تشغيل الوضع الليلي

زينة أبيها...

منذ 7 سنوات عدد المشاهدات : 5245

بقلم: فاطمة الركابي
إن من المعاني التي شُرح بها اسمها الشريف، والذي يُشير الى عمق وجمالية العلاقة بينها وبين الإمام علي (عليه السلام) كأب هو إن اسمها الشريف مشتق من: (زَين) و( أب) (١). وهو ما يعرف كلقب لها وهو "زينة أبيها".

ولو بحثنا عن بعض مصاديق الزينة كثقافة قرآنية لوجدنا أن من مصاديقها: (البنون) كما في قوله تعالى:{...وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} (الكهف:46)، وهي الزينة الظاهرية التي يَحصل عليها الإنسان. فقد ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله): "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: ...، إلى أن قال: أو ولد صالح يدعو له" (٢).
بالنتيجة فإن البنين إن كانوا من أهل الصلاح والبِر، فهم زينة ظاهرية لكن باقية لا تزول بزوال الدنيا التي نُسبوا إليها كما في الآية.
وعليه، فإن السيدة زينب (عليها السلام) وفق هذا المصداق هي ليست بقية صالحة وحسب، بل من أعلى مصاديق الباقيات الصالحات التي تركها أمير المؤمنين (عليه السلام)، لما لها من الشأن والعظمة عند الله سبحانه.

وهناك مصداق قرآني آخر وهو: (الإيمان) كما في قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ}(الحجرات:7)، حيث تُبين هذه الآية أن هناك زينة حقيقية للإنسان، فالإيمان الذي يَحمله قلب العبد، هو الصبغة الإلهية التي تلون وجوده وتُنير قلبه، والنبي الأكرم (صل الله عليه وآله) وصف أمير المؤمنين (عليه السلام) في يوم الخندق بأنه الأيمان كله، حيث قال عنه: "برز الإيمان كله إلى الكفر كله" (٣).

وفي هذا إشارة عظيمة لو حاولنا أن نربط بين ما يحمله الإمام من زينة وهي الإيمان الكامل، وبَين وصف السيدة (عليها السلام) بأنها "زينة أبيها"، فأي درجة من الإيمان تحمل السيدة؟ تعالى وحده يعلم!

إن الإيمان - كما يقولون - "كالعشق تماماً، ينجذب الإنسان أمامه ثم يستوعب كل وجوده" نعم! هذه العبارة قد تلخص لنا حقيقة الإيمان ومراتب كماله، ولكن تخفي في طياتها تفاصيل كثيرة، وإنما لها أهلها، وهم النبي (صلى الله عليه وآله) وآل بيته (عليهم السلام)، فأهل البيت (عليهم السلام) بكلماتهم قد بينوا لنا أكمل درجات الإيمان وتجلى ذلك في سلوكهم وعملهم، فكما في الحديث "إن الايمان عمل كله" (٤)

والسيدة زينب (عليها السلام) كسيدة علوية هاشمية مخدرة، عُرفت وتجلت أمامنا حقيقة كمال إيمانها من خلال مواقفها في مسيرها مع الإمام الحسين (عليه السلام) في واقعة الطف.

فعن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنه قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى في الله فقد كمل إيمانه" (٥).
حيث إن أعظم مصاديق الحب في الله تعالى هو حب أولياء الله تعالى ومعاداة أعدائه، والسيدة بكل مواقفها وخطواتها وخطاباتها كانت مُظهرةً لحبها لولي أمرها وإمام زمانها سواء كان الإمام الحسين (عليه السلام)، أو الامام السجاد (عليه السلام) بعد استشهاد أبيه سيد الشهداء.

أما في خصوص العطاء في الله سبحانه المذكور في الحديث، فهي (عليها السلام) أعطت أبناءها في كربلاء حتى قِيل إنه لم يذكر التاريخ أنها كانت تسأل عنهم أو تتفقدهم، بل سخرت كل وجودها في سبيل الله سبحانه.

وورد أيضًا عنهم (صلوات الله عليهم): "ثلاثة من كُن فيه استكمل إيمانه: لا يخاف في الله لومة لائم، ولا يرائي بشيء من عمله، وإذا عرض عليه أمران أحدهما للدنيا والآخر للأخرة آثر أمر الآخرة على أمر الدنيا" (٦).
وهي (سلام الله عليها) قد كانت مصداقًا حقيقيًا لمن لا يخاف في الله تعالى لومة لائم، ومِمَن يقول الحق وإن عز، وإن كان به قد تُفقد النفس، فقد صرحت بالحق حتى زلزلة عروش الظالمين حتى قيام يوم الدين، وللمتأمل في خطبها يجد أن العبارات كلها تشير إلى هذه الحقيقة.

