تشغيل الوضع الليلي

لآلئ من نهج البلاغة (1)

منذ سنتين عدد المشاهدات : 9490

بقلم: يا مهدي أدركني
في تلك الحقول الشاسعة ذات الفرش الخضراء، هب نسيم يلاعب ستائر، من نور خيوطها حروف، نُسجت ببلاغة جعلتها تكون فوق كلام المخلوق دون كلام الخالق، كلمات تخرق الصدور لتتربع في تلك القلوب لتبعث الطمأنينة في الارواح لتتكامل وترتقي سلالم من سحب بيضاء محملة بقطرات ماء متصاعدة من قاع بحر ممتلئ بلآلئ مختبئة، نغوص معًا لنبحث عنها فنقتنيها لتتزين بها عقولنا، تلك اللآلئ التي نثرت من كتاب نهج البلاغة لأمير المؤمنين وإمام المتقين مولانا علي ابي الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين.

الحكمة الأولى
قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: كُنْ في الفِتْنَةِ كَابْن اللْبُونِ لا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ، وَلا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ.
قالوا في نهج البلاغة: هو كلام فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق، فهو كلام أُخذت مفرداته من لغتنا العربية، تلك اللغة ذات الكنوز العظيمة لمن عرف أن يصوغها فهي متاحة في وجودها للجميع، ولكن هي تُزيّن مَن عرف كيف يستخدمها ويصل إلى أسرارها، فيفتح بها القلوب ويزين بها العقول، وقد امتاز أمير المؤمنين (سلام الله عليه) بتلك الصياغة والبلاغة، كيف لا وهو الذي علّمه رسول الله (صلى الله عليه وآله).
إن أمير المؤمنين (سلام الله عليه) دأبه كدأب رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يترك مجالًا من مجالات الحياة إلا وقد وضع فيه لمسة من لمساته لتضيء الدروب المظلمة، وبرأفتهم ورحمتهم لم يتركوا شيعتهم من دون أن يعبدوا لهم الطريق ليسلكوه حتى يصلوا الى بر الأمان.
وحتى تتبين هذه الكلمة لأمير المؤمنين (عليه السلام) نذكر التالي:
أولًا: بيان المعاني اللغوية لمفردات الحكمة:
المفردة الأولى:
كن: فعل أمر، أريد به هنا التنبيه والتحذير.
المفردة الثانية:
الفتنة في اللغة: هي الامتحان والبلاء وأصلها مأخوذ من (فتنتُ الذهب والفضة) اي أذبتهما في النار ليتبين الجيد من الرديء، ففي الفتنة يمتاز الخبيث من الطيب.
وفي الفتنة بلاء للقلب والعقل.

استطراد:
لقد جاءت كلمة (الفتنة) في القران الكريم في مواضع عديدة وبمعاني مختلفة، وسنستعرض البعض منها.


الفتنة في القرآن الكريم:
1- قال تعالى {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} سورة المائدة: آية (71)، جاءت الفتنة هنا بمعنى (المحنة التي تغر الإنسان او هي أعم من كل شر وبلية)(1).
2- قال تعالى { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} سورة الأنفال: آية (28)، وفي هذه الآية أتت كلمة الفتنة بمعن (بلية عليكم أنها تلهي عن ذكر الله)(2).
3- قال تعالى {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ} سورة الأنفال: آية (39)، في هذه الآية جاء تكليف للمؤمنين بالقتال وان لا يهنوا من اجل الدين (فهنا كناية عن تضعيفهم اي الكافرين بالقتال حتى لا يغتروا بكفرهم ولا يلقوا فتنة يفتن بها المؤمنون، والفتنة هنا ما يمتحن به النفوس وتكون لا محالة مما يشق عليها)(3).
4- قال تعالى {بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} سورة الزمر: آية (49)، أي بل النعمة التي خولناه منها فتنة اي ابتلاء وامتحان نمتحنه بذلك ولكنهم اكثرهم لا يعلمون بذلك(4).
5- قال تعالى {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ} سورة العنكبوت: آية (2)، وجاء في تفسيرها (أظن الناس أن يتركوا فلا يتعرض لحالهم ولا يمتحنوا بما يظهر به صدقهم او كذبهم في دعوى الإيمان بمجرد قولهم: آمنا؟)(5).
والفتنة ذكرت في القرآن الكريم اربعًا وثلاثين مرة، وفي هذه الكثرة تأكيد من الله تعالى وتحذير للمؤمنين من الوقوع فيها، وكذلك الروايات الشريفة أكدت على أن الناس سيقعون فيها لا محالة، وقد مر بها الأقوام السابقون وهي باشتداد على مر الدهور حتى تصل الى ذروتها في زمن الظهور، فإن الابتلاءات التي سيمر بها الناس في زمن الغيبة في اشتداد حتى قد يكسر البعض وذلك ليُغربل الناس ويمتاز الجيد من الرديء، فعن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) يقول: "والله لتميزنَّ، والله لتمحصنَّ، والله لتغربلنَّ كما يغربل الزؤان(6) من القمح"(7).
ولكن كما ان الله تعالى حذر منها وكذلك أهل البيت (صلوات الله وسلامه عليهم) فهم لا يشخصون حالة مرضية في المجتمع إلا ويُصحبونها بالوقاية فضلًا عن العلاج، ولمعرفة اساليب الوقاية منها لابد من التعرف على اسباب الوقوع في الفتن التي اشارت لها الروايات الشريفة ومن ثم تجنبها، ومنها التالي:
الأول: الجهل بالفتن وانواعها فقد يتخيل المرء ان الفتن تأتي من باب المصائب والمحن والابتلاءات فقط ويغفل عن كونها قد تأتي من باب النعم فهي قد تكون على هيأة ازواج واولاد واموال، فهنا يجب على المؤمن ان يكون حذرًا كيسًا وان لايقع في هذه الفتن.
الثاني: الاتباع الأعمى(8)، فهو اتباع قد يكون لمن يدعي العلم وهم كثيرون في زمننا الحالي، او اتباع لهوى النفس فعن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه (إنما بدءُ وقوع الفتن أهواءٌ تتبع، وأحكام تبتدع)(9).
الثالث: الإكثار من الدعاء والتوسل بالله تعالى والمعصومين صلوات الله وسلامه عليهم من عدم الوقوع فيها، وبالخصوص (دعاء زمن الغيبة).
لذا فعلى المؤمن ان يكون حذرًا فطنًا وأن يهتم بتغذية عقله بالمعارف التي تنجيه من الوقوع في فخاخ هذه الفتن فيزيد من رصيده العلمي المبتني على أسس عقائدية رصينة يستقيها من منابعها ليحرز عدم تلوثها بالشبهات التي قد تخلط الحق بالباطل، فقد ورد عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) انه قال:عَـجِبْتُ لِمَنْ يَتَفَكَّـرُ فى مَـأْكُولِهِ كَيْـفَ لا يَتَفَـكَّـرُ فى مَعْـقُـولِهِ، فَيُجَنِّبُ بَطْنَهُ ما يُؤْذيهِ، وَ يُودِعُ صَدْرَهُ ما يُرْدِيهِ(10).
المفردة الثالثة:
ابن اللبون: وهو ابن الناقة الذكر إذا استكمل سنتين ودخل في الثالثة(11).
المفردة الرابعة والخامسة:
لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب
فإن ظهر ابن الناقة الذكر لم يشتد بعد ليُركب عليه ويُثَقَّل عليه، وليس له ما للإناث من ضرع فيحلب ويستفاد منه، فهو لا ينتفع منه في هذا الموضع.

