تشغيل الوضع الليلي

أريج التوبة مع الإمام الكاظم (عليه السلام) (٢)

منذ 10 أشهر عدد المشاهدات : 2373

بقلم: عبير المنظور
العشقُ سجدةٌ!
بارعةُ الجمال، فائقةُ الحسن، فاتنةٌ ذات غنج ودلال، لا يستطيع رجل أن يفلتَ من سيف لحظي القاتل، أقوى الرجال وأشرسهم واغناهم كانوا يركعون تحت قدمي بنظرة واحدة مني، ويسجدون لأرضى عنهم، هكذا أنا ومن على شاكلتي، نفخر بعدد ضحايانا من الرجال وركوعهم وسجودهم أمام جمالنا الوضّاء.
طارَ لُبّي عندما أخبرني أحدهم بأن الخليفة العباسي هارون يستدعيني، ويأمرني بأن أقابله وأنا في أبهى حلة وزينة وعطر، امتثلت مسرعة للأمر.
غمرتني السعادة حتى كاد قلبي يخرج من قفصي الصدري فرحاً وأنا أدخل على الخليفة.
دخلتُ على هارون وكُلّي أمل بأن يجعلني محظية عنده، استبشرتُ خيراً عندما تفحّصني مبتسماً من أعلى رأسي حتى أخمص قدميّ، عندها أمر الخادم بان يأخذني إلى السجن!
تحيّرت وانعقد لساني من الذهول، أيُّ سجن هذا؟ ولماذا؟
كنتُ على وشك الانفجار حتى علمتُ أنهم يستخدمونني لإغواء احد السجناء بحجة خدمته!
رغم انني ذُهلتُ أيضاً لهذه المهمة الغريبة، ومن هو هذا السجين الذي يود الخليفة أن يجعلني خادمة له ليفتنه بالنساء واللهو وهو في قعر السجن! ولماذا؟
وسرعان ما طردت هذه الأفكار من رأسي، المهم إنني سأدخل السجن أؤدي مهمة اعتدتها ولن أُطيلَ المقام كثيراً فأنا لستُ سجينة، ومهما كان السجين فإنه سيركع ويسجد أمام جمالي بسرعة وسيزداد عدد ضحاياي.
ذهبت مع الخادم إلى السجن وكان سجناً مظلماً ضيقاً خانقاً، امتعضتُ للوهلة الاولى، كيف سأبقى في هذا السجن؟!
وما كان يُطمئن قلبي أنني لن أُطيل المكوث هنا، فأي سجين في هذا السجن المخيف يرفض امرأة بارعة الجمال تخدمه وتقضي حوائجه!
تشتّتْ أفكاري هذه على صوت فتح باب الزنزانة، دخلت الزنزانة وإذا بي أرى رجلاً مقيداً بالسلاسل والأغلال، عليه سيماء الصالحين، ففي وجهه نور لم ألحظهُ أبداً في ضحاياي، كنتُ أتأملُ ذلك النور حينما أخبره الخادم بأنني هدية الخليفة إليه لأخدمه في السجن، كنتُ أظن أنني سأراهُ مبتهجاً لهذه الهدية.
فوجئتُ كثيراً عندما قال له: قل لهارون: بل أنتم بهديتكم تفرحون، لا حاجة لي في هذه وأمثالها.
استشطتُ غضباً منه كيف يرفض هدية الخليفة؟! وأي هدية! أنا فاتنة الرجال؟!
تحيّرتُ في أمره مَنْ يكون؟
خرجتُ من الزنزانة وعباب الأفكار يلـّفُ رأسي، لا أُنكِرُ أنني أعجبتُ بقوة إرادته رغم أغلاله وقيوده وزنزانته، ولكنني غضبت لرفضه، وغضب هارون أيضاً، فقال للخادم قل له: ليس برضاك حبسناك ولا برضاك أخدمناك، واترك الجارية عنده وانصرف.
أُعجبتُ بمقالة هارون وصمـّمتُ على إغواء ذاك السجين، وكأن الأمر أصبح تحدياً بيني وبينه.
عدتُ إلى الزنزانة مجدداً وعزمتُ على تنفيذ المهمة في أسرع وقت.
بقيت واقفة عندما كان السجين منقطعاً في صلاته ما بين ركوع وسجود، وكان يطيل السجود كثيراً، فغضبتُ لأنني اعتدت أن يركع الرجال ويسجدون تحت قدمي.
وقفتُ كثيراً وطال وقوفي وهو يصلي ليله ونهاره، فلما انصرف من صلاته وهو يسبح الله ويقدسه قلت له: هل لك حاجة أعطيكها؟
فقال: وما حاجتي إليكِ؟
قلتُ: إني أُدخلت عليكَ لحوائجك.
فقال: فما بال هؤلاء؟
- وأشار بيده إلى جهة- فالتفتُّ فاذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري، ولا أولها من آخرها، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج، وعليها وصفاء ووصايف لم أرَ مثل وجوههنّ حسناً، ولا مثل لباسهنّ لباساً، عليهن الحرير الأخضر، والأكاليل والدر والياقوت، وفي أيديهن الأباريق والمناديل، ومن كل الطعام، وإني لمّا عاينت من الأمر نادتني الجواري: يا فلانة ابتعدي عن العبد الصالح حتى ندخل عليه فنحن له دونك.
