تشغيل الوضع الليلي

مَرْتَعٌ لِلشَيطانِ

منذ 7 أشهر عدد المشاهدات : 2545

بقلم: أم قنوت
من الطبيعي أن تزورَ حالةُ الإقبالِ والإدبارِ المؤمنَ أثناءَ تأديته لعباداتِه، ولكن من المهم أن لا يسقطَ في شراكِ الشيطانِ فيدخلَ في حزبِه ولا يقدر على الإفلاتِ.
في قولِ الإمام زين العِبادِ (عليه السلام) وصفٌ بالغُ الدقةِ وصورةٌ بليغةُ المعاني وطلبٌ جريءٌ وشجاعٌ حين دعا: "فَإذَا كَانَ عُمْرِي مَرْتَعَاً لِلشَّيْطَانِ فَـاقْبِضْنِي إلَيْـكَ قَبْـلَ أَنْ يَسْبِقَ مَقْتُـكَ إلَيَّ، أَوْ يَسْتَحْكِمَ غَضَبُكَ عَلَيَّ" (1)
فليتخيل كلٌ مِنّا هذا الوصفَ: عمري مرتعٌ للشيطانِ، أي إن الشيطان يأكلُ ويشربُ ويجدُ راحتَه ويرتعُ كما ترتعُ الإبلُ في الحظيرةِ، تخيلْ هذا الوصفَ!
ألا تراهُ وصفاً مُخجِلاً؟
ثم شاركني الشجاعةَ، مَن مِنّا يطلبُ الموتَ فراراً من غضبِ الله عز وجلَّ، وأيُّ شجاعةٍ تلكَ التي نَتَّصِفُ بها لِنطلبَ مثلَ هذا الطلب؟
فقد مرَّ على مسامعِنا الكثيرُ من المواعظِ والرواياتِ المتحدثةِ عن صغائرِ الذنوبِ التي تؤدي الى الكبائرِ ولكنّها على ما يبدو قد مرَّتْ مرورَ الكرامِ على عقولِنا.
كيفَ يصبحُ العمرُ مرتعاً للشيطانِ؟
هل أذكرُ مواردَ جوابِ هذا السؤالَ أم أتركُه لكلٍ منا ليتفكَّرَ كيفَ جَعَلَ عُمرَه مرتعاً للشيطانِ؟
أأذكرُ بعضَ الأمثلةِ؟!
صلاةٌ تتأخرُ دائماً بلا سبب، وبالأصلِ لا يُعرَفُ كم صلاة يجبُ أن تُقضى مما فاتَ، ثم إنَّ الصومَ لا يُنالُ منه غير الجوعِ والعطشِ، والأموالُ متكدسةٌ لا تُصْرَفُ في مواضِعِها، واليومُ طويلٌ والبعضُ مشغولٌ بتوافِهِه، وأزعجَ صديقٌ صديقَه بعضَ الشيءِ فاغتابَه الآخرُ كثيراً، وغضبَتْ زوجةٌ ففضلَّتْ العنادَ وتطاولَتْ على زوجِها، ومرَّ رجلٌ بامرأةٍ جميلةٍ متبرجةٍ فأطالَ النظرَ، وأخذَت الغيرةُ مأخذَها مِنْ حاسدٍ لصديقين فآثرَ أن يَنُمَّ بينهما ليفترقا، ولم يستمعْ ابنٌ لنصائحِ والِدِه بالابتعادِ عن صديقِ السوءِ فأصبحَ مدمناً للمخدراتِ، وغفا أحدُهُم ليلاً بينما كان هاتفُه لا يزالُ يصدحُ بالمحرَّماتِ، أما سيارتها فتسبِّحُ لله بينما تستمعُ هي إلى لهوِ الحديثِ....
هذا غيضٌ من فيضِ أعمالِ المرءِ وعمرِه الذي كانَ مرتعاً للشيطانِ، ولكن من رحمةِ الله عز وجلَّ وعطاءِ أهلِ البيتِ (عليهم السلام) يتوجهُ المرءُ بدعوةٍ في ليلةِ الجمعةِ باكياً
"وقد أتيتك يا الهي بعد تقصيري وإسرافي على نفسي معتذراً نادماً.." (2)
فيردّ اللهُ (عز وجل) بحسنِ كرمه عليه قائلاً:
"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ " (3).