ثانيًا: جمع لشذرات الحكمة
مما تقدم نخلص الى ان أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) يأمر الناس عامة والمؤمنين من شيعته خاصة أن لا يُنتفع منهم في أيام الفتن والابتلاءات، فأمرهم ان يتشبهوا بابن اللبون فلا يكونوا في هذه الأيام كعود كبريت يزيد من إشتعال الفتن ولا حتى كالأوكسجين الذي يساعد على ابقاء النار واستمرارها.
تنبيه:
هناك من يدعو إلى الخضوع والخنوع والعزلة وعدم الإختلاط والنزول الى المجتمع ومعرفة ما يدور فيه تجنبًا من الوقوع في الفتن وخوفًا من الانزلاق وزل الأقدام، باعتبار تأكيد الأئمة سلام الله عليهم على اجتناب هذه الحركات، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (أخمل نفسك أيام الفتنة وكن ضعيفًا مغمورًا بين الناس، لا تصلح لهم بنفسك ولا بمالك ولا تنصر هؤلاء)(12).
فهل من المعقول ان الإمام (صلوات الله وسلامه عليه) يطلب من اصحابه الخمول والضعف؟!
ولكن لو حلقنا قليلًا في سماء روايات أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم نجد في جنبات نورهم كلمات تصدح بالحركة والعمل الدؤوب لا الخمول والضعف والانكسار، فكيف نوازن بين هذين الأمرين لنخرج بثمرة من هذه الحكمة؟
بل كيف نواجه الفتن في زمننا هذا الذي قد نأمل أنه قد اقترب كثيرًا من زمن الظهور المبارك، الزمن الذي أكدت الروايات الشريفة على تزاحم الفتن فيه؟ هذا من جانب.
ومن جانب آخر نجد ان الكثير من الروايات أكدت على أن أفضل الأعمال هو الانتظار، هذا اذا وضعنا في الحسبان ان كلام امير المؤمنين (سلام الله عليه) مأخوذ على نحو القضية الحقيقية لا الخارجية(13).
هل معنى الانتظار هنا يقوي جانب الخمول والركود في وسط أمواج الفتن؟ أم ان المراد منه هو عمل دائم لا انقطاع له وفق أرضية التمهيد المبارك؟
يتبع إن شاء الله تعالى
_______________________________
(1)تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ج6، ص67.
(2) التفسير المعين للواعظ والمتعظين، ص 180.
(3) تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ج 9، ص(76-77).
(4) تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي، ج17، ص274.
(5) تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي,ج16، ص101.
(6) الوؤان: وهو ما ينبت من القمح مما يشبه حبه حب القمح.
(7) منقول من كتاب على ضفاف الإنتظار للشيخ حسين الأسدي، ص28، من كتاب الغيبة للنعماني: 212/اب 12/ح7.
(8) منقول من كتاب شذرات مهدوية، للشيخ حسين عبد الرضا الأسدي، الشذرة 18، ص215.
(9) نهج البلاغة: 88/ ح50.
(10) بحار الأنوار، ج1، ص218.
(11) كتاب أنوار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص31.
(12) منقول من كتاب انوار الحكم ومحاسن الكلم، ج1، ص32، عن كتاب شرح نهج البلاغة 18: 82.
(13) يعني ان الخطاب موجه الى كل شيعة أمير المؤمنين سلام الله عليه وليس مختص بزمن معين وحادثة معينة.

اخترنا لكم

رسالة منتظرة

بقلم: نرجس مهدي على رقعة الاستغاثة كتبت رسالتي وكلي أمل أن تقع في يدكم المباركة.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا بقية الله، إنّ كلمة الباطل -إنه يهجر- التي وجهت إلى جدكم النبي (صلى الله عليه وىله) وهو في لحظات عمره الأخيرة.. تتردد في أرجاء الدنيا تقض مضاجعنا وتشجينا.. فكيف يمكن أن لا تسمعها؟! صوت بكاء الزهراء (عليها السلام) نسمعه، حمرة العين، ودملج اليد، وذلك الضلع المكسور الذي يفتديه كل ضلع لم يجبره أحد! وحطب الباب للآن يتقد لم يطفئه أحد! وقبر تضمن أماً ومحسنها للآن لم يعرف! ومسمار الباب يبكي ويبكينا، فكيف يمكن أن لا تسمعه؟! وضربة المرتضى إلى الآن يتفجر منها الدم، لم يضمدها أحد... وجرعة السم طعمها لا زال في أفواه شيعتكم فتقطع أكبادهم كلما مرت مصيبة عمكم الحسن (عليه السلام). فهل يعقل سيدي أنك لا تشعر بهم؟ سيدي شيعتكم تسمع أنفاس الخيول وصليل السيوف وصيحات الأرجاس ونداءهم: ما نفقه ما تقول يا ابن فاطمة... فتُنادي شيعتكم لبيك يا حسين لأنها تسمع ذلك الدوي... (هل من ناصر ينصرني) سيدي.. نحن نرى شفاه الرضيع اليابسة.. ورقبته الملتوية ولونه الشاحب.. فيعز علينا ما نسمعه.. ويتمنى كل شيعي أنّه لم يكن يومًا في هذه الدنيا ولا يسمع ما يسمع... مولاي.. من لقلب الحسين الظامئ؟! من لشيبه الدامي؟! ومن لتلك القوارير التي تكسرت تحت سنابك الخيول؟! وبصوتها ذاك تكسر ضلوع شيعتكم، من يواسي مولاتنا الحوراء؟! وهي تنادي آه لضيعتنا بعدك يا حسين؟! من يطفئ جمرة قلب العليل؟! ويحنو على الأيتام، ومن يسكن قلب رقية؟! سيدي يا ابن الحسن أعتذر إليك مولاي فأنا لا أريد أن أدمي قلبكم الشريف، ولكني أعلم أن المدخل إلى قلبكم الحزين هي مصائب أهل بيتكم (عليهم السلام).. فهي لا تفارق عيونكم ولكن سيدي.. شيعتكم في حرج؛ لأننا نخشى أن نلفظ الأنفاس وتخرج الأرواح من الأبدان ويصبح كل منّا نعشًا على باب سجن هذه الدنيا.. نريد أن نشم عطر جنتك فهي التي تحيينا.. فالبدار البدار... يا مولاي يا صاحب الزمان.