فوقعتُ ساجدة لعظيم ما رأيت لا أرفع رأسي وأردد: قدوس سبحانك سبحانك.
لم أشعر إلا وقبضة الخادم الذي أمره هارون بمراقبتي مع ذلك السجين تجرجرني إلى الخليفة الذي كان يستشيط غضباً وهو يقول: سحرها والله موسى بن جعفر، عليَّ بها.
أتيتهُ وأنا أرتعدُ وقد شَخَصْتُ ببصري نحو السماء وأنا أذكر الله وأمجّده، فسألني هارون: ما شأنكِ؟
قلتُ: شأني شأن البديع، وقصصتُ عليه ما رأيت.
قال لي: يا خبيثة لعلّك سجدتِ، فنمتِ فرأيتِ هذا في منامك!
قلت: لا والله يا سيدي، رأيتُ هذا قبل سجودي، فسجدتُ من أجل ذلك.
فقال الرشيد الخادم: اقبضْ هذه الخبيثة إليك، فلا يُسمع منها هذا.
واعتقلني الخادم عنده، فأقبلتُ على العبادة والصلاة، فاذا سُئلتُ عن ذلك قلتُ: هكذا رأيت العبد الصالح(١).
ولم تمر أيام قليلة حتى سمعتُ بنبأ وفاة العبد الصالح.
فتأثرتُ كثيرا، فلم يكن العبد الصالح مجرد رجل مرّ في حياتي لم يأبه لجمالي وفتنتي، بل لأنني عشتُ بفضله لحظة مقارنة تأملتُ فيها دناءة نفسي مع تلك النفوس القدسية. ولأنني عرفتُ على يديه معنى الحرية الحقيقية، تلك الحرية التي تكمن في الروح وترفض أغلال الظالمين وسلاسلهم وزنازينهم وترفض اتّباع الشهوات، نعم وجدتُ الحرية هنا بين هذه القضبان! متجسّدة في العبد الصالح موسى بن جعفر.
عرفتُ على يديه الكريمتين معنى الصلاة بالركوع والسجود الحقيقي، سجود العبودية لله هو حرية الانسان الحقة من سلاسل الذات والمال والجمال والشهوة والسلطة وغيرها،
عرفتُ كيف يُسلّم ُالإنسان لأمر ربه بيقين وتوكل، ومهما ضاقت عليه السبل ظاهرياً إلا أنه في نعمة باطنة لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم.
عرفتُ تلك الحقيقة عندما رأيت نعيم الجنة للعبد الصالح وهو حبيس هذه الزنزانة.
عرفتُ كم كنتُ بشعة وحقيرة ورخيصة ومتهتكة أمام جمال الحور العين اللاتي رأيتهن وهن يبعدنني عن العبد الصالح لأنني قد لوثتُ نفسي بالمعاصي والذنوب واصطياد عيون وقلوب الرجال وغرائزهم، وافتخاري بذلك على بقية الجواري أمثالي!
كانتْ لحظة غيرّتْ مسار حياتي وفكري وعقيدتي وروحي، لحظة جعلتني أُدركُ الحقيقة، حقيقة أن لكل سوق بضاعة والبضاعة لها ثمن، إلا نحن النساء اللاهيات العابثات، فنحن السوق ونحن البضاعة ونحن الثمن! مهما ركع الرجال بين أقدامنا نبقى في الحضيض وفي قعر سجن الذات والشهوات.
لم أَعُدْ سوقاً ولا بضاعة ولا ثمناً بخساً للذئاب البشرية، فقد تعلمتُ من مولاي العبد الصالح أن الدنيا سوق والجنة هي البضاعة والثمن هو عملنا الصالح والعبادة الحقيقية.
فوقعت ساجدةً سجدةَ عشقٍ أَعلنتُ بها توبتي الى الله مما كنتُ عليه وبدأت صفحة النقاء والعفة والانقطاع إليه تعالى.
كانت أعظم دروس توبتي هي معرفة معنى السجود من مولاي صاحب السجدة الطويلة والدمعة الغزيرة.
فالآن عرفتُ لماذا كان يطيل العبد الصالح السجود، فقد كان منقطعاً برفقة من أحبّ في محراب العشق الإلهي.
يا بنات حواء، هذه قصة توبتي بين أيديكن، اقرأْنها بقلوبكن، فمهما تغيّرت الحياة عبر قرون وقرون، تبقى المرأة مرأة بكل جمالها وعنفوان أحاسيسها ومشاعرها المندفعة والمترعة بالعاطفة.
لا تُحوّلنَ عواطفكن إلى سوق أنتن فيه البضاعة والثمن، كُنَّ بضاعةً في سوق العفاف وثمنكن الكرامة، فالله قد أكرمكن في الدنيا والاخرة، فالمرأة الصالحة في الدنيا خير من الحور العين في الجنة.
_____________________
(١) أنظر مناقب آل أبي طالب، إبن شهر آشوب، ج٣ ، ص٤١٥.

