تشغيل الوضع الليلي

التوســـل في مقام الزهراء عليها السلام/ دراسة مقارنة (ج١)

منذ 6 سنوات عدد المشاهدات : 4899

بقلم: علوية الحسيني
إنّ التوسل عقيدةٌ متسالم عليها نقلاً وعقلاً، وفي مبحثنا هذا سيتم تسليط الضوء على عقيدة الشيعة الامامية في التوسل بمقام الزهراء (عليها السلام) في هذا المطلب ضمن الفروع التالية:
■المطلب الأول: التوسل في عقيدة الشيعة الإماميّة.
* الفرع الأول: تعريف التوسل
التوسل لغةً: " الوَسِيلةُ : المَنْزِلة عند المَلِك .
والوَسِيلة : الدَّرَجة. والوَسِيلة : القُرْبة. ووَسَّل فلانٌ إِلى الله وسِيلةً إِذا عَمِل عملاً تقرَّب به إِليه. والواسِل : الراغِبُ إِلى الله"(1) وَسَلَ.
-التوسل شرعاً: "الوسيلة هي التحقق بحقيقة العبودية وتوجيه وجه المسكنة والفقر إلى جنابه تعالى، فهذه هي الوسيلة الرابطة"(2).

*الفرع الثاني: أقسام التوسل
إنّ التوسل على قسمين، والقسمان لا يختلفان عن بعضهما فكلاهما طلب من الله تعالى في اساس الفعل، وهذا اكبر دليلٍ على اتكائنا على الله سبحانه، ونفي الشرك لذي ألبسنا ايّاه اعداء المذهب.
"والتصوران هما"(3).
1ـ تارة نطلب من الله تعالى بحقّ نبيّ أو إمام ، أو عبد صالح ، أن يقضي حوائجنا، كما في قوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا }(4).
2ـ وتارة نطلب من النبيّ والوصي ، والعبد الصالح ، أن يطلب من الله تعالى قضاء الحوائج . كما في قوله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب : { قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(5).

*الفرع الثالث: الأدلة على مشروعية التوسل
دلّت العديد من الآيات الكريمة والروايات الشريفة على التوسل صراحةً وضمناً، وبين يدي القارئ بعضها.
أولاً: التوسل في النص القرآني
1-قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون}(6).
فلو كان اتخاذ الوسيلة الى الله تعالى شركاً لَمَا أمر به في كتابه العزيز وجعل نتيجة ذلك الفلاح.
2-قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيما}(7).
الآية تقول: لو أنّ قوماً اتخذوا نبي الله محمدًا (صلى الله عليه وآله) وسيلة ليطلب لهم المغفرة من الله تعالى، لقبل الله توبتهم، فلو كان طلبهم هذا شركاً لذمهم الله تعالى، ولما قبل توبتهم.
3- قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَه}(8).
أفادت هذه الآية انّ المبتغين للوسيلة يرجون القرب من الله تعالى ورحمته ويخافون عذابه، وذلك بالطلب من تلك الوسيلة أن تطلب مرادهم منه تعالى.
4-قوله تعالى حكايةً:{ قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِين}(9).
توضّح بصورة مباشرة فائدة الوسيلة (يعقوب النبي) الذي اتخذه أبناؤه وسيلة إلى الله تعالى ليغفر لهم ذنوبهم متوسّلين به.

ثانياً: التوسل في النص الروائي
إنّ الأئمةَ عليهم السلام كثيراً ما كانوا يتوسّلون إلى الله تعالى، وقد وردت رواياتٌ عديدة تبيّن فضل التوسل بمحمدٍ وآله –عليهم الصلاة والسلام- ، وكيفية ربط الزيارة بالتوسل ومن ثم الشفاعة .
نتبرّك بذكر بعضٍ منها:
1- في رواية: تقول قبل دخولك في الصلاة: اللهمَّ إني اقدم محمداً نبيك(صلى الله عليه وآله) بين يدي حاجتي وأتوجه به إليك في طلبتي فاجعلني بهم وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين، اللهمَّ اجعل صلاتي بهم متقبلة( 10).
2-ومن مناجاة أمير المؤمنين (عليه السلام): (فبذمة الإسلام أتوسل إليك وبحرمة القرآن أعتمد عليك وبحق محمد وآل محمد أتقرب إليك فصل على محمد وآل محمد واعرف ذمتي التي بها رجوت قضاء حاجتي برحمتك يا أرحم الراحمين)"(11).
*الفرع الرابع: التوسل في الزهراء (عليها لسلام) في معتقد الشيعة الامامية
إنّ العالم المادي خاضعٌ لنظام الأسباب والمسببات، فلكل معلولٍ علّة؛ فالمطر سبب لإنبات الثمرات، والأب سبب لإيجاد ابنه، مع ملاحظة أنّ تلك العلل ليست علّة تامة –أي إنّ المطر، والأب معلولان للعلّة التامة التي هي الله تعالى- فالنظام الكوني وما فيه خاضع لإرادة الله تعالى، وتحت حياطة علمه.
وهكذا العالم المعنوي يخضع لنظام الأسباب والمسببات، وأيضاً كلٌ يندرج تحت إرادة وعلم الله سبحانه.
فالتوسّل بالأرواح الطاهرة يجري في العالم المعنوي، ومن تلك الأرواح روح فاطمة الزهراء (عليها السلام).
لقد قرأنا الآية الكريمة: {وَلَو أَنَّهُم إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُم جَآؤُوكَ فَاستَغفَرُوا اللّهَ وَاستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيما}(12). وعلمنا أنّ قوماً توسلوا برسول الله محمد (صلى الله عليه وآله) فاستغفر لهم، فانطلاقاً من هذه الآية الكريمة ممكن أن نثبت مشروعيّة التوسّل بالسيّدة الزهراء (عليها السلام)؛ فنقول:
بما أنّ التوسّل ثبتت مشروعيّته للنبي محمد (صلى الله عليه وآله)، فتثبت لآله، إذ لو كان التوسل محرمًا، لحرم حتى به (صلى الله عليه وآله)، ولكن حيث جاز به، وأهل بيته (عليهم السلام) هم نفسه، والزهراء عليها السلام روحه التي بين جنبيه، فجاز التوسل بها أيضًا.
_____________________
(1) لسان العرب: لابن منظور، مادة التاء.
(2) الميزان في تفسير القرآن: للعلامة محمد حسين الطباطبائي (قدس سره)، تفسير سورة المائدة.
(3) موسوعة الأسـئلة العقائدية: مركز الأبحاث العقائدية ، ج3، ص214.
(4) النساء : 64.
(5) يوسف : 97 ـ 98.
(6) المائدة: 35.
(7) النساء:64.
(8) الإسراء: 57.
(9) يوسف: 97.
(10) الكافي: للشيخ الكليني، ج2، ص544. وفي المعنى أيضاً في الكافي 3: 309، التهذيب 2: 287، الفقيه 1: 302 عن أبي عبد الله (عليه السلام) وغيرها.
(11) البحار: للعلامة المجلسي، ج 91، ص108.
(12) النساء:64.
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

يتبع: التوسل في مقام الزهراء (عليها السلام) بعقيدة أبناء العامة في الجزء الثاني إن شاء الله تعالى.

