تشغيل الوضع الليلي

جثمان الإمام الكاظم (عليه السلام) على الجِسر.

منذ سنة عدد المشاهدات : 1650

بقلم: علوية الحسيني
1/الأسباب المؤدية إلى اعتقال الإمام الكاظم (عليه السلام)
بعد أن أخذ هارون العباسي (عليه لعائن الله) على نفسه استئصال وجود كل علوي منذ بداية حكمه، آل به الأمر إلى استئصال وجود سيّد العلويين، الإمام موسى الكاظم (عليه السلام)، ليس كرهًا له وحسب؛ بل لما رآه من التفاف الناس حوله، وتناقل علومه ومآثره ومحاسن أخلاقه، فخشي هارون اللا رشيد من ترشيح الناس للإمام إلى منصب الحكم واستبعاده، فقرر اعتقال الإمام (عليه السلام).
والذي يثير الأمر استغرابًا، أنّ هارون (عليه لعائن الله) كان قد اعتذر مسبقًا مِن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن يحبس الإمام جعفر (عليه السلام)، حيث ردّد أثناء زيارته لقبر النبي (صلى الله عليه وآله): "بأبي أنت واُمي إني أعتذر اليك من أمر عزمتُ عليه، انّي اُريد أن آخذ موسى بن جعفر فأحبسه؛ لأني قد خشيت أن يلقي بين اُمتك حرباً يسفك بها دماءهم"(1).

2/ من أوجه المشابهة بين هارون العباسي والشيطان الرجيم
لـعمري ما أشبه موقف الطاغية هارون بموقف الشيطان الرجيم؛ حينما أمره الله تعالى والملائكة بالسجود لآدم لكنه عصى تكبر بكلّ جرأة {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين}(2).
وحينما سأله الله تعالى {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ}(3)، أجاب: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِين}(4).
فها هو هارون تلميذ من تلامذة ابليس، قد اقتفى منه أثرًا في:
أ- أنه عصى أمر الله تعالى بوجوب طاعة الإمام موسى (عليه السلام)؛ إذ إنّه كان مطّلعًا على مكانة وفضيلة الإمام، وكونه منصّبًا بنصٍ من الله تعالى نقلًا عن آبائه عن جدّه النبي (عليهم السلام)، كما عصى إبليس أمر الله تعالى بوجوب السجود التكريمي لآدم.
ب- حسد هارون للإمام، والشعور بكونه أفضل منه؛ إذ ينقل لنا التاريخ بعض الشواهد يمثل فيها هارون أنّه صاحب علمٍ، وبينةٍ، كـالإمام موسى (عليه السلام)، كــما شعر إبليس بأفضليته من آدم.

3/ مراحـل اعتقال الإمام الكاظم (عليه السلام)
أ: قرر هارون أن يسجن الإمام (عليه السلام) عدّة مرّات، فحبسه في سجن عيسى وطلب من السجّان اغتيال الإمام، لكنه رفض؛ لما رآه من الإمام من عبادة وزهد وأخلاق.
"فـقرر هارون نقل الإمام إلى بغداد، وحبسه في بيتٍ يعود للفضل بن يحيى، لكنه أشرف على مراقبته بنفسه"(5)، وانشغل الإمام بدعاء الله تعالى بأن يخلصه من سجن هارون، حتى استجاب الله تعالى له في غلس الليل المظلم، فأمر هارون بإطلاق سراح الإمام"(6).
ب: وما إن خرج الإمام (عليه السلام) حتى رجع الناس والتفوا حوله، وتجمهروا، وتزايد عددهم، فأمر هارون (عليه لعائن الله) باعتقال الإمام ثانية في بيت الفضل بن يحيى، حيث طلب منه اعتقال الإمام، لكنه لـم يستجب لهارون.
ج: بـعد ذلك أمر هارون بنقل الإمام إلى سجن "أحد الخبثاء، الذي ينصب لآل أبي طالب (عليهم السلام) العداء، فعامل الإمام في السجن بجفاءٍ وشقاء، واستجاب لأمر الطاغية هارون بتقييد الإمام بثلاثين رطلاً من الحديد، ولم يجعله يخرج إلاّ للوضوء، ذلك السجّـان يدعى بالـسندي"(7).