اخترنا لكم

رسائل من الطف

عندما تزور الإمام الحسين (عليه السلام) وتهم بوداعه... تجد في القلب غصة... وقدماك لا تطاوعانك على الرحيل... هذا وانت تنظر الى ضريحه... وفيك من الذنوب ما يحجب عنك الحقائق. فكيف بقلب مولاتنا زينب سلام الله عليها وهي ترى أخاها المظلوم جثة بلا رأس مقطع الأشلاء مسلوب الرداء، مجبورة على الوداع لتتركه فوق أرض كربلاء. فالسلام على سيد الشهداء وعلى أخته بنت سيد الأوصياء.

اخرى
منذ 3 أشهر
1076

دُعـاةٌ صادقون

بسم الله الرحمن الرحيم {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبا}(1) صدق الله العلي العظيم. إنّ طريق الدعوة إلى الله تعالى ببيان أركانه الثلاثة من اصول وفروع وأخلاق لـهو طريق الأنبياء والأولياء، وإنّ السالك فيه ينال من التشريف مالم ينله غيره، وفي قبال ذلك عليه أن يتحلى بما تحلّى به الأنبياء والأوصياء، مقتفياً للآثار، متجاوزاً الظروف والأقدار، راجياً رضا العزيز الجبار، مستغنياً عن مدح الصغار والكبار، متجنّباً ما للتكبر من آثار. وخيرُ محلّ شاهدٍ على كلامنا هي دعوة الإمام الكاظم (عليه السلام) إلى دين الله تعالى وهو في أحلك الظروف. حيث "كانت بعض الأقاليم الإسلامية التي تدين بالإمامة ترسل عنها مبعوثاً خاصاً للإمام (عليه السلام) حينما كان في سجن السندي، فتزوده بالرسائل، فكان (عليه السلام) يجيبهم عنها، وممن جاءه هناك علي بن سويد، فقد اتّصل بالإمام (عليه السلام) وسلّم إليه الكتب فأجابه (عليه السلام)"(2). فما قدّمه لنا إمامنا الكاظم (عليه السلام)، يشير إلى أنّهُ (عليه السلام) تحدّى الصعاب، واستشعر عِظَم مسؤوليته الشرعيّة، وأهمية تثقيف عيال الله بما يحقق سلامة عبادتهم فيحلّقوا في سماء الفضيلةِ والرضوان بواسطتهم. نعم- لكل فعلٍ ردّة فعل سلباً أو إيجاباً، وكما كان لحملة الرسالة السماوية اولئك أعداء، فلمن سار على نهجهم أعداء أيضا، لكن والله وبالله وتالله لايُباليَنَّ أحدنا بما يقوله البعض مِن تسقيطاتٍ وتشويهات، وسفاهاتٍ وترّهات، بحق الحوزة العلمية وعملها، بل المؤمّل هو وعد إمام الزمان بالسعي قدر المستطاع والتوفيق للتمهيد والنصرة. فهناك من الدعاة مَن حملوا همَّ الدعوة، فتركوا الأهل والإخوان وملاذّ النفوس، وبذلوا الأموال والأوقات والجهود، بل وتركوا طعم الرقاد. وإنّ كثيراً منهم ليدعو إلى الله سبحانه، ويجاهد في الدعوة إلى دينه جلّ شأنه، وهو يعاني من قلّة ذات يد، وكثرة عيال، وتكالب أشغال، وآلام مرض، وعتاب زوجة، وضياع مصالح، ورغم ذلك لا يبالون إلاّ بالدعـوة، هم مشغولون بكيفية إعداد الصفوة، فمنهم من يسجد شكراً لله على توبة أحد العصاة، وثاني يبكي حسرة على موت شاب على معصية، وثالث يعتنق أحد التائبين فيشاركه دموع التوبة ، ورابع لا يرى تجمعاً للشباب إلاّ وصار رفيقهم وناصحهم، وخامس ما يتناهى لمسمعه صوت غناء إلاّ بادر صاحبه بشريط ذكر ووعظ، وسادس ما ترك سجناً ولا دار رعايةٍ أو إصلاحٍ أو مدرسةٍ أو محفلٍ -حتى للمعاقين- إلاّ وبلّغ فيه، وسابع يسير ومعه أشرطة وكتيبات هداية يهديها لمن يلاقيه، وثامن وتاسع وعاشر... . ولله درّ من سار على هذا النهج القويم، لما نراه اليوم من تفكك المجتمع وانسياب فكري لبعض أفراده، فيتوجب عقلاً وجود دعاة مصلحين صادقين في القول والفعل، يدعون إلى ربّهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فكم من تائب تاب على أيديهم فغدا طالب علمٍ، أو إمام مسجدٍ، أو مؤذن جامعٍ، أو داعية خيرٍ، أو عالم أمةٍ، أو رب أسرةٍ مصلحٍ؛ لما في شخصية الدعاة من مقومات التأثير في الآخرين والتي منها: 1. الميل العاطفي والمحبة القلبية للعباد، ويؤيد ذلك القاعدة الكلية الشرطية التي جاءت في القرآن الكريم بقوله تعالى: { وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِك}(3) فالداعية لا يكسب قلب من يدعوه إلاّ إذا أحبه وشعر منه العطف والرفق وحب الخير له ابتداءً. 2. السيرة الحسنة، وهي اللبنة الأولية التي توجب التفاف الناس حول الدعاة وجذبهم إلى الخير، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيم}(4). 