اخرى
منذ سنة
618

الشخصية القيادية السيدة زينب عليها السلام نموذجاً

لم ولن يكرم المرأةَ فكرٌ كما كرّمها الفكر الإسلامي الشريف، فهو الذي انتشلها من حفرة الوأد التي كانت تُعدُّ لها قبل أن تلتقط الأنفاس. ولم يجعلها دون الرجل منزلةً، بل جعل التقوى والإيمان والعمل الصالح والجهاد ملاكًا التفاضل بين الناس. ولم يكتفِ بذلك، بل ضرب القرآن الكريم للذين آمنوا مثلاً من النساء آسيا ومريم (عليهما السلام) ليعلن أن القدوة ليست حكراً على الرجال، وأن رقي الدرجات هو المقياس. فكانت ثماره نساءً طاهراتٍ تصديْنَ للقيادة وبكل جدارة وفي ظرف من التاريخ الاسلامي حساس، أبرزهن أم أبيها التي دافعت وإلى الرمق الأخير عن الولاية، فيما أكملت أم أخيها الثورة الحسينية، فكانتا في طريق النساء المؤمنات خير نبراس. وبما أننا نعيش ذكرى مولد فخر المخدرات (سلام الله عليها) فلقد آثرنا الحديث عنها كأنموذج للشخصية القيادية النسوية يلمع نجمه في سماء العز والفخر على مر الدهر.. القيادة: هي عملية تحريك الناس نحو الهدف الدنيوي والأخروي وفق قيم وشريعة الاسلام(1). وقد اختلف العلماء فيها، فمنهم من قال: إنها فطرية، ومنهم من قال: إنها مكتسبة، واشهر النظريات في ذلك نظرية "الجرَس" والتي تنص على: "أن بعض الناس يولدون قادة ونسبتهم 2%، وهؤلاء الناس يقعون في أعلى منحنى الجرس، يبدؤون بأداء قيادة جيد جداً، ثم مع مرور الزمن يصبحون أفضل. ثم ان هناك نسبة 2% من الناس يقعون في الجزء السفلي من منحنى الجرس والذين مهما حاولوا جاهدين لن يصبحوا قادة متفوقين؛ فإنهم لا يصلون، لأنهم لا يملكون التكوين الفطري الذي يوصلهم الى ذلك. أمّا القسم الكبير من الناس والذي يقع في وسط المنحنى والذي نسبته 96% أي الغالبية العظمى وهم الذين يبدؤون بالقليل من القدرة على القيادة الفطرية قد يصبحون فعلا متفوقين أو قادة استثنائيين"(2). وعليه فبالرغم من أن الأعم الأغلب من الناس بإمكانهم اكتساب مهارة القيادة بالتعلم والتدريب، إلا أن هناك نسبة ضئيلة جداً منهم خلقهم الله (تعالى) قادة، إذ أودع فيهم القيادة الفطرية الجيدة التي متى ما توفرت سائر مصادر القيادة والعوامل المساعدة عليها تطورت أكثر وأكثر. وأبرز مصاديقهم وأجلاها الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وبعض الشخصيات البارزة من العترة الطاهرة كالسيدة فاطمة الزهراء وابنتها زينب الحوراء (عليهما السلام). ولا غرو في أن تكون السيدة زينب (عليها السلام) امرأة قيادية، فقد تظافرت على ذلك الأساليب التربوية والظروف الخارجية مع العوامل الوراثية أو الفطرية وسماتها الشخصية. فأما الظروف الخارجية فقد نشأت العقيلة (سلام الله عليها) في بيئة قيادية بامتياز، حيث درجت في بيوت القادة، وترعرعت في دور السادة، طرق سمعها أخبار الغزوات وشاهدت بعينها آثار الانتصارات وتعلمت من القيادة النبوية، وواكبت أمها في الدفاع عن الولاية وغرفت من البطولة الفاطمية، وما أن استشهدت سيدة النساء حتى تحملت ومنذ نعومة أظفارها المسؤولية، وعاشت ظروف قتال أبيها ذوداً عن التأويل واستلهمت الإقدام من الشجاعة العلوية، وأحاطت بصلح أخيها الحسن (عليه السلام) حقناً للدماء وتزودت الصبر من الحكمة الحسنية، وفضلاً عن كل ذلك فقد خاضت بنفسها أدق تفاصيل واقعة كربلاء وشاطرت أخاها (عليه السلام) الثورة الحسينية. كما ظفرت (سلام الله عليها) بأسمى وأروع أساليب التربية القيادية، كيف لا، وقد نشأت في بيت الأطهار وتربت في حجور الأبرار؟ فقد أحاطها الجميع بهالة من التعظيم والتبجيل والإكبار، لا سيما الإمام الحسين (عليه السلام)، فإذا زارته قام لها وأجلسها في مكانه. وكانت إذا أرادت الخروج لزيارة قبر جدّها رسول الله (صلّى الله عليه وآله) خرج معها أبوها الإمام أمير المؤمنين وأخواها الحسنان، ويبادر الإمام أمير المؤمنين إلى إخماد ضوء القناديل التي على المرقد المعظّم، فيسأله الإمام الحسن(عليه السّلام) عن ذلك، فيجيبه: (أخشى أن ينظر أحد إلى شخص أختك الحوراء)(3). وبالإضافة إلى الظروف الخارجية فقد اشتملت شخصيتها (عليها السلام) على العوامل الفطرية والسمات الشخصية التي أكسبتها الشخصية القيادية أهمها: تميّزها بالإيمان الراسخ منذ نعومة أظفارها، فقد روي أنها كانت جالسة في حجر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهى صبية والإمام علي (عليه السلام) يضع الكلام ويلقيه على لسانها فقال لها: بُنية، قولي: واحد، قالت: واحد، فقال لها: قولي: اثنين. قالت: ابتاه ما اقول اثنين بلسان أجريته بالواحد. فقبلها أمير المؤمنين (عليه السلام)(4) وقد انعكس يقينها الجوانحي على سلوكها الجوارحي، إذ حازت من الفضائل قممها ومن المكارم أعلا درجاتها، وهذّبت نفسها وروضتها على العبادة والتقوى، والخير والإحسان، فأهلتها لأن تنال حظاً من العصمة المعبر عنه بـالعصمة الصغرى. وبذا اتسمت بدرجة عالية من الاستقامة وهي سمةٌ لابد منها في الشخص القيادي. كما يعدُّ الذكاء من أهم القدرات الواجب توفرها في الشخصية القيادية لاسيما القدرة على التحليل وسعة أفق التفكير. وهذا ما اتسمت به شخصيتها (عليها السلام)، يدل على ذلك فهمها السريع وتعليقها بالتعليقات الذكية منذ صباها، فقد روي أنها قالت لأبيها: أتحبّنا؟ قال: بلى، فقالت: لا يجتمع حبّان في قلب مؤمن: حبّ اللّه، وحبّ الأولاد، وإن كان ولا بدّ فالحبّ للّه تعالى والشفقة للأولاد، فأعجبه كلامها وزاد في حُبّه وعطفه عليهما(5). ولابد للشخصية القيادية من علم تتسم به، وهذا ما حباها به الله (تعالى)، يدلنا على ذلك ما روي عن الامام السجاد (عليه السلام): "وأنتِ بحمد الله عالمة غير معلمة، وفاهمة غير مفهمة"(6). (أي أنّ معلّمكِ هو ربّ العالمين فأنتِ لست بحاجة إلى معلّم آخر، فإنّه تعالى أدّبكِ فأحسن تأديبك، فهي عالمة لأنّها في أعلى مراحل التقوى وكانت مصداقاً واضحاً للآية الكريمة: "وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ")(7). كما حفظت القرآن الكريم وأحاديث جدّها الرسول (صلّى الله عليه وآله) فيما يتعلّق بأحكام الدين وقواعد التربية واُصول الأخلاق، وحفظت الخطاب التاريخي الخالد الذي ألقته اُمّها سيّدة النساء فاطمة (عليها السّلام) في المسجد النبوي، وخطبتها التي ألقتها على السيّدات من نساء المسلمين حينما عُدنها في مرضها الذي توفّيت فيه، كما روت عنها كوكبة من الأحاديث. وقد مكّنتها حصيلتها العلمية الفريدة في تأسيس حلقة نسوية لتفسير القرآن الكريم في الكوفة. كما مكّنتها فيما بعد أن تكون مرجعاً للأحكام الشرعية، ذكر الصدوق (طاب ثراه):"ان لها نيابة خاصة عن الحسين (عليه السلام) وكانت الشيعة ترجع إليها في الحلال والحرام حتى برء زين العابدين (عليه السلام) من مرضه"(8) ولما كانت الجدية والهدفية في الحياة من أهم سمات الشخصية الناجحة فهما بلا أدنى شك من ضرورات الشخصية القيادية، وقد كانت حياتها (سلام الله عليها) جادة وهادفة في جميع سكناتها وحركاتها منذ صغرها وحتى وفاتها. ولعل أبرز أسفارها توضح حقيقة ذلك سواء مع والدها إلى الكوفة، ومن ثم العودة مع أخيها الحسن إلى المدينة المنورة، لتقوم بعدئذٍ بسلسلة أسفار معروفة مع أخيها الإمام الحسين (عليه السلام) في ثورته ضد الطغاة مضحياً بروحه المقدسة مُطمئناً بنجاح ثورته لأنه سلّم رايتها إلى قيادية شجاعة عالمة صابرة حكيمة.. كما اتسمت شخصيتها بالتوازن، وهي سمة مهمة في الشخصية القيادية، سواء التوازن بين الروح والجسد أو بين العقل والعاطفة. وأجلى مصداق لذلك صمودها وثباتها أمام الأعداء كالجبل الأشم تحاججهم وتكشف للمسلمين قبح حقيقتهم وتصحح ما يبثونه من سموم فكرية وشبهات عقدية، وصبرها وتجلدها أمام الثكالى والأرامل تصبرهن وترعاهن، حتى إذا أسدل الليل الظلام، وهدأت من لوعتها الأيتام، وسكنت الآهات والآلام، واطمأنت أن خلد كل من كان برعايتها إلى النوم بسلام، أرخت عينيها بالدموع، وناجت ربها بتضرع وخشوع، وتأوهَ قلبها الحنون تأوهاً تكاد تتصدع من شدته الضلوع، فلا تنام حتى تمنح لعاطفتها حقها من البكاء على الأحباب نور عينها أخيها الحسين وكفيلها أبي الفضل (عليهما السلام) وسائر الشهداء.. وبالإضافة إلى ذلك فهي تمتلك مهارة فائقة في التعامل مع كل من تقابلهم على اختلاف ميولهم ومعتقداتهم، حريصة على توجيههم نحو الهدف الأسمى، سواء رضا الله تعالى في الدارين أو اصلاح الأمة الاسلامية وانتشار الدين الحق في الحياة الدنيا. يتضح ذلك جلياً من خلال اختلاف خطبها (عليها السلام) الناشئ عن اختلاف الجمهور. فلأن غالبية أهل الكوفة كانوا على معرفة كبيرة إلى حدٍ ما بالإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن بحاجة الى بيان هويته وتوضيح منزلته الرفيعة و إنما أرادت بلورة الرأي العام و إشعال شرارة الثورة فيهم؛ ولهذا وظفت تحريك العاطفة. وهو توظيف مهم جداً لابد للقائد أن يعتمده خصوصاً عند الأزمات، إذ كان خطابها منصباً على تصوير المصيبة الكبرى والجريمة العظمى من جهة وبيان مدى جسامة الجرم الذي اقترفوه بتخاذلهم عن نصرة إمامهم (سلام الله عليه) من جهة أخرى. فنصبت في ضمائرهم محاكمة تؤنبهم على تقصيرهم، وأوقدت في قلوبهم بركاناً من الثورة، فلم تهدأ المحاكمة ولم يسكن البركان حتى قاموا بعدد من الثورات ثأراً لدم إمامهم ونصرة للحق وتكفيراً عن تقصيرهم. وأما خطبتها في الشام فقد اعتمدت فيها الجانب الإقناعي والعاطفي معاً؛ لأن أهل الشام كانوا يرون الشهداء والأسارى على أنهم خوارج يستحقون كل ما حلّ بهم، فعرّفتهم حقيقتهم وأنهم عترة الرسول (صلى الله عليه وآله)، وأردفت ذلك ببيان الجرم الذي اقترفه يزيد بحقهم حتى أنها لم تنتهِ من خطبتها إلا وقد أحالت مجلس احتفال يزيد بالنصر إلى مأتم عزاء لأخيها الحسين (عليه السلام). وبكلا الخطبتين أجادت