تشغيل الوضع الليلي

تكسير قيود الجاهلية في التعامل مع المرأة… علاقة السيدة فاطمة (عليها) بأبيها (صلى الله عليه وآله) نموذجاً

منذ سنتين عدد المشاهدات : 1522

يقول الامام الخميني (قدس سره): "إنّ المرأة كالقرآن كلاهما أوكل إليه مهمّة صنع الإنسان"(١)
ان هذه الكلمة تحمل في طياتها معانٍ سامية وعميقة تُشير الى عظمة المرأة في هذه الحياة، ومدى حجم أدوارها الموكلة إليها من قِبل الله تعالى، وأهم الادوار الملقاة عليها هي إنها الوعاء الحامل للإنسان، والحضن المربي والصانع له.

لذا نرى أن الله تعالى أولى للمرأة اهتمامًا خاصًا وخصّها بما لم يَخص به غيرها مِن خلقهِ، وذلك من خلال التشديد على رعايتها والاعتناء بها وحفظ كرامتها ومكانتها في المجتمع الأسري والعام عبر ما شرّعه في ديننا الحنيف.

إن صلاح المرأة وقوتها ووعيها يُنتج مجتمعًا قويًا وصالحًا، فهي التي تصنع الرجال والنساء، فمتى ما عَرفت مكانتها وموقعها الحقيقي أخرجت رجالًا صالحين ذوي قيم، يحترمون المرأة سواء كانت هي ذاتها الام، او الاخت او الزوجة في المستقبل؛ وتنشئ لنا جيلاً من النساء الواعيات المربيات الفاضلات يخرج لميادين الحياة بوعي وعفة وحياء.

نعم هكذا كانت مولاتنا الزهراء (عليها السلام)، كيف لا! وقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يبالغ في الاعتناء بها، وقد كسر قيود المجتمع الجاهلي الذي لم يكن يعطي المرأة مكانتها الحقيقية.
فمن القيود التي كسرها النبي (صلى الله عليه وآله) من خلال تعامله من السيدة فاطمة (عليها السلام):
- إظهار حبه واحترامه لها (سلام الله عليها)
فقد ورد " كانت الزهراء (عليها السلام) اذا دخلت على النبي (صل الله عليه واله) قام إليها فقبلها فأجلسها في مجلسه". (٢)
ومما يُنقل أنه كان يفتديها بنفسه، كما ورد أنه قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في رواية طويلة شاهدنا فيها قوله: "...فداها أبوها - ثلاث مرات - ما لآل محمد وللدنيا؟ فإنهم خلقوا للآخرة، وخُلقت الدنيا لهم". (٣)
إن البنت التي يُغرس في داخلها أنها كيان عزيز ومحبوب عند والديها، ستكون ممتلئة عاطفياً، قوية، لا تبحث عمن يُغذيها أو يملؤها بالحب من هنا أو هناك، ولا تضعف أمام ضِعاف النفوس وذوي القلوب المريضة ومغريات الحياة الدنيا بل وتكون كتلة من الحنان والرحمة والقوة، أي تكون مصدر عطاء للحب، لا باحثة عن مصدر ليُعطيها!
لذا فسلوك النبي (صلى الله عليه وآله) مع ابنته فاطمة (عليها السلام) حجة ومنهاج على كل مسلم أن يقتدي به، وذلك من خلال إكرام بناته، وغمرها باهتمامه وحبه، بالنتيجة ستكون له كما كانت "أم أبيها" (٤)، بلسمًا ومسكنًا راحته، وملاذه عند اشتداد الأزمات والحامي والمدافع عنه في قبال كل من آذاها.

لذا هكذا امرأة، كيف يُمكن لنا أن نُلم بالجيل الذي سيتربى على يديها، بل وأنى لنا أن نتصور أي الأبناء ستُظهر للمجتمع، ان كانت حازت على مقام أن تكون أماً لأبيها، فكيف ستكون أمومتها لأبنائها!

بلى، لا عجب إن كان نتاجها ولدين إمامين هما الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وبنتًا كانت تُلقب بأنها " تالية أمها" أنها زينب ابنت الطهر (عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين).