3. الإقناع العقلي والحجة العلمية كلٌّ حسب درجة إدراكاته بالحكمة والموعظة الحسنة، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين}(5). 4. مشاركة المجتمع همومه ومعالجة قضاياه، ويؤيد ذلك قول المعصوم: "من أصبح ولم يهتم بأُمور المسلمين فهو ليس بمسلم"(6). 5. الموازنة بين اسلوب الترغيب والترهيب، تماماً كما هو ديدن القرآن الكريم، ويؤيده ما عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لعبد الله بن جندب: "يَا ابْنَ جُنْدَبٍ يَهْلِكُ الْمُتَّكِلُ عَلَى عَمَلِهِ وَلَا يَنْجُو الْمُجْتَرِئُ عَلَى الذُّنُوبِ الْوَاثِقُ بِرَحْمَةِ الله، قُلْتُ: فَمَنْ يَنْجُو، قَالَ: الَّذِينَ هُمْ بَيْنَ الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ كَأَنَّ قُلُوبَهُمْ فِي مِخْلَبِ طَائِرٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَخَوْفاً مِنَ الْعَذَابِ‌"(7). 6. احترام الآخرين وعدم الاستهزاء بمعاصيهم أو مواقفهم، فكلّ ابن آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْم}(8). 7- الابتعاد عن تزكية نفسه، حيث قال تعالى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ}(9) والحرص على إتقان أدب السماع والإصغاء لغيره، و إعطاء الفرصة للآخرين ليفصحوا عما في أنفسهم. وأمّا عن فضل الدعوة في الجانب الروائي فأُذكّر نفسي وجميع طلبة العلم بهذه الروايات الشريفة التي تحث على نشر العلم، ومذاكرته، ومدارسته، وفضل نشره، التي هي دستور الدعاة الصالحين. فقد حثَّ الإمام الباقر (عليه السلام) على نشر العلم وتعليمه للناس ، وإشاعته في الأوساط المختلفة ، ونهى عن كتمانه، بقوله (عليه السلام) : "من علّم باب هدى فله أجر من عمل به ، ولا ينقص اُولئك من اُجورهم شيئاً..."(10). وقال (عليه السلام) : "رحم الله عبداً أحيا العلم... يذاكر به أهل الدين وأهل الورع"(11). وجعل على العلم زكاة فقال : "زكاة العلم أن تعلّمه عباد الله"(12). كما جعل تذاكر العلم ومدارسته صلاة ، فقال : "تذاكر العلم دراسة ، والدراسة صلاة حسنة"(13). وروي عن الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي عليه السلام أنّه قال: "لَـوْ لا مَنْ يَبْقى بَعْدَ غَيْبَةِ قائِمِكُمْ علَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ العُلَماءِ الدَّاعينَ إِلَيْهِ، وَالدَّالِّينَ عَلَيْهِ، والذَّابِّينَ عَنْ دينِه بِحُجَجِ اللهِ، وَالمُنْقِذينَ ضُعَفاءِ عِبادِ اللهِ مِنْ شِباكِ إِبْليسَ وَمَرَدَتِهِ، وَمِنْ فِخاخِ النَّواصِبِ، لـمّا بَقِيَ أَحَدٌ إلاّ ارْتَدَّ عَنْ دينِ اللهِ. وَلكِنَّهُمُ الذينَ يُمْسِكونَ أَزِمَّةَ قُلوبِ ضُعَفاءِ الشّيعَةِ كَما يُمْسِكُ صاحِبُ السَّفينةِ سُكَّانَها، أولئِكَ هُمُ الأَفْضَلونَ عِنْدَ اللهِ عز وجل"(14). وروي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ : "قَرَأْتُ فِي کِتَابِ عَلِيٍّ إِنَّ اللَّهَ لَمْ یَأْخُذْ عَلَى الْجُهَّالِ عَهْداً بِطَلَبِ الْعِلْمِ حَتَّی أَخَذَ عَلَی الْعُلَمَاءِ عَهْداً بِبَذْلِ الْعِلْمِ لِلْجُهَّالِ لِأَنَّ الْعِلْمَ کَانَ قَبْلَ الْجَهْلِ"(15). وكفى بذلك دليلا. _____________________ (1) الأحزاب: 39. (2) حياة الإمام موسى الكاظم عليه السلام، 2 / 492. (3) آل عمران: 159. (4) القلم: 4. (5) النحل: 125. (6) أصول الكافي، باب الاهتمام بأمور المسلمين، ح1. (7) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج 11، ص 226. (8) الحجرات: 11. (9) النجم: 32. (10) الكافي : 1 / 35 . (11) المصدر السابق : 1 / 41 . (12) المصدر السابق : 1 / 41 . (13) المصدر السابق : 1 / .41. (14) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: ص344، ح225. الاحتجاج: ج1، ص18. (15) اصول الكافي، ج1، ص42. اللّهم وفّقنا وجميع المشتغلين للعلم والعمل الصالح، وأجرِ للناس على يدينا الخير ماحيينا، والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمدٍ وآله الطاهرين. علوية الحسيني

