Profile Image

رحاب سالم البهادلي

زينب تسأل جدتي

بقلم: رحاب سالم البهادلي سألتني زينب بنتُ أختي: أين هو الله سبحانه وتعالى هل هو بالسماء أو في الأرض؟ قلت لها: هو في كلِ مكان... لكنها لم تقتنع… احترت كيف أوصل لها المعلومة وهي تبلغ من العمر خمس سنين، وإذا أجبتُها عن سؤال استخرجت منه سؤالًا آخر... قلت لها: تعالي لنذهب إلى جدتي، عندها الإجابة... فجدتي فاطمة تبلغ من العمر (90) سنة ونيف، امرأة مؤمنة وحكيمة وتزن كلامها، وتعطي كل أمر حقه، فهي كانت ولا زالت تعلمنا أمور الدين والدنيا بصدر رحب دون أن تمل أسألتنا… لذلك دفعتُ بزينب إلى جدتي فاطمة (عليها السلام) علها تجيب عن سؤالها وتقنعها بما لم استطع إقناعها به… وصلنا أنا وزينب إلى غرفة الجدة وطرقنا الباب سألت الجدة فاطمة: من الطارق؟ قلت: أنا مريم يا جدتي ومعي زينب بنت أختي سارة. قالت: جدتي أهلًا بكما أدخلا... دخلنا غرفتها ووجدناها تجلس على كرسي الصلاة لأداء النوافل، سلمنا عليها وجلسنا، قالت جدتي: ما الأمر، هل استطيع مساعدتكما بشيء؟ قلت لها: نعم يا جدتي زينب تريد أن تسألكِ سؤالًا... قالت جدتي: تفضلي ما هو سؤالكِ يا زينب، إن قدرني الله سَأُجيبكِ. قالت زينب بكل نعومة وفطرة: أنا سألتُ خالتي مريم: أين يوجد الله سبحانه وتعالى، وهي لم تعطني مكانًا محددًا. ابتسمت جدتي، وقالت: صحيح أني ناهزتُ التسعين من العمر لكن الحمد لله لا زالت ذاكرتي بخير… وأتذكر بأنكِ ترتادين الروضة، صحيح؟ قالت زينب: نعم يا جدتي وأنا سألت المعلمة أيضًا لكنها لم تجبني عن سؤالي. قالت جدتي: هل علمتكم المعلمة في الروضة اسماء الله الحسنى؟ قالت زينب: نعم يا جدتي وأنا احفظها كُلها. قالت جدتي: أليس من أسماء الله: الرحمن، الرحيم؟ قالت زينب: نعم يا جدتي. قالت جدتي: وأين توجد الرحمة؟ أليست الرحمة في قلب الإنسان؟! قالت زينب: نعم يا جدتي. قالت جدتي: أو ليس من أسماء الله، الغفور، السلام، المحيي ، النور، الهادي؟! من أين تنبع المغفرة يا زينب؟ أليس من القلب؟! من أين ينبع السلام؟ أليس من القلب؟! من أين تنبع الحياة؟ أليس من القلب؟! من أين ينبع النور؟ أليس من القلب؟! من أين ينبع الهدى؟ أليس من القلب؟! قالت زينب: نعم يا جدتي... قالت جدتي: إذن يا حبيبتي الجميلة، أن الله سبحانه وتعالى في كل مكان وأقرب هذه الأمكنة القلب، يا عزيزتي، وخصوصًا قلب المؤمن، الآن القلب هو المكان الوحيد، الذي يحتوي هذه الأمور العظيمة، ولشدة عظمة الله لا يحتويه مكان، غير القلب الطاهر، أعلمتِ الآن أين مكان الله سبحانه وتعالى؟ قالت زينب: نعم يا جدتي فهمت الآن، لكنّ خالتي مريم لم تقل لي هذا الجواب، بل قالت لي كلامًا لم أفهمهُ، لكن فهمت أن الله موجود في كلِ مكان وأقرب مكان هو القلب يعني أن الله تعالى في قلبي. (مريم) تعجبت أنا من الأثنتين، فالصغيرة زينب لم تفهم كلامي برغم من كل المحاولات لإيصال المعلومة لها… واستغربت أيضًا من جدتي كيف أنها شرحت لها المعلومة بكل بساطة وسلاسة، وتعلمت أيضًا أن الله سبحانه وتعالى يضع سره في أضعف خلقه، بالرغم من حال جدتي وضعف بدنها لكنها أنصح مني بالتعامل مع الأطفال، واستطاعت أن تقنع زينب بكل بساطة وأن المعنى ليس بكثر الكلام إنما ببساطتهِ.

