صفية الجيزاني

حجاب الغفلة

بقلم: صفية الجيزاني يبدأ الإنسان حياته كصفحة بيضاء خالية من كل شائبة، حيث خلقه الله تعالى على فطرته السليمة، فأما أن يحافظ على هذه الفطرة فتبقى سليمة نقية كما خلقها الله تعالى أو يبدأ بالابتعاد والانحراف عن هذه الفطرة فتصبح ملوثة تغطيها الشوائب، ومن أسباب الانحراف عن الفطرة السليمة وعن جادة الطريق هو انشداد الإنسان إلى عالم المادة، وبذلك يحجب الإنسان بحجب ظلمانية وتزداد هذه الحجب كلما زاد انشداده إلى الدنيا وعالم المادة ويحدث هذا بسبب غفلته عن الهدف الذي خلق من أجله. إذن، هذه الحجب وهذه الأستار هي حجب الغفلة، وللغفلة أنواع أو لِنقل حالات بتعبير أصح. فقد يكون حجاب الغفلة رقيقًا، وهذه هي حالة المؤمن إذا وعظته فيتعظ وإذا ذكرته فيتذكر، وهي كحالة النائم الذي إذا أيقظته ينتبه من نومه. وما دام قلب الإنسان سليمًا وعقله واعيًا، فإنه يتعظ من كل شيء حوله، يقول الإمام الكاظم (عليه السلام): (ما من شيء تراه عينيك إلّا وفيه موعظة ) " (١). أو قد تكون كالذي فقد حواسه وهي أشد من الحالة الأولى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) الأعراف (آية 179). يحكى أن هارون العباسي قد زخرف مجالسه وبالغ في تزيينها ووضع طعامًا كثيرًا، ثم أرسل إلى أبي العتاهية، فأتاه، فقال له صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فقال له: عش ما بدا لك سالمًا في ظل شاهقة القصور يسعى اليك بما اشتهيت لدى الرواح وفي البكور فإذا النفوس تقعقعت في ضيق حشرجة الصدور فهناك تعلم موقنا ماكنت إلا في غرور فبكى هارون، فقال الفضل بن يحيى لأبي العتاهية: بعث اليك الخليفة لتسره فأحزنته؟ فقال هارون: دعه، فأنه رآنا في غفلة وعمىً، فكره أن يزيدنا. أما الحالة الثالثة فصاحبها تمامًا كالميت ومثل هؤلاء لا تنفع معهم أي موعظة أو تذكرة لأنهم (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) النحل (آية 21). يقول جورج قرداج في كتابه الإمام علي (عليه السلام) يصل الإنسان الى حالة يقتل ولي الله في بيت الله قربة الى الله! عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا) (٢)، فنرى الإنسان يعمل ويتحدث ويأكل و...، إلّا أنه في نوم وهو نوم الغفلة... الغفلة عن الهدف من وجوده في هذه الحياة، والغفلة عما ينتظره بعد الموت (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)) سورة ق. لقد كنت لاهيًا ومنهمكًا في مشاغل الدنيا من متعة ولهو وصراعات فضرب عليك حجاب من الغفلة والقساوة ولم تكن مستعدًا لمثل هذا اليوم. أما أمير المؤمنين (عليه السلام) فيقول: (لو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا) "(٣). لأنه (عليه السلام) لم يكن غافلًا بل كانت الحقائق حاضرة عنده. وبذكر الله تعالى والتوجه اليه ممكن أن تتبدل هذه الحجب الظلمانية الى حجب نورانية فتكشف الحقائق والمعارف للإنسان فيصبح بصيرًا ويهتدي إلى الطريق القويم الذي رسمه الله تعالى إليه وبذلك يعود الى فطرته السليمة التي خلقه الله تعالى عليها. اللهم اجعلنا من الذاكرين ولا تجعلنا من الغافلين _____________________ 1- ميزان الحكمة 2- المحجة البيضاء24/7 3- مناقب آل ابي طالب 317/1

