تشغيل الوضع الليلي

مشكلة إدمان الإنترنت لدى الشباب

منذ سنتين عدد المشاهدات : 3419

بقلم: أ.د سعاد سبتي الشاوي
تعد تكنولوجيا الاتصال الحديثة -وفي مقدمتها شبكة الإنترنت- من الأمور التي فتحت عصرًا جديدًا من عصور الاتصال والتفاعل بين البشر، خصوصًا فيما يتعلق بوفرة المعلومات والمعارف التي تقدمها لمستخدميها، فأصبح استخدام الإنترنت السمة المميزة لهذا العصر، فيستخدمه جميع أفراد الأسرة بما فيهم الشباب الذين هم عماد كل أمة وسبيل نهضتها، وهم القوة البناءة في سلمها، ووقود دفاعها عن نفسها، وهم الأمل في المستقبل، وفي مقابل ذلك هم الهدف الذي يصوب الأعداء سهام مكرهم للنيل منه، وأسلحتهم في ذلك ووسائلهم متعددة ومنها: الانترنت، إذ أصبح يغزو كافة مجالات الحياة الاجتماعية كوسيلة للاتصال وتبادل الأفكار والمعلومات فضلًا عن المجالات الاقتصادية والسياسية وغيرها، كمأ أنه وسيلة للتسلية وللتجارة و للمراسلة وللصداقة، وأنه وسيلة للعبث والتسكع في دهاليز الإنترنت دون هدف محدد، كما أنه وسيلة للأذى والجريمة مثل الهاكرز.

لقد اطلق البعض على شبكة الإنترنت تسمية (الشبكة العنكبوتية) لتشابك خيوطها الكثيرة جدًا، ولعل البعض يقع في خيوط وشباك لا نهاية لها، خصوصًا عندما يسيء استخدامه ويفرط فيه ويعتمد عليه اعتمادًا شبه تام مما يجعله يشعر بالاشتياق الدائم له، ويحاول تصفية كل التزاماته قبل أن يمارس الإنترنت، ويصبح شغله الشاغل وكيف يعود مرة اُخرى للدخول، وبهذا يفقد استقلاليته ويصبح أسيرًا له، لأنه أصبح يتحكم في كل أنشطته الحياتية، وهذا هو ما يطلق علية ادمان الإنترنت .