_________________
1_ دعاء مكارم الاخلاق.
2_ دعاء كميل.
3_ سورة الزمر، آية 53.

اخترنا لكم

من صفات واجب الوجود (الله) .

بقلم اخوكم علي جابر الهلالي قبل الخوض في هذا الموضوع أنقل كلمة لأحد علمائنا حيث يقول: إن الله يختلف بصفاته عن صفات الممكن المشتركة معه بأنه ( فوق ما لا يتناهى بما لا يتناهى شدةً ومدّة ً وعدّةً) والمخلوقات كلها بالنسبة اليه (تعالى) موجودة بوجود ظلي تبعي بل عند المقايسة لا وجود لها حقيقةً كما قال (تعالى):" يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15)"(1) ، فأين التراب من رب الارباب وأين النور من الظلمة وأين الوجود الأزلي الأبدي السرمدي الدائم من الوجود التبعي الظلي الفاني،"وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ"(2) إننا قد أثبتنا في مقالاتنا السابقة أن الله موجود وانه واجب الوجود وانه لا يمكن ان يكون له خالق والآن نتكلم عن شيء من صفاته، فبالتأكيد أن لله صفاته المختصة به التي تميزه عن المخلوقات وإلا فأن مجرد إثبات أن الله واجب الوجود لا يكفي لمعرفته بصورته المتميزة. إذ من الممكن أن يعتقد البعض أن المادة العمياء أو الطاقة يمكن أن تكون مصداقاً لواجب الوجود لذلك كان من الضروري إثبات الصفات السَلبية الإلهية من جهة ليُعلم أنه منزه عن الإتصاف بالصفات المختصة بالمخلوقات ومن جهة أخرى لا بد أن نثبت صفاته الثبوتية ليتضح لنا أنه رب صالح للعبادة حقاً ولنمهد بذلك الأرضية لإثبات سائر المعتقدات الاخرى كالنبوة والمعاد وما يتفرع عنهما.. وحيث أن واجب الوجود غير محتاج الى علة وانه هو العلة الحقيقية لوجود الممكنات فإنه يثبت: أولا: عدم إحتياجه لأي موجود آخر وإلا لصار فقيراً والله غني. ثانيا: إن الموجودات الممكنة معلولة ومحتاجة اليه وهو العلة لوجودها وحدوثها. وبما أن واجب الوجود موجود بذاته وغير محتاج الى موجود آخر، معنى ذلك أنه موجود منذ الأزل ولم يسبق بعدم(أزلي) وأنه سنخ موجود لن يعدم في المستقبل(أبدي) وأحيانا نعبر عنه بالسرمدي بملاحظة الماضي والحاضر والمستقبل. وعلى هذا الأساس فكل موجود كان مسبوقاً بالعدم أو أنه يمكن زواله مستقبلا لا يكون واجب الوجود أبدا وبالتالي يتضح بطلان وجوب الوجود لكل ظاهرة مادية كالطاقة والشمس والقمر لأنها مسبوقة بالعدم وستفنى قطعا ومتغيرة ومتحركة وكلها من لوازم الممكنات. فمن خلال النتيجة الاولى نثبت أن الله لا يحتاج الى أي موجود آخر، وان واجب الوجود بسيط لا مركب لأن المركب محتاج ومفتقر الى أجزاءه ولأن كل جزء محتاج جزئه الآخر وحيث أن واجب الوجود منزه عن كل احتياج وبالتالي فهو بسيط لا مركب... علماً ان التركيب من لوازم الاجسام وبالتالي فإن كل موجود جسماني لا يمكن أن يكون واجب الوجود وبالتالي نثبت تجرد الله (تعالى) وعدم جسمانيته وأيضاً عدم إمكانية رؤيته بالعين أو أي حاسة أخرى لأن الحس متعلق بالاجسام والماديات. وبنفي جسمانية الواجب ننفي كونه في مكان أو في زمان، وبسلب الزمان من الواجب نسلب منه الحركة والتحول والتكامل لأن أي حركة أو تحول أو تكامل لا يمكن أن يتم بلا زمان وبالتالي فإن الله ثابت (لا متحركاً