- السؤال الدائم عنها وتفقد احوالها
عن أبي جعفر(عليه السلام) قال : " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا أراد السفر سلّم على من أراد التسليم عليه من أهله، ثم يكون آخر من يسلم عليه فاطمة عليها السلام فيكون توجهه إلى سفره من بيتها، وإذا رجع بدأ بها،...".
والدرس التربوي الذي يُعلمنا إياه سيد الخلق في التعامل مع البنت هو أن على الاب أن لا يقطع الوصل ببناته وإن كُنَّ في عُهدة رجل أخر، ومهما كانت مشاغله، فهذه من الامور التي تولد شيء من العزة في نفسها، وتجعلها بحالة بهجة وسرور دائم .
لذا فالسؤال الدائم والوصل الذي لا ينقطع عنها من قبل والديها وأخوتها ضروري، لأنه مؤشر على الحرص والحب والاهتمام، وهذا السلوك كان سنة حسنة اسسها النبي(صلى الله عليه وآله) للمجتمع المسلم، لتَضل أواصر الارتباط وصلة الرحم قائمة، فكم نحتاجها في هذا الزمان الذي شحت به ثقافة التواصل والتراحم الحقيقية.
- إن المرأة هي كيان فعال ولها ادوار تتطلب عدم الالتفات للدنيا وزينتها
ثم تكمل الرواية لتعطينا درساً أخر: "...، فلما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل المسجد، فتوجه نحو بيت فاطمة عليها السلام كما كان يصنع، فقامت فرحة إلى أبيها [صبابة وشوقاً إليه]، فنظر (صلى الله عليه وآله) فإذا في يدها سواران من فضة وإذا على بابها ستر ، فقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث ينظر إليها، فبكت فاطمة وحزنت وقالت: ما صنع هذا أبي قبلها، فدعت ابنيها ونزعت الستر من بابها وخلعت السوارين من يدها، ثم دفعت السوارين إلى أحدهما والستر إلى الاخر، ثم قالت لهما : انطلقا إلى أبي فاقرآه السلام وقولا له: ما أحدثنا بعدك غير هذا، فما شأنك به؟ فجاءاه فأبلغاه ذلك عن أمهما، فقبلهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) والتزمهما وأقعد كل واحد منهما على فخذه ، ... الخ الحديث.(٥)
إن فعل النبي(صلى الله عليه وآله) هذا لم يَكن إلا لان الزهراء (عليه السلام) كانت السيدة الاولى في ذلك المجتمع اي إنها كانت قدوة لكل النساء، وهذا ما يُحتم عليها أن تُعايش نساء ذلك المجتمع، فالنساء من الفقراء والمعدمين لا يُمكن أن يتقبلوا الاقتداء بسيدة لم تَذق ما يَذقنه، ولن ينجذبْن لإرشادها وتوجيهها، وهذا من أهم متطلبات نجاحها كرسالية وداعية الى الله تعالى، وهذا يوجب شعورهن بقربها منهن، بل وتكون بذلك مواسية ومعينه لهن على ضعف حالهن، وتكون مصدر قوة .
لذا في هذا الجزء من الحديث دروس يريد منا النبي الأكرم والسيدة الزهراء (عليها السلام) أن نتعلمه ونربي أبناءنا عليها، وهو أن يُربى الإنسان بشكل عام والمرأة خصوصًا إذا كانوا ذوي اهدف سامية على الزهد (اي أن لا يتعلق قلبهم بشيء من زينة الدنيا)، فلا ينشغل بهم عن دورهم في هذه الحياة.
إن المرأة التي تتربى على القناعة، لن تنشغل بالأمور الكمالية، وعندما تذهب لدار زوجها ستكون نعم العون له والسند، لا أن تكون سببًا لتعاسته والتضييق عليه، بل ولعل بعضهن تصل لقرار فكّ هذا العقد المقدس لضيق يده وفقره كما هو شائع الآن للأسف الشديد، وكل ذلك سببه ابتعادنا عن التربية المحمدية لمولاتنا فاطمة (عليها السلام).