وبخصوص الصفة الثانية بهذا الحديث فهو متحقق بها أيضًا، فهي كانت في كنف زوجها عبد الله تعيش حياة كريمة مرفهة، فهو -كما ينقل التاريخ- كان ثريا جدًا، لكنها أعرضت عن زينة الدنيا ولازمت الإمام الحسين (عليه السلام)، ملبية دعوته كما قال: "من لحق بي منكم استشهد معي، ومن تخلّف لم يبلغ الفتح، والسلام" (٧)، فهي وإن لم تستشهد إلا أنها بلغت الفتح.
وفي حديث آخر: "إن الله (عز وجل) وضع الإيمان على سبعة أسهم، على البر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثم قسم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الاسهم فهو الكامل" (٨).
والسيدة (عليها السلام) قد جمعت هذه الأسهم السبع:
السهم الأول: البِر.
ومن مصادقه هو الانفاق المادي كالمال لأهل الاستحقاق، حيث كانت من ألقاب السيدة أنها تلقب "المرأة الكريمة" (٩)، وأم العواجز (١٠) حيث كانت تأوي وترعى وتنفق على العجزة وكبار السن والفقراء والمعوزين - وكما يُنقل- كانت تبني لهم دورًا بقرب دارها ليسهل عليها تفقدهم ورعايتهم.
ومن مصاديقه هو الإنفاق المعنوي كالاهتمام بتعليم النسوة وحل مشكلاتهن الدينية والدنيوية.
السهم الثاني: الصدق.
فقد كانت (عليها السلام) من أهل الصدق، بل هي الصديقة الكبرى على كل النساء بعد أمها الزهراء (عليها السلام) فهي بالقياس بأمها فقط "صديقة صغرى"(١٠).
السهم الثالث: اليقين.
فالسيدة (عليها السلام) لما فقدت صاحب النهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وحامل اللواء وكفيلها العباس (عليه السلام)، ولما تعرضت لسبي مع كونها فخر المخدرات، سارت في طرقات الكوفة والشام، ودخلت قصر أهل الجور والظلم، بقيت هي... هي زينب بنت علي (عليما السلام) لأنها لم تفقد رب السماء الذي بعين قلبها كانت تراه، فهي كانت ترى جميل صنعه، لا قبيح صنع خلقه فثبتت وواصلت.
السهم الرابع: الرضا.
هي (عليها السلام) لم تَكن من أهل الصبر فقط، بل من أهل الرضا بمكروه القضاء، فبلغت مرتبة الصبر الجميل حيث لما قيل لها "كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ ؟ فَقَالَتْ : مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا،..."(١١)، وقولها: "اللهم تقبل منا هذا القربان"(١٢)، وكأنها تقول لنا: إنها ترتجي من كل ما أصابها بلوغ وتحقق القرب من مولاها، فكيف لا تكن راضية به؟!
السهم الخامس: الوفاء.
فمن القابها "أمينة الله" (١٢)، فهي الوفية بعهدها والأمينة على رسالتها ودورها الذي كلفت به من قبل إمام زمانها سيد الشهداء، فهي لم تنكسر بفقده بل واصلت المسير، وأدت رسالتها، فكانت لسفينة النجاة الشراع الذي أوصل نهضته إلى بر الأمان.
فمن يرتبط بالله تعالى ويَكن تابعاً لدعاة الحق المرسلين من قبل الله تعالى، فإنه لا يتوقف بفقدهم عن مسعاه، بل تبقى رسالته حية في داخله، لأن رب الرسالة حي لا يموت.
السهم الخامس والسادس: العلم والحلم.
حيث قالوا في كلماتهم الطاهرة: "وعلما في حلم" (١٣)، فقد قرن الحلم بالعلم، فمن ثمار تحقق وجود العلم الإلهي في القلب هو وجود الحلم في حامله، والسيدة كانت من أهل الحلم لأنها من أهل العلم، كما وصفها إمامنا زين العابدين (عليه السلام) بأنها "عالمة غير معلمة" (١٤).
فهذه محاولة واشارات عابرة حول تحقق كمال الإيمان في السيدة زينب (عليها السلام) التي كانت زينة لأبيها علي (عليه السلام).
_____________________________
(١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٦، نقلا عن كتاب القاموس.
(٢) بحار الأنوار: ج٢، ص٢٣.
(٣) بحار الأنوار: ج ٣٩، ص ١.
(٤) الكافي للكليني: ج٢، ص٣٣.
(٥) أصول الكافي: ج٢، ص٥١٠، ح١.
(٦) تنبيه الخواطر: ج١، ص٥٦٢.
(٧) كامل الزيارات، ابن قولويه: ص ١٥٧.
(٨) اصول الكافي: ج٢، ص٤٥٢، ح١.
(٩) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٧، نقلا عن كتاب لسان العرب.
(١٠) المناقب لابن شهرآشوب: ج٤، ص١١٥.
(١١) زينب الكبرى من المهد الى اللحد: ص٢٢٣.
(١٢) مقتل المقرم: ص307.