4/ الإمام الكاظم (عليه السلام) في ذمة الخلود.
استجاب الرجس السندي لأمر الطاغية باعتقال الإمام واغتياله، حيث دسّ له السم في رطبٍ، فأكل منه الإمام، واضطرب حاله، فقام السندي (عليه لعنة الله) باستدعاء الأطباء؛ محاولاً تهربه من جرمه، إلاّ أنّ الإمام (عليه السلام) أخبرهم بتمام الحقيقة.
فاخضرّ واصفرّ لون الإمام، حتى انتشر السم في جسده الطاهر، وارتفعت روحه السماء.
"إلاّ أنّ الرجس وجلاوزته جمعوا شيوخ المنطقة آنذاك وأخبروهم أنّ الإمام قد مات بلا سبب، فنظروا الى موسى بن جعفر وليس به أثر جراحة ولا خنق، وكان في رجله أثر الحناء"(8).
5/ تجاسر الطغاة على الإمام الكاظم (عليه السلام).
ضجت المدينة بخبر افتقادهم لسابع ذراري الرسول موسى الكاظم (عليه السلام)، فثار غضبًا الرجس السندي، والطاغية هارون، فوضعوا جثمان الإمام على جسر الرصافة؛ مستخفًا بكرامة الإمام (عليه السلام) وقد أحاطت الشرطة الجثمان الطاهر ، بل وتجاسروا (عليهم لعائـن الله) على الجثمان حيث كشفوا عن وجه الإمام!
والله وبالله وتالله، ما هم إلاّ امتداد لأول ظالم ظلم حق محمد وآل محمد (عليهم السلام)، وإلاّ فهل الإسلام أمرنا بانتهاك حرمة الموتى هكذا؟!
ملّتنا بريئة منهم إلى قيام يوم الدّين.
وبدأ الرجس السندي بتصاعد غضبه، فأمر جلاوزته أولاً بأن ينادوا نداءً مفاده: (هذا إمام الرافضة فاعرفوه، هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت فانظروا إليه ميتاً).
ليس ببعيد أن يكذب مستأصل الشأفة، فمن يتجاسر على ذرية رسول الله (صلوات الله عليهم) لا يتثاقل من ارتكاب الحرام كالكذب؛ حيث أسند بكلامه هذا شبهة بمذهب الشيعة الامامية، وهي أنّ الشيعة تعتقد بمهدوية وغيبة الإمام الكاظم (عليه السلام).
نعم، "قالت الواقفية بذلك، والواقفية فرقةُ باطلة لا تمثل عقيدة الإمام وأتباعه؛ لأنهم يعتقدون أنّ الإمام موسى (عليه السلام) حي لم يمت، وأنه رفع الى السماء كما رفع المسيح عيسى بن مريم"(9).
ثــم أردف الرجس ذلك النداء الكاذب بــنداءٍ أشنع من سابقه، آمرًا جلاوزته بالقول:
"ألا من أراد أن يرى الخبيث بن الخبيث موسى بن جعفر فليخرج"(10).
قاتله الله تعالى ما أقبحه وطاغيته، فتلك قلوب قاسية، ونفوس طاغية، وأجسام محشوة بسخط الله، ولعنة الرسول، قد عشش فيها الشيطان وفرّخ، فما الخبيث إلاّ الطاغية هارون وشرذمته، وعلى رأسهم أنت أيّها السندي، أسندك الله وطاغيتك إلى جدران جهنم.

6/ موقف أتباع الإمام الكاظم (عليه السلام) من الانتهاكات بحق إمامهم.
إنّ أتباع الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) تصرفوا بحنكةٍ، وتعقلٍ، فكظموا غيظهم، وعلموا أنّ هذا الرجس يريد استفزازهم حتى يقوموا بأعمال ضد شرطة الطاغية، فيـزجهم في قعر السجون؛ امتثالاً للحقد الدفين الذي كان متفاقمًا، بــل ولازال إلى يومنا هذا.
نسأل الله تعالى تعجيل فرج مولانا الإمام المؤتمن، الحجّة ابن الحسن، المنقذ الموعود، محمد المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
__________________
(1) عيون أخبار الرضا: 73، ح 3. والغيبة للطوسي: 28. وعن العيون في بحار الأنوار: 48/213، ح 13.
(2) البقرة: 34.
(3) الأعراف: 12.
(4) الأعراف: 12.
(5) ظ: عيون أخبار الرضا : 1 / 95 ، وعنه في بحار الأنوار : 48 / 220.
(6) ظ: عيون أخبار الرضا: 1/94 ح 13. وراجع المناقب : 4 / 330.
(7) اختيار معرفة الرجال : 438، ح 827.
(8) كمال الدين : 39، وعيون الأخبار : 1 / 105 ح 8 ، وعنهما في بحار الأنوار: 48/228 ح 31 .
(9)المقالات والفرق: للقمي، ص93.
(10) كمال الدين : 38، عيون الاخبار : 1 / 99 / ح5، وعنهما في بحار الأنوار : 48 / 227 ح29، والفصول المهمة : 54.

وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون، وحسبنا الله وكفى، سمع الله لمن شكى، والحمد لله ربّ العلا، وسلامٌ على محمدٍ وآله سادة الورى.

اخترنا لكم

أطفالنا بين لَبْس الأحمر والأسود

بسم الله الرحمن الرحيم {وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ}(١) صدق الله العلي العظيم. جميعنا يعلم أنّ المسؤولية مهمة عظيمة في شتى المجالات، ومنها مجال التربية، فكلّ انسانٍ يولد على فطرة سليمة التي تشبّه بالأرض إن زرعت خيراً حصدت خيرا، وإن شراً فشرا... فتلك الفطرة سليمة أصالةً ملوثة عرضاً، بدليل قول الله تعالى: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}(٢). ومحل شاهدنا هو تعمد بعض الوالدين تلويث فطرة أطفالهم بكلّ ما يخالف الشرع، أو يوجب زرع بذور تسبّب لهم مزالق فكرية وانحرافات أخلاقية في المستقبل. فاليوم نراهم في شهر محرم الحرام يزرعون في نفوس أطفالهم مبادئ الإمام الحسين (عليه السلام)، فغالباً ما نجد بيتاً يخلو من أطفالٍ يرتدون السواد، ويظهر من تصرفهم الحداد، بل ويجسّد لنا تأسي الأطفال بعيال الحسين (عليه وعليهم السلام) حينما نرى مشاركة الأطفال في الزيارة الأربعينية مشياً وحبواً. فإن دلّ ذلك على شيء فإنّه يدلّ على سرعة تلقّي الطفل لما يتعلّمه، وتأثره ببيئته وكيفيّة تربيته، وهذا ما يحمد عقباه؛ إذ تبقى تلك التصرفات مركوزة في جبلته، ولهذا قيل: مَن شبَّ على شيء شابَ عليه. وما أجمله من حال لو شابَ أطفالنا على هذه الحال . إلاّ إنّنا نرى بعض الاسر تحاول تلويث ذلك النقاء بمحو المنغرسات العاشورائية الزاكية التي هم زرعوها في نفوس أطفالهم، ويكأنّ كلاً منهم يقول لطفله: انتهى هذا الدور يا ولدي قم لتؤدي دوراً آخراً يواكب ما يقوم به بعض أطفال المجتمع ! وإذا بالأُسر تُلبس أطفالها الثياب الحمراء في أيام رأس السنة الميلادية تأسياً بما يسمى (سانتا كلوز أو بابا نؤيل) ذلك الرمز المشير إلى الفساد وسيرته معروفة لمن شاء المطالعة. البعض يدّعي من احتفاله مع النصارى انّه يطبّق مبدأ التعايش السلمي، لـــكنه حتى بهذا المبدأ جاهلٌ تمام الجهل؛ حيث انّ التعايش الذي يهدف إليه ديننا الحق هو (التعايش السلمي الأخلاقي مِن حيث احترام اصحاب الأديان دماً ومالاً وعرضاً إن لـــم يتعرّضوا لانتهاك ديننا) ، وليـــس التعايش الفكري الذي به كاد البعض أن يخرجوا مِن الإسلام. إذاً فالوالدان هما من يربيان الأطفال على الازدواجية في الشخصية، وقد روي عن الرسول الاكرم (صلى الله عليه و آله) : " كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه "(٣) . وحتماً حينما يكبر الطفل ويصبح أباً فإنّه سيربي أطفاله على النهج الذي تربى عليه، وتتوارث هذه التربية المغلوطة، وتنطمس وحدة الشخصية الاسلامية في اطفالنا وشبابنا وكهولنا !. وقفوهم إنّهم مسؤولون. وللقارئ نماذج من استقراءٍ بين فئات الأطفال يبيّن تأثرهم بمبادئ القضية الحسينية أجرته احدى الشبكات: يقول الطفل حيدر : سابقاً كنت شخصية مشاكسة غير مبالية، أما اليوم فأنا أحس بتغير كبير، فقد أصبحت متعاوناً مسارعاً في تقديم الخدمات والمساعدة، بصراحة أحس أني خلقت من جديد وأصبحت بفضل الله وبركات الإمام الحسين(عليه السلام) رادوداً حسينياً وهي أحسن وأثمن الأشياء، واطلب من الله الأمن والأمان لعراقنا الحبيب. ويقول الطفل أكرم: أتيت كي أشارك في خدمة أبي عبد الله الحسين(عليه السلام) لا لشيء بل لأحصل على الشفاعة والثواب ونحن نقدم خدماتنا لزوار الكرام ومنذ أربعة أعوام اطلب من الله التوفيق ومواصلة هذه الخدمة. ويصرّح الطفل سيف قائلاً: لي الفخر أن أتشرف بخدمة زوار الامام الحسين(عليه السلام) أقدم ذلك لأجل إرضاء الله سبحانه وتعالى ورسوله الكريم، التحقت بهيأة بتشجيع من الأهل ولدي موهبة وطموح أن أصبح رادوداً أخدم سيدي ومولاي الحسين(عليه السلام) نَمَتْ هذه الموهبة والتحقت بمدرسة الرواديد الناشئين وتمرّنت، وأنا اليوم وبفضل الله رادود وخادم في هذا الموكب أشارك اخوتي هذا الثواب وهذه الخدمة... ويسترسل سيف قائلا: أرجو من جميع الإخوة أن يلتفتوا الى دراستهم ويحضروا واجباتهم المدرسية لأنهم يسهمون من خلال تفوقهم بنصرة الامام الحسين(عليه السلام) وإعلاء راية العلم والمعرفة وسيكونون قادة فعلاً، والعلم نور يهدينا الى جادة الصواب. ولم أعثر على استقراءٍ لتصريحات الأطفال بشأن التأسي بشخصية (سانتا كلوز) كي تكتمل صورة المقال، إلاّ أنّه يمكن القول بأنّ الترويج للفكر المسيحي الباطل لا يجوز . فضلاً عن اعتياد الأطفال على أخذ دور الازدواجية في جميع تصرفاتهم. فانتقوا من التربية أكمل صورها، واصنعوا لنا دعاةً بالحق صادحين، وعن دين الله مدافعين، ولدولة القائم ممهدين، لا شباباً بالازدواجية متصفين، ولبدع الغرب محيين، ولسنن دينهم طامسين. ______________________ (١) الصافات: ٢٤. (٢) الروم: ٣٠. (٣) بحار الانوار: ج٤، ص٢٨١. والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
2375

