Profile Image

نرجسة الزمان الموسوي

التنمُّرُ المدرسيّ.. إلى متى؟

بقلم: نرجس مرتضى الموسوي الإسلامُ دينُ الرحمة، وقد حثّنا على التعامُلِ بإنسانيةٍ حتى مع الحيوان، فكيفَ بحقِّ الإنسانِ على الإنسان؟! في موضوعِ التنمُّرِ نتطرّقُ لبعضِ الشواهدِ والحالاتِ الملموسة في الواقع: *بينما كانتْ إحدى الأُمّهاتِ تنتظرُ ابنتَها في الصفِّ الأولِ الابتدائي تخرجُ من المدرسةِ؛ لتصحبَها إلى البيت، سمعتْ طفلةً تقولُ لوالدِها وهي تُشيرُ إلى ابنتِها حين كانتْ تخرجُ من البابِ الداخلي للمدرسة: - أبي، انظُرْ إلى تلك الطفلةِ - ماذا بها؟ - اليومَ كان هناك مجموعةٌ من الطالباتِ يركضنَ وراءَها وهي تهربُ منهنَّ وتبكي، وهنَّ يضحكنَ منها، ويتعالى صوتهن قائلاتٍ: إنّها بدينةٌ مثلُ الدبّ. استغربتِ الأُمُّ وحاولتْ أنْ تسألَ ابنتَها لعلّها تُبادرُ بالحديث: - ابنتي، هل حدثَ لك شيءٌ غريبٌ اليومَ؟ هل آذاكِ أحدٌ؟ - لا.. - ولكنّي سمعتُ.... وأخبرتها بكُلِّ ما سمعت.. - نعم، فعلوا هكذا ... - سأذهبُ غدًا إلى المديرة، وأبلغها بالأمر.. - انسي الموضوعَ (أجابتِ الطفلةُ بثقة)... لم تمتثلِ الأُمُّ لطلبِ طفلتها، وسارعتْ وتحدّثتْ مع إدارةِ المدرسة، وبعد تحرّي الإدارة عن الأمر علموا بأنّها لم تكن تتعرّضُ إلى التنمُّر اللفظي فقط بل الأذى الجسدي أيضًا بالضربِ من قبلِ ثلاثِ طالباتٍ، اثنتينِ في الصفِّ السادس الابتدائي وواحدةٍ معها في نفسِ الصف! وأُنقِذتْ هذه الطفلةُ في الوقتِ المناسب؛ وذلك وفقًا للإجراءاتِ التي اتخذتها المدرسةُ مشكورةً. توجّهنا أولًا بطرح السؤال على الكاتبةِ والمعلمةِ السيّدة (فرح تركي): - ما رأيُّكِ بظاهرةِ التنمُّرِ المدرسي؟ وكيف تعاملتِ مع ضحايا المتنمِّرين والمتنمِّرين أنفسهم، خصوصًا وقد مضى على مُمارستِكم العمليةِ لمهنةِ التعليم واحدٌ وعشرونَ عامًا؟ فأجابت: - التنمُّرُ ظاهرةٌ سلبيةٌ، القصدُ منها هو التقليلُ من الشخصِ المُقابلِ وتجريحِه والانتقاصِ منه، وذلك بالإساءةِ اللفظية، وقد يكونُ التجريحُ بسببِ شكلِه أو ملابسه أو مستواه... أو حتى تصرفاته أو طريقةِ لفظه للأحرف أو طريقةِ الكلام. ثم تابعت: ومن خلالِ مسيرتي التربويةِ كانَ لي نهجٌ معينٌ في مُحاولةِ توجيهِ المُتنمِّرين بأنّ تصرفَهم هذا خطأٌ كبيرٌ من ناحيةِ الأدبِ والأخلاقِ والدين، فدومًا ما أُكرِّرُ لهم قولَه (تعالى): "وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ"، وأشرحُ لهم الآية الكريمة رغمَ كوني مُتخصِّصةً باللغةِ الانكليزية، لكن من واجبِ المُربّي أنْ يتحسَّسَ الخطأَ ويُشخِّصَه ويُعالجَه، وأنْ يتركَ قول: هذا ليس واجبي. وأضافتِ السيّدةُ فرح: وقد وجدتُ تجاوبًا ملموسًا بنسبةٍ كبيرةٍ، وكُلّما كانَ رصدُ الحالةِ مبكرًا كانَ العلاجُ أسهلَ وأسرعَ؛ لأنّ الطفولةَ غرسٌ غضٌّ يحتاجُ الاعتناءَ، وإني أجد أنّ من واجبي دعمَ الضحيةِ التي وقعتْ تحتَ التنمُّرِ بالتشجيعِ وتقويةِ الثقةِ بكُلِّ مزاياها؛ لأنّ الأطفالَ بذرةٌ أساسيةٌ، وأيُّ كسرٍ قد يؤثِّرُ في نفسياتِهم في المستقبل. ثم توجّهنا للمُدرّبِ المُعتمد في التنمية البشريةِ الأستاذ علي غسّان المسعودي بالسؤالِ عن وجهةِ نظرِه في ظاهرةِ التنمُّرِ، وفي أسبابِها وسُبُلِ علاجها، فأجاب: -إذا أردتَ أنْ تبنيَ مجتمعًا صالحًا فعليك أنْ تبنيَ أُسرةً صالحةً؛ لأنها أساسه.. وسنناقشُ موضوعَ التنمُّرِ من ثلاثةِ محاور: المحور الأول: ما التنمُّر؟ التنمُّرُ صفةٌ سلبيةٌ تكادُ أنْ تكونَ مُستحدثةً، حيثُ لم تكنْ دارجةً بشكلٍ واضحٍ في الماضي. وهذا يجرُّنا إلى... المحور الثاني: أسباب التنمر: حيثُ الجانب المُظلم من التطوّرِ الكبيرِ والتكنلوجيا والانفتاح، وإذا أردنا أنْ نأخذَ مثالًا جليًا نتكئُ عليه فمن المُمكنِ أنْ نتطرّقَ إلى السوشيال ميديا التي جعلتْ من الشخصِ يُعبِّرُ عن الطاقةِ السلبيةِ مثل الانتقاصِ من الشخص المقابل والتجريح به والتقليلِ من قيمةِ أفعاله والسخريةِ على بعض ألفاظه، وبصورةٍ سهلةٍ ومن دونِ الحاجةِ إلى مقدماتٍ، وهذا الأمرُ انعكسَ على الحياةِ الواقعيةِ حيثُ أصبحَ الموضوعُ مُتداولًا بكثرة.. ولا شكّ بأنّ هنالك المزيدَ من الأسبابِ الأُخرى التي أدّت إلى انتشارِ هذه الظاهرة، ولكنّها مُنذُ القِدمِ -على عكسِ السببِ الذي ذُكِرَ هنا- مثل قِلةِ الوعي والثقافةِ والجهلِ بخطورةِ الموضوعِ على الشخصِ المُتنمَّرِ عليه، وأسبابٌ اجتماعيةٌ أخرى.. ومن السهولةِ أنْ نقولَ: إنّ إيجادَ الحلولِ ليستْ بالمُشكلةِ المُستعصيةِ، وهذا هو.. المحور الثالث: تسليطُ الضوء على مواقعِ التواصُلِ الاجتماعي من قبل الدولةِ ومُراقبتُها بطريقةٍ مرنةٍ، وكذلك توجيه الرأي العام إلى أهميةِ نشرِ الوعي والبحوثِ بخصوصِ هذا الموضوع. وشدَّدَ المسعودي، في كلامه على أنَّ الأُسرةَ هي جزءٌ أساسيٌ في اللعبةِ؛ لأنّها الأساس، ثم المدرسة؛ فالطبقةُ التعليميةُ لها دورٌ تربويٌ كبيرٌ في مُعالجةِ هذا الموضوعِ، ثم المجتمع. وأخيرًا تحدّثنا إلى الطالبة (ز،ع)، وهي خريجةُ جامعةِ الآدابِ/ قسم اللغة الإنكليزية، وقد تعرّضت للتنمُّرِ في صغرها، فقالت: طوالَ فترةِ دراستي الابتدائيةِ تنمّرتْ عليّ طالبةٌ، وعندما وصلتُ إلى الصفِّ السادس الابتدائي رفعتْ يدَها وأرادت ضربي فنظرتُ في عينيها وصببتُ جامَ غضبي عليها، إذ أمسكتُ يدَها بقوّةٍ وقلتُ: - إذا ضربتني مرّةً أخرى سوف أكسرُ رأسَك (طبعًا كانَ مُجرّدَ تهديدٍ خطرَ في ذهني، ولم أكن أُفكر في ضربِها حقًّا) تقولُ الطالبةُ: الذي حدثَ أنّها خافتْ وتركتني بسلام.. فالتنمُّرُ ظاهرةٌ خطيرةٌ ولا بُدّ من تكاتفِ جميعِ الجهاتِ التربويةِ من الأهل والمعلمين والجهات المسؤولة والمؤسسات المجتمعية على التعاملِ معها بجدّيةٍ لا سيما إنَّ آثارها وخيمةٌ، تبدأ من ترك المدرسة؛ إذ إنَّ واحدًا من عشرة يتركون المدرسةَ بسبب التنمُّرِ، وصولًا إلى الانتحار، على أنه قد أثبتتِ الدراساتُ أنّ ٥٧% من حالات التنمر توقّفت عند تدخل الآخرين.

