ايمان صاحب

لوحة معاق

كان يراقب الأطفال من بعيد؛ وهم يلعبون كرة القدم في الساحة القريبة من منزله؛ ثم حول نظره إلى قدمه المشلولة وكأنه بنظراته يحثها على القيام للعب مع الأطفال، ثم نهض من مكانه محاولاً التقدم نحوهم غير مبالٍ بعدم قدرته على المشي إلا بضع خطوات يكون فيها مستنداً على شيء، إلا إن استعداده الفطري للّعب؛ يرغمه على المشي فخطا خطوات قليلة وعلى شفته ابتسامة بريئة؛ تفصح عن إرادة قوية لا تعرف العجز، وما إن حاول أن يتقدم أكثر فأكثر حتى سقط على الأرض، يئن من جرح أصاب قدمه وسرعان ما تحولت الابتسامة إلى دمعة لاح بريقها في عينيه. لكنه حاول حبسها بين الأجفان كي لا يرى ضعفه أحد ويسمعه كلمات السخرية فمد يده إلى جيبه وأخرج منديلاً كفكف دموعه به قبل أن يمسح قطرات الدم العالقة بيده عند ملامستها للجرح، وهو على هذه الحال لمح أحدهم ينظر إليه فتظاهر بأنه منشغلٌ بالرسم على الأرض. فراح يرسم على الرمل لوحة من الواقع لا خيال، رسم غيوم ومن بينها شمس مشرقة، وأزهاراً على ضفة النهر إلا واحدة بعيدة عن أخواتها هوت إلى الأرض مكسورة الغصن ولما انتهى من الرسم أخذ يحدق بلوحته الرملية وهو يتأملها ويحدّث نفسه: ها قد صنعت شيئاً من لا شيء، سوف أكررها مرة أُخرى: حتى أصبح رساماً وبينما هو غارق في تأملاته وإذا بشيء ضربه من الخلف فالتفت ليراه وإذا بها الكرة أخطأت الهدف لتصيب قدمه، فحملها بيده وحدثها قائلآ: ها قد أتيتي إليّ ولم أصل إليك، وقبل أن يتم حديثه فاجأه صوت الأطفال: ما أجمل هذه اللوحة! سلمتْ يداك سوف نجلب لك أوراقاً والواناً لتعلمنا نرسم لوحة.

اخرى
منذ سنة
415

ذكريات معلم في ذهن الطالب

عندما تنتهي مرحلة من مراحل الدراسة تترك في ذاكرة الطالب أثراً اتجاه المعلم، وبحسب هذا الأثر يحمل الطالب لذلك المعلم مشاعر الحب أو مشاعر الكره، فإن كان الأول اشتاق إلى لقائه، ودعا له بالخير، وإن مات ترحّم عليه عندما يذكره، وإن كان خلاف ذلك ترك بقلب الطالب كراهية وحقدًا لا ينساه أبدًا حتى وإن بلغ ما بلغ من العمر، يبقى بنظره ذلك المعلم القاسي الذي ضربه في يوم من الأيام بشدة أو أهانه أمام زملائه لشيء تافه… هذا إذا لم يكن هو السبب بتركه وحرمانه من التعليم لوجود ما يخل بسلوك في سجل الطالب، كالاعتداء على المعلم، فقد سمعنا ونسمع من أفواه بعض الناس سبب تركهم الدراسة سوء تعامل المدرسة، سواء كان من قبل المدير أو المعلم مما يجعل المشكلة تتفاقم وتصل إلى فصل الطالب من المدرسة، طبعاً بهذا القرار فالخاسر هنا هو الطالب، ولكن المعلم أيضاً يكون قد خسر: أولاً: نظرة التربية الحسنة والقدوة المشرفة التي يحملها الطالب لهذه الشخصية. ثانياً: تأهيل فرد صالح ينفع المجتمع في المستقبل. ثالثاً: سقوطه من أعين الآخرين عندما يُذكر بسوء. كما أن هذا الأسلوب الغليظ والقاسي ينشئ أفرادًا بهذه المواصفات. قد يرى المعلم أن الشدة في مصلحة الطالب لكي يهتم بدراسته، وأن التعامل بلين يجعله يتهاون في ذلك، ولم يلتفت إلى أن الطفل في صف الأول والثاني، وبشعوره الرقيق، فإنه يلتقط كل ما يصدر منه، فإن كان خيرًا تعلق به، وإن كان شرًا نفر منه، وإن واصل دراسته فهو مرغم على تحمّل التعامل السيء وذلك لكي يحقق رغبة الأهل بالنجاح وينتقل إلى مرحلة ليس فيها ذلك المعلم القاسي، وقد لا يقتصر الكره على المعلم، بل يتعدّى إلى المادة بحيث لا يتمنى الطالب أن يدرسها يوماً من الأيام في حال لو أصبح معلمًا مادام في ذهنه ذلك الأثر. إيمان صاحب