اخرى
منذ سنة
794

نحّول وزهرةُ البنفسج

بقلم: رحاب سالم البهادلي خرج نحوّلُ كعادتِه يقضي الساعاتِ وهو يتنقلُ بين الأزهار، يجمعُ منها الرحيق؛ ليُنتجَ منه العسل، وفي أثناءِ تنقُّلهِ بين الأزهار جرتْ بينَه وبينَ زهرةِ البنفسج محاورةً طويلة وجدال حاد؛ لأنَّ زهرةَ البنفسجِ تتعالى وتتكبرُ على نحوّل وزُملائِه، بأنَّ لها الفضلُ الأكبر بصناعةِ العسل قائلةً: - الفضلُ كلُّهُ يعودُ لنا نحنُ الأزهار، فلولا الرحيقُ ما صنعَ النحلُ العسل. أجابها نحوّل غاضبًا: - إنَّ الجُهدَ لنا نحنُ معاشر النحل، نحنُ مَن نتعبُ طوال النهار، ونعملُ بجِدٍّ ونظام؛ لكي نجمعَ الرحيقَ ونحوِّلهُ إلى عسلٍ مصفى، أما أنتنَ يا معشرَ الأزهار فكُلُّ ما تفعلْنهُ أنّكنّ تستقيظنَ صباحًا وتنشرنَ العطر. وبينما الاثنان يتجادلان مرّت بقربِهما فراشةُ الغابة وسمعتْ كلامهما، فوقفتْ تنظرُ إليهما وتضحكُ، استغربَ نحّولُ والزهرةُ من فعلِ الفراشة، وصارا يسألانها: - لِمَ تضحكين أيّتُها الفراشة؟ أجابتهما الفراشة: - إنني أضحكُ على هذا الجدال؛ لأنهُ دون فائدة، فأنكِ تعلمين يا زهرة البنفسج لولا النحل لما تلاقحتِ الأزهارُ وأزهرتْ، وأنتَ تعلمُ يا نحّول لولا الأزهارُ ورحيقها لما كان هنالك عسلٌ، فإنّكما طرفانِ في هذه الصناعة، فلا تتجادلا دونَ فائدةٍ وجِدّا بعملكما بدلًا عن هذا الجدال، وتصالحا يا صديقاي واعملا بحُبٍّ وتفانٍ ولا تكونا متفاخرين. التفتَ الاثنانِ إلى الفراشةِ، وإلى ما قالته بحقّهما، فوجداها مُحِقّةً، وأنّهما قد أخطآ بحقِّ صداقتهما؛ لأنّه لولا وجودهما كلاهما لما كان هنالك عسل، وأنّهما يُكمّلانِ بعضهما البعض، ولا يجبُ أنْ يتفاخرَ أحدُهما على الآخر. وبهذا عرفنا يا أصدقائي أنَ العملَ الثنائي ينجحُ ويُنتجُ العسل، ويجبُ أن لا نُنكرَ جهد الآخرين..

اخرى
منذ سنة
1219

رسالةٌ إلى الكفيل

بقلم: رحاب سالم البهادلي السلامُ عليك يا سيّدي ومولاي يا أبا الفضل العباس، سيّدي يا صاحبَ الفضل، أحنيتُ رأسي إلى مقامكم الرفيع؛ لأسطرَ هذه الكلماتِ لتكونَ لي عندكم ذخرًا، وأقدّمُ بها حاجتي بين يديكم التي قُطعتْ في ساحةِ كربلاء دفاعًا عن أولادِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، أقولُ وأعلمُ أنّكَ تسمعُ كلامي وتردُّ سلامي: أزورُ بعيدًا وأُلقي السلام بقلبٍ لهوفٍ كطيرِ الحمام.. إليكَ أحلِّقُ شوقًا وروحًا وأحملُ في الأحرفِ كُلَّ الهيام.. فيا سيّدي قد يطولُ الكلام فتشتاقُ روحي وقلبي الحزين ففي كُلِّ يومٍ يزيدُ الحنين سؤالي إليكَ وأنتَ الشهيد وأنتَ المحامي وأنتَ العميد نظرتَ همومي؟ سمعتَ دعائي؟ رمقتُ إليكَ وأنت الرجاء وأنتَ القريبُ لربِّ السماء وأنت الكفيلُ ونحن اليتامى فمنّا إليكَ حبيبي سلاما استجرتُ ببابكَ وأنتَ المُجير لأشكو إليكَ كثيرَ البلا وموتًا بنا سيّدي أوغلا كتبت إليكَ بريدَ همومِ وذي العينُ تبكي أسىً كُلَّ يومِ فهلّا نظرتَ وأنتَ الكفيل قصدتُ لبابك وأنت الدواء ويُعرَفُ عنك كثيرُ العطاء شكوتكَ حالًا بأرضِ الجواد ففي كُلِّ يومٍ يئنُّ الفؤاد وأنت المُعينُ وأنتَ السبيل فيا ابن عليٍ وفحلِ الفحول لربّي اتخذتُكَ دربَ الوصول أبثُّ إليكَ جراحي وهمّي وأرفعُ كفّيَّ في كُلِّ يوم فليسَ لي سواكَ سبيلٌ سلامًا أقولُ وأنتَ السلام وأنتَ المُحامي لخيرِ الأنام بعثتُ إليكَ رسالةَ همّي وأرجو تراها وتدعو الإله