- تكليفها بأعمال اجتماعية
إن من أهم تطبيقات زرع الثقة في نفس الإنسان سواء كان رجلًا أم امرأة، هو عندما تُوكَل اليه المهام، وكلما كان الشخص الطالب ذا وجاهة ومكانة اكبر كلما كان هذا الامر معززاً لثقة المطلوب منه بنفسه، وكذلك يجعل روح المسؤولية لديه بحالة نمو وتصاعد، فكيف اذا كان الطالب شخصًا كخاتم الرسل(صلى الله عليه وآله).
فالنبي الأكرم قد كسر قيد تلك النظرة القاصرة لدور المرأة، فكان يرسل للزهراء (عليها السلام) من يحتاج الى مساعدة او من يحتاج لرعاية أو استشارة في مسالة علمية وغيرها من المهام لمولاتنا فاطمة (عليها السلام)، كما ورد " لما استشهد جعفر بن أبي طالب في مؤتة أمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تتخذ لأسماء بنت عميس طعاماً ثلاثة أيام، فجرت بذلك السُنّة، وأمراها أن تقيم عندها ثلاثة أيام هي ونساؤها لتسليها عن المصيبة ثم اصبحت تلك سنة عامة". (٦)
وفي كتاب (بشارة المصطفى) عن الإمام الصادق عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: صلَّى بنا رسول الله (صل الله عليه وآله ) صلاة العصر، فلما انفتل جلس في قبلته والناس حوله. فبينما هم كذلك إذ أقبل شيخ من العرب مهاجر، ...، فقال الشيخ: يا نبي الله أنا جائع الكبد فأطعمني، وعاري الجسد فاكسني وفقير فارشني.
فقال (صل الله عليه وأله): ما أجد لك شيئاً، ولكن الدال على الخير كفاعله، انطلق إلى منزل مَن يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، يؤثر الله على نفسه، انطلق إلى حجرة فاطمة...الخ" الرواية. (٧)
كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) فتح للزهراء (عليها السلام) باب تعليم النساء فيما يجهلنه من مسائل الدين والدنيا، فكن يقصدنها من كل مكان.
لذا على الآباء أن يهتموا بهذا الامر بأن يوكلوا بعض المهام لفتياتهم، ليعززوا ثقتهن بأنفسهن وليَكنّ قادرات على إدارة حياتهن وتَحمُل المسؤوليات في المستقبل بشكل أفضل، أن يستشيرونهن ويطلبوا رأيهن، ليصبحن من ذوي الفكر والتعقل، فلا يتربين على الامتثال لكل ما يسمعن وعلى تَقبل كل ما يُقال لهن على أنه صحيح ومسلم به بل يُفكرن ويحللن كل ما يُطرح عليهن، فيأخذن بالجيد منه.

بالنتيجة سيرة الزهراء (عليها السلام) مليئة بالكنوز التي يمكن للإنسان أن يتأمل بها ليتخذها منهاجاً له ليصبح إنساناً إلهياً مرضياً مكرماً عند ربه، وجيهاً به عند خلقه.
___________
(١) الفقهاء حكام على الملوك – حسن الدجيلي، موقع البوابة الجامعة لأهل البيت (عليهم السلام) التابعة للمجمع العالمي لأهل البيت.
(٢) بحار الانوار ج٤٣، ص٢٨٥.(٣) اشارة الى حديث سوار الفضة و وهو ورد في مقتل الحسين للخوارزمي.
(٤) الإسرار الفاطمية، محمد فاضل المسعودي، ج١، ص٢٧٩، ح١٨.
(٥) مكارم الأخلاق، ص٩١.
(٦) قراءة في السيرة الفاطمية، ص٤٧٥، نقلا عن: المحاسن للنراقي.
(٧) بحار الانوار ج٤٣، ص٥٦.


فاطمة الركابي

اخترنا لكم

أزمةُ الخِلافِ أمِ الاختلاف؟!(١)