ولا ساكناً) . لذلك ان من أثبت لله مكانا كالعرش أو نسبوا له الحركة والهبوط من السماء أو اعتقدوا بأنه قابل للتحول والتكامل لم يعرفوا الله حق معرفته. وبصورة عامة فكل مفهوم يدل على نوع من النقص والتحديد والاحتياج منفي ومسلوب عن الله (تعالى) وهذا هو معنى الصفات السلبية الإلهية. ومن خلال النتيجة الثانية التي تثبت احتياج الاشياء اليه وأنه العلة لوجود الاشياء بمعنى انه تعالى موجد لها.. فمن أهم مميزات العلة الموجدة اولا: يلزم أن تكون العلة الموجدة حائزة على جميع كمالات الموجودات وبصورة اتم واكمل، فإن الزواج يراه الانسان كمالا لكنه نقص بالنسبة لله (سبحانه) وبالتالي فالكمالات المقصودة هي الكاملة او الثابتة حقا حتى يمكن للعلة الموجدة إفاضة الوجود على كل موجود ممكن بمقدار قابليته واستعداده مع بساطة الله وعدم قبوله للانقسام. ثانيا: ان العلة الموجدة توجد مخلوقاتها من العدم بمعنى تخلقها بشكل لا ينقص من وجودها شيء. ثالثا: ان العلة الموجدة هي العلة الحقيقية ومن هنا كان وجودها ضروريا لبقاء المعلول خلافا للعلة المعدة التي لا يحتاج اليها بقاء المعلول. فإن دور العلة المعدة هو التكميل كالبذور واحتياجها الى المزارع الذي هو علة معدة لها بينما دور العلة الموجدة التي وجودها ضروري لوجود المعلول هو دور الايجاد (ياخالق الاشياء من العدم). من كل ذلك ثبت لدينا: ١. ان واجب الوجود الله ليس بفقير ولا يحتاج إلى علة بل هو العلة الموجدة لكل الممكنات. ٢. ان الله ازلي ابدي(سرمدي). ٣. ان الله بسيط لا مركب ومنزه عن كل احتياج. ٤. ان الله ليس بجسم وبالتالي هو منزه عن الرؤية البصرية أو الإدراك بالحس وانه منزه عن المكان والزمان والحركة والتحول والتغيير والتكامل . ٥. ان الله ثابت لا متحرك ولا ساكن . ٦. ان الله حائز على جميع الكمالات وبصورة اكمل واتم . ٧. ان الله علة حقيقية للايجاد لا علة معدة بمعنى أن وجوده ضروري لوجود المعلول. لذلك سيكون مقالنا القادم إن شاء الله عن الصفات الذاتية لله (عز وجل). أرجو من الله ان يتقبل عملنا هذا خالصا لوجهه الكريم وأن يرزقنا معرفته حتى نؤدي شكره كما ينبغي وأرجو من الاخوة والاخوات التعليق بما هو نافع نقداً أو تأييداً... والحمد لله رب العالمين وصلى الله عل سيدنا محمد واله الطيبين الطاهرين. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) فاطر 15 (2) القصص 88

اخرى
منذ سنة
1414

*الوسوسة

الوسوسة في اللغة الصوت الخفي ومنه يقال لصوت الحلي وسواس، وكل صوت لا يفهم تفصيله لخفائه وسوسة ووسواس وكذلك ما وقع في النفس خفيا(1). و الشيطان يأتي الانسان فيوسوس له ليدله على طريق الضلالة، ويبعده عن طريق السعادة، ويأتي بأسلوب غير محسوس ليدخل قلب الإنسان وعقل الإنسان وذهن الإنسان. وأما إذا كان ذلك من طرق رب العالمين، ومن طرق عالم الملكوت يقال له الهام. *من يوسوس له الشيطان؟؟؟ لا يحاسب الله (تعالى) على وسوسة الشيطان وإنما يحاسب على الأخذ بوسوسته والعمل بها كما روي عنه (صلى الله عليه وآله): " لكل قلب وسواس، فإذا فتق الوسواس حجاب القلب نطق به اللسان وأخذ به العبد، وإذا لم يفتق القلب ولم ينطق به اللسان فلا حرج " (2). يذكر القرآن الكريم انما يوسوس الشيطان لأولئك الذين ضعف ارتباطهم بالله إذ يقول (تعالى): " ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين " (3). فالذي لا تشده إلى الله رابطة قوية، و ضعفت به صلته فلا يؤدي الصلاة أول وقتها ويغفل عن ذكر الله فيأتيه شيطان ويرافقه دوماً بل ويكون له قرينا، وعمله هو ان يوسوس له ويلقي الضلالة في قلبه. و الإنسان الوسواسي إنما أصبح كذلك لدوام مرافقة الشيطان له وان كان لا يراه. فهو يرافقه في البيت والنوم واثناء الصلاة والوضوء والغسل، و يكون الشيطان معه في كل مكان، مع انه لا يرى ذلك الشيطان، إلا إنه دائماً يتكلم معه، فعندما يتوضأ مثلاً يقول له الوضوء ناقص، أو أن هذا الوضوء باطل لأن الوجه لم يغسل صحيحاً، أو عندما يغتسل يقول له بأن الغسل غير كامل، ويشغله لفترة طويلة في عملية إتمام الإغتسال، وكلما طال وضوؤه وإغتساله أكثر كان ذلك علامة على مدى طاعة الانسان لذلك الشيطان وإستجابته له. والخواطر التي يلقيها الشيطان في القلب تكون على قسمين: الاول :وتكون خاطرات مباشرة، تحث الإنسان على اقتراف الذنوب والآثام، أي يزين الشيطان فعل الذنب بشكل مباشر ويجعل في اقترافه حلاوة. فيأمر بنظرة سوء، والغيبة والبهتان و النميمة وما شاكل ذلك قال (تعالى): " وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ"(137) " (4) و قال (تعالى): " أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8) "(5) و أما الثاني : فتكون بصورة غير مباشرة، بطريقة (الخناس)، أي الوسوسة مع التبرير، فيخدع الشيطان الانسان بالقول الجميل والمقنع فيحرفه بواسطة الدين عن الدين. وأغلب الوسواسيين على هذه الشاكلة فلا يقولون عملنا حرام، بل يقولون هذه الطريقة السليمة للتيقن من صحة الغسل و الوضوء مثلا. وأما من لا يتبع طريقتهم فغسله باطل في نظرهم وبالتالي فإن الناس نجسين وهم الطاهرون. وفي الوقت الذي يعد هو فيه أنجس الناس. و من الواضح إن خطر القسم الثاني أشد من خطر القسم الأول فالقسم الاول يعلم إنه يرتكب المعاصي والمحرمات وبالتالي قد تؤثر به موعظة ما وتدله على الطريق، وأما الإنسان الوسواسي فهو يخالف الشرع المقدس ويجانب الصواب وهو معتقد تمام الاعتقاد إن عمله صحيح كما إنه لا يطمئن الا به. وبالتالي لا يتوب حتى يكف عن تلك الحالة (حالة الوسوسة)، وطالما هو مستجيب لوسوسة الشيطان فإن ذنوبه تتراكم وتتراكم حتى يسود قلبه ويصل إلى حال لا يُرجى شفاؤه معها. يُحكى إن أحد الطلبة العلماء قد جُنّ. وترك الصلاة والصوم، وعندما يُسأل: لماذا لا تصلي ولا تصوم ؟ فيجيب بعبارة جميلة (أخذ ما وَهب وسقط ماوجب) يعني ان الله أخذ عقلي فلم يعد علي تكليف. نعم ، الوسواسي مجنون ولكن ليس بهذا النحو، لأنه يبقى مكلّفا ، ولا تسقط عنه أي من العبادات من الصوم والصلاة وغيرها. *من هو الخناس ؟؟؟ لكل إنسان شيطان يناسب حاله، ووسائل غواية وإضلال تناسب قوة إيمانه، فعامة الناس يكفي لإضلالهم شيطان ما لايناسب الروحانيون إذ إن لهم شياطين ولكنهم أساتذة الشياطين، والخناس من أساتذة الشياطين، وقد ورد في الروايات ان الخناس شيطان عالم وكبير جداً؛ لذا وردت الاستعاذة منه ثلاث مرات في قوله (تعالى) : " قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6) "(6) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) عندما ولد إبراهيم وعيسى (ع)، جمع الشيطان الكبير كل الشياطين حوله وقال ماذا نفعل، لأن نبي الله قد وُلد ولا يمكن إضلال الناس بعد. فقال الخناس: استطيع اضلالهم عن طريق الدين والوسوسة فيصيرون إلى النار (7) . و قد روي عن الامام الصادق (عليه السلام) في ذيل تفسير قوله (تعالى) : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) " (8) إنه قال: " لما نزلت هذه الآية: والذين اذا فعلوا فاحشة... صعد إبليس جبلاً بمكّة يقال له: ثور، فصرخ بأعلى صوته بعفاريته، فاجتمعوا إليه، فقالوا: يا سيّدنا لِمَ دعوتنا؟ قال: نزلت هذه الآية فمن لها؟ فقام عفريت من الشياطين فقال: أنا لها بكذا وكذا، فقال: لست لها. فقام آخر فقال مثل ذلك، فقال: لست لها. فقال الوسواس الخناس: أنا لها، فقال: بماذا؟ قال: أعدهم وأُمنّيهم حتى يواقعوا الخطيئة، فاذا واقعوا الخطيئة أُنسيهم الاستغفار، فقال: أنت لها. فوكّله بها إلى يوم القيامة " (9). *أنواع الوسوسة الشيطانية تختلف وسوسة الشيطان للناس بإختلاف إهتماماتهم أولا : الوسوسة الفكرية: و هي الوسوسة التي ترتبط بالقلب وخطراته ولا تتعلق بالأفعال، وهي موجودة بكثرة و يُبتلى بها الكثير من الناس، وتنشأ عادة من ضعف الإرادة فعندما تضعف أعصاب الإنسان أو يتعرض للمصاعب، أو يرى مصيبة كبيرة، يصاب من الناحية الروحية بالوسوسة الفكرية، وهي على مراتب فتارة تكون بمستوى الشك والشبهة فقط. واُخرى تشتد وترتفع خصوصا عندما يتعرض ذوي الايمان الضعيف لبلاءات و مصائب فتصل ـ والعياذ بالله ـ موضعاً يسيء فيه القول على الله ويعتقد ان أفعال الله ظالمة وإنه ليس عادلا وما الى ذلك . ومن الوسوسة الفكرية الشك بالقرآن وبخصوص تلك الايات التي تتحدث عن العدل و إنتفاء الظلم عنه (جل و علا) و عندما تشتد الوسوسة يصل الانسان إلى درجة يشتم فيه (في قلبه) الله (سبحانه و تعالى) والنبي (صلى الله عليه و آله) والأئمة (عليهم السلام) والمقدسات، وتوجد أنواع أخرى من الوسوسة الفكرية التي ترتبط بدنيا الإنسان وأعماله أو بعلاقته مع الآخرين كسوء الظن مثلاً، وعلاج هذا النوع من الوسوسة سهل جداً، وهو ان يصرف الانسان نفسه كلما أتاه ذلك الشك، هذا إذا كان الأمر في بدايته، أما إذا أطاع الشيطان، فكلما أطاعه أكثر يترسخ في قلبه أكثر حتى يترسخ في قلبه الشك وهكذا. وعلى هذا يجب على الانسان بالاضافة الى عدم إهتمامه بهذه الوسوسة أن يبادر الى العلاج بأمور دعت اليها الايات والروايات سنذكرها. ولكن عليه أن يعلم بأن العلاج يحتاج إلى صبر وسعة صدر، شهراً أو شهرين أو عدة شهور فسوف يتحسن ويتمكن من اقتلاع أصل هذه الرذيلة. ومن الناحية الجسمية فيجب أن ينظم نومه ويقوي أعصابه، وان لا يتشنج، ولا تتعرض أحاسيسه لصدمات، كل ذلك لازم ومؤثر جداً للتخلص من الوسوسة الفكرية. *علاج الوسوسة الفكرية و علاجها كما جاء في الايات الكريمة و الروايات