اختلف العلماء في تعريف كلمة (إدمان)، إذ نظر البعض إلى أن الكلمة لا تنطبق إلا على مواد قد تناولها الإنسان، ثم لا يقدر على الاستغناء عنها، وإذا استغنى عنها تسبب ذلك في حدوث أعراض الانسحاب لتلك المادة التي تعرضه لمشاكل بالغة، بالتالي لا يستطيع أن يستغني عنها مرة واحدة، بل يحتاج إلى برنامج للإقلاع عن تلك المادة باستخدام مواد بديلة إلى أن يتم سحب المادة الأصلية بشكل تدريجي.
في حين يعترض بعض آخر من العلماء على هذا المفهوم الضيق للتعريف، حيث يرون أن الإدمان هو عدم قدرة الإنسان على الاستغناء عن شيء ما بصرف النظر عن نوع هذا الشيء، طالما استوفى بقية شروط الإدمان من حاجته إلى المزيد من هذا الشيء بشكل مستمر حتى يشبع حاجاته حين يحرم منه.
لذا اقتنع بعض العلماء أن هناك من يُسمّون بمدمني الإنترنت، في حين اعترض آخرون وتعرضوا لاستخدام بعض الناس استخدامًا زائدا عن الحد على أنه نوع من أنواع الرغبات التي لا تقاوم.
وبصرف النظر عن التعريف واختلاف العلماء في التسمية، فإنه لا خلاف في أن هناك عددا كبيرًا من مستخدمي الإنترنت يسرفون في استخدامه حتى يؤثر ذلك على حياتهم الشخصية(1).
عُرف ادمان الإنترنت من قبل الزيدي (2014) (بأنه الاستخدام المطول لشبكة الإنترنيت لمدة ستة ساعات وأكثر في اليوم وعدم قدرة الفرد لاستغناء عنه) (2)
ويعرفه شاهين (2015) ( بأنه الاستخدام المكثف للإنترنت، وعدم القدرة على التحكم في هذا الاستخدام الذي يؤدي إلى مرض على حياة الافراد(3)
إن أسباب الإدمان على الإنترنت عديدة ومتنوعه منها:
عدم القدرة على التعامل مع الضغوط الحياتية اليومية.
عدم القدرة على مواجهة المشكلات.
عدم القدرة على شغل وقت الفراغ بهوايات متنوعة.
عدم القدرة على إقامة علاقات اجتماعية جيدة بسبب الانطواء.
الشعور بالخواء النفسي والوحدة النفسية.
الهروب من الواقع بضرب الخيال في علاقات تفتقد فيها الحميمية مع الأخر.
تجنب مواجهة الأخر وجها لوجه سواء كان الأخر من الأسرة أو الآخرين.
المعاناة من بعض الاضطرابات النفسية المتمثلة في الاكتئاب، القلق، اضطراب النوم، التلعثم... الخ.
الافتقاد إلى الحب والبحث عنه من خلال الانترنت.
الهروب من الواقع وما يحيط به من أعراف وتقاليد وقوانين منظمة تفرض ضروبًا من القيود على الأفعال والكلام مما يدفع الشخص إلى الانفصال عن نفسه والدخول في شخص أخرى من ضرب خيالة، والمغريات الكثيرة حسب ميول الفرد (4)
وهناك خمسة أنواع لإدمان الإنترنت هي:
إدمان الفضاء الجنسي إي مواقع الجنس الإباحية.
إدمان العلاقة السيبرية إي التي تتم عبر الفضاء المعلوماتي (مثل علاقات قاعات الدردشة).
الزام الانترنت (المقامرة) أو الشراء عبر الانترنت.
الإفراط المعلوماتي مثل البحث عن المعلومات الزائدة عن الحد عبر الانترنت.
إدمان العاب الكومبيوتر الزائدة عن الحد (3).
إن أعراض حاله إدمان الانترنت تشمل عناصر نفسية واجتماعية وجسدية تؤثر على الحياة الاجتماعية والأسرية للفرد.
وقد أظهرت العديد من الدراسات أن تلك الأعراض النفسية والاجتماعية لإدمان الإنترنت تشمل:
الوحدة والإحباط والاكتئاب والقلق والتأخر عن العمل وحدوث مشكلات زوجية وفقدان للعلاقات الأسرية الاجتماعية مثل قضاء وقت كاف مع الأسرة فضلًا عن الدخول في عالم وهمي بديل تقدمة شبكة الإنترنت، مما يسبب آثارًا نفسية حيث يختلط الواقع بالوهم، والتقليل من قدرة الفرد على خلق شخصية نفسية سوية قادرة على التفاعل مع المجتمع والواقع الذي يعيش منه.

أما الأعراض الجسدية فتشمل:
التعب والخمول والأرق والحرمان من النوم والآم الظهر والرقبة والتهاب العينين وعلى وجه الخصوص فإن زيادة المواقع الإباحية تودي للإثارة الجنسية والكبت الجنسي وظهور العديد من المشكلات الاجتماعية، فضلًا عن التعرض لمخاطر الإشعاعات الصادرة عن شاشات أجهزة الاتصال الحديثة، وتأثير المجالات المغناطيسية الصادرة عن الدوائر الالكترونية والكهربائية، كما أن هناك أضرارًا تصيب الإذنين لمستخدمي مكبرات الصوت وأضرارًا مترافقة مثل البدانة وما تسببه من أمراض مرافقة (4).