(١٣)بحار الأنوار: ج ٧٥، ص ٣٠.
(١٤)بحار الأنوار:ج٤٥، ص١٦٢.

اخترنا لكم

من وحي الطفولة

بقلم: وجدان الشوهاني إلى جميع الأمهات/ حان وقت الصلاة نداء موشحٌ بالحنين والرحمة طالما سمعتهُ من أعزِ إنسانة على قلبي، تلك هي أمي، فمذ كنتُ صغيرة وأنا اسمع صوتها الحنين ينادي على إخوتي وأخواتي بأن حان وقت الصلاة فما إن يؤذن المؤذن ويقول (الله أكبر) يأتي ذلك الصوت ليجتاح أذنَي الصغيرتين وأراقب ذلك الصوت الذي لا يهدأ حتى يتم الجميع صلاته، وكنت أتساءل: لمَ لا تناد عليَّ كما تنادي على إخوتي وأخواتي الكبار؟ ولمَ هذا الاهتمام الكبير بوقت الصلاة وبإقامتها؟ وسألتها مرارا وتكرارا عن ذلك، وكان الجواب: ما زلت صغيرة يا فلذة كبدي وأنت آخر العنقود، ولم أفهم رفضها عن البوحِ بالأسباب حتى أتممت من عمري ثمانية أعوام ميلادية، وبدأت أمي تهيئ لي عيد الميلاد كما اعتادت في كل عام، ولكن اهتمامها هذه المرة يختلف عن كل السنوات الماضية. فلم تترك صديقة لي إلّا ووجهت لها دعوة لحضور حفلة عيد الميلاد فلقد أعدّت احتفالًا كبيرًا يختلف عن كل الأعوام، كما إنّ فرحتها بهذا الاحتفال تختلف عن غيره، وما أن أتى كلُّ الحضور وبدأ الاحتفال، وإذا بأمّي توجه لصديقاتي سيلاً من أجمل الكلمات. وتقول لهنّ: أهلًا وسهلًا بكنّ جميعًا فاليوم هو اليوم الذي اكملت ابنتي من عمرها ثمانية أعوام، ودعوتكم لأُعلِمَكم جميعًا بأنّهُ لم يبقَ لها سوى أشهرُ قليلة وستكون آخر عنقود العائلة كبيرة وسوف يخاطبها الله (سبحانه وتعالى)، فتعجّب الجميع من قول أمّي، وقالوا لها: وكيف ذلك؟ فقالت: بعد أشهرٍ قليلة ستكون صغيرتي كبيرة وسيكلّفها الله (سبحانه وتعالى) بواجبات لأنّها ستكمل تسع سنين هجرية والتكليف دليل على نهاية فترة الصغر لأن الصغار لا يُكلّفون بشيء وهذه الواجبات هي خطاب الله (سبحانه وتعالى) للإنسان. فسألت أمي: وهل هناك فرق بين السنين الميلادية والهجرية؟ فقالت أمي: نعم أكيد هناك فرق فالسنة الميلادية تفرق أحد عشر يوماً عن الهجرية ولذا فبحسب السنة الهجرية أنتِ أكبر سنًا من الميلادية. فقلت: معلومة جديدة تعلمتها، ولكن ماذا عليَّ أن أفعل إن خاطبني وكلّفني الله (سبحانه وتعالى)؟ فقالت أمي: ستجب عليكِ الصلاة والصوم وغيرها من واجبات ومتى ما يُرفع الأذان سأقول لك حان وقت الصلاة، ألم تسأليني دائمًا عن سبب عدم توجيه النداء لكِ؟! اليوم حان الوقت لأخبركِ بالسبب ولذا عليكِ أن تتهيئي للصلاة والصوم وكل الواجبات لأن الواجبات للكبار الذين كلّفهم الله (عزّ وجل) وإلى الآن أنتِ صغيرة ولكن بعد أشهر قلائل ستكونين كبيرة ومكلفة. وهنا وجدتها فرصة لأوجه لها سؤال آخر وهو: لِمَ هذا الاهتمام الكبير بالصلاة؟ فقالت أمّي: لأُحافظ عليكم! فتعجبت وتعجبت كل صديقاتي من الجواب، وسألناها: وكيف يكون ذلك؟ فقالت: ألم يقل الله في كتابه العزيز (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۗ )؟ قلنا: نعم، هذا قول الله تعالى. فقالت: إذن اهتمامي بالصلاة لكي احصّنكم من الفحشاء والمنكر والبغي وبذلك أحافظ عليكم، فالصلاة عمود الدين فمتى ما اهتممنا بذلك العمود ضمنّا سلامة الدين، ومتى ما سلم الدين سلم الجميع، وبهذا أُحافظ عليكم، فهذا الاحتفال لم يكن لأنكِ أكملت ثمانية أعوام فقط، بل هو احتفال لتتهيئي وتتهيأ كل صديقاتكِ ممن في عمرك لخطاب الله تعالى وتكليفه، فسوف تكونين مؤهلة وعلى قدر المسؤولية، ولذا أحببت أن أُنبّهكِ على تلك المهمة من خلال هذا الاحتفال حتى تكوني مستعدة للقيام بالمهمة على أكمل وجه ولا تتفاجئي، فلن تكوني بعد التكليف صغيرة بل ستكونين كبيرة وأميرة، والتكليف هو تاج إمارتك، فحافظي على تاجكِ بإداء ما يجب عليكِ، واحذري من ضياعه، ففي ضياعه ضياع الدين، وإن ضاع الدين ضاع كلُ شيء. ومنذ ذلك الحين وأنا أُحافظ على الصلاة، والآن أقوم بنفس ما كانت تقوم به أمي رحمها الله تعالى، ومتى ما سمعت صوت المؤذن أُنادي على أولادي: حان وقت الصلاة. فإلى جميع الأمهات... حافظوا على أولادكم بالصلاة.