وبكل جدارة فن التعامل مع الناس والتأثير الايجابي بهم وتحريكهم نحو الهدف الأسمى.. فيما كانت تهتم بجميع أفراد ركب السبايا فترعاهم وتواسيهم وتتفقدهم وترفع من همتهم وعزيمتهم وتؤثرهم على نفسها بالمأكل والمشرب، وتضيء الجانب المشرق كلما تفاقمت سوداوية الأحداث، فقد روي عن الإمام السجاد (عليه السلام):" لما أصابنا بالطف ما أصابنا، وقتل أبي عليه السلام، وقتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله، وحملت حرمه ونساؤه على الاقتاب يراد بنا الكوفة، فجعلت أنظر إليهم صرعى ولم يواروا فيعظم ذلك في صدري، ويشتد - لما أرى منهم - قلقي، فكادت نفسي تخرج، وتبينت ذلك مني عمتي زينب بنت علي الكبرى، فقالت: مالي أراك تجود بنفسك يا بقية جدي وأبي وإخوتي ؟ فقلت: وكيف لا أجزع و أهلع وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم، مرملين بالعراء مسلبين، لا يكفنون ولا يوارون، ولا يعرج عليهم أحد، ولا يقربهم بشر، كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر، فقالت: لا يجزعنك ما ترى فو الله إن ذلك لعهد من رسول الله صلى الله عليه وآله إلى جدك وأبيك وعمك، ولقد أخذ الله ميثاق اناس من هذه الامة لا تعرفهم فراعنة هذه الارض، وهم معروفون في أهل السماوات أنهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرجة، وينصبون لهذا الطف علما لقبر أبيك سيد الشهداء لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والايام وليجتهدن أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه، فلا يزداد أثره إلا ظهورا، وأمره الا علوا"(9) وكانت (سلام الله عليها) تتسم بشجاعة فريدة وهي من أهم سمات الشخصية القيادية، وظّفتها خير توظيف في الدفاع عمّن كان تحت رعايتها وحمايتهم من كل سوء. فقد روي عن فاطمة بنت الحسين (عليهما السلام) أنها قالت:" ولما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه الجارية يعنيني وكنت جارية وضيئة فأرعدتُ وظننتُ أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون وفي رواية السيد قلت: أو تمت وأستخدم ؟ فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولو مت، والله ما ذلك لك ولا له، فغضب يزيد وقال: كذبت والله إن ذلك لي ولو شئت أن أفعل لفعلت، قالت: كلا والله ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا، وتدين بغيرها، فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدين أبوك وأخوك، قالت زينب: بدين الله ودين أبي ودين أخي اهتديت أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلما، قال: كذبت يا عدوة الله، قالت له: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر لسلطانك، فكأنه استحيا وسكت، وعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا" (10) كما حفظت الإمامة وصانت الولاية بحفظها لشخص الإمام السجاد (عليه السلام) الذي تعرض أكثر من مرة الى محاولة قتل، كانت المحاولة الاولى بعد انجلاء غبار المعركة ومقتل أبي الأحرار (عليه السلام) وقد ذكر ذلك القرماني في كتابه أخبار الدول قائلاً: "همّ شمر الملعون عليه ما يستحق من الله بقتل علي الأصغر ابن الحسين وهو مريض فخرجت إليه زينب بنت علي وقالت: "لا والله لا يقتل حتى أقتل"(11). وأما الثانية ففي مجلس الطاغية عبيد الله بن زياد، قال الشيخ المفيد: "و عرض عليه [ابن زياد لعنه الله] علي بن الحسين فقال له: من أنت؟ قال: أنا علي بن الحسين. فقال: أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟ فقال (عليه السلام):"قد كان لي أخ قتله الناس. فقال له ابن زياد: بل الله قتله. فقال علي بن الحسين (عليه السلام): "الله يتوفى الأنفس حين موتها"(12) فغضب ابن زياد و قال: وبك جرأة لجوابي؟ وفيك بقية للرد علي اذهبوا به فاضربوا عنقه. فتعلقت به زينب عمته و قالت: حسبك من دمائنا و اعتنقته و قالت: والله لا أفارقه فإن قتلته فاقتلني معه. فنظر ابن زياد اليها ساعة ثم قال : عجبا للرحم والله إني لأظنها ودت أن أقتلها معه، دعوه فإني أراه لما به (13). ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) صناعة القائد طارق السويدان ص41 (2) موقع الحياة الجديدة، مقال القيادة فطرية أم مكتسبة؟ د. زكريا الجمال (3) تاريخ الطبري ج6 ص236 (4) شجرة طوبى ص393 (5) مقتل الحسين للخوارزمي ج1 ص179، باختلاف الألفاظ، وفي مستدرك الوسائل ج15 ص215 (6) شجرة طوبى ص63 (7) عصمة الحوراء زينب ص67. (8) شجرة طوبى ص441 (9) العوالم، الإمام الحسين (عليه السلام) ص364 (10) كتاب الارشاد ص 231 (11) انظر مع الركب الحسيني من المدينة الى المدينة , عزة الله الطبسي ج 6 ، ص 60 ـ 61 (12) الزمر : 42 (13) انظر مع الركب الحسيني ,عزة الله الطبسي ج 5 ، ص 124نقلا عن الفتوح , ج5 ،ص142 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنتين
9668

