سماهر الخزرجي

يحسبه الظمآن ماءً

بقلم: سماهر الخزرجي عَرفتهُ شابًا متمردًا لا يحب التقييد، لديه رغبةً في الاستمتاع بجميع ملذات الدنيا، لا يتقيد برأي الشرع ولا العُرف، كل شيء مباح له، تصفيفة شعره، هندامه، ثيابه، كلها تغاير ما يلبسه أقرانه من الشباب (لباس الشهرة) مدعيًا أنها حريته الشخصية! كثيرًا ما يردد على مسامعي: أن الدين يقيد الحريات! أن الدين ضد سعادة الإنسان! وأنه أفيون الشعوب. وإلى غيرها من تلك الكلمات التي كان يتبجح بها بملئ شفتيه... انقطعت أخباره عني لفترة، فرحتُ أسأل عنه وأستقصي أخباره، فعلمت بأنه سافر منذ مدة لإحدى الدول الغربية ليعيش هناك حرية بلا قيود! مضت سنين عجاف على علاقتنا، وما فتأت أفكّر فيما آل إليه مصيره، حينها كنت أتجول بالقرب من ذلك المقهى الذي أعتدنا الجلوس فيه دائمًا، حينما نتجاذب أطراف الحديث، فجأة لمحتُ شاب في ذات المكان، يشبه صاحبي كثيرًا، إلا أن مظهره يوحي بأنه شاب محترم ورزن، دققت فيه النظر وأنا اقترب منه... كان لقاء ذابت فيه أشواق الفراق، اندهشت من أسلوبه وطريقة كلامه المهذب، فهو الآن لا يقدم على عملٍ إذا لم يحرز فيه رضا الشرع! وكلامه يرفقه بحديث قدسي أو آية قرآنية! لقد عاد مصليًا، تاليا للقرآن! كنت أتصور بأنه سيعود أكثر ضلالًا، مدمن مخدرات، شارب للخمرة، بل سيكون داعية للضلال ومن أئمة الكفر، ما الذي الحدث وقلبه رأسًا على عقب؟! كانت عينايّ تفصح عما يدور في خلجات نفسي، راح يقرأها ويسبر غورها. ثم أشار لي بالجلوس معقبًا: لا تستغرب يا صاح، لم أكن أعرف المعنى الحقيقي للحرية ولا للسعادة، كنت أظن إن المرء بإمكانه أن يفعل ما يحلو له... كل شيء! لكنني اكتشفتها غير ذلك تمامًا، بل إن حدودها تنتهي عند بداية حرية الآخرين، أكثر من مرة أوقفوني بسبب قيادتي السيارة وأنا تحت تأثير الكحول، سألتهم: أليست هي حرية؟ إذن ما فرقكم عن المسلمين! قالوا: نعم أنت حر إذا لم تضرّ بالآخرين، وقيادتك للسيارة وأنت تحت تأثير المسكر فيها ضرر على حياة الآخرين. وأما السعادة يا صاح فإنها لا تأتي بجمع الأموال، لأنه كلما ازدادت ثروتي ازددتُ خوفًا وقلقًا عليها من المجهول مع ما كنت أسرقه من أوقات عائلتي في تحصيله... وأما شغفي بالنساء، فقد توصلت لحقيقة وهي: لو تزوجت كل نساء الأرض لطالت رغبتي الزواج من نساء الكواكب الأخرى! وكذلك شغفي بالمناصب لا يتوقف عند مدير أو وزير، بل إنه ربما يمتد للتأله! عندها عرفت أن الأحكام الشرعية ليست قيودًا ولا تَدخّلًا من الشريعة في كل صادرة وواردة في حياتي، بل هي قوانين صاغها الشارع المقدس من أجل سعادة الفرد واستقراره النفسي. يا صاح إنها دستور لحياة سعيدة ومتزنة، وما تلك الحرية الزائفة إلا كسراب بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً.

اخرى
منذ أسبوع
136