اخرى
منذ 4 أشهر
224

سوفَ أُعاوِدُ الاتصال

بقلم: نرجسة الزمان الموسوي مع زقزقةِ العصافيرِ وتغاريدِ البلابلِ وتراقُصِ فراشاتِ الأمل أمامَ ناظري، أمسكتُ يدَ ابنتي بقوّةٍ، حينَها شعرتْ بتوتر؛ لأنّها ستُفارِقُني للمرّةِ الأولى، فهي في ربيعِها السادس، واليوم هو يومُها الأولُ الذي ستذهبُ فيه إلى المدرسة.. في الطريقِ نظرتُ إليها وقد امتلكتْ جمالًا ساحرًا؛ نظرتُ إلى وجهِها المُستديرِ الذي يشعُّ بالبراءةِ والحيويةِ وعينيها اللوزيتين وشعرِها الأسود كسوادِ الليلِ الداجي، تتخلّلُه تعرُّجاتٍ صغيرةٍ مُنسدلٍ على كتفيها، ملابسِ المدرسةِ وحقيبتِها الورديةِ وقد رُسِمتْ عليها صورةُ الشخصيةِ الكارتونيةِ (ماشا) التي أصرّتْ على شرائها فلبّيتُ رغبتَها بكُلِّ حب. دخلنا المدرسةَ وأوصلتُها إلى الصفِّ الأول، كانتْ تنظرُ بحيرةٍ، والدموعُ قد تلألأتْ في عينيها وكانتْ على وشكِ الهطول، وكأنّها ترجوني بالبقاء، حاولتُ ارتشافَ خوفِها، طمأنتُها ووعدتُها أنّي سوفَ أعودُ وأصحبُها إلى البيتِ بعدَ انتهاء الدوام، عانقتني بشِدّةٍ، وطبعتُ قبلةً دافئةً على وجنتها الممتلئة وردًا، حرّكتْ يدَها الصغيرةَ لتودِّعني. وفي طريقِ العودةِ إلى منزلي عدتُ بذكرياتي إلى ذلك اليومِ الذي ذهبتُ فيه إلى المدرسة، حين أركبني والدي على دراجتِه الهوائية، كُنتُ أشعرُ بأنّي أطيرُ وشعري الحريري يلهو مع الريح يحجبُ عينيّ عن النظر فأُغلِقْهما وأنا أُقهقهُ وأرتمي في أحضانِ السعادة.. لكن عندما وصلتُ إلى بابِ المدرسةِ شعرتُ برهبةٍ وأنا أقفُ أمامَ بابِ الدخول؛ تسمّرتُ... نظرتُ إلى والدي كُنتُ أُريدُه أنْ يدخلَ معي، نظرَ إليّ قائلًا: ادخُلي، سيرنُّ الجرس. سحبتني الذكرياتُ إلى كُلِّ معلمةٍ أحببتُها، وكُلِّ معلمةٍ أو طفلٍ أو طفلةٍ تنمّروا عليّ، وبأدقِّ التفاصيلِ، حتى المكان الذي كُنتُ ألعبُ فيه مع صديقاتِ الطفولة... عودتي إلى الماضي الذي نفضَ التُرابَ عن ذكرياتي الهاجعة، جعلني أتفكّرُ في ذلك اليومِ الذي سوفَ أخرجُ فيه من سجنِ الدُنيا، حين أنظرُ إلى أهلي وأقاربي نظرةَ اللاعودة، وهم يوارونني تحتَ الثرى، وروحي المُنهكةُ تحومُ حولهم وتُنادي ولا أحدَ يُصغي لها، ثم يرحلون بعيدًا، فأبقى وحيدةً في حُفرتي أنظرُ يمينًا وشمالًا لا أحدَ يؤنِسُ وحدتي، وأعمالي تُعرضُ عليّ كشريطٍ سينمائي من المهدِ إلى اللحد، ترتعشُ فرائصي من الهَلَعِ؛ فكُلُّ ما زرعتُه من صالحٍ وطالحٍ سألقى جزائي عليه، تتعالى صرخاتي: ... ربِّ ارجعون لعلّي أعملُ صالحًا.... القشعريرةُ سرتْ في بدني، شعرتُ برغبةٍ عارمةٍ بالبُكاء، حوقلتُ، وقلتُ: أُفوِّضُ أمري إلى الله؛ إنّ اللهَ بصيرٌ بالعباد، اللهم أختمْ عواقبَ أمورِنا خيرًا، اللهمّ لا تُخرِجْنا من الدُنيا حتى ترضى عنا. وقلت في نفسي: ما دُمتُ على قيدِ الحياة، سوف أعاودُ الاتصالَ وأسعى إلى ما يُرضي الله (تعالى).

اخرى
منذ 3 أشهر
201