بقلم: شفاء طارق الشمري تكثرُ المشاكلُ والأساسُ واحدٌ، أنا على خِلافٍ مع شريكِ حياتي، ولكنْ ليسَ غريبًا أنْ تختلفا مع بعض، بل الغريب أن لا تختلفا؟! فأنتِ يا سيّدتي لم تتزوّجي بشخصٍ نسخةٍ منك، لكي لا تجدي اختلافًا معه، والرجلُ كذلك، إذن لماذا خلقُ أزمةِ الاختلاف؟ فأزمةُ اختلافِ الآراءِ إحدى أهمِّ المشاكلِ الحديثةِ هذه الأيام، فكُلٌّ له رأيٌ عكس الآخر، ويتمسّكُ به، مُحدثاً مُشكلةً من لا شيء، فاختلافٌ بسيطٌ يُشعِلُ نارًا تحرقُ العلاقةَ الزوجية؛ فطلاءُ غُرفةِ الأولادِ لا يجبُ أنْ يكونَ مشكلةً تنتهي بخروجِ الزوجةِ من البيتِ لتقول: إنّه دائمًا لا يحترمُني أو يتقبّلُ رأيي، فيرُدّ عليها بالطبع: بل أنتِ من تتمسّكين برأيكِ وتحاولين فرضَه دائما.. هكذا تبدأ النزاعاتُ على أمورٍ تافهةٍ، لكنّ هذه الأمورَ تؤدّي لاحقًا لأزماتٍ أكبر، هُنا يكمنُ الحلُّ بأمرين: أولًا: أنْ يتنازلَ أحدُ الطرفين عن رأيه، ولا يدعا ديكتاتوريةَ كُلِّ شخصيةٍ تُمزِّقُ روابطَ الأسرة، أو أن يتناقشا بهدوءٍ ليصلا إلى حلٍّ وسط يُنهي المُشكلةَ؛ فمثلًا بدلًا من طلاءِ غُرفةِ الأولادِ بالزهري حسبَ رأيها، أو بالأزرقِ حسبَ رأيه، هناك حلٌ وسطٌ وهو الأرجواني؛ لذا لا داعي لخلقِ أزمةٍ أساسها طلاءُ لونِ غرفة.. ولا تستصغرا المُشكلاتِ البسيطة؛ لأنّها فيما بعد ستُحدِثُ عراقيلَ كبيرةً تُسقِطُ وتُهدِّمُ العلاقةَ شيئًا فشيئًا، فلا تجعلا أسقفَ البيتِ تسقط، والعلاقةَ تنتحرُ بسببِ الخلافات المُتكررة.. الحياةُ شراكةٌ، وهذا المفهومُ -للأسف- لم يرضَ به البعض وربما الأغلب حتى الآن، فكُلٌّ يجدُ نفسَه حاكمًا على الآخر، ويُصِمُّ أسماعَه عن سماعِ الطرفِ الثاني، دونَ إدراكٍ أنّ الحياةَ الزوجيةَ ترتكزُ على أربعِ ركائزَ: التعاون والحب والمودة والإيمان.. في العام 2011م نُشِرتْ دراسةٌ في إحدى المجلات تُشيرُ إلى أنّ الشُركاءَ الذين تبنّوا أسلوبًا تعاونيًا في إدارةِ الخلافاتِ كانوا الأكثرَ راحةً في حياتِهم الزوجية، فأساسُ الخلافاتِ وتدهورها الدائمُ -حسبَ علمِ العلاقاتِ الإنسانيةِ في آخرِ دراسةٍ له- أنّها تتأسّسُ على عِدّةِ أمور: ١_ فنُّ مُعالجةِ الأخطاء: فحين يصدرُ خطأٌ من أحدِهم لا بُدّ له من تلافيه، ومُحاولةِ إصلاحِه وعلاجِه بالاعتذار، أو المُبادرةِ لعملِ ما يُصلِحُ ما حدث، وقِمّةُ الخطأ هو التمسُّكُ بالخطأ مما يؤدّي إلى زرعِ الكرهِ والفجوةِ الكبيرةِ بين الطرفين. ٢_ فنُّ التعامُلِ مع الآخرين: فقدانُ الثقافةِ الزوجيةِ يُدهوِرُ العلاقةَ ويُحطِّمُها من أولِ خلافٍ، بسببِ فقد فنِّ التعامُلِ مع الآخر؛ فإنْ كانتْ هي لا تُحسِنُ التعامُلَ معه، وهو كذلك، فسيبدأُ الصراعُ. انعدامُ ثقافةِ فنِّ التعامُلِ مع الآخر هذا وبالخصوصِ شريك الحياة يؤدّي إلى قضاءِ الوقتِ بالصُراخِ والخلافِ؛ فهي لا تملكُ غيرَ ثقافةِ الصراخ، وهو لا يمتلكُ غيرَ ثقافةِ الضرب التي تعلّماها في مدرسةِ الثقافةِ التي كانوا يعيشونها في ظِلِّ آبائهم وأُمّهاتهم؛ إذ إنَّ الشابَّ كُلُّ ما يعرفُه عنِ المرأةِ والحياةِ الزوجيةِ فرضُ دكتاتوريته