عيد الندبة!

وحلّ العيد، واختنقتْ الأنفاس بعبرتها، وارتعشت الأوصال وتوضأت بدموع الآماق حينما رمتُ الدخول إلى محراب العشق الأقدس في صباح يوم العيد، حيث موعد الخلوة والنجوى، بين آهاتٍ تتناثر وسط كلمات دعاء الندبة، وزفرات تتخلل المعاني المختبئة بين السطور، وبين حبر الأدمع وقرطاس القلب ترتسم لوحة الولاء الحقيقي لإمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وشدة الاشتياق ولوعة الغياب وألم الانتظار وبث الشكوى، إنها باختصار لوحة العيد التي يرسمها الانتظار بريشة الشوق وبرعاية دعاء الندبة. نعم، هو الدعاء الذي تُعد قراءته من المستحبات المؤكدة في الأعياد الأربعة (عيد الفطر وعيد الأضحى وعيد الغدير والجمعة) فهو بمثابة دورة تربوية مكتملة الجوانب في أدب التعامل مع إمام الزمان (عليه السلام)، فقراءة دعاء الندبة ليس مجرد دعاء نقرؤه أو لقلقة لسان بكلمات مأثورة من الأدعية، ولا هو دعوة للتشاؤم والسلبية للبكاء والنحيب في العيد، وإنما هو تعبير عن الصلة القوية بينك وبين إمام زمانك، ومؤشر لشدة التقارب الروحي منه ، فمن الطبيعي جداً أن يتأثر الإنسان في لحظات فرحه العارمة بتذكره لأحبّته ممن غابوا عنهم أو غيّبتهم المنيّة تحت الثرى، ويتمنى أن يشاركوه فرحته، ولعله من هذا المنطلق ينبغي تكرار قراءة دعاء الندبة في الأعياد، لأنه يشعرك بأنك مع الإمام في فرحك وحزنك وأنك على قدر مسؤولية انتظاره الفعّال في عصر الغيبة الكبرى عن طريق التمهيد لظهوره المبارك بالعمل والسعي الجاد. إذن فهو يمثّل دافعاً إيجابياً نحو التقدم لا التقهقر وندب الحظ، بحيث ينطلق بنا الدعاء من إطار الفردية إلى التعاون والعمل الجمعي مما يوحّد جهود المنتظرين للإمام في زمن الغيبة بالكم والكيف، مما يسهل بالتأكيد التمهيد للظهور ويشد ويؤازر بعض المنتظرين مع البعض الآخر، لنكوّن بذلك الوحدة الحقيقية للانتظار الواعي والفاعل الذي ينتشر في جميع الاتجاهات وفي جميع نواحي الحياة، لنعيش بذلك عيدنا الحقيقي وهو النظرة الأبوية الرحيمة من المولى صاحب الأمر (روحي فداه) الذي أدعوه بـ (عيد الندبة) ولكن بشرطه وشروطه. بقلم : عبير المنظور