اخرى
منذ 6 سنوات
1670

البُعد المعنوي العرفاني لملحمةِ عاشوراء

بقلم: أم محمد الأسدي على الرغمِ من أنّ بُعدَ الجهادِ والشهادةِ هو البعدُ البارزُ ليومِ عاشوراء، إلا أنّه في الحقيقةِ تجلٍّ ونتيجةٌ حتميةٌ للبُعدِ المعنوي العرفاني في شخصيةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام)؛ فهو (عليه السلام) حفيدُ النبيّ الخاتمِ الأعظمِ (صلى الله عليه وآله) الذي "دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى". وهو الإمامُ السبطُ، وسيّدُ شبابِ أهلِ الجنة، الذي تجلّتْ في دعائه في يومِ عرفة أبرزُ معاني ودلالاتِ العبوديةِ لله (تعالى)، والمحبةِ للخالقِ (جلَّ وعلا)، ومنتهى الطاعةِ والتسليمِ والفناءِ في الذاتِ الإلهية، يقفُ في يومِ عاشوراء؛ ليُترجِمَ تلك المعاني والمفاهيم بصورةٍ عملية. الحسينُ العارفُ، الحسينُ العاشقُ، الحسينُ السالكُ إلى ربِّه طريقَ العبودية والمعرفة الخالصة، وإلا فأيّ ارتباطٍ، وأي علاقةٍ، وأي معرفةٍ تلك التي جعلتِ الحسينَ يُقدِّمَ كُلَّ تلك التضحيات، وكُلَّ تلك القرابين الواحدَ تِلوَ الآخر في يومِ عاشوراء؟ بدءًا من عبدِ اللهِ الرضيع (عليه السلام)، وعلي الأكبر، والعباس (عليه السلام)، وكُلِّ أهلِ بيته وأصحابه، ويبقى صامدًا صلبًا لا يلين ولا تأخذه في الله لومة لائم. ثم بدأ يتلقّى السهامَ والطعناتِ حتى بلغتْ إلى حدِّ الطعنةِ فوقَ الطعنةِ، والضربة فوقَ الضربةِ، فلم يبقَ مكانٌ خاليًا من جسده الشريف إلا وفيه أكثرُ من طعنةٍ وضربةٍ وجرحٍ. فما سِرُّ ذلكَ التحمُّلِ والصبرِ على ويلاتِ كربلاء غيرَ الحُبِّ والعشقِ الذي أنساه كُلَّ الآلامِ والجراح. بل كان (عليه السلام) كُلّما ازداد طعنًا ازداد وجهه إشراقًا وتلألؤًا. حتى قالَ حميد بن مسلم: "فواللهِ ما رأيتُ مكثورًا قد قلَّ ولدُه وأهلُ بيته وأصحابُه أربطَ جأشًا ولا أمضى جنانًا منه" وهو بهذا حيّرَ الألبابَ، وأذهلَ العقولَ بشجاعتِه وصلابتِه وثباتِه، وقد أظهرَ من الشجاعةِ والإقدامِ ما عجزَ عنه الفُرسان والأبطال. كيف لا، ولسانُ حالِه في وادي الطفوف يُفصِحَ عن حقيقةِ عشقه وذوبانه وفنائه في المعشوق الأبدي قائلًا: تركتُ الخلقَ طُرًا في هواكا وأيتمتُ العيالَ لكي أراكا فلو قطّعْتني في الحُبِّ إربًا لما مالَ الفؤادُ إلى سواكا فالحُبُّ والعشقُ إذا كان مُتعلّقُه غيرَ اللهِ كان مذمومًا، قالَ الإمامُ الصادقُ (عليه السلام) لمّا سُئلَ عن العشقِ المجازي مُجيبًا: "قلوبٌ خلتْ عن ذكرِ الله، فأذاقَها اللهُ حُبَّ غيره"(1). أمّا العشقُ الحقيقي وتعلُّق القلبِ بالله (تعالى) فهو ممدوحٌ بلا أدنى شك مهما زاد وتجذّر، بل ولا معنى للإفراطِ فيه؛ لأنَّ مُتعلّقَ الحُبِّ هو الوجودُ والكمالُ والجمالُ المُطلقُ، فلا نهايةَ لحُبِّه ليصدُقَ فيه عنوان الإفراط. وفي وادي الطفوف فإنَّ أبا عبد الله (عليه السلام) في رحلتِه إلى ربِّه في سيرِه وسلوكِه، وبأقدامِ المعرفةِ الحقيقيةِ الثابتة، وبوسيلةِ التضحيات العظيمة تنقّلَ في منازلِ السائرين عِبرَ المقاماتِ الملكوتية، وطوى مراحلَ ومراتبَ السيرِ والسلوكِ، حتى وصلَ إلى الكمالِ المودع في فطرته الموّحدةِ العاشقة، حيثُ حريم غيبِ الغيوب الذي ظهرَ نورُه في وادي الطفوف يومَ عاشوراءِ الحتوف. وبدورنا نحنُ يجِبُ أنْ نحصلَ على العشقِ الحُسيني حتى نصلَ إلى حُبِّ اللهِ (جلَّ وعلا)؛ لأنّه بابُ اللهِ (تبارك وتعالى)، والوسيلةُ إلى رضوانِه، ونزدادُ يقينًا بحقائقِ الإيمانِ، ونُناجيه في سرِّنا وذواتِ عقولِنا؛ لنتعلَّمَ ونفهمَ أنَّ أجلَّ وأعلى المقاماتِ ونهايةِ المنازل هو حبُّه وحبُّ قائمه والنظرُ إلى سُبُحاتِ وجهِه الكريم. والنفوسُ والقلوبُ بفطرتها السليمة جُبِلتْ على حُبِّ الخيرِ والجمالِ والكمالِ المُطلق، مثلما جُبِلَتْ على حُبِّ المُنعمِ، وخيرُ ما يوصلُنا إلى حُبِّ المُنعمِ (جل وعلا) هو حُبُّ الحُسين (عليه السلام). فلنذُب ونُجن في حُبِّه؛ فحبُّه ظاهرهُ جنونٌ وباطنُه العقلُ والحكمة، فحيَّ على الحُبِّ والجنونِ.. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) أمالي الصدوق: 396.

