا وأرواحِنا، وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (اغتنموا الفُرَصَ فإنّها تمرُّ مرَّ السحاب). نحن موجودون هذا العام، ولكن لا نضمنُ وجودَنا العامَ القادم؛ لذا فلنعمل ونجتهد ونطوِّر من ذواتنا، فلو قرأنا كُلَّ يومٍ صفحتين من كتابٍ سنجدُ أنّنا قد أنهينا ستين صفحةً مع نهايةِ الشهر، وكذا لو استمعنا إلى محاضرةٍ كُلَّ يومٍ سنجدُ مع نهايةِ الشهرِ أنّنا استمعنا لثلاثين محاضرة، وكذا لو تعلّمنا كُلَّ يومٍ مسألةً فقهيةً سنجد أنّنا قد تعلمنا ثلاثين مسألة.. وهكذا، فالتطوّرُ والتغييرُ يبدأُ بالثقافةِ والاطلاعِ. ولا ننسى التغذيةَ الروحيةَ التي ترتكِزُ على أربعةِ أمورٍ مُهمّةٍ: أولُّها القرآنُ الكريمُ؛ فالروحُ تتطهّرُ به وتتحرّرُ من قيدِ الذنوبِ، روي عن رسولِ الله (صلى الله عليه وآله): "فضلُ القرآنِ على سائرِ الكلامِ كفضلِ اللهِ على خلقِه" وفي حديثٍ آخر له (صلى الله عليه وآله): "لا يُعذِّبُ اللهُ قلبًا وعى القرآن"، وعن أميرِ المؤمنين (عليه السلام): "أفضلُ الذكرِ القرآنُ به تُشرَحُ الصدورُ، وتستنيرُ السرائرُ". وثانيها: الدعاءُ، فما أجملَ أن يستقبل المؤمنُ الليلَ بالدعاءِ؛ إذ يبثُّ الراحةَ والاطمئنانَ في القلوبِ كدُعاءِ الافتتاحِ (اللهم إنّي افتتحُ الثناءَ بحمدِك …) ويتوسّطُ الليلَ دعاءُ أبي حمزة الثمالي أو الجوشن كي يُحلِّقَ الإنسانُ في رحابِ الله (تعالى)، ليختمَ ساعاتِ الليلِ والسحرَ بدعاءِ البهاء، الذي يرسمُ أجملَ تجلّياتِ العبوديةِ لله (سبحانه). ومن المناسبِ أنْ نجعلَ وقتًا من الليلِ لأدعيةِ الإمامِ السجّاد (عليه السلام) التي تُمثِّلُ مدرسةً للارتقاءِ الروحيّ والحُبِّ الإلهي، فلنتغيرْ ولنجعلْ شهرَ رمضانَ هذا العامَ مُختلفًا كي نسمو إلى مراتبَ أعلى.

اخرى
منذ 4 أشهر
203