الشريفة يكمن في : 1 . قال (تعالى): " إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) " (10). فالدخول في عبودية الله (عز وجل ) حصن من الشيطان الرجيم فإذا وقف الإنسان تحت راية الله كان في حمايته و يخشى الشيطان حينئذ من الاقتراب اليه، فيقوى ارتباطه بالله، ويقيم الصلاة لوقتها ويؤدي الواجبات وخاصة الحجاب بالنسبة للنساء، وان ينتهي عن المحرمات كالاستماع الى الغناء والنظر المحرم وغيرهما، بل ويهتم بالمستحبات فيصلي صلاة الليل، ويقرأ القرآن، يدعو الله ويتوسل له، ويساعد الناس، ويعين الزوج زوجته، وتساعد الزوجة زوجها وخدمة المسلمين، فان عمل بكل ذلك فإن الوسوسة الفكرية ستزول شيئاً فشيئاً بل وقد وعد القرآن بأن الملائكة يبعدون الشياطين عمن عزز ارتباطه بالله لقوله (تعالى): " له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله "(11) 3 . قول ( لا اله الا الله) كما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) ــ وقد سئل عن الوسوسة وإن كثرت - : " لاشئ فيها ، تقول: لا إله إلا الله " (12).وعنه (عليه السلام) أيضا قل : " لا إله إلا الله، قال جميل: فكلما وقع في قلبي شئ قلت: لا إله إلا الله فيذهب عني " (13). 4 . لو ذكر النبي الأكرم (صلى الله عليه و آله ) بسوء، والأئمة الطاهرين (عليهم السلام ) فليذكرهم و يصل عليهم . فقد روي عن الامام الصادق (عليه السلام): " ذكرنا أهل البيت شفاء من الوعك والأسقام ووسواس الريب " (14). 5 . لو خطر بقلبه ان الله ظالم وليس بعادل. فعليه أن لا يهتم ولا يؤذي نفسه ويقرأ قليلاً من القرآن . 6 . روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنه قال - لرجل ابتلي الوسوسة وهو معيل مدين محوج -: " كرر هذه الكلمات " توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا " فلم يلبث الرجل أن عاد إليه فقال: يا رسول الله أذهب الله عني وسوسة صدري، وقضى ديني ووسع رزقي " (15). 7 . الصوم كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): " صوم ثلاثة أيام من كل شهر - أربعاء بين خميسين، وصوم شعبان - يذهب بوسواس الصدر، وبلابل القلب " (16). وعنه (عليه السلام): " صيام شهر الصبر وثلاثة أيام في كل شهر يذهبن ببلابل الصدر " (17) . ثانيا : الوسوسة العملية: و تتباين هذه الوسوسة بتباين الأفراد، ولكن بصورة عامة يمكن تقسيها الى قسمين : الأول : ما لا ترتبط في مجال العبادات : تكون الوسوسة في اختيار الملابس، فلا يعجبه مثلاً ان يلبس هذه الملابس لأن لونها لا يناسبه، ولا تلك لأن قماشها لايعجبه، ولا الثالثة لأن طريقة خياطته ليست كما يرغب بها، ونحن إذ نعترف إن من حق الانسان أن يحسن إختيار ما يلبسه وما يلائم دينه وثقافته وغير خارج عن العرف السليم، كما إننا نعترف بقلة ما يتصف بهذه المواصفات من الملابس في الاسواق اليوم إلا إنه يجب أن لا يخرج التردد في الاختيار عن الحد المألوف فيصبح وسوسة، وهذا النوع من الوسوسة العملية تلاحظ بكثرة في أوساط النساء. و قد تكون الوسوسة في مجال النظافة، فتجد بعض الناس أهتمامهم بالتنظيف يستنزف جُل وقتهم، فيكثرون من أعمال الكنس