اخرى
منذ سنة
2759

آهات قربة السقاء

بقلم: صفية الجيزاني في تلك الرمضاء الحارقة والفيافي الموحشة والمفاوز المقفرة... لا تسمع غير صليل السيوف وصهيل الخيول... صيحات تعلو إلى أعنان السماء.. العطش.. العطش.. أطفال ونساء نشفت دموعها وجفت شفاهها.. يا إلهي ماذا أفعل؟ وجوفي خاوٍ ليس فيه قطرة ماء، كي يرتوي مني هؤلاء الأمراء، نعم إنهم حجج رب السماء.. آهٍ. آهٍ... إنه السقاء.. جاء تلبية للنداء.. نعم، إنه يتجه نحوي يا لفرحتي، سيحملني بكفيه الشريفتين، ويأخذني معه حيث الفرات، ويأتي لهؤلاء الأطفال بماء الحياة... علت الأصوات.. عماه.. عماه.. لقد أعيانا العطش، عندما سمع العباس (عليه السلام) صرخة العيال وضجة الاطفال .. حملني معدن الوفاء متجهًا إلى أخيه سيد الأمراء وهو يقول: أخي هل من رخصة؟ قد ضاق صدري وسئمت الحياة.. فأذن له أن يقصد المشرعة، فركب فرسه الأصيل وأنا على عاتقه أميل، انطلق يسبق الريح الهفيف ونسيجي يلامس كتفه الشريف، تعلوني نشوة الافتخار وحبالي تعانق جسد المغوار.. اتجه نحو الجيوش المرابطة حول الشرائع فأخذوا يمانعونه عن الماء فلم يزل يقارعهم وهو يتلو الأراجيز: أقاتل القوم بقلب مهتد *** اذب عن سبط النبي أحمد اني انا العباس ذو التودد *** نجل علي المرتضى المؤيد حمل الاسد الضرغام على القوم اللئام، وكشفهم عن المشرعة.. أخذني بين كفيه يقربني شيئاً فشيئاً إلى ماء الفرات، شعرت بالارتياح بعد امتلائي بماء القراح.. حيث سيحملني بطل الإباء والولاء كي يسقي بي عطاشى كربلاء.. مد يد العطاء، يغترف قليلًا من الماء ليطفئ بها نار الظماء، إلّا أن نفسه الأبية امتنعت من الارتواء: والله لا ذقت وسيدي الحسين عطشان! فرمى الماء من كفيه والعطش يفري فؤاده، يستعد لمعمعة الاجل، حملني ليأخذني إلى الخيام، صعد على المشرعة، أخذته النبال من كل مكان.. أمسك بي بقوة.. ضمني إلى صدره.. لابد من الوصول الى آل الرسول وأبناء البتول.. نادى فحل الفحول.. أحسست بنبضات قلبه وهي تقول: أخي يا حسين، أنا قادم ومعي الماء.. سكينة.. أنا قادم لأروي عطشك يا روح عمك.. ازدادت النبال والضربات على أسد الفلوات.. آهٍ يا سيدي، دعني أحمي ظهرك وصدرك من تلك السهام لنصل معًا الى الخيام ونسقي خير الانام.. لكن هؤلاء الملاعين حاولوا بكل الطرق منعَه من الوصول.. فحمل عليه ذلك اللعين، فضربه على يمينه، فقطعها.. وا ويلاه.. فأخذ السيف بشماله وهو يمسك بي بكل قوته وأنشأ يقول : والله إن قطعتمُ يميني *** إني احامي ابدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين *** نجل النبي الطاهر الامين حمل على القوم الظُلّام فقتل منهم رجالًا كثيرًا. وأنا ما زلت على ظهره.. أحمل ماء المعرفة.. لكن ذاك اللعين عمر بن سعد لمحني من بعيد فعلم أني غاية العميد.. فقال: ويلكم ارشقوا القربة بالنبل، فو الله إنْ شرب الحسين الماء أفناكم عن آخركم.. فحملوا على أبي الفضل حملة نكراء.. وبعد جهاد وعناء، ضربوه على شماله فقطعوها هي الاخرى.. فأنكبّ معدن الفداء على السيف بأسنانه وحمل على القوم اللئام وهو يقول : يا نفس لا تخشي من الكفار *** وأبشري برحمة الجبار قد قطعوا ببغيهم يساري *** فأصلهم يا رب حر النار وفي تلك الاثناء وبعد رحلتي مع معدن التضحية والفداء تبددت آمالي فوقعت صريعة بعد إن ضُربت بسهام الغدر، أريق ما في داخلي من ماء فاختلط مع تلك الدماء الظماء.. آه يا سيدي بقطع كفيك قد قطعت كفي الحسين (عليه السلام)، بقتلك كسروا ظهره... وآخاه.. وا عباساه.. وا مهجة قلباه..