اخرى
منذ سنة
1479

إلى أين وصل مجتمعي؟

بقلم: حوراء كاظم الأب منشغل بجهازه النقال الذي أصبح جليسه وأنيسه، فهو يهتم به أكثر حتى من أطفاله. طفله الصغير يناديه (بابا، بابا) وهو غير آبه له وكأنه لا يسمع صوته قد ولج إلى عالم آخر، البنت تخرج بكامل زينتها، مكياج وألوان ملفتة للنظر مع أبويها تتدعي بأنها محجبة، تعني على قطعة القماش التي تغطي رأسها، فهذا يدل على الحداثة والتطور. النفاق: أصبح يزاحم الناس في حلقات جلساتهم. الخيانة الزوجية: أصبحت شيئًا مألوفًا، لكثرة ما يراه على مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح لا يرى جمال زوجته، قد غض بصره عن جمال روحها التي تشاركه الحياة بحلوها ومرها قد تغلل الشيطان بقلبه، فكثر الطلاق. الصدق: قد لملم حقائبه وذهب وهو يقول: لا مكان لي بين قلوب خلت من عن طاعة الله. الأطفال: يحملون الأجهزة الذكية التي تقدمها لهم الأم بحجة أنها تريد أن تنجز أعمالها المنزلية وقد غفلت عن أنها جعلت سلاحًا فتّاكًا بين أنامل طفلها... الغش: قد ألقى بستائره على البعض فأشعر بصرهم كثر القيل والقال ونقل الكلام الخالي من الصدق. البنات المراهقات دخلن إلى عالم أخر مليء بأشواك الغفلة والمعصية، قد سحر عقولهن، وجعلهن لا يعرفن سوى العلاقات المحرمة مع الجنس الآخر. لقمة الحلال: أصبحت صعبة المنال. الأم التي ذبلت كزهرة من أجلنا وأفنت سنين عمرها بين أيدينا لتوصلنا إلى أعلى الدرجات، ها هي الآن تُرمى كشخص غريب في دار المسنين، تجلس بين تلك الجدران قد ارتسمت على وجهها معاناة السنين، قد اختفت بذرة الرحمة... الطفولة: لم تعد كما كانت تفوح منها عطر البراءة والصفاء، كنا نجول بين زقاقات منطقنا كطيور، والابتسامة تطوق وجوهنا ،أجسامنا مليئة بالنشاط. الفسق والفجور بات في مجتمعنا متفشيًا. الغيبة بها يُبدأ الحديث ويختم. القرآن مركون في زاوية المكتبة قد ملأه الغبار، والهاتف النقال نظيف، والسبب هو أنه أصبح التواصل مع المخلوقين اكثر من الخالق. للأسف التطور قد ألقى بظلاله وضلاله على مجتمعنا فتغيرت الأرواح، فالكل يبحث عن التطور، ولا يفكر يومًا في تطور فكره لينهض من كبوته، ويحطم سلاسل الجهل، فتركنا التراث السماوي المحمدي وتمسكنا بأمور توصل المجتمع إلى الهاوية، فهل ظل التطور الذي جعلنا نصل إلى هذا المستوى المتدني؟ اترك الإجابة إلى القارئ.

اخرى
منذ 5 أشهر
222

التعليقات

يتصدر الان

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
32414

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
31583

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29492

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29387

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
14807

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
14332