اخرى
منذ 5 سنوات
1896

*الوسوسة

الوسوسة في اللغة الصوت الخفي ومنه يقال لصوت الحلي وسواس، وكل صوت لا يفهم تفصيله لخفائه وسوسة ووسواس وكذلك ما وقع في النفس خفيا(1). و الشيطان يأتي الانسان فيوسوس له ليدله على طريق الضلالة، ويبعده عن طريق السعادة، ويأتي بأسلوب غير محسوس ليدخل قلب الإنسان وعقل الإنسان وذهن الإنسان. وأما إذا كان ذلك من طرق رب العالمين، ومن طرق عالم الملكوت يقال له الهام. *من يوسوس له الشيطان؟؟؟ لا يحاسب الله (تعالى) على وسوسة الشيطان وإنما يحاسب على الأخذ بوسوسته والعمل بها كما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " لكل قلب وسواس، فإذا فتق الوسواس حجاب القلب نطق به اللسان وأخذ به العبد، وإذا لم يفتق القلب ولم ينطق به اللسان فلا حرج " (2). يذكر القرآن الكريم انما يوسوس الشيطان لأولئك الذين ضعف ارتباطهم بالله إذ يقول (تعالى): " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين " (3). فالذي لا تشده إلى الله رابطة قوية، و ضعفت به صلته فلا يؤدي الصلاة أول وقتها ويغفل عن ذكر الله فيأتيه شيطان ويرافقه دوماً بل ويكون له قرينا، وعمله هو ان يوسوس له ويلقي الضلالة في قلبه. و الإنسان الوسواسي إنما أصبح كذلك لدوام مرافقة الشيطان له وان كان لا يراه. فهو يرافقه في البيت والنوم واثناء الصلاة والوضوء والغسل، و يكون الشيطان معه في كل مكان، مع انه لا يرى ذلك الشيطان، إلا إنه دائماً يتكلم معه، فعندما يتوضأ مثلاً يقول له الوضوء ناقص، أو أن هذا الوضوء باطل لأن الوجه لم يغسل صحيحاً، أو عندما يغتسل يقول له بأن الغسل غير كامل، ويشغله لفترة طويلة في عملية إتمام الإغتسال، وكلما طال وضوؤه وإغتساله أكثر كان ذلك علامة على مدى طاعة الانسان لذلك الشيطان وإستجابته له. والخواطر التي يلقيها الشيطان في القلب تكون على قسمين: الاول :وتكون خاطرات مباشرة، تحث الإنسان على اقتراف الذنوب والآثام، أي يزين الشيطان فعل الذنب بشكل مباشر ويجعل في اقترافه حلاوة. فيأمر بنظرة سوء، والغيبة والبهتان و النميمة وما شاكل ذلك قال (تعالى): " وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ"(137) " (4) و قال (تعالى): " أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) "(5) و أما الثاني : فتكون بصورة غير مباشرة، بطريقة (الخناس)، أي الوسوسة مع التبرير، فيخدع الشيطان الانسان بالقول الجميل والمقنع فيحرفه بواسطة الدين عن الدين. وأغلب الوسواسيين على هذه الشاكلة فلا يقولون عملنا حرام، بل يقولون هذه الطريقة السليمة للتيقن من صحة الغسل و الوضوء مثلا. وأما من لا يتبع طريقتهم فغسله باطل في نظرهم وبالتالي فإن الناس نجسين وهم الطاهرون. وفي الوقت الذي يعد هو فيه أنجس الناس. و من الواضح إن خطر القسم الثاني أشد من خطر القسم الأول فالقسم الاول يعلم إنه يرتكب المعاصي والمحرمات وبالتالي قد تؤثر به موعظة ما وتدله على الطريق، وأما الإنسان الوسواسي فهو يخالف الشرع المقدس ويجانب الصواب وهو معتقد تمام الاعتقاد إن عمله صحيح كما إنه لا يطمئن الا به. وبالتالي لا يتوب حتى يكف عن تلك الحالة (حالة الوسوسة)، وطالما هو مستجيب لوسوسة الشيطان فإن ذنوبه تتراكم وتتراكم حتى يسود قلبه ويصل إلى حال لا يُرجى شفاؤه معها. يُحكى إن أحد الطلبة العلماء قد جُنّ. وترك الصلاة والصوم، وعندما يُسأل: لماذا لا تصلي ولا تصوم ؟ فيجيب بعبارة جميلة (أخذ ما وَهب وسقط ماوجب) يعني ان الله أخذ عقلي فلم يعد علي تكليف. نعم ، الوسواسي مجنون ولكن ليس بهذا النحو، لأنه يبقى مكلّفا ، ولا تسقط عنه أي من العبادات من الصوم والصلاة وغيرها. *من هو الخناس ؟؟؟ لكل إنسان شيطان يناسب حاله، ووسائل غواية وإضلال تناسب قوة إيمانه، فعامة الناس يكفي لإضلالهم شيطان ما لايناسب الروحانيون إذ إن لهم شياطين ولكنهم أساتذة الشياطين، والخناس من أساتذة الشياطين، وقد ورد في الروايات ان الخناس شيطان عالم وكبير جداً؛ لذا وردت الاستعاذة منه ثلاث مرات في قوله (تعالى) : " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) "(6) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما ولد إبراهيم وعيسى (ع)، جمع الشيطان الكبير كل الشياطين حوله وقال ماذا نفعل، لأن نبي الله قد وُلد ولا يمكن إضلال الناس بعد. فقال الخناس: استطيع اضلالهم عن طريق الدين والوسوسة فيصيرون إلى النار (7) . و قد روي عن الامام الصادق (عليه السلام) في ذيل تفسير قوله (تعالى) : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) " (8) إنه قال: " لما نزلت هذه الآية: والذين اذا فعلوا فاحشة... صعد إبليس جبلاً بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيّدنا لِمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، فقال: لست لها. فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها. فقال الوسواس الخناس: أنا لها، فقال: بماذا؟ قال: أعدهم وأُمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فاذا واقعوا الخطيئة أُنسيهم الاستغفار، فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة " (9). *أنواع الوسوسة الشيطانية تختلف وسوسة الشيطان للناس بإختلاف إهتماماتهم أولا : الوسوسة الفكرية: و هي الوسوسة التي ترتبط بالقلب وخطراته ولا تتعلق بالأفعال، وهي موجودة بكثرة و يُبتلى بها الكثير من الناس، وتنشأ عادة من ضعف الإرادة فعندما تضعف أعصاب الإنسان أو يتعرض للمصاعب، أو يرى مصيبة كبيرة، يصاب من الناحية الروحية بالوسوسة الفكرية، وهي على مراتب فتارة تكون بمستوى الشك والشبهة فقط. واُخرى تشتد وترتفع خصوصا عندما يتعرض ذوي الايمان الضعيف لبلاءات و مصائب فتصل ـ والعياذ بالله ـ موضعاً يسيء فيه القول على الله ويعتقد ان أفعال الله ظالمة وإنه ليس عادلا وما الى ذلك . ومن الوسوسة الفكرية الشك بالقرآن وبخصوص تلك الايات التي تتحدث عن العدل و إنتفاء الظلم عنه (جل و علا) و عندما تشتد الوسوسة يصل الانسان إلى درجة يشتم فيه (في قلبه) الله (سبحانه و تعالى) والنبي (صلى الله عليه و آله) والأئمة (عليهم السلام) والمقدسات، وتوجد أنواع أخرى من الوسوسة الفكرية التي ترتبط بدنيا الإنسان وأعماله أو بعلاقته مع الآخرين كسوء الظن مثلاً، وعلاج هذا النوع من الوسوسة سهل جداً، وهو ان يصرف الانسان نفسه كلما أتاه ذلك الشك، هذا إذا كان الأمر في بدايته، أما إذا أطاع الشيطان، فكلما أطاعه أكثر يترسخ في قلبه أكثر حتى يترسخ في قلبه الشك وهكذا. وعلى هذا يجب على الانسان بالاضافة الى عدم إهتمامه بهذه الوسوسة أن يبادر الى العلاج بأمور دعت اليها الايات والروايات سنذكرها. ولكن عليه أن يعلم بأن العلاج يحتاج إلى صبر وسعة