هناك مقترحات عديدة لعلاج ادمان الإنترنت منها:
الاعتراف بأن الإنترنت أصبح واقعاً مفروضاً علينا، وليس من الصواب تجاهله أو التغافل عنه، وأنه على الرغم مما فيها من خير فإنه يحمل من المخاطر الشيء غير القليل، فهو سلاح ذو حدين، يمكن أن يكون مفيداً جداً، إذا عرفنا كيف نستخدمه.
وهو في نفس الوقت أداة تخريب للنفوس والأرواح عن طريق المواقع الفاسدة والمفسِدة، التي لا تجدي نفعًا، لذا يجب دفع هذه المخاطر قدر المستطاع.
ولا شك أن تجاوز تلك المخاطر تحتاج لتظافر كافة الجهود الفردية والجماعية لإصلاح أوضاع الشباب المسلم للخروج من الحال التي هو عليها من خلال :
العمل على إيجاد القيادات الرشيدة والحكيمة، العاملة وفْقَ شرع الله ومنهج نبيه صلى الله عليه واله، لحمل أمانة الأمة، وإخراجها من الحال التي أفضت إليه.
توفير فرص العمل للشباب، والقضاء على البطالة، وفتح أبواب الإبداع أمامهم، ليستطيعوا خدمة أنفسهم وأمتهم.
سد أبواب الفتن وطرائق الفساد وسبل الانحراف، واستثمار وسائل الإعلام عموماً في توجيه الشباب ثقافياً وعلمياً واجتماعياً.
العمل على غرس عقيدة الإيمان بالله واليوم الآخر، مع زرع خوف الله ومراقبته في نفوس الشباب، وتربيتهم على الرغبة فيما عند الله من الأجر والثواب.
فضلًا عن تزويد شباب اليوم ورجال الغد بالقيم الإسلامية التي تحافظ على أصالة أمتهم وتراثها.
مع الدعوة إلى الانفتاح على تجارب الآخرين والاستفادة من كل ما فيه خير وصلاح.
والعمل على ربط شباب الأمة بعلمائها وأصحاب الشأن فيها.
وتنمية حب العلم والعمل في نفوسهم.
والحرص على إبراز شخصية الشاب المسلم بصورة المسلم الحقيقي.
تحقيق المزيد من التواصل مع الشباب، وفتح الصدور والقلوب لهم، والصبر على ما قد يبدو من بعضهم من أخطاء؛ فهذا مدعاة لأن يقتربوا من المصلحين والمربين.
والعمل على توسعة المؤسسات التربوية التي يمكن أن تستوعب هؤلاء الشباب؛ إذ لعل النماذج المتاحة لا تتلاءم مع الحاجة المتزايدة.
الاعتناء بالبناء الجسمي والعلمي والفكري، وإثراء الساحة بالمزيد مما يسهم في الارتقاء بالشباب، كالأندية الرياضية، والأندية الثقافية، والمراكز العلمية، توسيع دائرة الحوار المباشر والتدريب على مهاراته داخل البرامج واللقاءات، التي تقدم للشباب.
_____________________
1.الزيدي ، امل علي ناصر (2014) ادمان الانترنت وعلاقته بالتواصل الاجتماعي والتحصيل الدراسي لدى طلبة جامعة نزوى رسالة ماجستير غير منشوره، جامعة نزوى، عمان.
2.شاهين، محمد احمد (2015...فاعلية برنامج ارشادي معرفي سلوكي في خفض ادمان الانترنت لدى عينة من الطلبة الجامعيين، مجلة جامعة الأقصى (سلسلة العلوم الإنسانية) المجلد التاسع عشر العدد الثاني).
3.young , j , "lone lines in college students : A cognitive approach Dissertation baster acts in ternational. 40 3- B(21), 1979
4.العباجي ، عمر موفق بشير ، الإدمان الانترنت , دار مجدلاوي للنشر والتوزيع , عمان , 2007.