نجوم عاشورائية (2)

بقلم: يا مهدي أدركني مواقف عديدة حدثت بين الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) وبين أهله وأصحابه (عليهم السلام)... ما هي إلّا رسائل منهم إلينا، فإن تمسكنا بها أضاءت قلوبنا وأنارت دروبنا... في الطريق إلى كربلاء وأثناء المسير، كان علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) على جواده بالقرب من أبيه الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) فسمعه يقول: (إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة/ 156)، فجرى الحوار التالي بينهما: قال علي الأكبر (عليه السلام): يا أبتاه، لِم استرجعت؟ قال الحسين (عليه السلام): عنّ لي فارس، وأنا في المنام، يقول: القوم يسيرن والمنايا تسير خلفهم. فعلمت أن نفوسنا نُعِيت إلينا. قال علي الأكبر(عليه السلام) : يا أبتاه، ألسنا مع الحقّ؟! قال الحسين (عليه السلام): بلى، والذي نفسي بيده. فقال عليّ الأكبر (عليه السلام) : والله لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا. فلو تأملنا في هذا الموقف قليلًا نجد عدة جوانب، ومنها: الأول: جانب عقائدي: ذلك الجانب الذي سلط (صلوات الله وسلامه عليه) الضوء بقوله: (إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، ففي هذه الآية بشارة لمن نزلت وحلت بهم المصيبة (ولا يستعمل لفظ المصيبة إلا في النازلة المكروهة)(1)، وقد اجتمعت البشارة مع المصيبة في قوله تعالى (وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون) (2)، وللوهلة الأولى قد يرد تساؤل هنا: كيف تجتمع البشارة مع المصيبة؟! الجواب: أن هناك درجاتٍ عظيمةً في الجنة لا ينالها المؤمن إلا بعد أن يُمحَّص بالبلاء تمحيصًا ويكون صابرًا على ما ينزل عليه من الله تعالى من دون جزع، فهو ليس مجرد تلفظ بالقول وإنما هو تسليم قلبي لله تعالى ورضا بقضائه وقدره، فإن البشارة هي للصابرين المسترجعين. وما هو معنى الاسترجاع؟ هو إقرار من العبد بأنه كائنٌ، منبعُ وجوده وتحققه في عالم الوجود هو من الله تعالى وإنه غير قادر على الاستمرار والبقاء في هذا العالم من دون الله (عز وجل)، فهو ليس له وجود مستقل من دون الذات المقدسة وأن مرده إليه (جل وعلا). إن من أول نِعَم الله تعالى على العبد هو إيجاده من العدم، فإن المُلك الحقيقي هو لله تعالى وما ملكنا لأنفسنا وأفعالنا إلا ملك اعتباري ظاهري، ولولا إذن الله تعالى عز وجل لما كان لهذا التصرف (تصرفنا نحن الموجودات) من تحقق في الخارج، وإن مرَّد الإنسان هو إلى الله تعالى فهو القادر على إيجاده وفنائه وهو المالك الحقيقي له، وإن كلًا من الجسد والروح ما هما إلا أمانة لدينا يجب الحفاظ عليهما وعدم تلويثهما بالذنوب. فإن علِم الإنسان حقيقته ونسب نفسه الى بارئه، علِمَ حينها أنه ليس هنالك مجالٌ للحزن على ما فقده، فإنه في الحقيقة لا يملك شيئاً (وأما إذا أذعن واعتقد أنه لا يملك شيئًا لم يتأثر ولم يحزن، وكيف يتأثر من يؤمن بأن الله له الملك وحده يتصرف في ملكه كيف يشاء؟) (3). فنحن من الله وإليه، وقد أشار الى هذا الجانب الإمام الحسين (عليه السلام) في دعائه المعروف في يوم عرفة (إليك مردّي، ابتدأتني بنعمتك قل أن شيئًا مذكورًا) (4). الثاني: القوة المستمدة من عمق الإيمان: وهو المتمثل بردّ علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) بأنه لا يبالي من الموت، فكيف لا يبالي والموت هو من أشد الأمور التي يكرهها الإنسان؟ إن علي الأكبر (صلوات الله وسلامه عليه) كان أشبه الناس خَلْقًا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وكانوا كلما اشتاقوا إلى الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) نظروا إلى علي الأكبر (عليه السلام)، ولكن الشبه لا يقتصر على هذا الأمر فقط، وإنما تعدى الى الشبه في الأخلاق أيضًا، فإن أخلاق الرسول (صلى الله عليه وآله) تجسدت في علي الأكبر (عليه السلام) تلك الأخلاق التي أشار لها الله تعالى في كتابه الكريم بقوله تعالى: (وإنَّكً لًعلى خُلُقٍ عَظِيْم) (5)، فهناك تشابه بين شخصية علي الأكبر وجده الرسول الأكرم (صلوات الله وسلامه عليهما) ذلك التشابه الذي استقاه علي الأكبر (عليه السلام) من أبيه الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) ومن قبله من جده (صلى الله عليه وآله)، فكان في شجاعته كالليث لا يهاب شيئاً، فمن أين أتت هذه القوة؟ إن الإنسان كلما دخل في دائرة الإيمان وتوغل حب الله في قلبه وبات قريبًا منه مستشعرًا وجوده في كل حركاته وسكناته، ازداد قوةً وبأسًا، فهنالك علاقة طردية بين الإيمان والقوة. هذا فضلًا عن كون الإنسان إذا كان على حق فإنه يزداد قوة، والعكس صحيح، لذا نجد في ذلك رسالةً إلينا وهي (أن الإنسان إن كان على حق، فيجب أن لا يخاف شيئاً) وهذا يعني أنه يجب أن نكون دومًا مع الحق مهما كانت الظروف التي يمر بها الفرد صعبة وعسيرة، وفي أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) أسوة لنا، فقد كان هو المثال الواقعي للحق، حتى قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله): (عليٌ مع الحق والحق مع علي يدور معه كيفما دار)، فمتى ما كان الإنسان مع الحق فهو لن يضعف أبدًا، فيكون الحق النابع من الإيمان مصدرًا للقوة لا ينفذ أبدًا. وهذا هو سبب عدم خوف الأكبر (عليه السلام) من الموت. _________________________ (1) الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي, ج1, ص350. (2) سورة البقرة: آية {156}. (3) الميزان في تفسير القرآن للعلامة الطباطبائي، ج1، ص351. (4) المنتخب الحسني للأدعية والزيارات، دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة, ص910. (5) سورة القلم: آية {4}.