اخرى
منذ سنة
1166

خدوش في ذاكرة الزمن

ضجيج صاخب يجرح اكوام الهدوء يصدح في اذنيك، قسراً يوقظك! ليلة ليست كباقي الليالي.. انهض فالمدينة شاحبة، والقمر باهت، والنجوم منطفئة! تهم بالوضوء فيتوضأ الماء بطهر لمساتك الحانية.. أتذكر ليلة الرحيل لحظة أردت الخروج من الدار.. أوقفتك صوائح.. تتبعها نوائح عند الصباح.. يتشبث كل شيء بك، ويتعلق مئزرك بباب الدار، اشدد حيازيمك... بل عد إلى الدار! فالرعية لا زالت مشتتة! تسير في الأزقّة المعهودة! المدينة ممتلئة بصفرة الرحيل.. ها هما ذا ولداك قد دبّ فيهما الرعب، فاليتم يتسلل إليهما، وسيكتمل الليلة! "ارجعا" تقولها لهما ولكن بلحن "في أمان اليتم يا ولداي" في طرقات المدينة الموحشة ترمق السماء بنظرات الوداع وتهمهم: "إنها والله هي الليلة الموعودة" تقترب من المسجد... وقريباً من محراب الشوق ترى اللعين نائماً على وجهه! انهض فهذه نومة يمقتها الله، إنها نومة الشياطين. يتمطى ويرجع نائما.. فهذه نومته الأخيرة! تتنفس الصعداء، يرتفع الأذان فتصلي صلاة مودع كما في كل مرة.. فالرحيل يسايرك ولا ينفك لحظة عن مخيلتك! فإنما هي نفسك تروضها بالتقوى... لتأتي آمنة يوم الفزع ولتثبت على جوانب المزلق... تسجد.. وينطفىء المكان.. ظلام دامس! ها هو ذا الفجر قد أصيب في أم رأسه، يحن إليك كل شيء... يحن! الرحيل وشيك.. لطالما صدحت بها كل يوم.. حتى أناخ ببابك الجمّالُ. أتذكر كم كنت تمسح على رؤوس اليتامى؟! ها هم أولادك يتامى من بعدك، فمن لهم؟! تختنق الكلمات بغصة الاشتياق عندما تحل زينب بين سطور النصوص! يا أباها من لها بعدك؟ تكاد الأرض تميد بي عندما اقرأ خبر الأصبغ، وعصابة صفراء راحت تعزيك على صفرة وجهك القاتمة أمام صفرتها! اللبن.. قيل هو العلاج الشافي ها هم يتاماك يحملون كؤوساً من اللبن لا يريدون شيئاً، فقط أن ترجع لهم، يلوحون من بعيد أيهم سيأخذ كأسه ويُـقبل؟! إلى أن قالها أثير بن عمر عندما رأى بياض دماغك: "يا أمير المؤمنين أعهد عهدك وأوصِ وصيتك، فإن الضربة قد وصلت إلى أم رأسك!" وماذا سيوصي علي؟ وهل كانت له دنيا حتى يوصي بها؟! أليس هو القائل : والله ما كنزت من دنياكم تبراً ولا ادّخرت من غنائمها وفراً ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً ..!! أ نسيت أنه بالأمس، طلقها ثلاثاً لا رجعة فيها! أ نسيت قوله :"اليك عني يا دنيا غري غيري"؟! جدثٌ كيف له ان يـضمك وأنت جمعت الكون فيك؟!