اخرى
منذ سنة
454

سُلطانتي

بقلم: رحاب سالم البهادلي سألَ سائلٌ عَن وَصفِها وقال: صفها لنا؟ وهل تستطيعُ أنْ تصفَ شعوركَ عند أولِ لقاء؟ وكيف عشتَ حياتكَ معها؟ وماهي بالنسبةِ إليك؟ وما معنى وجودها في حياتك؟ أجبتُهم: بتواضُعِ الكلماتِ سأُخبِرُكم عنها، مع أنّني أعلمُ أنْ لا أحدَ في العالم كُلِّه يقدرُ على أنْ يصفَها بالقدرِ الذي تستحق، لكنّني سأُحاوِلُ أنْ أصفَ لكم مشاعري وأحاسيسي نحوها بالقدر الذي أستطيع.. منذُ أنْ طرقَ سمعي صوتُها الرقيقُ أحببتُها بالفطرةِ، وكُنتُ أسترخي على أنغامِ كلماتِها الرقيقةِ وصوتِها العذب، عندما تُرتِّلُ لي كلماتٍ أستأنسُ بسماعِها.. وعندما آنَ الأوانُ أنْ أرى وجهَها تساءلتُ: كيف يبدو منظرُها؟ وبدأَ قلبي ينبِضُ بقوّةٍ، وبدأتْ تقتربُ ساعةُ اللقاء بالرغمِ من أنِّي لم أشأ الخروجَ من قوقعتي التي أسكنُ فيها وعالمي الجميل الذي كُنتُ أعيشُ فيه، إلا أنّ شوقي لِلِقائِها وما فُرِضَ عليَّ من أمرٍ محتومٍ، دفعاني للخروج من عالمي إلى عالمِ الدُنيا.. بعدَ أنْ كنتُ أتنفّسُ بأنفاسها، كان أولُ عطرٍ أشمّهُ في حياتي هو عطرَها بعدَ أنْ ضمّتني بينَ ذراعيها بقوةٍ، وقبّلتني بشوقٍ.. كانتْ تنظرُ في وجهي مُتبسمةً وأنظرُ في عينيها مُتأملًا، وكأنّي أرى هذا العالمَ أجملَ من عالمي الذي كُنتُ أسكنُه، فمن خلالِ نَظراتِها أحببتُ المكان، وأنا الذي كُنتُ أرفضُ أنْ أكونَ في هذا العالمِ المجهولِ بالنسبة لي، فعشقتُ عالمَها، وصرتُ مصدرَ سعادتِها، وصارتْ ملجأي وملاذي.. حلمتُ وحقّقتُ أحلامي، وأيقنتُ أنّي حلُمُها الكبيرُ، كبُرتْ وَكَبُرتُ، واشتدَّ عودي ووهنَ عودُها، علّمتْني كيفَ أعيشُ الحياة، وبأيّ طريقة، وكيفَ يكونُ لي هدفٌ في هذه الدُنيا، فصِرتُ أراها سُلطانتي التي خُلِقتُ لخدمتِها.. علّمتْني كيفَ يكونُ الحُبّ، عشقتُها، عشتُ بمملكتِها عبدًا، عاملتني مُعاملةَ الملوك، واحترمتها، عرفّتني للناسِ سيدًا، تَعِبتْ لأرتاحَ أنا، ونمتُ وسَهِرتْ هي.. لطالما كانتْ وسادتي الناعمة التي أرتمي بينَ أحضانِها، تعلّقتْ روحي بها، وتعلّقَ قلبُها بي، سُلطانتي ما أعظمكِ من سُلطانة! أعرفُ أنّ حروفي لكِ لن تفي وصف مكانتكِ مهما قلتُ من كلمات.. أنتِ أجملُ نساءِ الكونِ في نظري، سأسجدُ للهِ (سبحانه وتعالى) شكرًا في كُلِّ يومٍ على نعمةِ وجودِكِ في حياتي، يا جنّتي وناري، يا قدري الجميل.. أعلمُ أنّي قد أتعبتُكِ، يسألونني عنكِ، وحروفي تعجزُ عن وصفك، ولو وصفتُكِ بالدُنيا فهل يكفي هذا الوصف؟ لا، لن يكفيَ؛ لأنّكِ دُنيايَ وآخرتي.. أُمّي، مع كُلِّ إشراقةِ شمسٍ، أرى صورتَك أمامي، أراكِ تشرقين فتملئين الكونَ ضياءً، والسماءَ إشراقاً.. ومع كُلِّ تغريدةِ طيرٍ كانَ صوتُك الناعمُ الدافئُ يدخلُ في سمعي، هذا الصوتُ المُغرِّدُ يُعطي الحياةَ لحنًا.. أُمّي يا قلبي الذي بينَ أضلُعي، يا نبضَ حياتي، ماذا أقول؟ وأيّ كلماتٍ تفي لصفاتكَ الجميلة والنبيلة؟ أُمّي يا من تُناغينني فأفرحُ، وتضمينني لصدرك فأطمئن.. هل أذكرُ لهم شذى عطركِ الجميل؟ أمِ ابتسامتكِ المُنيرة التي يزهو بها الكون؟ أم دعاؤكِ الذي يملأُ دربي بالخيرات؟ يا روحي أنتِ، ويا وطني، أُمّي لولا أنّ الموتَ حقٌّ علينا لرفضتُ الموتَ، حتى لا تُحْزِنَ روحي قلبكِ الرقيق.. أُمّي يا هِبَةَ الأقدار، يا أروعَ ما خلقَ المَنَّانْ، يسألونني عنكِ، فأقولُ: لا تسأل يا سائلي عن جنّتي ما وصفها، فلن أستطيعَ أنْ أصفَ لكَ حتى أظفرها..