اخرى
منذ 8 أشهر
262

لن احتفل بعيد الكريسماس أبداً

كانت مدرسة (مريم) بعيدة جداً والطريق طويلاً، ولكنها أحياناً لا تشعر بالتعب، لكونها تقضي الوقت بالحديث مع صديقاتها، وذات يوم أخذت تسير بجنبها صديقتها (وسن)، فقالت: غداً أذهب مع أهلي إلى السوق لنشتري شجرة الميلاد والحلوى، أما أنّا فسوف أشتري معطفاً أحمراً يشبه معطف باب نويل، لكي نحتفل، فلم يبق إلّا ثلاثة أيام عن عيد الكريسماس، وأنتِ هل تشترين شيئاً للاحتفال؟ أجبتها: لا، لم اشتر ولن احتفل! ردت (وسن) بغرابة: ولماذا؟! العالم كله يحتفل بهذه المناسبة. انزعجت (مريم) من هذا الكلام وراحت تنصح صديقتها بأن لا تشترك بهكذا مناسبات لكونها ترمز إلى عقيدة منحرفة تدعو إلى الضلال. ثم قالت: أتعلمين أن أصل كلمة كريسماس مكونة من مقطعين: الأول: هو المخلص. والثاني: يعني ابن، والمقصود به النبي عيسى (عليه السلام) وهذا ما يعتقد به النصارى بعيسى (عليه السلام) وحاشاه أن يكون كذلك، وهو الذي أخبر عنه القرآن بأنه عبد من عبادنا، وأن الله تعالى لم يلد ولم يولد... هذا بالنسبة لكلمة كريسماس. وأما شجرة عيد الميلاد بلونها الأخضر فإنها ترمز إلى الحياة الأبدية، أما ثمارها الحمراء باعتقادهم فتعني دم المسيح المصلوب، وهذا غير صحيح لأن النبي عيسى (عليه السلام) لم يُصلب بل شُبّه لهم، لأن الله رفعه... قاطعتها (وسن) قائلةً: ما هذا الكلام أوه (مريم) كم أنتِ متخلّفة ولا تعلمين شيئاً عن الناس المثقفين؟! ردت عليها (مريم) بكل هدوء: أرجوا أن تنتبهي إلى كلامك، ولا تتكلمي بهذه الطريقة، أتعلمين من هو المثقف؟ المثقف هو الذي عرفته معاجم اللغة بِعدّة معان منها (الحذق، وسرعة التعلم) ولذا يطلق على الشخص المتعلم: مثقف. وليس هو من يقلد الغير بلبس معطف أحمر يشبه معطف دمية، كانت قبل باسم القديس نيكولاس، أو يحتفل بعد منتصف الليل إلى الصباح وسط أنغام الموسيقى المحرمة وهل تسمى هذه ثقافة؟! اختلاط الرجال بالنساء في الشوارع أمام أضواء عُلقت على شجرة كبيرة، تسمى تحضّراً؟! إذا كان الالتزام بتقاليد الدين والتمسك بنهج الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من باب شيعتنا: (يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا) يجعل مني متخلفة، نعم أفتخر بذلك على أن أقلّد الغير تقليداً أعمى يدعو إلى الكفر والضلال... لماذا لا نهتم بأعيادنا كاهتمامنا الآن بهذا العيد؟! لدينا أعياد ومناسبات مفرحة أكثر منهم، ولكن لم نر أحداً من العالم احتفل معنا وقلّدنا بشيء... وبعد هذه الكلمات راحت (مريم) تسرع بخطواتها لكي تبتعد عن (وسن) إلى أن وصلت إلى البيت. وفي صباح اليوم التالي وصلت رسالة إلى (مريم) تقول: عزيزتي الغالية أرجو أن تسامحيني، اعتذر عن كل كلمة سيئة صدرت مني، لقد فكرت بكلامك واقتنعت به، ولذلك لم أذهب إلى السوق لشراء المعطف الأحمر، لأنني لن احتفل بعيد الكريسماس أبداً... صديقتك (وسن) إيمان صاحب

اخرى
منذ 8 أشهر
274

ذكرى سجين…

بقلم: إيمان صاحب كلما مرّت ذكراك بخاطري لم أستطع كظم غيضي كما كظمت، فأنّا بلحظات ذكرِ ما جرى عليك بركان انتقام، وأنت بسجون الطواغيت امضيت أيامًا وأعوامًا. تُهيجّ لوعتي ساقك المرضوض بثقل الحديد، ويذرف دمعي احتجازك وسط ظلام شديد، حينما أتمثّل سجدتك الطويلة رغم جراح القيود، وقيامك في قعر السجون على هيأة الراكع لأجل السجود، ما كان ذاك عن اخلالك بالقيام، بل هو شأن الطامورة أن تحني ظهر الإمام، وأن تضيّق على أنفاسه العطرات، بكل ما بها من قوة لكي يترك ذكر الله بالتسبيح والصلوات، ولكن أنّى لها هذا؟ وهو الذي سأل الله تعالى بلسان خاشع أن يفرغه لعبادته وقد فعل، حتى عُدّ راهب بني هاشم... وأي راهب هذا الذي يتنقل من سجن إلى سجن، وفي مقلته يجري الأسى مجرى الدمع من بين أهداب الجفن، إنه الحنين إلى الأحبة، في أيام عصفت بها رياح الغربة، يلتف حولك الظلام بسكونه المخيف ليمنح صرير السلاسل عنفوانها، وليسدل الليل ستاره الحالك على ثيابك الممزقات بأنياب القيود وأظفارها... سيدي يا موسى بن جعفر، أي المعاناة أقف عندها وأيها أذكر، فكلها تحزُّ بالنفس وتريق الدموع، ولكن أشدها احتضارك بالسم وحدك بين جدران وظلام، وقد أدمى المعصم قيدك، وما زلت على تلك الحال يغشى عليك وتفيق بعد حين، حتى وفيت بوعدك لابن سويد وتمّ الفرج لروحك المعذبة حيث استقرت هناك بجنان الآخرة، أما الجسد، فقد تحرر من سجون الدنيا ولكنه لم يتحرر من آثارها.