صدر، شهراً أو شهرين أو عدة شهور فسوف يتحسن ويتمكن من اقتلاع أصل هذه الرذيلة. ومن الناحية الجسمية فيجب أن ينظم نومه ويقوي أعصابه، وان لا يتشنج، ولا تتعرض أحاسيسه لصدمات، كل ذلك لازم ومؤثر جداً للتخلص من الوسوسة الفكرية. *علاج الوسوسة الفكرية و علاجها كما جاء في الايات الكريمة و الروايات الشريفة يكمن في : 1 . قال (تعالى): " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) " (10). فالدخول في عبودية الله (عز وجل ) حصن من الشيطان الرجيم فإذا وقف الإنسان تحت راية الله كان في حمايته و يخشى الشيطان حينئذ من الاقتراب اليه، فيقوى ارتباطه بالله، ويقيم الصلاة لوقتها ويؤدي الواجبات وخاصة الحجاب بالنسبة للنساء، وان ينتهي عن المحرمات كالاستماع الى الغناء والنظر المحرم وغيرهما، بل ويهتم بالمستحبات فيصلي صلاة الليل، ويقرأ القرآن، يدعو الله ويتوسل له، ويساعد الناس، ويعين الزوج زوجته، وتساعد الزوجة زوجها وخدمة المسلمين، فان عمل بكل ذلك فإن الوسوسة الفكرية ستزول شيئاً فشيئاً بل وقد وعد القرآن بأن الملائكة يبعدون الشياطين عمن عزز ارتباطه بالله لقوله (تعالى): " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله "(11) 3 . قول ( لا اله الا الله) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ــ وقد سئل عن الوسوسة وإن كثرت - : " لاشئ فيها ، تقول: لا إله إلا الله " (12).وعنه (عليه السلام) أيضا قل : " لا إله إلا الله، قال جميل: فكلما وقع في قلبي شئ قلت: لا إله إلا الله فيذهب عني " (13). 4 . لو ذكر النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله ) بسوء، والأئمة الطاهرين (عليهم السلام ) فليذكرهم و يصل عليهم . فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام): " ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب " (14). 5 . لو خطر بقلبه ان الله ظالم وليس بعادل. فعليه أن لا يهتم ولا يؤذي نفسه ويقرأ قليلاً من القرآن . 6 . روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال - لرجل ابتلي الوسوسة وهو معيل مدين محوج -: " كرر هذه الكلمات " توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا " فلم يلبث الرجل أن عاد إليه فقال: يا رسول الله أذهب الله عني وسوسة صدري، وقضى ديني ووسع رزقي " (15). 7 . الصوم كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): " صوم ثلاثة أيام من كل شهر - أربعاء بين خميسين، وصوم شعبان - يذهب بوسواس الصدر، وبلابل القلب " (16). وعنه (عليه السلام): " صيام شهر الصبر وثلاثة أيام في كل شهر يذهبن ببلابل الصدر " (17) . ثانيا : الوسوسة العملية: و تتباين هذه الوسوسة بتباين الأفراد، ولكن بصورة عامة يمكن تقسيها الى قسمين : الأول : ما لا ترتبط في مجال العبادات : تكون الوسوسة في اختيار الملابس، فلا يعجبه مثلاً ان يلبس هذه الملابس لأن لونها لا يناسبه، ولا تلك لأن قماشها لايعجبه، ولا الثالثة لأن طريقة خياطته ليست كما يرغب بها، ونحن إذ نعترف إن من حق الانسان أن يحسن إختيار ما يلبسه وما يلائم دينه وثقافته وغير خارج عن العرف السليم، كما إننا نعترف بقلة ما يتصف بهذه المواصفات من الملابس في الاسواق اليوم إلا إنه يجب أن لا يخرج التردد في الاختيار عن الحد المألوف فيصبح وسوسة، وهذا النوع من الوسوسة العملية تلاحظ بكثرة في أوساط النساء. و قد تكون الوسوسة في مجال النظافة، فتجد بعض الناس أهتمامهم بالتنظيف يستنزف جُل وقتهم، فيكثرون من أعمال الكنس والتنظيف و الغسل، وكلما نظّفوا شكوا في حصولهم على المطلوب فيعيدون عملية التنظيف وهكذا حتى يصابوا أخيراً بوسواس النظافة. و قد تجد بعضهم مصاب بالوسوسة من الميكروب، فإذا مست يده ثيابه، طهرها بالكحول، و إذا صافحه أحدهم أسرع لتعقيم يديه، بل والبعض يعتذر عن المصافحة أساسا، وقبل الأكل يغسل يديه مائة مرة، وقد يصل به الأمر ان يقطع الخُبز بالسكين لأنه لا زال يشك في يديه. ثانيا : ما يرتبط في مجال العبادات: ما ترتبط في مجال العبادات فقد تكون الوسوسة في التطهير من النجاسات بصورة عامة، وتبتلى بمثل هذه الوسوسة عادةً النساء. فتجد المرأة تطهر الثياب وارض المنزل وغيرها بأكثر مما أوجبه الشرع بل وبعضهن تعلم بذلك وتصرح لأنها تريد الوصول الى الاطمئنان القلبي ومع تكرار هذه العملية تترسخ الوسوسة لديها فتهدر الماء وتضيع رأسمالها في الحياة وهو الوقت وهي قبل كل ذلك تطيع الشيطان وتغضب الرحمن . و قد تكون الوسوسة في عبادة معينة كالغسل أو الوضوء مما تؤثر على وقت أدائه للصلاة فغالبا ما يصليها بعد وقت فضيلتها ليس لشيء سوى لإنشغاله في الوضوء او الغسل لوقت طويل قد يصل بالبعض الى ساعة أو أكثر. ومنها أيضا الوسوسة في الصلاة والشك بين الركعات والشك في إتيان أجزاء الصلاة بشكل صحيح، ومن العجيب إن بعضهم لا يؤمن بحالات العلاج للصلاة التي يمكن علاج الشك فيها، بل يبطل صلاته ويأتي بغيرها، وهؤلاء علاوة على إغضابهم للرحمن وإطاعتهم للشيطان فإنهم وبمرور الزمن يكرهون العبادة نفسها وبالتالي يتركوها. و قد يوسوس الشيطان للإنسان بإنه في مورد رياء وإن عليه أن يخفي عبادته ولا يظهرها أمام الناس. ومع إن إخفاء العبادة وكل عمل خير يصدر من المؤمن عدا الموارد التي أباح الشرع إظهار العمل فيها أو أمر بإظهاره فيها للناس قولاً أو عملاً، محثوث عليه من قبل الشارع، حفظاً لنفس العامل عن عروض بعض الرذائل عليها كالعجب والرئاء والتكبر وحب الجاه ونحوها فقد ورد : إن أعظم العبادة أجراً أخفاها (18). وإن العمل الصالح إذا كتمه العبد أبى الله إلا أن يظهره ليزين الفاعل به مع ما يدخر له من الثواب (19) .وإن المستتر بالحسنة تعدل سبعين حسنة (20). و لكن أحيانا يكون إظهار العمل لا بد منه كما في الصلوات الواجبة خاصة مع الجماعة، وفي إخراج الوجوه الواجبة من الزكاة والخمس ومنذور التصدق به وغيره، وذلك لأن تشيع عبادة الله وطاعته في الناس ويرغب إليها الغافلون، ويكون نوعاً من الأمر بالمعروف، وسبباً لزوال التهمة عن العامل لو كان مورداً للتهمة، إلا إن الوسواس الخناس يوسوس في صدور بعض الناس في هذه الموارد بأن الإظهار يكون رئاء فيخفيه لذلك، فإن إستجاب له مرارا ترسخت الوسوسة لديه و قد يقلع عن تلك العبادات رأسا . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) معجم الفروق اللغوية للعسكري ج1 ص369 (2) ميزان الحكمة ج11 ص138 (3) الزخرف 36 (4) الانعام 137 (5) فاطر 8 (6) الناس 1 ــ 6 (7) الفضائل و الرذائل ج11 ص5 (8) آل عمران 135 (9) بحار الانوار ج60 ص197 (10) الاسراء 65 (11) الرعد 12 (12) ــ(17)ميزان الحكمة ج11 ص138 (18)و(19) بحار الأنوار، ج70 ، ص251 (20) ثواب الأعمال ، ص213