اخرى
منذ 9 أشهر
279

شاهدٌ على جريمةِ العصر

بقلم: رحاب سالم البهادلي على مرِّ الزمانِ، وفي كُلِّ عصرٍ ومكانٍ توجدُ جريمةٌ ارتُكِبَتْ، يُحقِّقُ المُحقِّقونَ في مُعطياتِها، وهُنالك شاهدٌ توَثَّقُ من خلاله دوافعُ مرتكبِها وأحداثِها؛ ويوصِلُ حقيقتَها إلى شُرَفاءِ العالم. فللشاهدِ رسالةٌ يوضِّحُ ويُرسِّخُ من خلالها مفهومَ الحقِّ والحقيقةِ، ويُعرِّفُ عبرها بمن كان ظالمًا ومن كان مظلومًا، ويذكرُ فيها أسبابَ ودوافعَ وأهدافَ الجاني، وكيفيةَ دفاعِ المجني عليه، وما استخدمه من وسائل وأدوات. طُلِبَ منّي أنْ أكونَ شاهدةً على جريمةِ عصرٍ، تلك الجريمة التي اُجهِضَ فيها سبطُ رسولِ اللهِ محمد (عليه وآله أفضل الصلاة والسلام)، وكُسِرَ فيها ضلعُ ابنتهِ فاطمة (عليها السلام)، وأُحرِق فيها بابٌ لطالما طرقَها النبيُّ محمد (عليه أفضل الصلاة والسلام) بهدوءٍ بكفّيهِ الشريفتين، وقال عنها: فاطمةُ بابُها بابي وحجابُها حجابي. ابتدأ المُحقِّقُ بسؤالي قائلًا: - لتكوني شاهدةً على جريمةٍ موثَّقةٍ في كُتُبِ التاريخ على مرِّ العصور، ولكي تصِلَ الحقيقةُ كاملةً للمُآلفِ والمُخالف، عرّفي عن نفسكِ وعملكِ أيتُها الشاهدة، وأقسِمي باللهِ العلي الأعلى على قولِ الحقيقةِ كاملةً! أجبتُهُ: - اسمي فِضّةُ النوبية، وأعملُ خادمةً في بيتِ السيّدةِ فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله). أُقسِمُ بالله العليّ العظيم أنْ أقولَ الحقّ ولا شيءَ غير الحقّ. - هل كُنتِ في موقعِ الحادثِ أثناءَ ارتكابِ الجريمة؟ - نعم، فأنا كُنتُ في بيتِ سيّدتي فاطمة الزهراء (عليها السلام) عندَما هجمَ القومُ على بيتِها. - ما الذي حصلَ في ذلك اليوم؟ ومنِ الذي هاجمَ بيتَ علي وفاطمة؟ قولي كُلَّ ما تعرفينه عنِ الحادث؟ - نعم سيّدي المُحقِّق، سأروي لكَ ما حصلَ في ذلك اليوم؛ ليعلمَ العالمُ أجمعُ ما فعلَه هؤلاءِ المجرمون من جريمةٍ نكراء يندى لها جبينُ الإنسانيةِ بحقِّ بنتِ نبي الإسلام محمد (عليه وآله أفضل الصلاة والسلام)، وزوجةِ ولي الله علي بن أبي طالب (عليه السلام). لم يمُر وقتٌ طويلٌ على استشهادِ رسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، والحزنُ يملأ البيتَ العلويّ وقلوبَ الموالين لهم، وكانتْ مولاتي فاطمة (عليها السلام) قدِ انهدَّ ركنُها من الحُزنِ والأسى على فقدِ أبيها رسولِ الله محمد (صلى الله عليه وآله)، وإذا بقنفذ خادم الحاكم يُنادي من خلفِ الباب بصوتٍ عالٍ: يا علي، بايعْ الحاكم على الخلافة رفضَ مولايّ عليٌّ قائلًا: لن أُبايعَ يا قنفذ.. ذهب قُنفذُ إلى مولاه يُخبرُه رفضَ عليٍ مبايعتَه وعادَ مُسرعًا، لكن هذه المرة عادَ هو ومن معه يحملونَ الحطبَ ووضعَه على بابِ البيت، ونادوا مرةً أخرى بصوتٍ غاضبٍ: يا علي إنْ لم تُبايعْ سنُحرِقُ الدارَ ومن فيه. - يا فضة، تقولين: إنَّ عليًا بن أبي طالب كانَ في الدارِ أثناءَ الهجومِ ولم يُحرِّكْ ساكنًا، وهو الذي يرتعدُ الشجاعُ قبلَ الجبانِ من اسمهِ! - نعم سيّدي المُحقِّق، كانوا يرتعدونَ خوفًا منه لكنّهم يعرفونَ بأنَّ عليًّا (عليه السلام) مُقيدٌ بحبلِ الوصيةِ من قِبلِ النبي (صلى الله عليه وآله)، إذ أوصاه قبلَ أنْ تُقبَضَ روحُه الشريفة، بالصبرِ على المُصيبة وتحمُّلِ ما يجري على فاطمة من أجلِ دينِ الإسلامِ لتعلمَ البشريةُ أجمع أنَّ ما قدّمه مُحمّدٌ وآلُ مُحمّدٍ فداء لدينٍ لا يُقاسُ بمقياس، ويستحِقُّ كُلَّ تلك التضحيات، حتّى أرواحهم الطاهرة. - مَنْ أمرَ بضربِ فاطمة وإحراقِ الدار؟ - لقد وقفتْ مولاتي فاطمةُ خلفَ البابِ مُستنكرةً هجومهم الوحشي على إمامِ زمانِها وعلى دارِها، فعصرَها قُنفذُ بين الحائطِ والبابِ وكسرَ ضلعَها وأسقطَ جنينَها، وقد كان كُلُّ ذلك بأمرٍ من مولاه وممّن اتحدَ معهُ على غصبِ الخِلافةِ من عليٍ (عليه السلام). والتاريخُ يعرفُ من هو هذا الظالم، فقد أمَر جلاوزته بإحراقِ الدار، فقيل له: إنَّ في الدارِ فاطمةَ يا هذا، قالَ الظالمُ: وإنْ، أحرِقوا الدارَ وإنْ كانتْ فاطمةُ فيها! سيّدي المُحقِّق: عصروها، وكسروا ضلعَها وقتلوا جنينَها، وأحرقوا دارَها، ولم يُراعوا أنّها بنتُ نبيّهم (صلى الله عليه وآله)، وقد نقلتُ القليلَ مِمّا حصلَ في جريمةِ العصرِ سيّدي المُحقِّق، وسأتركُ الحُكمَ لكم، وللمُنصفين. - لن نحكمَ نحنُ يا فضة، بل نحنُ من يوثِّقُ الحقيقةَ، وعقلاءُ البشريةُ ومنصفوها هم من سيحكمون على هؤلاء الظالمين، ويستنكرونَ أعمالَهم البشعة. وأما يومَ الحشرِ فستكونين أنتِ الشاهدَ الأولَ على جريمةِ العصر ليحكم الله (تعالى).

