العلوية شهد

من كزينب؟!

بقلم: العلوية شهد السيدة زينب (عليها السلام) قدوة للمرأة المؤمنة في طريق بناء شخصيتها المهدوية، ومَن كزينب؟ المرأة العظيمة التي عند ذكرها ترتجف القلوب وتعجز الأقلام وتعلن عجزها عن وصفها، فهي ربيبة بيت الرسالة وحفيدة خاتم الأنبياء... المرأة التي أصبحت قدوة للبشر -رجالًا ونساءً- حيث كانت صاحبة الفضل في حفظ المذهب بل الإسلام بحفظها لدماء أخيها ورسالته التي أوصلتها للناس بعد استشهاده، ولكن رسالتها للمرآة أكثر خصوصية بالنسبة للمؤمنات فهي المثال لشخصية المرأة المسلمة التي لم يمنعها دينها وعفتها عن أداء دورها ومسؤوليتها الاجتماعية فالدين عند زينب لا يعني الانطواء والجمود عن تحمل المسؤولية، فقد مارست مولاتنا دورها الاجتماعي في أعلى مستوياته، كانت الزوجة الصالحة والأم المربية التي انشأت أولادًا لبّوا نداء إمام زمانهم وقدموا أرواحهم فداءً لدينهم، وما كان هذا اعتباطًا فخليقٌ لمن تربوا في حضن تلك المرأة العظيمة أن يكونوا في مقدمة شهداء نينوى، كما وذكر أهلُ السِّيَر أنّها (عليها السلام) كان لها مجلس خاصّ لتفسير القرآن الكريم وتعليم علومه تستقبل فيه النساء، وليس هذا بغريب على ربيبة بيت النبوة والعصمة فهي تربت في البيت الذي نزل فيه القرآن الكريم وانطلقت منه الرسالة المباركة وهي العالمة الغير معلمة كما وصفها الإمام السجاد (عليه السلام) ولزينب (عليها السلام) الدور البارز في حفظ مذهب آل محمد بل الدين الإسلامي من خلال دورها في واقعة كربلاء، كانت صاحب دور عظيم في هذا الثورة وقادت المسيرة وأدت الرسالة بعد استشهاد أخيها الحسين (عليه السلام) على الرغم مما كابدته من مصائب إلّا أنها تحملت ما لا يحتمل، وصبرت وصمدت، ولم يمنعها حياؤها وعفتها من أداء مسؤوليتها يكفي من ذلك أن نذكر عندما جاءها خبر مقتل أخيها أنها خرجت من خيمتها تعدو نحو جسد أخيها ولم تعبأ بكثرتهم ولا سيوفهم ورماحهم بل وصلت إلى جسد أخيها والعيون شاخصة عليها والكل يتوقع منها أن تبكي وأن تصرخ أو حتى تموت على جسد أخيها لعظم وهول المصيبة لكنها تقف بهذا الموقف وتخيب آمالهم وتنحني على الجسد الشريف وترفعه للسماء وتقول《اللهم تقبل منا هذا القربان》هزت أعماقهم بهذه الكلمة التي على قصرها وإيجازها إلّا أنها تحمل من المعاني ما يجعل من النصر الذي يظنون أنهم انتصروا هزيمة نكراء فقد أعلنت من تلك اللحظة أنها لسان الحسين (عليه السلام) وراحت زينب بكلماتها تهز عروشهم من كربلاء حتى الكوفة وصولًا الى الشام كانت جيشًا آخر للحسين لم يمنعها شيء من إيصال رسالتها للمجتمع ولا خلاف أن خطبتها في الكوفة والشام فضحت الطغاة عليهم لعنة الله وهي ترتجل فيهم خاطبةً بلسان فصيح وقوي البيان دون أن تتلكأ أو ترتجف الكلمات وهي تخرج منها أو تبدو عليها علامات الخوف أمام ذاك الحاكم الظالم في قصره وأمام أنصاره فكانت منبرًا اعلاميًا مكملًا لثورة أخيها، استطاعت الكشف عن الوجه الحقيقي للأمويين أمام الناس الذين خدعوا بهم حتى راح ذاك الظالم يصرخ في مجلسه ويستجير بمن يسكت زينب قبل أن تهد عرشه على رأسه... هكذا ومن خلال تلك المواقف العظيمة التي خلدها التاريخ لزينب (عليها السلام) برزت تلك الشخصية العظيمة مثالًا للمرأة المسلمة التي لا تتملص من مسؤولياتها الاجتماعية بحجة الحياء والعفة بل عندما يحتاجها دينها وإمام زمانها تكون سيفًا على رقاب الظالمين... وأخيرًا أخية... زينب ليست للبكاء والنحيب في إيام عاشوراء فقط، نعم لا بد من الحفاظ على جانب العاطفة تجاه مولاتنا وقدوتنا زينب (عليها السلام) ولكن علينا أن لا نهمل جوانب شخصيتها الأخرى فهي كانت عالمة في علوم دينها وعملت على تعليمه وهي زوجة صالحة وأم صالحة وابنة صالحة وقائدة عظيمة نصرت إمام زمانها بكل ما أوتيت من صبر وقوة وبذلت في سبيله الغالي والنفيس فكانت نعم الناصرة ونعم العون فحري بنا أن نأخذ زينب (عليها السلام) قدوة في طريق بناء شخصيتنا لنصرة إمام زماننا من خلال التطلع لجوانب شخصيتها من عفتها وحجابها وصبرها على المصائب وإيمانها العميق بالله تعالى والتسليم له سبحانه ودورها في الحياة الاجتماعية وغيرها من الجوانب...

اخرى
منذ أسبوعين
95

الإمام المهدي في أحاديث الإمام الباقر (عليه السلام)

بقلم: العلوية شهد لا خلاف أن قضية الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه من القضايا المحورية التي شغلت الفكر الإسلامي بصورة عامة والفكر الشيعي بالتحديد لسنوات كثيرة وهي من أكثر القضايا التي تدور حولها التساؤلات وتعتريها الكثير من الابهامات. ولا شك أن أئمة أهل البيت لم يهملوا قضية مهمة ومصيرية مثل قضية مولانا الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) فكلامهم هو البيان للحق وهو نور للضال كما جاء في الزيارة الجامعة للإمام الهادي (عليه السلام) (كلامُكم نور، وأمرُكم رُشد) فقد جاءت الأحاديث عن أحواله وصفاته وغيبته وظهوره ودولته كثيرة جدًا وقد تناول مولانا الإمام الباقر (عليه السلام) هذه القضية كما تناولها كل الأئمة (عليهم السلام) في نصوص وأحاديث كثيرة وردت في كتبنا المعتبرة توضح الأهمية التي أراد أن يعطيها إمامنا الباقر (عليه السلام) لهذه القضية المهمة، وإليكم البعض من المحاور التي تناولها الإمام (عليه السلام) في أحاديثه: _ بيان عظم مكانة المنتظرين في زمن الغيبة والأجر العظيم الذي ادخره تعالى لهم؛ لصبرهم على غياب إمامهم ووقوفهم بوجه فتن زمانهم، فعنه (عليه السلام) أنه قال:  "من ثبت على ولايتنا في غيبة قائمنا، أعطاه الله (عز وجل) أجر ألف شهيد من شهداء بدر وحنين". (١) _ بيان أنه عجل الله تعالى فرجه من ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنه من ولد علي وفاطمة (عليهم السلام) فعن أبي أيوب المخزومي قال: ذكر أبو جعفر محمد بن علي الباقر سير الخلفاء الاثني عشر (عليهم السلام) فلما بلغ أخرهم قال: الثاني عشر الذي يصلي عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه عليك بسنته والقرآن الكريم (٢) فقد ذكر (عليه السلام) الأئمة المعصومين ووصل الإمام المهدي بهم بيانًا لنسبه الشريف وأنه من نفس هذه الشجرة المباركة وأيضًا في هذا الباب جاء عنه: (أن القائم من ولد علي (عليه السلام) له غيبة كغيبة يوسف، ورجعة كرجعة عيسى بن مريم، ثم يظهر بعد غيبته مع طلوع النجم الأحمر،...). (٣) _صفات أصحابه (عليه السلام) ورد عنه (عليه السلام) "...فيجمع الله تعالى له قومًا، قزع كقزع السحاب، يؤلف الله بين قلوبهم، لا يستوحشون من أحد، ولا يفرحون بأحد يدخل فيهم، على عدة أصحاب بدر، لم يسبقهم الأولون، ولا يدركهم الآخرون". (٤) وهنا وصف دقيق ولطيف للأصحاب حيث يصف فيهم جانب القوة التي تكون في وجه أعدائهم، وجانب اللين الذي يكون فيما بينهم. _كما أن له عليه السلام روايات في الحوادث التي تعاصر الظهور نذكر منها: يقول الإمام الباقر (عليه السلام): "ينزل القائم في سبع قباب من نور لا يعلم في أيها حين ينزل في ظهر الكوفة". (٥) وعنه (عليه السلام): "تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فإذا ظهر المهدي (عليه السلام) بعث إليه بالبيعة". (٦) _كما وجاء عنه (عليه السلام) في أهمية وجود الإمام (عليه السلام) حتى وإن كان غائبًا فدور الإمام في هذه الأرض كبير جدًا حتى في غيبته فقد ورد عنه (عليه السلام): "لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة، لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله". (٧) هذا غيض من فيض الأحاديث الواردة عن الإمام المهدي (عليه السلام) فالأحاديث عنه كثيرة سواء من الإمام الباقر (عليه السلام)، أو من بقية الأئمة (عليهم صلوات الله وسلامه) واصفين إياه داعين إلى نصرته وواصفين دولة الحق والقسط والعدل التي تنشأ على يديه الكريمتين. فهنيئاً لمن هيأ نفسه لذلك اليوم واستعد للنصرة والقتال تحت رايته الشريفة، جعلنا الله وإياكم من أنصاره وأعوانه المستشهدين بين يديه آمين رب العالمين. _____________ ١- إثبات الهداة ج3 ص467 ٢- كمال الدين : ص٣١۰ - ٣١١ ب٣٢ ح١٧ ٣- معجم أحاديث الإمام المهدي ج١ ص ٢٦٦ حديث ١٦٨ ٤- الإمام المهدي من المهد إلى الظهور ص ٤٠١ ٥- تفسير العياشي ج٣ ص ١٠٣ ٦- الغيبة للطوسي ص ٢٨٩ ٧- أصول الكافي ج١ ص ١٧٩ حديث ١٢