عليها، وإنْ نطقتْ فالضربُ علاجُها جهلًا منه بحُرمةِ ذلك أو تعدّيًا على حدودِ الله (تعالى) ومعصيةً منه، وكذلك هي تعلّمتْ من علاقةِ والدتِها بوالدِها الفاشلة فنَّ الصُراخِ والتذمُّر. ولو كانتْ هناك دوراتٌ تهتمُّ بجانبِ تثقيفِ الشبابِ وتعليمِهم احترامَ الآخرِ لوجدنا أثرًا في تخفيفِ أزمةِ الطلاقِ أو المشاكل، فحينَ أرادَ مهاتير محمد، رئيسُ الوزراءِ الماليزي السابق، خفضَ نسبةِ الطلاقِ، التي وصلتْ آنذاك لأكثرِ من 30%، وجد حلًّا وهو إقامةُ دوراتٍ تدريبيةٍ مُتخصِّصةٍ لمن يرغبُ في الزواجِ ليحصلوا بعدَها على رخصةِ الزواج. وحسبَ دراسةٍ منشورةٍ بعنوان: (التجربةُ الماليزيةُ في الجانبِ الأُسري ومدى الإفادةِ منها في الأردن)، للدكتورة زينب القضاة، بموقع المُنتدى العالمي للوسطية: بدأتْ آثارُ تلك التجربةِ تظهرُ من منتصفِ عام 2000 حيثُ بلغتْ 14.72%، وهذا ما دعا بعضُ المؤسساتِ إلى تطبيقِ هذه الفكرة والاستفادةِ منها. ولا عجب في ذلك؛ فبعد أن أشارت آخرُ الدراسات قبل تطبيق نظام رخصة الزواج إلى أنّ 60% من حالاتِ الطلاقِ تقعُ في السنةِ الأولى من الزواج، وأشارتْ دراسةٌ أخرى إلى أنَّ 80% من نِسَبِ الطلاق تحدثُ بوجودِ أطفالٍ يُشرّدون ويعيشون بالشوارع نتيجةَ الانفصالِ والتفكُّكِ الأُسري، على حين تُعدُّ ماليزيا اليومَ أقلَّ بلدٍ يحتوي على نِسَبِ طلاقٍ؛ لاعتمادها نظامَ "رخصة الزواج" التي لا بُدّ أن يحصلَ عليها كُلُّ مقبلٍ على الزواج بعد انضمامه إلى دورةٍ تأهيليةٍ في كيفية إدارةِ الحياةِ الزوجية، فأصبحت نسبة الطلاق اليومَ لديهم 7% فقط. ٣_ فَنُّ الإقناعِ وكسبِ القلوب: تفتقدُ بعضُ النساءِ فنَّ الإقناعِ؛ لذلك هي لا تستطيعُ إقناعَ زوجِها بما تُريدُ، أو إنها توصله له بطريقةٍ خاطئةٍ ممّا يؤدّي إلى الخلاف، وأكثرُ الأزماتِ تحدثُ بسبِ عدمِ اختيارِها الوقتَ المُناسبَ لطرحِ ما تُريدُ، فهي ما إنْ تراه يدخلُ للبيتِ وهو مُرهقٌ ومُتعبٌ حتى تبدأ بسردِ شريطِ الأحداثِ والمشاكلِ والطلبات، ممّا يُحدِثُ خلافًا. فمن الأمورِ المُهمّة هي اختيارُ الوقتِ المُناسبِ للحديث وإتقانِ فَنِّ الإقناع، والأهمُّ كسبُ القلوبِ؛ فاللهُ (عز وجل) يقول: (وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). فالحياةُ ترتكزُ على الحُبِّ والمودةِ، وليس على الكُرهِ والضغينة، فبدلًا من خلقِ الأزمات اخلقوا الحُبَّ والسعادة، فاللهُ (عز وجل) يُعطي لنا منهاجَ الحياةِ الزوجيةِ السعيدة التي تُبنى على ثلاثٍ: أ_المودة: فكُلُّ شيءٍ يكونُ بمودةٍ وحُبٍّ وينبعُ من مودةٍ وحبٍّ ويرتكزُ عليهما يكونُ في محطِّ التجلّي والإيمان، فحتى العلاقات الإنسانية مع أفرادِ المُجتمع يجبُ أنْ يسودَها الحُبُّ والسلامُ والمودةُ، فما بالكم بحياةٍ وأسرةٍ قال عنها اللهُ (تعالى): (وجعلنا بينكم مودة ورحمة) ب_الرحمة: وتتجسّدُ بمفهومِ الشعورِ، وتُضادّ مفهومَ اللاشعور؛ فالفتاةُ التي تتركُ عائلتَها لتدخلَ حياةً أخرى، هي بدورها ستتحمّلُ مسؤوليةَ الأطفال وزخمَ الحياة، وتنتظرُ الرحمةَ وليس التجبُّرَ وكلمةَ السوء. فمن المناسبِ حين تراها مُرهقةً أن لا تُثقلَ عليها –أيُّها الزوج الفاضل- أكثر، بل يجدرُ بك أن تبادرَ لمُساعدتها لا أنْ تضغطَ عليها، وكأنّك بلا شعورٍ مُطلقًا، ولا ضيرَ إنْ رأيتَها مُتعبةً أنْ تساعدَها، فأميرُ المؤمنين (عليه السلام) وهو سيّدُ الأوصياء كانَ يُساعدُ زوجتَه فاطمةَ الزهراء (عليها السلام)، روى العياشي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: « إنّ فاطمةَ (عليها السلام) ضَمِنتْ لعلي (عليه السلام) عملَ البيتِ والعجينِ والخبزِ وقمّ البيت، وضمنَ لها عليٌ (عليه السلام) ما كانَ خلفَ الباب: نقلَ الحطبِ وأنْ يجيءَ بالطعام . . »(١) ج_ السَكَنُ والسَكينةُ: بمعاني الأُلفةِ والسكينة التي يحملُها اللفظُ في ذاتِه (َوصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، إن ذكر اللهُ (عزّ وجل) بابٌ لسكينةِ الروحِ والقلب، وليسَ الدكتاتورية والتعجرُف، والاستبدادَ بالرأي. ٤_ فَنُّ السيطرةِ على الذات: عندَما نُطالعُ المشاكلَ نجدُ أغلبَها بسببِ (كلمةٍ جارحةٍ قيلتْ بغضب)، أو (فعلٍ جارحٍ مع ادّعاءِ عدمِ قصدِ التجريح)؛ فعدمُ السيطرةِ على الذاتِ والتحكُّمِ بالنفس يؤدّي إلى تحطيمِ العلاقةِ وتدميرِها، فلحظةُ غضبٍ وكلمةٌ جارحةٌ كفيلةٌ بجعلِ الطرفينِ لا ينسيان ما حصل. وادّعاءُ عدمِ إمكانيةِ التحكُّمِ بالغضبِ أو أنَّ اليدَ تسبقُ اللسانَ وقتَ الغضب ليسا ذريعةً للإهانةِ والتجريحِ أو الضربِ، فينبغي أنْ يُسيطرَ كلا الطرفين على كلامهما؛ إذ إنَّ التحكُّمَ بالغضبِ والذاتِ من الأمورِ التي ينبغي على الزوجين الالتفاتُ لها. وأنتِ أيّتُها الزوجةُ لستِ بحاجةٍ لتفجيرِ النقاشِ؛ فعندما ترينه غاضبًا لا تُثيري غضبَه أكثر، بل اصمُتي فأنتِ بصمتِك تُطفئين غضبَه وليس العكس؛ فحدّيةُ الكلام، والتشبُّثُ بالموقفِ والعنادُ أمورٌ لن تُجدي نفعًا، بل تزيدُ الأمرَ سوءًا. فاحرصا على السلامِ النفسيّ والانفعاليّ لديكما حتى لا تصلا في نهايةِ المطافِ إلى الطلاق، فالحياةُ فيها طاقةٌ قابلةٌ للاستنزافِ؛ إذ تقلُّ وتنتهي وربما تموتُ إذا استمرّتْ بالخلافات، ولتعلما أنّ الحياةَ لا تخلو من المشاكلِ والأزماتِ، وأحيانًا هدوؤها يُسبِّبُ فتورًا في العلاقة، ولتعلما أنّ حلاوةَ الدنيا بمرارتها، فاستقبلا الأمورَ برحابةِ صدرٍ ولا تجعلا خِلافًا يدومُ أكثر من ساعة أو ساعتين؛ لأنّه سيؤثِّرُ سلبًا على النفسِ الإنسانية. وأحيانًا المُشكلةُ تكمنُ فقط في اختلافِ الرأيّ، وهذه ليستْ مُشكلةً؛ إذ لا ضيرَ في الاختلاف، وتقبُّلُ الرأي المُختلف أو المُخالف من صفاتِ الشخصيةِ الناجحة، والتي تملكُ هدوءً نفسيًا وداخليًا يجعلُها تتقبّلُ رأيَّ الآخر، لكن صناعةُ أزمةٍ وخلافٍ من اختلافٍ هذا غيرُ صحيحٍ، فإنْ حصلَ خلافٌ بسببِ اختلافٍ، أو رأيٍ مُعيّنٍ فلتبادرا إلى حلِّه دونَ مشاكلَ أو إدخالِ أشخاصٍ آخرين، فاختلافُ الرأيّ لا يعني أنّ أحدَكما مُخطئ وعليه الاعترافُ، بل هو رأيٌ يؤمنُ به على حين أنت لا تؤمنُ به. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مقتل الحسين عليه السلام | الخوارزمي 1 : 69 .