اخرى
منذ 8 أشهر
257

في رحاب (مناقب آل أبي طالب)

بقلم: رحاب سالم البهادلي رأيتُه جالسًا وحولَه كتبُ التاريخِ يتصفَّحُها، ويئنُّ ممّا يقرأُ ويقولُ: - أليستْ هذه مصادرَكم التي بينَ يدي، لِمَ تُنكرونَ حقَّهم؟ دنوتُ منه، تطلّعتُ في مُحيّاه، وجدتُه ذلك العالمَ الجليلَ الإمامَ الحافظَ مُشير الدين أبي عبد الله محمد بن علي بن شهر آشوب، قلتُ: - السلام عليكم - وعليكم السلامُ ورحمةُ اللهِ وبركاته، من المُتكلِّمُ؟ - أنا خادمةُ أهلِ البيتِ (عليهم أفضل الصلاة والسلام)، أسألُ في أحوالِهم وأنشرُ أخبارَهم، لكنّني أبحثُ عن الدليلِ أيُّها الحافظُ؛ فأنتَ تعلمُ نحنُ أصحابُ الدليلِ أينَما مالَ نميل، والمُقابلُ يتربّصُ بنا المكايدَ، فوجدتُ لكَ كتابًا باسمِ مناقب آلِ أبي طالب، هلّا حدّثتني عنه؟ تأوَّهَ قليلًا وقال: - لما رأيتُ كُفرَ العداةِ بأميرِ المؤمنين (عليه السلام)، ووجدتُ الشيعةَ والسنةَ فيه مُختلفين، وأكثرَ الناسِ عن ولاءِ أهلِ البيتِ ناكصين، وفي علومِهم طاعنين، ولمحبتِهم كارهين، انتبهتُ من نومةِ الغافلين، وصارَ لي ذلك لطفٌ إلى كشفِ الأحوال، والنظرِ في اختلافِ الأقوال، وما آفةُ الأخبارِ إلّا رواتُها، ووجدتُ جماعةً يؤولونَ الأخبارَ المُجمَعَ عليها نحو: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ" و "أنتَ منّي بمنزلةِ هارون من موسى"، وغيرها من الأحاديثِ المُجمعِ عليها من الطائفتين. ورأيتُ جماعةً جعلوا مُقابلَ كُلِّ حقٍ باطلًا، وغرّوا الجاهلَ بمقالاتٍ باطلة، وجحدوا حقَّ مُحمّدٍ وآلِ مُحمد (صلوات الله عليهم أجمعين)، وجماعةً نقلوا مناقبَهم إلى غيرِهم، فآليتُ على نفسي نقلَ مناقبِهم، ثم وشّحتُ هذه الأخبارَ بشواهدِ الاشعارِ، وتوَّجتُها بالآياتِ فرحِمَ اللهُ امرئًا اعتبرَ وأحسنَ لنفسِه النظر. ثم تبسّم بوجهي، وقال: - يا خادمةَ أهلِ البيت (عليهم السلام) إنّ الرجوعَ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطل، ولأنْ تكوني تابعةً في الخيرِ خيرٌ من أنْ تكوني متبوعةً في الشر، وخيرُ العملِ ما أصلحتِ به رشادكِ وشرُّه ما أفسدتِ به معادكِ. افتتحتُ الكتابَ بذكرِ سيّدِ الأنبياءِ والمُرسلين، ثم بذكرِ الأئمةِ الصادقين، وختمتُه بذكرِ الصحابةِ والتابعين وسمّيته بـ(مناقب آل أبي طالب)، ونظّمتُه للمعادِ لا للمعاشِ، وادّخرتُه للدينِ لا للدُنيا، فأسألُ اللهَ (تعالى) أنْ يجعلَه سببَ نجاتي وحطِّ سيئاتي ورفعِ درجاتي؛ إنّه سميعٌ مُجيب. - فهل ما نقلتَ لنا فيه من مصادر السنةِ أم الشيعة؟ - إنّما نقلتُ من الاثنينِ، فنحنُ كما قُلتِ أصحابُ الدليلِ، فأتيتُهم بالدليلِ من كُتُبِهم قبلَ كُتُبِنا... ابتسمتُ بوجهِه وقلتُ: - لقد أثلجتَ قلبي أيُّها العالمُ الجليل، فباركَ اللهُ (تعالى) لكَ هذا العملَ وجعله في ميزانِ حسناتك.. ومُنذ ذلك الوقتُ عرفتُ أنَّ هذا الكتابَ من خير المصادر التي أتزوّدُ منه أخبارَ مُحمّدٍ وآلِ محمد، وأنقلُ عنه بالدليلِ الموثوق، فرحِمَ اللهُ علماءَ الشيعةِ أجمعين.