اخترنا لكم

لماذا العمل بروح الجماعة صعب المنال؟

بقلم: أنعام العبادي إذا ترسخت قيمة البر وقيمة التقوى سيندفع الإنسان نحو كل ما يدخل ضمن هذين الأمرين ونحو كل ما يُعززهما. والعمل الجماعي ليس مطلوبًا مطلقًا وإنما بما يندرج تحت هاتين الفضيلتين، قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (١)، فالأصل هنا، إذا ترسّخ البر وما يدخل تحته، و التقوى وما يدخل تحتها، عندها لا نحتاج إلى الكثير من الإقناع بأهمية العمل بروح الجماعة، فبعد أن يدركها الفرد وينتمي لمجموعة تعمل بأحد مصاديق البر والتقوى؛ فالنتيجة قوة فعالة مُستمرة الإنجاز ولا تُهزم، يقول نابليون هيل: "إنّ المبدأ الذي يقوم عليه العقل الموجه هو أنّ اثنين أو أكثر من الناس ينهمكون في ملاحقة هدف محدد مع اتجاه ذهني إيجابي يشكلون قوة لا تهزم" (٢)، فمن أهم المفاتيح لتقدم الشعوب، والوصول إلى الصواب بشكل أسرع هو التعاون وأخذ عصارة الآراء والتجارب المُختلفة وصناعة أنموذج، فذلك يجنب الفرد فضلًا عن الجماعة جزءً كبيرًا من الضغط وإضاعة الوقت، فهو بمثابة طي الزمن للوصول إلى الهدف، ويُعطي للعمل المُنجز قوة أكبر، ومع كل ميزات العمل بروح الجماعة، و رغم الاهتمام الذي تَلَقاه في كتابِ الله تعالى وفي الروايات كما روي عن رسول الله (صلى آلله عليه واله): "يد الله مع الجماعة" (٣)، وكذلك من العلماء والمعلمين إلّا أنه صعب المنال، ويواجه نوع من الاختلال وعدم الإنتاجية المرجوة، وانسحاب الأفراد، وقد تصل إلى انهيار الجماعة بأكملها. وعند البحث عن الأسباب نجد أهمها الآتي: ١- عدم كفاءة القائد أو المسؤول، وأبرز علامات عدم الكفاءة: عدم الأهلية للتصدي، عدم وجود وازع أخلاقي، عدم القدرة على المتابعة لأفراد المجموعة وتقويمهم وتحفيز أفكارهم، عدم مكافأة المبدعين، عدم مشاورتهم للأفراد واستشارتهم. ٢- عدم إعطاء كل فرد من المجموعة حقه من الاهتمام سواء من قِبل المسؤول لأفراد المجموعة، أو بين فرد وآخر، فلا بد من الاهتمام بالجميع من قِبل الجميع، والاهتمام بكل إنجاز وكل رأي مهما كان بسيطًا وصغيرًا، ومعالجة حالة التحفظ والانعزال التي يعاني منها بعض الأفراد ومعرفة الأسباب من قبل المسؤول. ٣-من الأخطاء التي تقع بها المؤسسات التي تعمل بشكل جماعي هو البحث عن أشخاص يتوافقون مع توجهاتهم ووجهات نظرهم، وعدم الصبر والتأني، والتأمل في الآراء المختلفة، يوجد هناك بعض الثوابت والقيم التي ينبغي عدم الاختلاف بها وإحرازها من كل فرد لكن هناك أمور توجد مساحة كبيرة لإبداء رأي مخالف قد يساهم في رفع فعالية وإنتاجية المجموعة. ٤- الخوف من المبدعين والناجحين ومحاربتهم غالبًا، وهذا عائق للفرد الذي يعاني من هذا الخوف قبل أن يكون عائقًا للمجموعة، فإذا خاف الفرد من نجاح الآخرين الذين يعملون معه بنفس المطلب وقاطعهم وحاربهم كيف سيتطور ويستفيد من خبرتهم ويجالسهم؟ روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "جالس أهل الورع والحكمة وأكثر مناقشتهم، فإنك إن كنت جاهلًا علموك، وإن كنت عالما ازددت علما" (٤) ٥- ومن الأسباب و خصوصًا في المجاميع الثقافية الإسلامية، هو الاعتقاد بأنّ النجاح بقدر الأتباع، وتحول الفكر السليم والقيم والمبادئ الإسلامية إلى أرقام، مع هذا القياس لن يتقبل الفرد نجاح الآخر، فما على الفرد إلا القيام بعمله على أتم وجه؛ أما النتيجة والثمرة وعدد الاتباع فهو مرهون بأسباب عديدة، وليست هي غاية ما دام الهدف ساميًا يندرج ضمن البر والتقوى. هذه أهم الأسباب التي ينبغي الالتفات إليها والسعي للتغلب عليها، والتي تحتاج إلى إخلاص، وجهد، ودقة، وعلم، وتواضع، وإيمان بالتعاون، ووضع المصالح الشخصية في الخلف وهدف المجموعة في الأمام، فهم كمن شكّل بنيانًا مرصوصًا لا يُخترق وعندها سيُكتب النصر. وأكثر صفة ينبغي السعي للحصول عليها والاتصاف بها سواء من القائد أو المسؤول أو الفرد في المجموعة، هي تلك الصفة التي ذكرها ضرار بن ضمرة لمعاوية عندما قال له معاوية صف لي علياً (عليه السلام) فقال: " كان والله فينا كأحدنا" (٥)، هذه الصفة لعلّها خلاصة لعلاج كل الأسباب التي ذُكرت أعلاه، وعندها ستعمل المجموعة بعقل واحد وهي روحية العمل الجماعي بأيادٍ متعددة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (١) سورة المائدة، آية (٢). (٢) كتاب العمل الجماعي/ إبراهيم الفقهي. (٣) ميزان الحكمة/محمد الريشهري/ج١. (٤) العلم والحكمة في الكتاب والسنة/محمد الريشهري. (٥) بحار الأنوار/ العلامة المجلسي/ج٨٤