اخرى
منذ سنة
1075

التعليقات

Zainab Sami

منذ 10 أشهر

أختيار موفق للعنوان الرئيسي والفرعي ،وجذبني كقارئه وأشعل الشوق في قلبي ،تصوير رائع بشكل ادبي وعبارات جميلة لحدث تاريخي قد يواجه البعض صعوبة في قراءة الكتب التاريخة او قد لايتجه له فاختيار تصوير هذه الاحداث التاريخية بشكل ادبي هو أمر موفق قرأت للكتابة الجزء الاول وكان رائع جدا ولكنها وفقت وإبدعت في هذا الجزء أكثر وأتمنى لها الاستمرار والموفقية وإن يتكفلها ويعطيها الوقت من تكتب لاجله …بالانتظار المزيد من الابداع

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29172

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29060

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
29059

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
28236

أقوال كاذبة النسبة

انتشرت بين الناس في برامج التواصل الاجتماعي والمنتديات والمواقع الالكترونية الكثير من المقولات المنسوبة للإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام )، وهي روايات كاذبة ومنسوبة ولا يوجد لها دلالة في الكتب الحديثية. ومنها هذه المقولة: - [يقول علي بن ابي طالب عليه السلام : كنت اطلب الشيء من الله ... فإن اعطاني اياه كنت افرح مره واحده . وإن لم يعطيني اياه كنت افرح عشر مرات . لأن الاولي هي اختياري ، أما الثانية هي اختيار الله عز وجل ] هذه المقولة كذب لا أصل لها ولا دلالة. فلم أجد لها سنداً في الكتب الحديثية أبداً. اما من حيث المعنى فهي مخالفة للقرآن وللاحاديث النبوية وروايات اهل البيت عليهم السلام، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالدعاء وضمن الاستجابة حتى ولو بعد حين. قال تعالى في محكم كتابه العزيز : (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ). - روي عن رسول الله( صلى الله عليه وآله) أنه قال: «افزعوا إلى الله في حوائجكم ، والجأوا إليه في ملماتكم ، وتضرعوا إليه ، وادعوه؛ فإن الدعاء مخ العبادة وما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب؛ فإما أن يعجله له في الدنيا ، أو يؤجل له في الآخرة ، وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا؛ ما لم يدع بماثم» (١) . تأملوا : (افزعوا إلى الله في حوائجكم) ، (والجأوا إليه في ملماتكم) ، (وتضرعوا إليه). إنما يستعين الانسان على قضاء حوائجه الدنيوية والاخروية بالدعاء والابتهال والتضرع الى الله سبحانه وتعالى، فإذا كان المؤمن يفرح بعدم اعطائه حاجته فلماذا يفزع وأي مؤمن علي بن ابي طالب( عليه السلام )الذي لا يطلب حاجة للدنيا . - عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام : «اكثروا من أن تدعو الله ، فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه ، وقد وعد عباده المؤمنين الاستجابة» (٢). إن الله يشتاق إلى دعاء عبده ، فإذا أقبل العبد بالدعاء على الله أحبه الله ، وإذا اعرض العبد عن الله كرهه الله. عن معاوية بن وهب عن ابي عبدالله الصادق عليه السلام قال : «يا معاوية ، من اعطي ثلاثة لم يحرم ثلاثة : من اعطي الدعاء اعطي الاجابة ومن اعطي الشكر اعطي الزيادة ، ومن اعطي التوكل اعطي الكفاية ؛ فان الله تعالي يقول في كتابه : (ومن يتوكل علي الله فهو حسبه). ويقول : (لئن شكرتم لأزيدنكم). ويقول : (ادعوني استجب لكم)(٣). إن بين الدعاء والاستجابة علاقة متبادلة ، وأي علاقة أفضل من أن يقبل العبد على ربه بالحاجة والطلب والسؤال ، ويقبل الله تعالى على عبده بالإجابة ويخصه بها؟ قد يؤجل الله تعالى إجابة دعاء عبده المؤمن ليطول وقوفه بين يديه، ويطول إقباله عليه وتضرعه إليه ... فإن الله يحب أن يسمع تضرع عبده ، ويشتاق إلى دعائه ومناجاته. وفي الختام نقول: الأسلوب لا يخلو من الركاكة ، و من يعرف بلاغة وفصاحة الإمام علي بن ابي طالب( عليه السلام ) يعرف أنه لم يقل هذا الكلام. فلا يجوز نشر مثل هذه المقولات المنسوبة بين المسلمين إلا لبيان أنها كلام مكذوب وموضوع ومنسوب للإمام ( عليه السلام ). لأن ديننا ومذهبنا علمنا أن نتحقق ونبحث في صحة وسند الرواية قبل نقلها . ---------------------------- (١)- بحار الانوار ٩٣ : ٢. ٣. (٢)- وسائل الشيعة ٤ : ١٠٨٦ ، ح ٨٦١٦. (٣)-خصال الصدوق ١ : ٥٠ ، المحاسن للبرقي ٣ ، الكافي : ٦ في ١١ : ٤ من جهاد النفس. حنان الزيرجاوي ينشر 3

اخرى
منذ سنة
12774

لا تقاس العقول بالأعمار!