اخرى
منذ سنة
1130

عالمية القضية المهدوية

بقلم: صفية الجيزاني إنّ عدداً من الكُتّاب غير المسلمين والمسلمين غير الشيعة وجماعة من الباحثين عندما يمرون بقضية الإمام المهدي (عليه السلام) يقولون: إنّ هذه القضية مصدرها اجتماعي، فإنّ بعض الشعوب عاشت حالات من الفقر والعوز والظلم والطغيان، ولم تتمكن أن تُعبّر عن إرادتها بشيء غير أنها تتصور بأنّ هناك منقذاً ومخلصاً سوف يظهر ويعيد لها حريتها وكرامتها، فنشأت عندهم فكرة الإمام المهدي. إنّ قضية المهدي الموعود هي عقيدة إلهية متجذرة في الشرائع السماوية بدليل أنّ المسيحية واليهودية عندهم مهدي موعود.. حيث آمن أبناء الديانة المسيحية بظهور المخلّص والمنقذ الذي يعمل على اجتثاث جذور الظلم ويحقق دولة الإنسان التي يسودها الأمن والأمان. ورد في انجيل لوقا ((وسيقول لكم بعضهم ها هو هنا، فلا تذهبوا وتتبعوهم، فكما أنّ الذي يلمع تحت السماء من احدى الجهات يضن في جهة اخرى فهكذا يكون ابن الإنسان يوم يعود ولكن لابد اولا من ان يعاني الآما ،وان يرفضه هذا الجيل وكما حدث في زمن نوح هكذا سوف يحدث في زمان ابن الانسان)) (١). فالإنسان الذي تحدث عنه المسيح (عليه السلام) هو النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وهو الإنسان الكامل الذي وصفة القرآن (وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ) ق4. و(ابن الإنسان) هو ابن النبي (صَلَّى الله عليه وآله) وهو المهدي (عليه السلام).. وهناك العديد من الاشارات الواردة أيضًا في كتاب التوراة (كما في سفر اشعياء وكما جاء في المزمور 72 من مزامير نبي الله داوود (عليه السلام)). حول المهدي الموعود، حيث نجد أنها تنسجم تمامًا مع احاديث وروايات أهل البيت (عليهم السلام) التي بشرت بظهور الإمام الموعود. ورد في البحار عن تفسير علي بن ابراهيم: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر قال: "الكتب كلها ذكر" إنّ الأرض يرثها عبادي الصالحون، قال: القائم (عليه السلام) واصحابه). وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله: (ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. قال (عليه السلام): هم آل محمد يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل اعدائهم) (٢). إذاً: إنّ فكرة وجود الإمام الموعود مصدرها ليس اجتماعياً أو سياسياً أو لطائفة معينة، بل هي قضية عالمية مصدرها الكتب السماوية التي انزلها الله تعالى على انبيائه ورسله كما أنّ مصدرها إسلامي أصيل أخذناه من القرآن والسنة النبوية، وهذه الأحاديث والروايات غير مقتصرة على الشيعة فقط وإنما جميع كتب العامة يروونها بالنص وهناك من يرويها بالمعنى لا بالنص، من قبيل: روي احمد بن حنبل في مسنده عن زر بن حبيش عن عبد الله قال: قال رسول الله (صَلَّى الله عليه وآله): لا تنقضي الأيام ولا يذهب الدهر حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي اسمه يواطئ اسمي) (٣). وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صَلَّى الله عليه وآله): (لا تذهب الدنيا ولا تنقضي حتى يملك رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) (٤). وغيرها الكثير من الأحاديث المتواترة التي تحدثت عن قضية المهدي المنتظر الذي بظهوره يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا. والمكذب لهذه الأحاديث يكون مُكذبًا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا ينطق عن الهوى وهو الصادق الأمين. ____________________________ ١-انجيل لوقا ١٧ ٢-اثبات الهداية ١٠:٧ ٣-مسند احمد بن حنبل ٣٧٦-٣٧٧ ٤-سنن الترمذي ٣رقم الحديث ٢٣٣١