اخرى
منذ 4 أشهر
127

العيدُ الأكبر

بقلم: رحاب سالم البهادلي الأُمّ: مرحبًا يا أولاد.. كيف حالكم؟ إنّ اليومَ يومٌ جميلٌ ورائع، كُلُّ عامٍ وأنتم من الموالين بسام: مرحبًا يا أُمّي، هل صحيحٌ أنّ اليومَ عيدٌ كما تقولُ أُختي زينب؟! الأُم: نعم يا ولدي، اليومُ عيدٌ.. تعالَ؛ لكي ننشرَ الزينةَ معًا.. بسام: أليسَ العيدُ عيدينِ فقط، هما عيدُ الفِطر وعيدُ الأضحى وقد انتهى وقتهما؟ الأُمّ: نعم، يا ولدي العزيز مضى وقتُ عيدي الفطر والأضحى، لكنّ اليومَ هو عيدُ الغديرِ الأغرّ بسام: وما عيدُ الغدير يا أُمّي؟ الأُمّ: هو من أكبرِ أعيادِنا نحنُ الشيعةَ الإمامية، ففي الثامن عشر من شهر ذي الحجة من السنةِ العاشرة للهجرة قامَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) وبأمرٍ من الله (سبحانه وتعالى) بالإعلانِ عن تنصيبِ الإمامِ علي (عليه السلام) خليفةً وإمامًا للمُسلمين، وذلك في مكانٍ يُسمّى غدير خم. ومن هُنا اقترنتِ الواقعةُ باسمِ هذا المكان، وعُدّتْ إحدى الأعيادِ الإسلامية، وقد عُبِّرَ عن تلك الواقعةِ في مصادرِنا الشيعيةِ بعدّةِ تعابير، فسُمّيتْ تارةً بـعيدِ اللهِ الأكبر وعيدِ أهلِ بيتِ مُحمّد (عليهم أفضلُ الصلاةِ والسلام)، وتارةً أُخرى أشرفَ الأعياد، وأكبر الأعياد.. قد اعتدنا نحنُ الشيعةَ في شتّى بقاعِ الأرضِ على إحياءِ هذه المُناسبةِ والاحتفاءِ بها وإقامةِ مجالسِ الفرحِ والبهجةِ تعظيمًا لتلك المناسبة الكبرى. بسام: أخبريني أكثر عن واقعةِ الغدير يا أُمّي، فأنا لا أعرفُ عنها الكثير. الأُمّ: بكُلِّ سرورٍ، سأُخبِرُك أكثر عن واقعةِ الغدير: حينما همَّ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) بأداءِ فريضةِ الحجّ، أذّنَ في الناس، وبلغتْ دعوتُه أقاصي بلادِ الإسلام، فتجهّزَ الناسُ، وتأهّبوا للخروج معه، وحضرَ أهلُ المدينة وضواحيها وما يقربُ منها خلقٌ كثيرٌ بلغ مائةً وعشرين ألفًا، وتهيّئوا للخروج معه.. خرجَ النبيُّ (صلى الله عليه وآله) بهم، فلمّا أتمَّ مناسكَ الحجِّ رجعَ إلى المدينةِ وكانَ معه المسلمون، وصلَ في اليومِ الثامن عشر من ذي الحجةِ إلى منطقةٍ تُدعى غدير خم، وتقعُ في مُفترقِ طُرُق، وذلك بموكبٍ كبيرٍ من الحجيج. وقبل تفرُّقِ الحجّاج إلى بُلدانهم نزلَ عليه الوحيُّ، يأمرُه بتبليغِ تلك المسألةِ المصيريّة المُتمثِّلةِ بتعيينِ الإمامِ والخليفةِ من بعدِه، فأمرَ الرسولُ الكريمُ الناسَ بتجهيزِ مُقدِّماتِ ذلك الأمرِ فأُعلِنَ أنْ تريّثوا أيُّها المسلمون الحجّاج وتوقّفوا في ذلك المكان، وأُمِرَ بإرجاع الذين سبقوا الآخرين بالذهاب وإيقافِ القادمين، حتى تجمّعَ ذلك العددُ الغفيرُ من الحُجّاج، فأمرَ النبيُّ الحجيجَ أنْ يصنعوا له منبرًا من أحداجِ الإبلِ حتى يراه الحاضرون جميعًا، ويسمعوا كلامَه، وارتقى ذاك المنبر وخطبَ في الناس خُطبةً غرّاءَ وقالَ فيما قاله: "أيُّها الناسُ ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟" -وكرّرها ثلاثًا- وهم يُجيبونه بالتصديقِ والاعتراف، نعم يا رسولَ الله، ثم رفعَ يدَ عليٍ (عليه السلام) وقال: "مَنْ كُنتُ مولاهُ فهذا عليٌّ مولاه، اللّهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصرْ من نصرَه، واخذلْ من خذله..." ثم قال: "فليُبلِّغِ الحاضرُ الغائبَ" أيّ أمرَ من حضرَ تلك الواقعة بأنْ يُبلِّغوا من لم يحضرْها. ثم أمرَ الناسَ الّذين اجتمعوا هناك بأنْ يقوموا فردًا فردًا، ويُبايعوا عليًّا (عليه السلام)، ويُسلِّموا عليه بالإمرةِ والخلافةِ طوعًا، وقد بايعَ الناسُ جميعًا أميرَ المؤمنين عليًا بن أبي طالب (عليه السلام) على هذا الأمر.. ومن هُنا صارَ يومُ الثامن عشر من شهر ذي الحجة عيدًا لنا، نتبادلُ به التهاني والتبريكات ونوزِّعُ الحلوى. بسام: إذن سأرتدي ملابسَ العيد، وسأذهبُ إلى بيتِ صديقي وليد لأتبادلَ معه التهاني، وسأقصُّ عليه ما جرى في واقعةِ الغدير.. إلى اللقاءِ يا أُمّي الأم: إلى اللقاء يا ولدي، وأنتم يا أبنائي الصغار.. هل عرفتُم معلوماتٍ عن عيدِ الغدير الأغر؟ وهل ستحتفلون معنا في هذا العيد؟