اخرى
منذ 8 سنوات
21300

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
88517

بين طيبة القلب وحماقة السلوك...

خلق الله الأشياء كلها في الحياة ضمن موازين وقياسات... فالزيادة أو النقيصة تسبب المشاكل فيها. وهكذا حياتنا وأفعالنا وعواطفنا لا بد أن تكون ضمن موازين دقيقة، وليست خالية منها، فالزيادة والنقيصة تسبب لنا المشاكل. ومحور كلامنا عن الطيبة فما هي؟ الطيبة: هي من الصفات والأخلاق الحميدة، التي يمتاز صاحبها بنقاء الصدر والسريرة، وحُبّ الآخرين، والبعد عن إضمار الشر، أو الأحقاد والخبث، كما أنّ الطيبة تدفع الإنسان إلى أرقى معاني الإنسانية، وأكثرها شفافية؛ كالتسامح، والإخلاص، لكن رغم رُقي هذه الكلمة، إلا أنها إذا خرجت عن حدودها المعقولة ووصلت حد المبالغة فإنها ستعطي نتائج سلبية على صاحبها، كل شيء في الحياة يجب أن يكون موزوناً ومعتدلاً، بما في ذلك المحبة التي هي ناتجة عن طيبة الإنسان، وحسن خلقه، فيجب أن تتعامل مع الآخرين في حدود المعقول، وعندما تبغضهم كذلك وفق حدود المعقول، ولا يجوز المبالغة في كلا الأمرين، فهناك شعرة بين الطيبة وحماقة السلوك... هذه الشعرة هي (منطق العقل). الإنسان الذي يتحكم بعاطفته قليلاً، ويحكّم عقله فهذا ليس دليلاً على عدم طيبته... بالعكس... هذا طيب عاقل... عكس الطيب الأحمق... الذي لا يفكر بعاقبة أو نتيجة سلوكه ويندفع بشكل عاطفي أو يمنح ثقة لطرف معين غريب أو قريب... والمبررات التي يحاول إقناع نفسه بها عندما تقع المشاكل أنه صاحب قلب طيب. الطيبة لا تلغي دور العقل... إنما العكس هو الصحيح، فهي تحكيم العقل بالوقت المناسب واتخاذ القرار الحكيم الذي يدل على اتزان العقل، ومهما كان القرار ظاهراً يحمل القسوة أحياناً لكنه تترتب عليه فوائد مستقبلية حتمية... وأطيب ما يكون الإنسان عندما يدفع الضرر عن نفسه وعن الآخرين قبل أن ينفعهم. هل الطيبة تصلح في جميع الأوقات أم في أوقات محددة؟ الطيبة كأنها غطاء أثناء الشتاء يكون مرغوباً فيه، لكنه اثناء الصيف لا رغبة فيه أبداً.. لهذا يجب أن تكون الطيبة بحسب الظروف الموضوعية... فالطيبة حالة تعكس التأثر بالواقع لهذا يجب أن تكون الطيبة متغيرة حسب الظروف والأشخاص، قد يحدث أن تعمي الطيبة الزائدة صاحبها عن رؤيته لحقيقة مجرى الأمور، أو عدم رؤيته الحقيقة بأكملها، من باب حسن ظنه بالآخرين، واعتقاده أن جميع الناس مثله، لا يمتلكون إلا الصفاء والصدق والمحبة، ماي دفعهم بالمقابل إلى استغلاله، وخداعه في كثير من الأحيان، فمساعدة المحتاج الحقيقي تعتبر طيبة، لكن لو كان المدّعي للحاجة كاذباً فهو مستغل. لهذا علينا قبل أن نستخدم الطيبة أن نقدم عقولنا قبل عواطفنا، فالعاطفة تعتمد على الإحساس لكن العقل أقوى منها، لأنه ميزان يزن الأشياء رغم أن للقلب ألماً أشد من ألم العقل، فالقلب يكشف عن نفسه من خلال دقاته لكن العقل لا يكشف عن نفسه لأنه يحكم بصمت، فالطيبة يمكن أن تكون مقياساً لمعرفة الأقوى: العاطفة أو العقل، فالطيّب يكون قلبه ضعيفاً ترهقه الضربات في أي حدث، ويكون المرء حينها عاطفياً وليس طيباً، لكن صاحب العقل القوي يكون طيباً أكثر من كونه عاطفياً. هل الطيبة تؤذي صاحبها وتسبب عدم الاحترام لمشاعره؟ إن الطيبة المتوازنة المتفقة مع العقل لا تؤذي صاحبها لأن مفهوم طيبة القلب هو حب الخير للغير وعدم الإضرار بالغير، وعدم العمل ضد مصلحة الغير، ومسامحة من أخطأ بحقه بقدر معقول ومساعدة المحتاج ... وغيرها كثير. أما الثقة العمياء بالآخرين وعدم حساب نية المقابل وغيرها فهذه ليست طيبة، بل قد تكون -مع كامل الاحترام للجميع- غباءً أو حماقة وسلوكاً غير عقلاني ولا يمت للعقل بصلة. إن المشكلة تقع عند الإنسان الطيب عندما يرى أن الناس كلهم طيبون، ثم إذا واجهه موقف منهم أو لحق به أذى من ظلم أو استغلال لطيبته، تُغلق الدنيا في وجهه، فيبدأ وهو يرى الناس الطيبين قد رحلوا من مجتمعه، وأن الخير انعدم، وتحصل له أزمة نفسية أو يتعرض للأمراض، لأن الطيّب يقدم الإحسان للناس بكل ما يستطيع فعله، ويقدّم ذلك بحسن نية وبراءة منه، فهو بالتالي ينتظر منهم الرد بالشكر أو المعاملة باللطف على الأقل... صحيح أن المعروف لوجه الله، ولكن من باب: من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق، لذلك يتأذى عندما يصدر فعل من الشخص الذي كان يعامله بكل طيب وصدق. هل الطيبة والصدق من علامات ضعف الشخصية؟ الكثير من الناس يصف طيب القلب بأنه ضعيف الشخصية، لأنه يتصف بعدم الانتقام ممن ظلمه، والصفح عنه عند رجوعه عن الخطأ، وأنه لا يحب إيقاع الآخرين بالمشاكل؛ لأنه مقتنع أن الله سيأخذ له حقه. والحقيقة هي أن الصدق والطيبة وحسن الظن بالآخرين ليست ضعف شخصية، بل هي من الأخلاق الراقية وهي تزيد صاحبها سمواً وجمالاً روحياً، وليس من المعيب أن يمتلك الإنسان الطيبة بل العيب في من لا يُقدّر هذه الطيبة ويعطيها حقها في التعامل بالمثل. فالمشكلة الأساسية ليست في الطيبة، إنما في استغلال الآخرين لهذه الطيبة، نتيجة لعدم عقلنة قراراتنا والاعتماد على عواطفنا بشكل كلي. فالصدق والطيبة حسب المنطق والعقل، ولها فوائد جمة للنفس ولعموم أفراد المجتمع، فهي تحصين للشخص عن المعاصي، وزيادة لصلة الإنسان بربه، وتهذيب للنفس والشعور بالراحة النفسية، فالصادق الطيب ينشر المحبة بين الناس، وهذا يعزّز التماسك الاجتماعي وتقويته من سوء الظنون والحقد، وهذا التعامل أكّدت عليه جميع الشرائع السماوية، ولو تأمّلنا تاريخ وأخلاق الأنبياء والأوصياء لوجدنا كل ما هو راقٍ من الأخلاق والتعامل بالطيبة والصدق... حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ 7 سنوات
79770