اخترنا لكم

إلهٌ واحدٌ أم ثالثُ ثلاثة؟

نـــعم، إيّاك أُخاطبُ أيُّها المسلم! فبعدَ أن احتفلتَ (أو ستحتفل) بأعياد النصارى، هل عرفت ما معنى هذا الاحتفال، وعلى ماذا يدل؟ الكريسمس عبارةٌ يردّدها البعض دون أدنى معرفة، فهل عرفتَ معناها؟! الكريسمس: هو الميلاد المجيد للرب، فإنّ عيسى في عقيدة المسيحين هو (ابـنُ الله)، ويشترك في طبيعته مع الله كما يقول يوحنا في انجيله: "هذا المسيح الذي جاء ليطهرنا من الخطيئة، هو نفسه الله ولكنه تجسد في صورة انسان"(١). تُـرى هل تعقل أيّها المسلم أنّ إلهكَ يولد؟! إذاً، أيـن تدبّركَ في سورة التوحيد حينما تقرأ في كلّ صلاة: "لَــمْ يَلِدْ وَلَــمْ يُولَد" ؟! قـارن بينَ العقيدتين وتعقَّل أينَ أنت! ففي عقيدتك ينفي الله تعالى في القرآن الكريم ألوهيّة عيسى بقوله: {مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيل}(٢). إمّا في عقيدة النصارى: فإنّ الله أثناء معمودية المسيح قال: "واذا صوت من السماوات يقول: هذا هو ابــــني الحبيب، الذي به سررت كل سرور!.... وانطلق صوت من السحابة يقول: هذا هو ابني الذي اخترته. له اسمعوا!"(٣). ورغم ذلك، فها هُم بعض مسلمينا على توالي السنوات: أقاموا الولائم والحفلات ، وتبادلوا الهدايا والمعايدات، ونشروا الزينة والبطاقات، غناءٌ وفاجرات، تسيّبٌ وراقصات، خمورٌ ومنكرات، تضامناً مـع النصارى بميلاد ربّهم! إنّهُ يومٌ يُشرك به الله عز وجل، فلماذا نختبئ وراء أصبعنا؟ لماذا نجهل عقيدتنا؟ لقد مرّت ولادة ذلك النبي العظيم محمد (صلى الله عليه وآله) دون أن تحتفل امته به بالشكل المطلوب! فأين نحن منه يا أُمّة المليار مسلم أو أكثر؟! البعض يدّعي باحتفاله مع النصارى أنّه يطبّق مبدأ التعايش السلمي، لـــكنه حتى بهذا المبدأ جاهلٌ تمام الجهل؛ حيث إنّ التعايش الذي يهدف إليه ديننا الحق هو (التعايش السلمي الأخلاقي مِن حيث احترام أصحاب الأديان دماً ومالاً وعرضاً إن لـــم يتعرّضوا لانتهاك ديننا)، وليـــس التعايش الفكري الذي به كاد البعض أن يخرج مِن الإسلام ويعتنق المسيحيّة، فالتعايش الفكري هو ما البعض عليه الآن، مِن اتبّاع عقائـد النصارى بلبس الصليب، وإحياء ذكرى ميلاد ربّهم، والتلفظ بعبارات الكفر، فضلاً عن التشبّه برموزهم!. أفِق يا مُجتمعي! وسخِّر طاقاتك في الدعوة إلى دين الله، دين التوحيد، دين لا إله إلاّ الله. نعم، الحكم الشرعي للاحتفال بأعياد النصارى جاء مشروطاً بعدم الترويج للمعتقد المسيحي، ففي سؤالٍ وُجّه لمكتب سماحة المرجع الأعلى السيد السيستاني (دام ظله) مفاده: "هل يجوز ان نحتفل برأس السنة الميلادية؟ الجواب: اذا كان فيه ترويج للمسيحية لا يجوز"(٤). وفي سؤالٍ آخر مفاده: "هل يجوز المشاركة في مجالس الاعياد الغير الاسلامية ؟ الجواب: إذا كان فيه ترويج للمسيحية أو للفساد فلا يجوز"(٥). ■فإن قيل: مـا المراد بالترويـج؟ ■اُجيب: المراد منه هو الترويج لما يعتقد به النصارى اليوم من عقيـدةٍ فاسدة، تأليه عيسى، قيامه من الصَـلب، الإيمان بالأقانيم الثلاثة-الأب والابن وروح القدس-. تــوضيـح: إنّ كلّ عاقلٍ يحكم باستحالة موازنة المعادلة التالية : الأب =أقنوم الابن =أقنوم الروح القدس=أقنوم كلمة أقنوم كلمة سريانية الأصل معناها : الذات الإلهية المستقلة، والذوات أعلاه هم ثلاثة أقانيم متحدون ومتساوون في الجوهر، ومن يقل أإنّهم جميعاً اقنوم واحد فهو مهرطق كافر، فيعتقدون أنّ: الأب =إله حق الابن=إله حق الروح القدس=إله حق إذاً هم جميعاً إله واحد، ومن يقل ثلاثة آلهة فهو مهرطق كافر. يعني إن قلت: ثلاثة أقانيم فتكفر بإله واحد، وإن تقل: إله واحد فتكفر بثلاثة أقانيم، فلا مهرب ولا إيمان بمسألة إلاّ على حساب الأخرى! ومن هنا لابد أن يكون الفرد المسلم واعياً لما يعتقد، وفطناً لما يقلِّد. فهناك من المسلمين مَن لا يعتقد بعقيدة النصارى (التثليث)، إلاّ أنّه يدّعي معايشتهم بشرائه الصليب ولبسه له، وهنا غفلةٌ اخرى منه لا إلى الجانب العقائدي، وإنّما إلى الجانب الفقهي، حيث غفل عن أنّ الحكم الشرعي يقول: "لا تجوز التجارة بما يكون آلة للحرام بأن يكون بما له من الصورة الصناعيّة...لا يناسب أن يستعمل إلّا في عمل محرّم، وله أنواع: منها: الأصنام وشعائر الكفر كالصلبان"(٦). فالمترتب على ذلك ليس حرمة اللبس فقط، وإنّما بطلان عقد البيع، فلا تثبت ملكية الصليب لك، ولا ملكية الأموال للبائع... فهلاّ أدركتَ رعاك الله تبعات التقليد الأعمى؟ وهنا سؤال يجول في ذهن كل عاقل، يشحذ الهمم بعيداً عن كل تخاذل، وهو: إلى متى نبقى نتأثر ولا نؤثِّر؟ لماذا أغلب دول العالم العربي والغربي تتضامن مع النصارى بذكرى ميلاد المسيح، ولم نجد نسبة التضامن تلك في ذكرى ميلاد النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله) ؟ وأخيراً أقول: لست بصدد الدعوة إلى مقاطعة أهل الكتاب، بل الدعوة إلى الحذو حذو الرسول محمدٍ وآله الأطهار (صلوات الله عليهم)، وهو ما أشرت إليه بالتعايش السلمي، من وجوب احترام المخالفين في الدّين، لكن الكلام فعلاً في الانزلاق في مخاطر التعايش الفكري، فتأمل. ___________________ (١) انجيل يوحنا :١. (٢) سورة المائدة: ٧٥-٧٧. (٣) انجيل متّى، ٣:١٧، وانجيل لوقا ٣٥:٩. (٤) موقع مكتب سماحة السيد السيستاني دام ظله، الإستفتاءات. (٥) المصدر نفسه. (٦) منهاج الصالحين: للسيد السيستاني، ج٢، م٩. والحمد لله ربّ العالمين، وصل اللّهم على نبي الرحمة ومعدن العظمة، محمد وأهل بيته ميزان الحكمة. علوية الحسيني