اخرى
منذ 5 أشهر
321

الملاك المحجب

بقلم: إيمان صاحب لما توسدت جراحه كثيب الرمال، وحجب نورَه سيلُ الدماء، خرجت أخته من الخباء تشق الصفوف بخطاها، وقبل هذا اليوم ما كان أحد يراها، كسفت الشمس لكي لا يلمح خيال زينب (عليها السلام) وتوقف النسيم عن مروره خشية أن يلامس أطراف الحجاب المرتب. مشت نحو الذبيح وخلف صبرها قلبٌ جريح، تحبس الدموع في مقلتيها كي تريقها حين تنام العيون، وحتى لا يرى أيتامها دموع الفقد والفراق، ولدمعها دموعهم تراق، خطوات قسمت الجيش إلى نصفين لهيبة الخيال القادم... طأطأ إلى الأرض وكأن السيف على رأسه قائم، ثم تنحى جانبًا مذهولًا بصلابتها وهي تخرج إلى اجساد أحبتها، وبين الشاك بأنها هي زينب أم غيرها، وبين هذا وذاك، لاحقتها عيون الأعداء تترقب ماذا تفعل لو وصلت إلى الجسد المسلوب؟ هل تشق جيبها؟ أم تلطم خدها؟ ولكن الحوراء قطعت أفكارهم وأخذت بأنظارهم لما دنت من جسد أخيها انحنت عليه... حملته نحو السماء ويداها مخضبتان بالدماء ورفعت رأسها إلى الأعلى وهي تقول: "اللهم تقبل منا هذا القربان"! ثم خاطبت خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله) "جداه هذا حسينك بالعراء مسلوب العمامة والرداء" وكأنها تخبر الرسول (صلى الله عليه وآله) بما جرى لكي يقيم على سبطه العزاء وتبث إليه الشكوى... ثم وضعته حيث كان... وبعد نظرة الوداع رجعت مسرعة إلى الخيام، عملًا بوصية أخيها، فبعدما كانت مكفولة أصبحت كافلة الأيتام، أتى بها الصبر على جناحيه وهو يهمس في أذنيها، حديث ليلة العاشر "أُخية لا تشمتي الأعداء بي ولا يذهب بحلمك الشيطان" فحفظ العيال يحتم عليها ترك كل شيء، حتى وإن كان جسد أخيها العريان من دون أن تمسح التراب والدم عن جراحه النازفة. ولم تجلس عنده طويلًا لكي تذرف دموع العاطفة؛ لأن الخدر الهاشمي يحتّم عليها دخول المخيم ولا جدوى من البقاء فهو عند الغيور أعظم من مصرع الأكبر... وإن هوى خدرها بعده ولكنه لم ينحر... هوى لمّا سُلب قرطا رقية، وهوى مرة أخرى لسياط آل أمية حينما رمت سكينة بنفسها على جسد أبيها، ولا أحد يحميها من الضرب سوى عباءة العقيلة التي تضم بين حناياها قلبًا جريحًا وجفنًا من البكاء لم يسترح، يكفكف دمع الصغار وفي مقلته الدمع انهار، يريقه في سواد الليل أمام ذلك الرمح الطويل، حيث الشيب يقطر دماءً، والعين تمطر بالبكاء، ملامح متعبة بنظراتها نادبة حسين... يا حسين... ليت يديَّ تمتدان لتمسح التراب عنك، ليتها تستطيع أن تقترب منك، لكي اضمك إلى صدري... أخي هل تدري... الليل بسواده يخيم على أشجاني، فلم أهجع، وبالنهار تراني جبل صبر لم يصدع، أنّا يا أبا عبدالله من لم تجزع، فبعين الله كان قطع نحرك وسِبانا، ما رأينا إلّا جميلًا، أنّا وابنك العليل في قصر الإمارة تلاحقنا الأنظار من كل جانب... إنهم أسارى... ولكن من تكون هذه التي وبخت يزيد؟! سؤال قدح بالأذهان وانشغل به الحضور، أنها نطقت بالذات الإلهية... فهي ليست بخارجية، وبنظرة من الرأس القطيع نحو الملاك... المحجب، عرفوا حينها أنها الحوراء زينب (عليها السلام).

اخرى
منذ 6 أيام
83