المناسبات الدينية
منذ سنتين
4059

التعليقات

يتصدر الان

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنتين
107701

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
102640

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ سنتين
60679

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
56782

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ 3 سنوات
55078

تعبيد الأسماء لغير الله (تعالى)

نص الشبهة: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية، فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر، كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها، فهذا يعتبر من الشرك الأكبر)(1). وللرد عليها نقول: إن محبي أهل البيت (عليهم السلام) لا يقصدون من هذه التسمية ما توهّمه النواصب الوهابيون من مفهوم العبودّية لله (تعالى)، بل إنّها تسميات ترمز إلى محبّتهم وولائهم وطاعتهم لأهل البيت (عليهم السلام)، ويمكن إثبات ذلك لغةً وشرعاً من خلال النقاط الآتية: أولاً: المعنى اللغوي للفظ العبودية: لا يقتصر معنى لفظ (العبودية) على خصوص عبودية العبادة والتأليه، بل وتعني أيضاً (الخدمة) كما في (المنجد: مادّة (عبد))، وقد ورد استعمال (العبد) بهذا المعنى (الخادم) في القرآن الكريم كما في قوله (تعالى): "وَأَنكِحُوا الأَيَامَىٰ مِنكُم وَالصَّالِحِينَ مِن عِبَادِكُم وَإِمَائِكُم.. "(2) فهل يُعقَل أن يقصد الله (سبحانه) بلفظة (عبادكم) هنا (الذين يقولون بعبادتكم ويعدّونكم آلهةً لهم) ؟! وقد شاع في لغة العرب إطلاق لفظ (العبد) على (الخادم) كما في قول الشاعر العربي: اني لعبد الضيف ما دام ثاوياً عندي *** ولا شيمة عندي سواها تشبه العبدا إذن فالمراد بهذه الأسماء (عبد النبي، عبد الحسين، عبد العباس وأمثالها) هو (خادم النبي أو خادم الحسين أو خادم العباس) ولا يراد بها عبادتهم أو تأليههم، وعليه فلا مانع عقلاً أو شرعاً أن ينزّل الشيعي نفسه أو ولده منزلة الخادم لرسوله الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمّته (عليهم السلام). ثانياً: لفظ العبد من المشتركات اللفظية: المشترك اللفظي: هو اللفظ الواحد الذي يطلق على أكثر من معنى، ويمكن ترجيح المعنى المراد منه من خلال السياق الكلامي أو من خلال قرينة معيِّنة. ولفظ العبد من المشتركات اللفظية. ولمزيد من التوضيح نقول: 1/إن لفظ العبد يقابل في المعنى ألفاظ: (الرب، السيد، المولى). 2/هذه الألفاظ (الرب، السيد، المولى) من الألفاظ المشتركة في المعنى، حيث يراد بالولي أو المولى تارةً (الرب وأخرى الرسول وثالثة الإمام) دون أن يكون بين تلك المعاني أي تضاد أو تنافٍ لأنها ترجع كلها إلى المعنى الأصلي والأولي، وهو ولاية الله (جل وعلا)، إذ إنّ ولايتهم (عليهم السلام) من ولايته (عز وجل)، كما أمر هو (جل جلاله) بها وفرضها على الجميع كما في قوله (تعالى): "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)"(3) كما إن لفظ (السيد) هو الآخر من الألفاظ المشتركة إذ يطلق على (الرب) لأنه (تعالى) سيد السادات، وعلى النبي (صلى الله عليه وآله) لأنه سيد الأنبياء والمرسلين والخلق أجمعين، وعلى الإمام (عليه السلام) لأنه سيد الوصيين). وأما لفظ (رب) فإن أضيف إلى العالمين أو عُرّف (بالألف واللام) فلا يراد به حينئذٍ إلا الله (تعالى)، وأما إن قُيّد، فإنه يتقيدَ معناه بحسب القيد الذي قُيّد به، فرب الأسرة راعيها ورب البيت راعيه، وقد ورد في القرآن الكريم قوله (تعالى) على لسان نبي الله يوسف الصديق (عليه السلام):" وَقَالَ للَّذي ظَنَّ أَنَّه نَاج مّنهمَا اذكرني عندَ رَبّكَ"(4)، وقد أجمع المفسرون على أن مراد النبي يوسف (عليه السلام) بالرب هنا هو: رب نعمة هذا الشخص الذي سيطلق سراحه وهو الملك. وبما إن لفظ (عبد) يقابل هذه الألفاظ الثلاثة، فلا بد أن يكون مشتركاً هو الآخر بمقتضى المقابلة. ويمكن معرفة دلالته بالنظر في أضداده الواردة في نفس السياقات النصية. فلفظ (العبد) في دعاء ختم القرآن: (فقد يعفو المولى عن عبده وهو غير راض عنه)(5) يختلف حتماً عن معنى اللفظ ذاته في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): "إنما أنا عبد من عبيد محمد(صلى الله عليه وآله)"(6). وعليه يكون معنى العبودية في هذه الاسماء (عبد النبي أو عبد الحسين أو عبد العباس) هي عبودية سيادة وطاعة لا عبودية تأليه وعبادة. ثالثاً: الاستعمال اللفظي للفظ العبد: لو تنزلنا وقلنا: إن لفظ العبد لا يُطلق على أكثر من معنى، ولكن نقول: إنه كسائر الألفاظ في اللغة العربية التي يجوز استعمالها في غير ما وضعت له مجازاً مع وجود قرينة توضح المعنى المراد به، كما في: (رأيت أسداً ينطق بكلمة الحق أمام السلطان الظالم) فليس المقصود منه هو المعنى الحقيقي للفظ الاسد، وهو (الحيوان المفترس)، بل المقصود هو الرجل الشجاع بقرينة نطقه بكلمة الحق أمام السلطان الجائر، وقد اُستعمِل لفظ (الأسد) في حقه للمشابهة بينهما معنىً في (الشجاعة). وهذا الأمر من الواضحات التي لا تقبل التشكيك. وبناءً على ذلك، فقد اُستعمِل لفظ العبد مضافاً إلى النبي