اخرى
منذ شهر
208

الغدير المنتظِر...

بقلم: العلوية شهد غدير أنا في وسط صحراءٍ مقفرة موحشة ينساب مائي عذبًا يتهادى بين ضفتيّ فراتًا. تحيط بي النخيل الشامخات ملجأ للطير من حر الصيف، يحط المسافرين عندي لينكثوا أتعاب سفرهم، بين مكة والجحفة مكاني، ويطلقون عليّ غدير خم... شاء الله أن يشرفني ويقرن اسمي باسم خير خلقه كرمني بمحمد وعلي (عليهما السلام)، ومن أنا حتى أنال هذه الكرامة! كل ما سأذكره هو شذرة من يوم تعجز الكلمات عن وصفه، اليوم الذي صادف الثامن عشر من ذي الحجة من السنة العاشرة للهجرة... أطلّا عليَّ بنورهما (صلوات الله عليهما) في مائة آلافٍ أو يزيدون من حجاج مكة ضيوف الله الذين بدت عليهم أتعاب السفر، وجدوا في ضفتي شفاء لبعض أتعابهم، انتشروا هنا وهناك يروون ظمأ قلوبهم، كانت الوجوه تعتريها حيرة عجيبة في المؤمنين منهم، كانت مصحوبة بحزن عميق ينتظرون من رسول الله أن يستنقذهم ولا يتركهم في حيرتهم. بينما المنافقون كانت حيرتهم في أنه كيف يعيدون سطوع نجمهم الآفل الذي حجبه محمد (صلى الله عليه وآله) بعد أن نعى لهم نفسه... نعم هذا ما فهمته من همسات كلماتهم... رسول الله ودع البيت الحرام وأخبرهم أنها حجة الوداع بعد أن علمهم مناسكهم... ضاق بي الكون الرحب من أثرِ كلماتهم وما زاد في ألمي وأنا أسمع أصوات من أرادوا أن ينقلبوا على أعقابهم حاولت أن أصرخ فيهم بأعلى صوتي لكني تذكرت أنهم لا يفقهون صوت أمواجي، أردت أن أزجرهم أن أُذكرهم بقوله: {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ } (1) لكن وا حسرتاه... بعد هنيئة هموا بتوديع بعضهم البعض فكل قبيلة سلكت طريقها وتفرقوا، وإذا بأمر من رسول الله (عليه وآله صلوات الله): أن ردُّوا من تقدم وأحبسوا من تأخر... عادوا واصطفوا متعجبين متحيرين، في عقولهم تدور دوامة من الأسئلة، ولا أخفي عليكم كنت أشد منهم حيرة لابد أن يكون أمرًا عظيمًا حتى أمر الرسول بعودتهم... اصطفوا وحجبوا الرسول عني إلّا أن نوره لا يحجب، فكان أشد نورًا من الشمس الساطعة في تلك الظهيرة، ساد فيهم هدوء شديد وكأن على رؤوسهم الطير والعيون تربوا صوب رسول الله الذي صعد منبرًا صنعه صحبه من الأمتعة، قام فيهم خطيبًا والأبصار شاخصة ينظرون إلى من استنقذهم من جاهليتهم هل يأخذ بأيديهم مرة أخرى الى طريق الحق والصواب ويهديهم الى الصراط المستقيم؟ حمد الله وأثنا عليه بصوتٍ وصل أسماع الجميع بألوفهم، كان قرآنًا ناطقًا يصدح فيهم كلما توغل في حديثه أكثر شدت إليه القلوب والأبصار أكثر وكنت أشدهم تركيزًا... بعد لحظات سرت فيهم همهمة فهمت أن شيئاً ما يحدث على تلة الأمتعة تلك، لم أفهم ما يجري حتى سمعتهم يتهامسون: إنه علي... إنه علي، كان لهذا الاسم وقع عجيب على قلبي، تهدأ النفوس عند ذكره، أعرفه جيدًا ومن لا يعرف قالع باب خيبر محطم الأصنام وزوج البتول الطاهرة وأخ رسول الله (صلوات الله عليه وآله) فهمت أن رسول الله أشار اليه أن يصعد الى جنبه، رفع يده عاليًا حتى بان بياض إبطيهما للجميع... قطع همهماتهم صوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينساب بنداء اخترق الزمن، لاح معه هدوءٌ شديد لا يسمع إلّا صوت رسول الله، قالها، نعم قالها: - إيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم؟ ما كان لهم إلا أن قالوا: الله ورسوله أعلم... وعاد صمتهم الذي قطعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرة أخرى - إن الله مولاي، وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم، فمن كنتُ مولاه فعلي مولاه. لقد بلغهم النبأ العظيم وهداهم الصراط المستقيم وأعطاهم الوسيلة الى الله لمن (شاء أن يتخذ الى ربه سبيلا)(٢). لاحت فرحة في قلوب المؤمنين حتى انعكست على وجوههم فأنارتها بنور الولاية فهذا رسول الله يخرجهم من حيرتهم ويهديهم صراطًا مستقيمًا لن يضلوا بعده أبدًا، ثم زادهم: (اللهم والِ من ولاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) واعتلت الأصوات مهنئة للأمير، بخ بخ لك يا علي أصبحت مولى للمؤمنين… وكما نفوس المؤمنين كنت أنا، ولكن أنا لا استطيع أن أقوم مثلهم وأصافحه وأهنئه لكنه يختلف عنهم هو يفهمني جيدًا كما يفهم الأشجار التي حولي والطيور، لقد كان له معنا حديث فنحن أُسَراء حبه، راح كل منا يهنئه بلغته وأنا هنأته بلغة أمواجي… ما زاد فرحي أن رسول الله أمر أن ينصبوا خيمة ليأخذ البيعة لعلي (عليه السلام) وهذا يعني إني سأحظى بوقت أطول قرب محمد وعلي (صلوات الله عليهم). وانقضت أجمل ثلاثة أيام في عمري بجوار رسول الله وعلي (صلوات الله عليهما) أرى الناس يدخلون بأمر رسول الله (صلوات الله عليه) الخيمة يبايعون عليًّا (عليه السلام) بالإمارة والخلافة ... أنا الغدير الذي يشهد لعلي بالخلافة والإمارة… أنا الغدير الذي كرمني الله بمحمد وعلي (صلوات الله عليهما) فأعلى شأني وذكري… أنا الغدير الذي ينتظر منذ ألف سنة ابنًا لعلي يقال له: القائم، ليأتي ويأخذ حقي من كل من أنكرني ... ____________ ١-ال عمران أية ١٤٤ ٢-الفرقان أية ٥٧

اخرى
منذ 3 أسابيع
80