اخرى
منذ 7 سنوات
3093

قدوةٌ مُشعةٌ ووردٌ أحمر

بقلم: علوية فاطمية حسينية مهدوية لا تظنون أنّنا رفعنا راياتٍ سوداءَ على أسطحِ المنازلِ وتوشّحتِ البناياتُ بالسوادِ وارتدينا الملابسَ السوداءَ لمجرَّدِ إعلانِ الحداد، ولا نصبنا المآتمَ وأجرينا دموعَ العين؛ لنُذكِّرَ العالمَ بهذه المصيبة.. لا؛ فالأمرُ أكبرُ وأعظمُ، دمُ حُسيننا ما زالَ يفورُ مُعلنًا ثورةَ الإصلاحِ في النفوس، وإصلاحُه لم يقتصرْ على ذاكَ الزمانِ فحسب، بل يشملُ كُلَّ زمانٍ وثورتُه في كُلِّ آن؛ لذا لن يستطيعَ أحدٌ محوَ آثارِ الإسلامِ، فمادامَ هناك حُسينٌ فلا خوف.. سمعتُكُم ذاتِ يومٍ تتحدّثون بحيرةٍ وحزنٍ شيطاني، بأنّكم ترمونَ شباكَ الضلالِ والخداعِ في كُلِّ آنٍ وتوقعون بالشباب والأطفال وأيضًا الكهول نساءً ورجالًا، تُلهونهم قليلًا؛ لينسوا ويبتعدوا عن الطريق، وتوشكونَ أنْ تنجحوا، ولكن في نهايةِ الطريقِ تفشلون وتعودون إلى أسيادكم خائبين.. السرُّ في ذكرِ الحُسينِ (عليه السلام) وإحياءِ شعائره، قلتموها مرارًا: ما دامَ هناك زينبٌ فلا نستطيعُ أنْ نوقعَ النساءَ إلا إذا غيّبنا القدوةَ وهذا أمرٌ مُحال، فقدوتهن بليغةٌ قويةٌ صابرةٌ، فقدتِ الأهلَ والأحبابَ، وضحّتْ بالابنِ والأخِ والأنصارِ، وظلّتْ صامدةً مُشعةً بوجهِ الظلام.. زينبُ ابنة علي كشعلةٍ سارتْ برحلةِ سبيها إلى الشام، وما زالتْ مُضيئةً إلى الآن، ونساءُ الأمّةِ تستمد النورَ والطهرَ والعفافَ والإصرار من مثلِ لبوةِ حيدرةٍ، سارتْ بقوةِ حيدرٍ وعفةِ فاطمٍ ببلاغةٍ وفصاحةٍ قرآنيةٍ قد أخرستِ الألسنَ بثباتٍ مُحمدي. أعلمتم الآنَ ما نعني أنّنا لن نتوانى عن إحياءِ الشعائرِ طرفةَ عينٍ أبدًا؟ وسنبكي بكاءَ زينبِ الحوراءِ... بكاءَ نصرٍ وعزةٍ وثبات. فببُكائنا وإحياءِ الشعائرِ سنحيى ونولَدُ من جديدٍ، وستذكرونَ من قدوتنا وسندنا، ولن تستطيعوا النيلَ ممن تربى في المجالسِ وصارتْ له كالهواء والغذاء.. سنُحيي شعائرَنا مهما كانتِ الظروفُ، حتى لو كُنّا تحتَ التُرابِ في القبور أو في عالمِ البرزخِ أو في الجنانِ أو في أيِّ مكانٍ سنُحيي شعائر من أحيا معالمَ الدين.. نعم، لوثتم العالمَ بالسموم وقد أصابنا بعضٌ منه، لكنّنا سارعنا للعلاجِ بمستشفى الحسين (عليه السلام)؛ فمحرمُ وصفرُ هو فترةِ العلاجِ، وسنخلعُ السوادَ ونرتدي الأبيضَ بعدَ شفائنا ونقائنا من السموم. لا يهمُّنا ما تفعلون؛ فالمستشفى الإلهي أبوابُه مفتوحةٌ على مصراعيها، ولا تستثني أحدًا أو تردَّ أحدًا، بل تهتفُ بالترحيبِ وتوزِّعُ الورودَ عند الأبوابِ، لكنَّ ورودَها حمراءُ صافيةٌ، ليس لها نظيرٌ، وعطرُها كأنّه عطرٌ من الجنان، ما إنْ تشاهدها العينُ وتستنشقُ عبيرَها حتى يرِقّ القلب، ويبكي بحُرقةٍ ولوعةِ طول الطريق، وهذه الوردةُ المقطوفةُ هي دواؤنا الوحيد.. فالشكرُ للهِ (تعالى) على نعمةِ الحُسين (عليه السلام) الذي شفانا وأعادنا لإنسانيتنا وأوضحَ لنا الطريق.. ومازالتِ القدوةُ أمّ الخدرِ زينب (عليها السلام)..