الأكرم وآله (عليهم الصلاة والسلام أجمعين) في التسمية مجازاً لوجود المناسبة بين وجوب طاعة الله (تعالى) وطاعة النبي (صلى الله عليهم وآله) وأهل بيته الطاهرين (عليهم السلام). رابعاً: المعنى الشرعي للشرك: الشرك هو جعل شريك لله تعال، وقد يكون الشرك بالله (تعالى) في الطاعة أو في العبادة، فأما الشرك في الطاعة فهو كشرك الإنسانِ الشيطانَ في الطاعة، حيث يُطيعه في اقتراف الذنوب وارتكاب المعاصي، وقد ورد هذا النوع من الشرك في القرآن الكريم في قوله (تعالى):" اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ"(7) وأما طاعة المسلمين للرسول الأكرم وآله الطاهرين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) فلا يمكن أن تكون شركاً بالله (تعالى) في طاعته مطلقاً؛ لأن طاعتهم فرض واجب على المسلمين كافة من الله (تعالى) كما في قوله (عز وجل):"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ"(8) كما روي عن محمد بن زيد الطبري قال: كنت قائماً على رأس الرضا (عليه السلام) بخراسان وعنده عدة من بني هاشم وفيهم إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي، فقال: "يا إسحاق، بلغني أن الناس يقولون: إنا نزعم أن الناس عبيد لنا، لا وقرابتي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما قلته قط ولا سمعته من آبائي قاله ولا بلغني عن أحد من آبائي قاله، ولكني أقول: الناس عبيد لنا في الطاعة موال لنا في الدين، فليبلغ الشاهد الغائب" (9) فالإمام (عليه السلام) كما هو واضح ينفي عن نفسه مفهوم عبودية العبادة والتأليه ويثبت عبودية الطاعة والولاية التي أمر بها الله (جل جلاله) ــ كما تقدم ــ . ومن هنا فلا صحة لادعاء الشيخ صالح بن فوزان الفوزان في نص شبهته: (أن تعبيد الأسماء لغير الله يُعتبر من الشرك الأصغر، وهو شرك الطّاعة، إذا لم يقصد به معنى العُبودية)؛ لأن طاعتهم لا تشكل شركاً بالله (تعالى) في الطاعة لوقوعها في طول طاعة الله (تبارك وتعالى) لا في عرضها فضلاً عن إنها واجبة على المسلمين كافة بأمره (جل شأنه). وبالتالي فلا إشكال في التسمية بالأسماء الآنفة الذكر. وأما الشرك في العبادة فهو الشرك المعروف لدى مشركي قريش حيث كانوا يعكفون على الأصنام والأوثان يعبدونها، والشرك في العبادة يقوم على ركنين لابد من توفرهما معاً وهما: الخضوع لشخص ما أو شيء ما وتعظيمه، وأن يكون الخضوع بقصد العبادة وباعتقاد أن المخضوع له إله يستحق العبادة، ولذا فإن قول الشيخ صالح: (فإنْ قصد به معنى العبوديّة والتألُّه صار من الشرك الأكبر) كلامٌ دقيقٌ، إلا إن إيراده الشيعة كمصداق على ذلك بقوله: (كما عليه عُبّاد القُبور الذين يسمّون أولادهم: (عبد الحسين) أو (عبد الرَّسول) أو غير ذلك، هؤلاء في الغالب يقصدون التألُّه، لا يقصدون مجرّد التّسمية وإنما يقصدون التألُّه بذلك والتعبُّد لهذه الأشياء لأنهم يعبدونها) أمر غاية في الافتقار العلمي والابتعاد عن المنطق، ففي دعواه هذه على أي دليل استند؟ وأي برهان اعتمد؟ وهؤلاء الشيعة (حفظهم الله (تعالى) ونصرهم) ينتشرون في مختلف بقاع المعمورة وما منهم أحد من يقول بذلك أو حتى يقصده مجرد قصد. كما يظهر تشويهه للحقائق وتزييفه للوقائع أملاً في إقناع القارئ بيّناً في نعته للشيعة الموحدين بــ(عُباد القبور)، فعلى الرغم من كثرة الردود القوية المدعمة بالأدلة والبراهين الجلية التي كتبتها أيدي العلماء والكُتّاب الشيعية (وفقهم الله (تعالى)) على هذه الشبهة (شبهة القول بشرك الشيعة بالله (تعالى) في العبادة عند زيارتهم للقبور وتعظيمهم للأنبياء والأولياء الراقدين فيها)، إلا إنه مُصر على اتهامهم ظُلماً بهذه التهمة والافتراء عليهم كذباً وزوراً بهذه الفرية. فالعبادة لا يمكن أن تتحقق بمجرد الخضوع والتعظيم، بل لابد أن تقترن بقصد عبادة المخضوع له وتأليهه والاعتقاد بكونه خالقاً يستحق العبادة ــ كما تقدم ــ وقد عرفنا أن هذا كله لا يتوفر في زيارة القبور وتعظيم أصحابها فضلاً عن مجرد تنصيب المحب نفسه أو ابنه عبداً لهم في التسمية. خامساً: تقرير الإمام علي (عليه السلام) فقد روى أحمد في مسنده:5 /419: (حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا حنش بن الحرث بن لقيط النخعي الأشجعي عن رياح بن الحرث قال جاء رهط إلى علي بالرحبة فقالوا: السلام عليك يا مولانا، قال كيف أكون مولاكم وأنتم قوم عرب؟ قالوا: سمعنا رسول الله (صلى الله عليه [وآله]) يوم غدير خم يقول من كنت مولاه فإن هذا مولاه. قال رياح فلما مضوا تبعتهم فسألت من هؤلاء؟ قالوا نفر من الأنصار فيهم أبو أيوب الأنصاري). فقد سمع منهم (عليه السلام) قولهم بأنهم موالوه (أي عبيده) ولم ينههَم عن ذلك، مما يدل على جواز التسمية بـالأسماء الآنفة الذكر ولا إشكال فيها. ــــــــــــــــــــــــــــــ (1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد الشيخ صالح بن فوزان الفوزان ج3 ص361 (2) النور:35 (3) المائدة 55 (4) يوسف:42 (5) إقبال الأعمال ص27 (6) الكافي ج1 ص89 (7) التوبة 31 (8) النساء 59 (9) الكافي ج1 ص187 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 3 سنوات
51888