اخرى
منذ 5 أشهر
201

خاطرة

Like the fog he sent his sadness, Sealing the hearts, Lucky is he who feels the mist, The month of sorrow pulled down the banner of heartache.

اخرى
منذ سنة
434

مناجاةٌ مع الفجرِ

بقلم: گوناي البياتي وتمرُّ بكَ الحياةُ... وتمرُّ منك... وتظنُّ أنَّك لن تنجوَ من هذه الجحيم... اطمئنْ... ستنجو... ستنجو... وعندما تنجو، ستقول: الآن هدأتُ من ضغطِ وجودي، لأبلغَ درجةَ السعادةِ في عالم أحلامي... ستنصرفُ عن الإحساسِ بالحُزنِ، وعندها تتذكرُ عندما كنتَ تُردِّدُ... إلهي، هل مِن نظرةٍ منك... هل منْ التفاتةٍ تَلُمُّ هذا الشُتات؟ إلهي، انسدَّ عليَّ الطريق، طريق البقاءِ والوجود، وأشعرُ أنَّني وصلتُ إلى طريقٍ مسدود يسلبُ قدرتي في البقاءِ على قيدِ الحياة... *** في تلكَ الفترةِ... كان كلُّ شيءٍ مظلمًا بالنسبة لكَ... كان الأُفُقُ مُقطِّبًا عابسًا... وكانتِ الروحُ مُنكمشةً... والنفسُ مُنقبضةً... وكنتَ تظنُّ نفسَك حزنًا قديمًا لا يُصلِحُ لسعادةٍ حديثة، حزنًا ماكثًا وَجدَني مأوىً فاستقرَّ عندي، حزنًا مُجسَّمًا إلى درجةٍ كنتُ أشعرُ بوجودِه... كانَ عبارةً عن تمثالٍ بَشِعٍ ... وكنتُ أجدُ نفسي مُرتسمًا في هذا التمثال، وكنتُ أشعرُ بوحدة السمواتِ والأرض، ولا يوجدُ كائنٌ يسدُّ هذا الفراغ... وحُزني يُقلِقُ هدوءَ القريةِ بأكملِها، ويوقظُ النوم الهانئ بعد تعبٍ طويل، إلى أنْ حلَّقْتُ في سماءِ الرحمة، وتمسكْتُ بمُنتصفِ الليل، واتخذْتُ السجودَ متعةً والوترَ لقاءً، عِندَها فوجِئْتُ بصلاةِ الفجرِ وهي تستقرُّ في قلبي... أجيبوا ... هل يزورُ الحُزنُ قلبًا استقرت فيه صلاة الفجر؟

اخرى
منذ سنة
828

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
107427

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
102469

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
60470

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
56615

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
54933

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51853