اخرى
منذ 5 سنوات
1082

اليميــــن

اليمين هو الحلف، وسمّي كذلك لأن من يُقسم غالباً ما يستخدم يده اليمين فسمي الفعل و هو الحلف باسم الآلة و هي اليد اليمين. والحلف أو اليمين من العادات المعروفة في ألسنة الناس و الموروثة جيلا بعد جيل، ولا يقتصر الحلف على لغة دون لغة . وتُبنى على اليمين الكثير من الأمور كدفع التهمة والحكم ببراءة الشخص مثلا. ويُركن إليه في موارد متفرقة كتطييب النفس وتأييد الخبر وما شابه. ولأهمية اليمين في الفصل في النزاعات فقد اعتنت بأمره القوانين المدنية، ولم تقصر استخدامها على ذلك وحسب، بل وأعطتها وجهة قانونية في بعض الموارد كحلف الرؤساء والوزراء والنواب بل وسائر الوظائف والمهن الأخرى كالطب والمحاماة وغيرها عند تقلد المناصب الهامة في الدولة. و أما الشريعة المقدسة فقد اهتمت به كثيراً، وقد وردت في تشريعه وبيان ماهيته وأحكامه الآيات الكريمة والروايات الشريفة. ولابد في اليمين من القصد وعقد العزم عليه لأن الأعمال بالنيات أولاً ولقوله (عز من قائل): " لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ " (1) , ولما روي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال (الراوي): "سألته عن رجل حلف وضميره على غير ما حلف، قال: اليمين على الضمير" (2). وعليه فإذا تلفّظ شخص بلفظ اليمين دون قصد مسبق ودون وعي كاف، لم يكن ملزماً بتنفيذه… أقســــام اليميـــن: وقد اعتنى الإسلام بشأن اليمين اعتناءً خاصاً فشرع له تشريعاً خاصاً وسنّ للحنث ببعض أقسامه كفارة إذا كان القسم بالذات المقدسة خاصة؛ وذلك لرعاية حرمة المقام الربوبي، وأنواع اليمين هي : الأول: اليمين الغموس، وسمّي بهذا الإسم لأنه يغمس صاحبه بالنار ، و هو الحلف بالله (تعالى) كاذباً على أحداث ووقائع قد وقعت في الماضي . و من أقسامه شهادة الزور إن كانت مقترنة بالحلف، ويترتب على هذا الحلف الإثم فقط ولا كفارة فيه . الثاني : يمين المنعقد ، و هو الحلف على عدم فعل شيء معين، ويشترط في هذا الشيء أن يكون راجحاً عقلاً وشرعاً، وإذا حنث المكلف به -أي فعل ما حلف الامتناع عنه أو امتنع عما حلف القيام به- ثبتت عليه الكفارة والإثم معاً . الثالث : يمين المناشدة: وهو أن يحلف المكلف على قيام غيره بفعل، كأن يحلف على أن يدخل صديقه داره، أو أن يأكل من طعامه وشرابه، ولا يترتب على تخلف المقسوم عليه عن موضوع القسم أثم ولا كفارة لا عليه ولا على الحالف، وإن كان يستحب للمقسوم عليه الاستجابة والبر بقسم أخيه المؤمن، ويعتبر هذا النوع من اليمين من أكثر أنواع اليمين تداولاً بين الناس. الرابع : يمين اللغو: وهو اليمين الشائع بين الناس، كأن يقول الحالف به: والله ذهبت إلى المدرسة ، أو كأن يجيب من يسأله هل امتحنت؟ فيقول: والله إمتحنت ولكن يشترط فيه أن لا يكون بقصد اليمين، ولا كفارة على هذا اليمين، نعم يترتب عليه الإثم إن كان مخالفاً للواقع من باب الكذب. الأيمان المنهي عنها: نهى الدين الاسلامي المسلمين عن استخدام اليمين بالله (سبحانه) و ذلك توقيراً لله (جل شأنه)، إذ قال (سبحانه) : " وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لإيمانكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "(3). ولايُفهم من سياق الآية الكريمة بالإضافة إلى سبب نزولها أن النهي مطلقٌ بل هو مختصٌ في: إولاً: اليمين الكاذبة سواء كانت في المحاكم لغرض الحكم في الدعاوى أو خارجها فقد روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) إنه قال: " اليمين الفاجرة تخرب الديار وتقصر الأعمار "(4) ، وعنه (صلى الله عليه وآله) أيضاً : " من حلف يمينا كاذبة ليقطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان "(5) ثانياً: ما كان مرجوحاً من الأمور، ولم يكن فيه بر أو تقوى أو إصلاح، كإن يحلف الزوج بعدم مقاربة زوجته، حيث يجب عليه نكث يمينه وإعطاء الكفارة والعودة إليها أو الطلاق، ويسمى هذا الحلف بالإيلاء، أو كالحلف على قطيعة رحم فقد سُئل الإمام (عليه السلام) عن امرأة جعلت مالها هدياً، وكل مملوك لها حراً، إن كلمت اختها أبداً؟ فقال (عليه السلام): "تكلمها وليس هذا بشيء، انما هذا وأشباهه من خطوات الشيطان" (6) ثالثاً: التألي على الله (تعالى)، فقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله): " أن رجلا قال يوما : والله لا يغفر الله لفلان . قال الله (عز وجل) : من ذا الذي تألى على أن لا أغفر لفلان ؟.. فإني غفرت لفلان ، وأحبطت عمل المتألي بقوله : لا يغفر الله لفلان "(7). رابعاً: كما ورد النهي عن اليمين (بغير ضرورة) ، كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام) أنه قال: " لو حلف الرجل أن لا يحك أنفه بالحائط، لابتلاه الله حتى يحك أنفه بالحائط" (8) خامساً: وردت أحاديث في النهي عن اليمين صادقاً بالله إلاّ لضرورة كما روي عن الامام الصادق (عليه السلام)، أنه قال: "من حلف بالله كاذباً كفر، ومن حلف بالله صادقاً أثم، إن الله يقول: { وَلاَ تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ } ". (9) *أهم الشبهات في باب اليمين والقسم: وإتماماً للفائدة لا بد من التعرض إلى أهم الشبهات التي طرحت في موضوع اليمين و توضيح مفادها والرد عليها، حيث يتهم البعض من يحلف بغير الله (تعالى) بالشرك بالله (جل جلاله) مستنداً في حكمه هذا الى أمرين: الأمر الأول: إن الحلف بغير الله (تعالى) شركٌ به (عز و جل) ؛ لأن اليمين بغير الله (تعالى) إعظاماً للمُقسَم به و إجلالاً لأمره لابتناء معنى القسم على ذلك، وبالتالي ففيه نوع خضوع و عبادة له و هو شرك بالله (عز وجل) و قبل الرد على هذه الشبهة لا بد من توضيح حقيقة و هي إن اليمين الشرعي الذي له آثار شرعية في باب اليمين أو القضاء لا ينعقد بغير الله (سبحانه) كما هو مفصل في الفقه، وعليه ليس كلامنا فيه، وإنما كلامنا عن مطلق القسم بغيره (جل شأنه)، وللرد نقول: أولاً: إن التعظيم له درجات، فالمؤمن ينبغي عليه أن يعظم والديه ويجلهما، كما ينبغي عليه تعظيم معلمه وتعظيم الصالحين وتعظيم الأئمة والأنبياء (عليهم السلام) وأعلى درجات التعظيم التي لا يدانيها تعظيم مطلقاً هو تعظيم الربوبية المستقلة التي يستغني بها الرب عما سواه، وعليه فكل تعظيم لمخلوق لا يصل إلى هذه الدرجة الأخيرة الرفيعة هي جائزة طالما كانت تناسب شأنيته، وبالتالي فليس كل إعظام هو شرك بالله (تعالى). الثاني: إن الله (عز وجل) قد أقسم بكثير من خلقه كالسماء والأرض والشمس والقمر والكنس الخنس من الكواكب وبالنجم إذا هوى، و أقسم بالجبل والبحر والتين والزيتون والفرس وأقسم بالليل والنهار والصبح والشفق والعصر والضحى ويوم القيامة، وأقسم بالنفس، وأقسم بالكتاب والقرآن العظيم وحياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبالملائكة إلى غير ذلك في آيات كثيرة، ولا يخلو قسم من إعظام، فإن كان إعظام المقسوم به شركاً لكان كلامه (سبحانه) أولى بالتحرز منه وأحرى برعايته. الثالث: إن الله (تعالى) قد عظّم أموراً كثيرة في كلامه كالقرآن الكريم والعرش وخلق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال تعالى: "و القرآن العظيم"(10) ، وقال: "وهو رب العرش العظيم" (11)، وقال : " و إنك لعلى خلق عظيم" (12). بل و جعل للمؤمنين حقوقا على نفسه (سبحانه و تعالى) و عظمها واحترمها، قال (تعالى): "وكان حقا علينا نصر المؤمنين"(13)، فما المانع من أن نعظمها نحن و نجري على ما جرى عليه كلامه في مطلق القسم. الأمر الثاني: إن الإقسام بحق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و سائر الأولياء (عليهم السلام) يعد من الشرك بالله (تعالى) لسببين هما : السبب الأول: لأنه بمثابة إعطاء سلطة غيبية للمقسوم بهم على الله (تعالى) . و للرد على خصوص هذا السبب من الشبهة نقول : مما لا شك فيه أن إسناد السلطة الغيبية المستقلة عن الله (تعالى) إلى مخلوق من المخلوقات مهما عظم شأنه وإرتفعت مكانته لا يذعن بها مسلم موحد لله (تعالى) مؤمن بكتابه، وأما مطلق السلطة غير المادية التي لا تتم إلا بإذن الله فما الدليل على امتناع اتصاف بعض عباد الله بها كأوليائه مثلا. وقد نص القرآن الكريم على أن الله (تعالى) قد أسند فعلاً الكثير من السلطات الغيبية إلى الملائكة، كما في قوله (تعالى) : "حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون"(14) ، وقال أيضاً: " قل يتوفاكم ملك الموت"(15) ، بل وأسند أمر التدبير الى بعض الملائكة إذ قال : " والنازعات غرقا، والناشطات نشطا، والسابحات سبحا، فالسابقات سبقا، فالمدبرات أمرا "(16). و لم يقتصر الله (تعالى) في إعطاء السلطة الغيبية إلى الملائكة فقط بل وحتى إلى إبليس إذ قال (جل شأنه): "إنه يراكم هو وقبيله من حيث لاترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون"(17). ثم إن كانت الآثار المادية ثابتة لغير الله (تعالى) بإذنه فما الفرق بينها وبين الآثار غير المادية؟ فإن كان إثبات التأثير لغير الله ممنوعاً فلا فرق بعدئذ بين الأثر المادي وغيره، وإن كان جائزاً بإذن الله (عز وجل) جاز كل منهما بلا فرق. السبب الثاني : إنَّ المحلوف به يجب أن يكون أعظم من المحلُوف عليه، فلازم الحلف بالمخلوق على اللّه كونه أعظم من اللّه. و للرد على السبب الثاني نقول : أولاً : إنما يقسم المسلمون بشيء على اللّه (تعالى) لكون المقسوم به مُحترماً عند اللّه ومقبول الشفاعة والدعاء عنده، ولا يعني فيه إطلاقاً كونه أعظم من المقسوم عليه. ومن أطلق هذه الشبهة لم يفرق بين كون المقسوم به أكرم عند اللّه وبين كونه أعظم من اللّه. ثانياً : قد ورد في الصحاح والمسانيد طائفة من الروايات تضمنت القسم على الله (تعالى) بالنبي الأكرم (صلى الله عليه و آله) كما في : أ ـ ما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «من خَرَج رجلٌ من بيته إلى الصلاة، فقال: اللهم إنّي أسألك بحقّ السائلين عليك وحقّ ممشاي ...» (18). ب ـ ما رواه البيهقي عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول اللّه ( صلّى الله عليه وآله وسلم ) : «لمّا اقترف آدم الخطيئة قال: يا ربّ أسألك بحقّ محمّد إلاّ ما غفرت لي...»(19). *إحذروا كثرة الحلف: كثيرٌ من هم يقسمون على كل صغيرة وكبيرة في شؤون حياتهم، وكثرة الحلف والأقسام في كل أمر صَغُر شأنه أم عَظُم إذا دل على شيء إنما يدل على عدم احترام الحالف شيئاً مما يقسم به، وإذا كان حلفه بالله (تعالى) فهو لا يستشعر عظمة الله (جل جلاله) مهما كانت الأسباب، وقد حذّر الإمام الحسين (عليه السلام): عن كثرة الأقسام موضحاً الاسباب الداعية إلى ذلك حيث قال: "احذروا كثرة الحلف فإنه يحلف الرجل لخلال أربع: إما لمهانة يجدها في نفسه تحثه على الضراعة إلى تصديق الناس إياه، وإما لعي في المنطق فيتخذ الإيمان حشوا وصلة لكلامه، وإما لتهمة عرفها من الناس له فيرى أنهم لا يقبلون قوله إلا باليمين، وإما لإرساله لسانه من غير تثبيت "(20) و قد نهى الله (تعالى) عن أن يكون المسلم حلّافاً، قال (تعالى): " وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) " (21) . والحلّاف صيغة مبالغة من الحلف أي كثير الحلف، وغالباً ما لا يتسم هذا النموذج بسمة الصدق، ولذا فهو يحاول أن يطمئن من حوله بصدق حديثه من خلال توكيده بالحلف والقسم، ومن لا يتسم بالصدق فهو بلا شك مُهان و مُحتقر في نظر نفسه وفي نظر من حوله لذا وصفه (عز و جل) بـالــ" مهين " من ( المهانة ) و تعني الحقارة والضعة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) البقرة 225 (2) وسائل الشيعة، ج16، ص179 (3) البقرة224 (4) عوالي اللآلي ج1 ص88 (5) المصدر السابق (6) مستدرك الوسائل ص43، ح6. (7) ثواب الاعمال ج10 ص15 (8) مستدرك الوسائل ج16 ص35و36 (9) ثواب الاعمال ج10 ص15 (10) الحجر 87 (11) ن 4 (12) التوبة 192 (13) الروم 47 (14) الأنعام 61 (15) السجدة 11 (16) النازعات 5 (17) الأعراف 27 (18) سنن ابن ماجة 1: 256، الحديث : 778 (19) مستدرك الصحيحين 2: 615 ، والدر المنثور 1:59 (20) مجموعة ورام ج2 ص122 (21) القلم 10 ــ 13

اخرى
منذ 7 سنوات
11645

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
85468

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
71588

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
57256

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 6 سنوات
49240

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
47252

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
35991