اخرى
منذ شهر
108

خاطرة

أنثر ورد الحروف على كل معنىً أليف، والتقي التواريخ بالحنين الذي يوقظ الروح، أرى السبايا في سويداء القلب، وأسأل وأنا على علم؛ علّ دهشتي تتريث قليلاً:. حرائر من تُسبى؟ أولاد من؟ يأتيني صوت الدليل: أولاد محمد رسول الله مجري أنهار الخير الى مكة والمدينة، فيض البركة على كل عصر ومصر، بيني وبين الرغبات الجموحة والأمنيات خيط رفيع يمتدّ من الورق إلى الصحراء، أهبّ لأدخل أروقة السبي مزدانةبما أحمل من ولاء، وإذا بي أرى السبايا من كل زمان يحتشدن نصرة، ويقدمن القرابين فداء للحسين، رماح القبائل رأيتها ترفع الرؤوس مزهوة بهذا النصر المهموم، أبكي ويبكي معي التوق ياترى من أكون؟، قلت نصيرة تحمل رقة القلب دمع مواساة جاءت على ظهر حروفها تحمل الوجد رغم هذا الحزن الذبيح، والدماء وبنات رسول الله مايفارقهن العز، ولا مر بنداوتهم الذبول، قلوب المؤمنين عيون ترنو الى هذا اليقين الذي أرادوا له السبي، فحرر العالم من كيد الانكسار، كل الجراح الشاهقة النزف تهوي عند اول صرخة ننادي بها ياحسين الجراح تجوس الخطى بأرض المواجد هوية وانتماء، سؤال يوقظ الفطنة في صدر كل نبيه: لماذا جرى كل ذلك على الحسين وعلى حريمه، وكان من الممكن بإرادة الله ان لا يكون، قلت: لنتعلم من الحسين عليه السلام صفاء النوايا وشجاعة المصلحين، والنرى الصبر الزينبي الذي نرتله في مرائي الأنين، أنثر الحروف ورداً على المروي من تراتيل النزف: مولاتي زينب تعلم الوعي ليحمل ذاكرة الايمان بمعنى راسخ اليقين، يستحب من الحزن قلائد الاطمئنان، لابد من إيقاظ العبرة؛ كي ننثر التسابيح المحناة بالدم، الى الله المشتكى… أطلقي حنين ازدهارك أيتها الحروف، واعلني أن طريق السبي مرايا الحضور، ولهذا تخلدت مسيرة الأربعين نصرة توقد الرؤى ب لبيك ياحسين. بقلم: رحاب سالم البهادلي