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ 8 سنوات
60834

المرأة في فكر الإمام علي (عليه السلام)

بقلم: أم نور الهدى كان لأمير المؤمنين (عليه السلام) اهتمام خاص بالمرأة، فنراه تارة ينظر إليها كآية من آيات الخلق الإلهي، وتجلٍ من تجليات الخالق (عز وجل) فيقول: (عقول النساء في جمالهن وجمال الرجال في عقولهم). وتارة ينظر إلى كل ما موجود هو آية ومظهر من مظاهر النساء فيقول: (لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فإن المرأة ريحانة وليس قهرمانة). أي إن المرأة ريحانة وزهرة تعطر المجتمع بعطر الرياحين والزهور. ولقد وردت كلمة الريحان في قوله تعالى: (فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة النعيم) والريحان هنا كل نبات طيب الريح مفردته ريحانة، فروح وريحان تعني الرحمة. فالإمام هنا وصف المرأة بأروع الأوصاف حين جعلها ريحانة بكل ما تشتمل عليه كلمة الريحان من الصفات فهي جميلة وعطرة وطيبة، أما القهرمان فهو الذي يُكلّف بأمور الخدمة والاشتغال، وبما إن الإسلام لم يكلف المرأة بأمور الخدمة والاشتغال في البيت، فما يريده الإمام هو إعفاء النساء من المشقة وعدم الزامهن بتحمل المسؤوليات فوق قدرتهن لأن ما عليهن من واجبات تكوين الأسرة وتربية الجيل يستغرق جهدهن ووقتهن، لذا ليس من حق الرجل إجبار زوجته للقيام بأعمال خارجة عن نطاق واجباتها. فالفرق الجوهري بين اعتبار المرأة ريحانة وبين اعتبارها قهرمانة هو أن الريحانة تكون، محفوظة، مصانة، تعامل برقة وتخاطب برقة، لها منزلتها وحضورها. فلا يمكن للزوج التفريط بها. أما القهرمانة فهي المرأة التي تقوم بالخدمة في المنزل وتدير شؤونه دون أن يكون لها من الزوج تلك المكانة العاطفية والاحترام والرعاية لها. علماً أن خدمتها في بيت الزوجية مما ندب إليه الشره الحنيف واعتبره جهادًا لها أثابها عليه الشيء الكثير جدًا مما ذكرته النصوص الشريفة. فمعاملة الزوج لزوجته يجب أن تكون نابعة من اعتبارها ريحانة وليس من اعتبارها خادمة تقوم بأعمال المنزل لأن المرأة خلقت للرقة والحنان. وعلى الرغم من أن المرأة مظهر من مظاهر الجمال الإلهي فإنها تستطيع كالرجل أن تنال جميع الكمالات الأخرى، وهذا لا يعني أنها لا بد أن تخوض جميع ميادين الحياة كالحرب، والأعمال الشاقة، بل أن الله تعالى جعلها مكملة للرجل، أي الرجل والمرأة أحدهما مكمل للآخر. وأخيرًا إن كلام الإمام علي (عليه السلام) كان تكريمًا للمرأة ووضعها المكانة التي وضعها الله تعالى بها، حيث لم يحملها مشقة الخدمة والعمل في المنزل واعتبر أجر ما تقوم به من اعمال في رعاية بيتها كأجر الجهاد في سبيل الله.

اخرى
منذ 7 سنوات
51675

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ 8 سنوات
48728

هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ

عاشوراء مدرسة أعطت وتعطي الكثير الكثير كل يوم للمتأمل فيما ورد عنها من كلمات وفيما وثق فيها من مواقف... ولعل من أهم الدروس التي ترسخها عاشوراء في الأذهان بعد ضرورة مواجهة الباطل والدفاع عن الحق مهما كلفت من تضحيات جسام هو: الصبر على البلاء بل والرضا به .. كيف لا، وقد ورد عن سيّد الشهداء (عليه السلام) في اللحظات الأخيرة من حياته حينما كان يتمرّغ في الدم والتراب: «رضاً بقضائك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك»(1). وكذلك فيما جاء في خطبته عند خروجه من مكّة إلى المدينة: «رضا اللَّه رضانا أهل البيت»(2) . فما سر هذا الرضا رغم شدة الابتلاءات وقساوة المحن التي مر بها سيد الشهداء (عليه السلام) ؟ مما لا شك فيه أن يقين الامام الحسين (عليه السلام) هو الذي رفعه إلى مقام الرضا رغم ما جرى عليه في واقعة كربلاء، إلا أنه ومع هذا فقد أرشد المؤمنين إلى مفاتيح الصبر والرضا، ولعل من أهمها ما وَرَدَ عنه (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ بعد أن تفاقم الخطب أمامه في كربلاء، واستشهد أصحابه وأهل بيته: «هَوَّنَ عَلَيَّ مَا نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ»(1). فهنا يلفت الامام الحسين (عليه السلام) نظر المؤمنين الى حقيقة مهمة وهي: أن الله سبحانه يعلم بكل مجريات الأُمور، وهو مطلع على كل معاناة المبتلى وما يكابده من ألم دونما اعتراض منه على قضائه هو في حد ذاته حافز للمبتلى للصبر والرضا.. ولتقريب المعنى نقول: إن المتسابقين في ساحة اللعب مثلا يشعرون بالارتياح حينما يعلمون أن أبويهم وأصدقاءهم ينظرون اليهم فيندفعون بقوّة أكبر في تحمل الصعاب لتحقيق الفوز. فإذا كان تأثير وجود الأبوين والأصدقاء كذلك، فما بالك بتأثير استشعار رؤية الله لما يجري على الانسان وهو يصارع الألم ويواجه المحن؟! ما أعظم القوّة التي يمنحها هذا الاستشعار لتحمل الامتحانات العسيرة والمصائب الخطيرة .. ولذا فقد جاء النداء الالهي لتثبيت قلب النبي نوح (عليه السلام) حين واجه أعظم المصائب والضغوط من قومه وهو يصنع الفلك، حيث قال (تعالى) : (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا)(2). فكان لعبارة «بِأَعْيُنِنَا» وقع عظيم في نفسه (عليه السلام) فصبر وواصل عمله الى نهايته دونما أن يلتفت الى تقريع الأعداء أو يهتم باستهزائهم. ــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) موسوعة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) ج8 ص42 (2) المصدر السابق (3) بحار الأنوار، ج 45، ص 46 (4) هود 37 رضا الله غايتي

اخرى
منذ 7 سنوات
45007