(لا تقاس العقول بالأعمار، فكم من صغير عقله بارع، وكم من كبير عقله فارغ) قولٌ تناولته وسائل التواصل الاجتماعي بكل تقّبلٍ ورضا، ولعل ما زاد في تقبلها إياه هو نسبته الى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولكننا عند الرجوع إلى الكتب الحديثية لا نجد لهذا الحديث أثراً إطلاقاً، ولا غرابة في ذلك إذ إن أمير البلاغة والبيان (سلام الله وصلواته عليه) معروفٌ ببلاغته التي أخرست البلغاء، ومشهورٌ بفصاحته التي إعترف بها حتى الأعداء، ومعلومٌ كلامه إذ إنه فوق كلام المخلوقين قاطبةً خلا الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) ودون كلام رب السماء. وأما من حيث دلالة هذه المقولة ومدى صحتها فلابد من تقديم مقدمات؛ وذلك لأن معنى العقل في المفهوم الإسلامي يختلف عما هو عليه في الثقافات الأخرى من جهةٍ، كما ينبغي التطرق الى النصوص الدينية الواردة في هذا المجال وعرضها ولو على نحو الإيجاز للتعرف إلى مدى موافقة هذه المقولة لها من عدمها من جهةٍ أخرى. معنى العقل: العقل لغة: المنع والحبس، وهو (مصدر عقلت البعير بالعقال أعقله عقلا، والعِقال: حبل يُثنَى به يد البعير إلى ركبتيه فيشد به)(1)، (وسُمِّي العَقْلُ عَقْلاً لأَنه يَعْقِل صاحبَه عن التَّوَرُّط في المَهالِك أَي يَحْبِسه)(2)؛ لذا روي عنه (صلى الله عليه وآله): "العقل عقال من الجهل"(3). وأما اصطلاحاً: فهو حسب التصور الأرضي: عبارة عن مهارات الذهن في سلامة جهازه (الوظيفي) فحسب، في حين أن التصوّر الإسلامي يتجاوز هذا المعنى الضيّق مُضيفاً إلى تلك المهارات مهارة أخرى وهي المهارة العبادية. وعليه فإن العقل يتقوّم في التصور الاسلامي من تظافر مهارتين معاً لا غنى لأحداهما عن الأخرى وهما (المهارة العقلية) و(المهارة العبادية). ولذا روي عن الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) أنه عندما سئل عن العقل قال :" العمل بطاعة الله وأن العمّال بطاعة الله هم العقلاء"(4)، كما روي عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنه عندما سئل السؤال ذاته أجاب: "ما عُبد به الرحمن، واكتسب به الجنان. فسأله الراوي: فالذي كان في معاوية [أي ماهو؟] فقال(عليه السلام): تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل"(5) والعقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، فأما الأول أو ما يسمى بـ(الوجدان الأخلاقي) فهو مبدأ الادراك، وهو إن نَما وتطور سنح للإنسان فرصة الاستفادة من سائر المعارف التي يختزنها عن طريق الدراسة والتجربة وبالتالي يحقق الحياة الإنسانية الطيبة التي يصبو اليها، وأما إن وهن واندثر لإتباع صاحبه الأهواء النفسية والوساوس الشيطانية، فعندئذٍ لا ينتفع الانسان بعقل التجربة مهما زادت معلوماته وتضخمت بياناته، وبالتالي يُحرم من توفيق الوصول إلى الحياة المنشودة. وعقل التجربة هو ما يمكن للإنسان اكتساب العلوم والمعارف من خلاله، وما أروع تشبيه أمير البلغاء (عليه السلام) العلاقة التي تربط العقلين معاً إذ قال فيما نسب إليه: رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ولا ينفع مسموع إذ لم يك مطبــوع كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع(6) فقد شبّه (سلام الله عليه) عقل الطبع بالعين وعقل التجربة بالشمس، ومما لاشك فيه لكي تتحقق الرؤية لابد من أمرين: سلامة العين ووجود نور الشمس، وكما إن الثاني لا ينفع إن لم يتوفر الأول فكذلك عقل التجربة لا ينفع عند غياب عقل الطبع فضلاً عن موته. وبما إن عقل الطبع قد ينمو ويزدهر فينفع صاحبه من عقل التجربة، وقد يموت ويندثر عند الاستسلام لإضلال شبهةٍ أوبسبب إرتكاب معصية، فإنه ومن باب أولى أن يتعرض الى الزيادة والنقصان كما سيأتي... وقد ورد في النصوص الدينية أن للعقل زمناً ينمو فيه ويكتمل، فعن إمامنا أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه):"يثغر الصبي لسبع، ويؤمر بالصلاة لتسع، ويفرق بينهم في المضاجع لعشر، ويحتلم لأربع عشرة، وينتهى طوله لإحدى