القضايا الاجتماعية
منذ 11 شهر
583

تاريخُ الحجابِ

بِقلم: أمل نصير ذَكَرَ عُلَماءُ الآثارِ والتاريخِ أنَ المَرأة (البابليةَ) قَد ارتَدتْ الحِجابِ قَبلَ الفَين وَمِئَتي سنةً قَبلَ المِيلاد؛ لِتَمييزِها عن الرَجُل. وَتَظهر(عِشتار) وَعَلى رَأسِها عِصابة تَتَزيِنُ بِها وكانتْ للتَجميِل.. ثُم تَطَورَ الحِجاب واغْطِية الرأسِ بشكلٍ عام، وَأصْبَحَتْ للتَزيِيِن وَالتَمايِزِ الطَبَقي عِندَ (الآشوريِيِن)، فَفِي القَرنِ الثَانِي عَشَرَ قَبلَ المِيَلادِ كَانتْ المَلِكَةُ تَلبَسُ التاجَ وَالنِساء مِنَ الحَرائِرِ يَلبَسنَ ما يُغَطِي جَميِعَ الجَسَدِ عَدا الوجهِ، أما الوَصِيفات فَكُنَ يَظهَرنَ سافِراتٍ لِتَميِيِزِهِن عَن الحَرائِر! وَفِي (الحَضَارةِ المصريةِ) تَظهَرُ المرأةُ فِي النُقوشِ الفِرعَونيِةِ سَافِرةً حتى جَاءَ أليكسوس فتَحَجبتْ؛ خَوفاً مِن الاعتِداءِ عَلِيها. وَحِينَ انتَصَرَ رَمسيِس الثالث عَلى أليكسوس نَقَشَ عَلى الحِجَارةِ مُفتَخِرًا بِإمكانِ المرأة أن تَرفَعَ قِناعَها بِلا خَوفٍ ولاَ وَجل؛ إذ لَن يَتَعرضَ إليها أحدٌ بسوءٍ بَعدَ اليومَ فِي إشارةٍ إلى طَردِ الغزاةِ وَعَودَةِ الأمنِ وَالاستِقرارٍ.. أما عِندَ (الإغريق) فقد اختَلَفتْ مَكانَةُ المرأةُ باِختلافِ الممالكٍ.. فَفِي (أثنا) عَرفت المرأةُ الحِجَابَ الكُلي، فلا تَخرُجْ، ولا تَتَعلمْ، ولا تُشارِك، ولا تَرِثْ. وَفِي (قِرطَاجة) كان يُسمح لَهُنَ بالخُرُوجٍ وَلَكن مُحَجَبات. وَفِي( طيبة اليُونانِيةِ) كُنُ يَخرُجنَ مُتنقباتٍ، لا يَبدوُ مِنهُنً سِوى العَينَييِنِ. وَفِي( اليَهوديةِ) كان من حق الزوج أنْ يطلق المرأةُ إنْ لمْ تَرتَد الحِجَابَ أمامَ الغُرَباءُ.. وَفِي( المَسِيحِيةِ) تُعاقبُ المرأةُ إذا لمْ تُغَطِ رأسَهَا أثناءَ الصَلاةَ أما فِي الحضارة الإسلامية فَإنَّ مَكَانةَ المرأة المُسلِمَة يُحدِدُها مدى الِتِزَامِها بِتَعَاليمِ ديِنِها الحَنِيِفِ وَعَلى رَأسِها الحِجَاب الذِي يَحْفَظُ لها كَرَامَتَها وَيَصُونُها عَن أعيُن الغُرَباءِ وَالمُتَجرئين.. فَأيِن أنتِ أُختي المُسلِمةُ مِن هَذا التَارِيخِ الحَافِلِ بالعِفةِ وَالحِجابِ؟ أما آنَ الوَقتُ أنْ تَرجِعِي الى فِطرَتَكِ؟ فَكُلُّ يَوُمٍ يَمُرُّ عَلى جَسَدَكِ وَهوَ يَتَعرَضُ لِمُختَلَفِ العُيُونِ وَتُلامِسهُ الأهواءُ وَالأفكارُ يَشيخُ مِن حَيثُ لا تَشعُرين.. أما آن الأوان أنْ تَسمَعي صُرَاخَ ضَمِيرِكِ على ما تَهدُريِنَ مِن نِعَمِ اللهِ (تعالى)؟ سَتَسمَعيِنَ وَسَتُدرِكيِنَ، وَلَكِن حِينَ لا يَنفعُ الإدْراكُ .. فَالِبدارِ البِدار للحِجَابِ وَالسِتَارِ قَبلَ هُجرانِ الدِيار.. قَبلَ الانتِقالِ إلى غَيِرِ دْارْ هَدَاكِ اللهُ يَا أُختي..