اخرى
منذ 3 أسابيع
74

زينبُ (عليها السلام) تؤنِّبُ نهرَ الفُرات

بقلم: رحاب سالم البهادلي اِغبرَّ الجوّ، وهاجتِ الصحراءُ برِمالِها الحارة، وأنزَلتِ الشمسُ أشِعّتَها بحرارةٍ لم أرَ لها مثيلًا من قَبل.. ليس يومًا عاديًا، فكُلّما اشتدّتِ الحرارةُ ازدادَ زوّاري، أسقيهم من مائي العذبِ فَيرتوون، في حرِّ الصيفِ القاتل.. وفي ظهيرةِ يومِ العاشرِ من المُحرّم، رأيتُ العجبَ العُجاب.. أنا نهرُ الفُرات، أشهدُ أنّي لم أرَ في حياتي شخصًا مثلَ هذا الفارسِ الشّجاعِ الذي وصَلني، وقَلبُهُ يخفقُ شوقًا للماءِ من شِدّةِ العطش، لقد كانَ ظمآنَ، وكانت شفتاه ذابلتين، والماءُ يجري بين يديه، كانَ له أقربَ من العينِ للحاجب، يحملُهُ بينَ كفّيهِ لكنّه رمى به فجأةً، ملأ قربتهُ بعدَها وهمسَ لي بكلماتٍ، كأنّها سهمٌ قاتلٌ، ذهبَ بعدَها وتركني خلفَه، ولم يلتفتْ لي حتى! استغربتُ الموقف، لم أرَ عطشانَ يرمي الماءَ قط! هاجتْ أمواجي، وارتفعتْ صارخةً بأعلى صوتِها: - تعالَ أسقيك أيُّها الشُجاعُ الظامئ، لا ترحلْ وتَمَهّلْ.. لكن دون جدوى، لم يلتفتْ لي، وأشاحَ بناظريه عنّي، تعجّبتُ من الموقف: - ما هذا الزُهدُ أيُّها الزاهد؟ ما هذا العِشقُ الإلهي الجميل؟ كيفَ لعطشانَ أنْ يُخلِّفَ الماءَ وراءَه دونَ أنْ يروي عطشه! ما هذا الإيثار؟ من أنتَ أَيُّها البطلُ الهُمام؟ ما زلتُ غارقًا في تساؤلاتي حتى جاءني الجوابُ بصوتٍ حزينٍ هزَّ أعماقي، وهاجتْ له أمواجي من عذبِ ما أخبرتني بِه؛ إذ قالتْ: - أتسألُ يا فُراتُ من هذا؟! أو حقًّا تسألُ من يكونُ هذا العطشانُ الزاهدُ؟ ارتعدتُ من صوتِها، وشعرتُ كأنّ عليًا بن أبي طالب يُكلِّمُني، لم أنطقْ بأيّةِ كلمةٍ بل سكنتْ حتى أمواجي من هيبةِ صوتِها، قالت لي: - اعلمْ يا فُرات، إنّهُ قمرُ بني هاشم، إنّهُ ابنُ الطاعنِ بالرُمحين، والضاربِ بالسّيفين، وابنُ مَن قاتلَ ببدرٍ وحُنين، ربيبُ ربّاتِ الخدور.. إنّه العبدُ الصالح، الساقي المُهذَّب، القائدُ والكفيل، المُدافعُ عن أولادِ رسولِ ربِّ العالمين، حامي الظعونِ وكافلُ خدري.. إنّه العباسُ وأخي وقُرّةُ عيني ونبضُ فؤادي، وعمودُ خيمتي.. ويحكَ يا فُراتُ.. أتسألُ من يكونُ سيّدَ الماء؟! إنّه من ماتَ ظمآنَ بقُربِك يا فُرات.. فأجبتُها قائلًا: - سيّدتي.. لا أسألُ من يكونُ جهلًا منّي بهِ.. أوَ هل يخفى القمر؟! لكنّ فعلَه العظيمَ قد شغلني عن معرفةِ حقيقتِه، فلا يعرفُ مكنونَ سِرِّكم غيركم آلَ البيت (عليكم السلام)، كما أنّي أُقدِّمُ لكم العُذرَ مولاتي، فليس لي ذنبٌ في ذلك، لقد أدنيتُ منهُ الماءَ ليرتويَ لكنّه أبى أنْ يشربَ عندما تذكّرَ عطشَ أخيه الحُسين (عليه السلام)، وقال: - لا أشربُ ماءكَ يا فُرات، وأخي الحُسينُ وعيالُه عُطاشى. علمتُ وقتَها أنّه عِشقٌ إلهيٌ لا يُدركهُ مثلي، فتساءلتُ من يكونُ هذا البطل؟ لأني لم أرَ مثلَ هذا الإيثارِ على مرورِ الزمان؛ فكيفَ لي بإدراكِ مكنونِ هذا العبدِ الصالح؟! من هُنا جاءَ سؤالي، فمثلي لا يُدرِكُ حقيقةَ مثلِه..

اخرى
منذ أسبوعين
170