وعشرين سنة، وينتهي عقله لثمان وعشرين إلا التجارب"(7)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يربى الصبي سبعاً ويؤدب سبعاً، ويستخدم سبعاً، ومنتهى طوله في ثلاث وعشرين سنة، وعقله في خمس وثلاثين [سنة] وما كان بعد ذلك فبالتجارب"(8). إذن يتوقف النمو الطبيعي لعقل الانسان عند سن الثامنة والعشرين أو الخامسة والثلاثين كما ورد في الروايتين، وأية زيادة أخرى في طاقته بعد ذلك إنما تأتي عن طريق التجارب، وقد يُتوهم بأن ثمة تعارضاً ما بين الروايتين المتقدمتين في شأن تحديد سن النمو العقلي، إلا إنه لا تعارض ينهما إذا حملنا اختلافهما فيه على اختلاف الاشخاص وتباين استعدادات وقابليات كل منهم. وعلى الرغم من توقف نمو عقل الإنسان إلا إن له أنْ يزيده بالتجارب ومواصلة التعلم ــ كما تقدم في الروايات ــ وسواء أثبت العلم هذه الحقيقة الروائية أم لا، فنحن نريد الإشارة إلى ضرورة استمرار التجربة والتعلم لزيادة نمو العقل وهذا المقدار لا خلاف فيه وعلى الرغم من إن لعمر الانسان مدخلية في زيادة عقله كما تقدم وكما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "يزيد عقل الرجل بعد الاربعين إلى خمسين وستين، ثم ينقص عقله بعد ذلك"(9)، إلا إن ذلك ليس على نحو العلة التامة، إذ يمكن للعقل أن يبقى شاباً وقوياً وإن شاب الإنسان وضعف جسمه، وتقدم في السن ووهن عظمه، فالعاقل لا يشيب عقله ولا تنتقص الشيخوخة من قوته بل وقد يزداد طاقةً وحيويةً لذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"رأي الشيخ أحب الي من جَلَد الغلام"(10)، وفي أخرى ".....من حيلة الشباب "(11) وأما من لم يوفر أسباب صقل عقله في مرحلة الشباب فإنه بلا شك يضمحل عقله في مرحلة الشيخوخة. وليس تقدم العمر هو العامل الوحيد في نقصان العقل بل إن النصوص الشرعية أشارت الى عوامل عديدة اخرى أهمها: أولاً: التعلم: فقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "من لم يصبر على ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبداً"(13). ثانياً: التوبة: وعنه (عليه السلام) ايضاً:"من لم يرتدع يجهل"(14) ثالثاً: التقوى: فقد كتب إمامنا الباقر (عليه السلام) إلى سعد الخير: "بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله فإن فيها السلامة من التلف والغنيمة في المنقلب إن الله (عزوجل) يقي بالتقوى عن العبد ما عزب عنه عقله ويجلي بالتقوى عنه عماه وجهله"(15) إذن التوبة هي سبب للتوفيق الإلهي الذي يؤدي فيما يؤدي إليه من إكمال العقل. رابعاً: الوقوف عند الشبهة: وقال (عليه السلام ): "لا ورع كالوقوف عند الشبهة"(16). فإن الوقوف عند الشبهات سبب من أسباب التوفيق الإلهي بلا شك. خامساً: الاعتراف بالجهل: كما روي عن الإمام علي (عليه السلام): "غاية العقل الاعتراف بالجهل"(17) إذ الاعتراف بالجهل يدفع الإنسان دوماً إلى مزيد من بذل الجهد واكتساب المعارف. مما تقدم تتضح جلياً صحة هذه المقولة دلالةً، إذ إن العقول فعلاً لا تقاس بالأعمار لأن كلٍاً من زيادتها ونقيصتها منوطٌ بالعديد من العوامل الأخرى والتي تقدم ذكرها، بيد إن ذلك لا يبرر التساهل في نشرها والتهاون في الاستشهاد بها على إنها من أقوال أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) لعدم ثبوت ذلك سنداً من جهة ولضعف بلاغتها وركاكة تركيبها بالنسبة إلى سيد البلغاء والبلاغة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) تهذيب اللغة ج1 ص65 (2) لسان العرب ج11 ص458 (3) نهاية الحكمة ص305 (4) ميزان الحكمة ج3 ص333 (5) أصول الكافي ج1، ح3 / 11 (6) نهج السعادة ج9 ص163 (7) الكافي ج7 ص94 (8) الفقيه ج3 ص493 (9) الاختصاص ص245 (10) نهج البلاغة حكمة 86 (11) بحار الأنوار ج72 ص105 (12) المصدر السابق ج1 ص94 (13) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص118 (14) الكافي ج8 ص73 (15) وسائل الشيعة ج1 ص162 (16) غرر الحكم ودرر الكلم ج1 ص1 بقلم الكاتبة: رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
12362