اخرى
منذ سنة
343

أيُّها السّاقي لماء الحياةِ متى نراكَ؟

بقلم: زينب راضي الزيني/ ليلى زغيب أيُّها الغائبُ العزيز، تُراكَ تقرأُ حروفي أو تسمعُ أنيني.. إنْ كنتَ كذلك فلِمَ لا تجيبني؟ عندما كنتُ أطوفُ في بيتِ الله تعالى تمنيتُ رؤيَتك ومصاحبَتك يا بن رسولِ الله.. أخذتْ تروادني الشكوكَ وتتقاذفني الأفكارُ المتضاربةُ، لماذا لم أحظَ برؤيتهِ الشريفة؟ كنتُ كلما انتهي من طوافٍ اقرأ دعاء الفرج وأقول للنسوةِ معي: عليكُنَّ بالتوسل بصاحب العصر حتى تتمكَّنّ من الطوافِ بيسرٍ وسهولةٍ لأنّ الطوافَ كانَ مزدحمًا جدًا ونحنُ في شهر رجب الأصب، والحرمُ المقدس مزدحمٌ فكان الطوافُ سهلًا ببركة مولانا الحجة (عجل الله فرجه) ولم نحس بالتعبِّ، تمنيتُ وبشوقٍ رؤيةَ محيّاه الكريم والمثولَ بينَ يديِه، والدمعُ ينهمرُ مدرارًا من مآقيِّ لكن مع هذا لم أيأسْ وأقلقْ إذا تأخر عني لطف صاحب الزمان لأني أعلم أنّه ملتفتٌ إليَّ... فهل لليلة الانتظار من غدٍ، فأكحل مقلتي التي يوشك أنْ يُصيبَها من البعد رمد؟ أصبح الأسى سيديّ مخيمًا علينا وليس للعيش من رغد. عليَّ أنْ لا أفقدَ الأملَ بالانتظارِ في خلاصنا من الشدة والبلاء.. كم مرةً كسرنا قلبك وما زلتَ تعفو عنا؟ كم مرةً أبعدتنا الدُّنيا وما زلتَ تأخذ بأيدينا؟ وكم مرةً آلمنا قلبك بأعمالنا وما زلتَ تمسحُ على قلوبِنا؟ وكم غفلنا وأنتَ وحيدٌ بيننا... غريب وما لك دارٌ.. تتفقدنا ومطّلع على ما يبدر منّا.. متى ستأتي ويلتئم جرحنا، وتمسح دموعنا التي بللتْ وسادتنا؟ خذْنِي بفلكِك سيدي فالعالمُ من حولِي سقيم... فأنتَ النجاةُ وأنتَ الطريقُ المستقيم.. يا ساكنًا وسطَ القلوب فأنتَ منارٌ للدروب.. طالَ الانتظارُ سيديّ، امددْ يدكَ إليّ وارحمْ حالِي.. وتفقدْ بقايا روحي قبلَ فوات آجالي.. يا حيرةَ العشاق، متى تزورنا؟ من أيِّ بابٍ... يا مغيّباً عن العيونِ الصبرُ ذاب... والعمر غاب.. وطال الانتظار متى اللقاء؟ يا يوسف الزهراء.. فما رأيتُ أعز من مأواك.. تاقتِ العيونُ بالدمعِ شوقًا لرؤياك.. فكلُّ عينٍ تهفو سيدي للُقاك.. هنا صوت ينادي وهناك.. متى ترانا يا بن فاطمة متى نراك.. وقدْ نشرتَ لواء السلام.. ونشرتَ العدل والوئام.. ليتني اجعلك تبتسمُ سيديّ بأعمالي، فالأرضُ يابسةٌ وأنتَ ماؤها. وسبب دائنا ما جرى من الناس... أعمالنا.. نزواتنا.. حقدنا.. كذبنا على بعضنا فجورنا.. متى نقول: إنّنا يا سيديّ تائبون مذنبون، لعل رحمةً تُدركنا منك. زادَ يا سيديّ واستفحلَ الاشتياق... إنّها أيامُ انتشارِ عطرك بالمكان... فها قدْ قرُبَ النّصفُ من شعبان... فيا ترى هل نحظى بنظرةٍ لنورِ مُحيّاك؟ أخطُ أحاسيسي على جدارِ قلبِي المتّعبِ والمثّقلِ بالذنوب فلعل نفحةً من عطرِك تدخلُ روحي فتمسحُ كلَّ التبعات. بيومِ مولِدك سيديّ أُضيء شمعةً مليئةً بالأملِ، وأرسمُ لك بينَ أضلُعِي صورةً من ذكرياتِ الدار. أبا صالح يا مُنيةَ القلب، يا قِبلةَ الرجاء تَعطفْ عليَّ بنظرةٍ ترّدُ نبض الحياة إليّ. يا مُنيتي أُخاطبُ النسيمَ لعلّهُ مرَّ بكَ وصافحَ تراب قدميكَ.. بيومِ مولِدك أخطُ أُمنيات قلبي بريشةِ الرجاء ممزوجة بدمعِ الشوقِ إليك.. في كلِّ جمعةٍ سيديّ ندبةٌ تترددُ في الأعماق.. أين أنتَ؟ أينَ استقرتْ بك النوى؟ أهيمُ في وديانِ وجداني.. تارةً في كربلاء.. أراك وأخرى في روضةِ الزهراء... وأكملُ الطريقَ بينَ أضرحةِ العراق فأرى آثارَكَ في كلِّ ناحية... هنا أسمعُ أنينَك مع الكرار... هنا وهناك وفي سامراء... وأُكملُ الطريقَ بينَ آهاتٍ وأشجان... فأينَ أراك؟ يا مُنيتي؟ خذْ بيدي إلى ساحةِ عطفِك... خلصْ أشلاءَ روحي من شظايا الموبقات.. فما لي أملٌ سواك؟ روحي تئن وتئن فمتى أراك؟ فمتى أراك؟

اخرى
منذ سنة
521

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
91640

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
90669

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
49271

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
47307

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
47299

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنتين
46993