اخرى
منذ 6 أشهر
333

ألمُ الاشتياق

بقلم: صفية الجيزاني كاشتياق الزرع للمطر.. واشتياق الطير للشجر.. واشتياق الفراشات للنور.. اشتقتُ إليك .. بحثتُ عنك فوجدتُك بين أجفان مُقلتيَّ.. في سويداءِ قلبي.. بين طيّاتِ روحي.. في أعماقِ أنفاسي.. يا مظهرَ الحياة وسرَّها.. يا شمسَ الحقيقةِ .. يا سيّدَ الكون .. فلولا أنتَ ما أكون.. دُلَّني عليك بجذبةٍ أحسُّ بها بقربِك مني وتطمئنُ روحي بأُنسِ لقائك .. فأنت غايةُ مُرادي وأملي في زمن الطوفان .. وخلو الأمان .. ظمئٌ أنا وأنت ماءُ حياتي، فاسقني من فيض جودك علَّني أروي عطش روحي، وأنثرُ لآلئَ حُبِّك لمُريديك وأدُلّهم على نورك القدسي .. فلا كمالَ إلا بك، يا شمسي التي حجبتُها بذنوبي، أنِرْ قلوبنا بحُبِّك حتى تنكشفَ لنا حقائق الوجود، يا سيد الوجود ..ولولا أنت ما كنتُ موجودًا.. كُلّما زادَ حُبي إليك زادَ اشتياقي وحزني وبكائي للقياك.. ففي رؤياك تلتئمُ جراحي، ويسكنُ أنينَ فؤادي .. فأنت ترياقُ ذاتي، وتسبيحُ صلواتي، ونجومُ سماواتي، وأنت سفينةُ نجاتي.. سقيمٌ أنا وأنت شفاءُ علّتي، غريبٌ أنا وأنتَ مؤنسُ وحدتي .. فأين السبيل بعد السبيل، طالَ انتظاري ولا من دليل .. أحرقني الشوق وأغرقني الدمع .. سأنوح عليك نياحَ الواله، وأناديك كما ناداك جدك الصادق (عليه السلام) وهو يقول: "سيّدي غيبتُك نفت رُقادي، وضيّقت عليَّ مهادي، وابتزت مني راحة فؤادي، سيّدي غيبتُك أوصلت مُصابي بفجائع الأبد، وفقد الواحد بعد الواحد يفنى الجمع والعدد، فما أحسُّ بدمعةٍ ترقى في عيني وأنينٍ يفترُ من صدري عن دوارج الرزايا وسوالف البلايا إلا ما لقيني..."1 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 1-كمال الدين وتمام النعمة ج2ص331

اخرى
منذ 6 أشهر
321

لعلكم تتقون

بقلم: صفية الجيزاني من العطاءات الإلهية التي يمكن أن يفوز بها المؤمن في شهر رمضان هي التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة /183. ومعنى التقوى (أن لا يفقدك الله حيث أمرك، ولا يراك حيث نهاك). وإذا وصل الإنسان من خلال الصوم إلى درجة التقوى معناها يصل إلى نور الحكمة والنورانية في القلب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الانفال/29. ويأتي السؤال هنا: كيف يكون الصوم طريقًا للحصول على التقوى؟ طبعًا ليس المقصود هنا الصوم عن الأكل والشرب وباقي المفطرات فقط بل لا بد أن يكون هناك صوم روحي، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (صيام الجوارح عن الآثام خير من صيام البطن عن الطعام). عندما يكف الإنسان نفسه عن الشهوات والملذات ويبتعد عن التشبه بالحيوانات، فإنه قد حقق هذا المعنى للصوم، وإذا لم يحقق هذا الهدف، فإنه يكون مصداقًا لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): (كم من صائم وحظه من صيامه الجوع والعطش). فما هي ثمرة صوم الفرد وهو سيء الخلق مع أهله وعياله، وما ثمرة صومه وهو سليط اللسان على جاره، أو يكذب أو يغش الآخرين أو غيرها من الأمور التي لا تُرضي الله تعالى ولا تُرضي عباده. قوله تعالى: (لعلكم تتقون) هو تعليل لثبوت الصوم وذكرٌ لأهم غاياته وهي التقوى، وفي الآية اشارة الى أنّ الصوم (بمعناه الحقيقي) يوجب الوصول الى مقام المتقين. يقول السيد الطباطبائي في تفسير الميزان: (وكون التقوى مرجو الحصول بالصيام مما لا ريب فيه، فإن كل إنسان يشعر بفطرته أن من أراد الاتصال بعالم الطهارة والرفعة، والارتقاء إلى مدرجة الكمال والروحانية فأول ما يلزمه أن يتنزه عن الاسترسال في استيفاء لذائذ الجسم وينقبض عن الجماح في شهوات البدن ويتقدس عن الإخلاد إلى الأرض، وبالجملة أن يتقي ما يبعده الاشتغال به عن الرب تبارك وتعالى فهذه تقوى إنما تحصل بالصوم والكف عن الشهوات، وأقرب من ذلك وأمس لحال عموم الناس من أهل الدنيا وأهل الآخرة أن يتقي ما يعم به البلوى من المشتهيات المباحة كالأكل والشرب والمباشرة حتى يحصل له التدرّب على اتقاء المحرمات واجتنابها، وتتربى على ذلك إرادته في الكف عن المعاصي والتقرب إلى الله سبحانه، فإن من أجاب داعي الله في المشتهيات المباحة وسمع وأطاع فهو في محارم الله ومعاصيه أسمع وأطوع). واذا حصل الصائم على مرتبة التقوى فأنه يحصل على زاد طريق الآخرة (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ) البقرة /197. وبالتقوى ينال المؤمن محبة الله تعالى (بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) آل عمران /76. ويكون مصداقًا لقول الإمام الباقر (عليه السلام): (… فوالله ما شيعتنا إلّا من اتقى الله وأطاعه).

اخرى
منذ 5 أشهر
380