والتنظيف و الغسل، وكلما نظّفوا شكوا في حصولهم على المطلوب فيعيدون عملية التنظيف وهكذا حتى يصابوا أخيراً بوسواس النظافة. و قد تجد بعضهم مصاب بالوسوسة من الميكروب، فإذا مست يده ثيابه، طهرها بالكحول، و إذا صافحه أحدهم أسرع لتعقيم يديه، بل والبعض يعتذر عن المصافحة أساسا، وقبل الأكل يغسل يديه مائة مرة، وقد يصل به الأمر ان يقطع الخُبز بالسكين لأنه لا زال يشك في يديه. ثانيا : ما يرتبط في مجال العبادات: ما ترتبط في مجال العبادات فقد تكون الوسوسة في التطهير من النجاسات بصورة عامة، وتبتلى بمثل هذه الوسوسة عادةً النساء. فتجد المرأة تطهر الثياب وارض المنزل وغيرها بأكثر مما أوجبه الشرع بل وبعضهن تعلم بذلك وتصرح لأنها تريد الوصول الى الاطمئنان القلبي ومع تكرار هذه العملية تترسخ الوسوسة لديها فتهدر الماء وتضيع رأسمالها في الحياة وهو الوقت وهي قبل كل ذلك تطيع الشيطان وتغضب الرحمن . و قد تكون الوسوسة في عبادة معينة كالغسل أو الوضوء مما تؤثر على وقت أدائه للصلاة فغالبا ما يصليها بعد وقت فضيلتها ليس لشيء سوى لإنشغاله في الوضوء او الغسل لوقت طويل قد يصل بالبعض الى ساعة أو أكثر. ومنها أيضا الوسوسة في الصلاة والشك بين الركعات والشك في إتيان أجزاء الصلاة بشكل صحيح، ومن العجيب إن بعضهم لا يؤمن بحالات العلاج للصلاة التي يمكن علاج الشك فيها، بل يبطل صلاته ويأتي بغيرها، وهؤلاء علاوة على إغضابهم للرحمن وإطاعتهم للشيطان فإنهم وبمرور الزمن يكرهون العبادة نفسها وبالتالي يتركوها. و قد يوسوس الشيطان للإنسان بإنه في مورد رياء وإن عليه أن يخفي عبادته ولا يظهرها أمام الناس. ومع إن إخفاء العبادة وكل عمل خير يصدر من المؤمن عدا الموارد التي أباح الشرع إظهار العمل فيها أو أمر بإظهاره فيها للناس قولاً أو عملاً، محثوث عليه من قبل الشارع، حفظاً لنفس العامل عن عروض بعض الرذائل عليها كالعجب والرئاء والتكبر وحب الجاه ونحوها فقد ورد : إن أعظم العبادة أجراً أخفاها (18). وإن العمل الصالح إذا كتمه العبد أبى الله إلا أن يظهره ليزين الفاعل به مع ما يدخر له من الثواب (19) .وإن المستتر بالحسنة تعدل سبعين حسنة (20). و لكن أحيانا يكون إظهار العمل لا بد منه كما في الصلوات الواجبة خاصة مع الجماعة، وفي إخراج الوجوه الواجبة من الزكاة والخمس ومنذور التصدق به وغيره، وذلك لأن تشيع عبادة الله وطاعته في الناس ويرغب إليها الغافلون، ويكون نوعاً من الأمر بالمعروف، وسبباً لزوال التهمة عن العامل لو كان مورداً للتهمة، إلا إن الوسواس الخناس يوسوس في صدور بعض الناس في هذه الموارد بأن الإظهار يكون رئاء فيخفيه لذلك، فإن إستجاب له مرارا ترسخت الوسوسة لديه و قد يقلع عن تلك العبادات رأسا . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) معجم الفروق اللغوية للعسكري ج1 ص369 (2) ميزان الحكمة ج11 ص138 (3) الزخرف 36 (4) الانعام 137 (5) فاطر 8 (6) الناس 1 ــ 6 (7) الفضائل و الرذائل ج11 ص5 (8) آل عمران 135 (9) بحار الانوار ج60 ص197 (10) الاسراء 65 (11) الرعد 12 (12) ــ(17)ميزان الحكمة ج11 ص138 (18)و(19) بحار الأنوار، ج70 ، ص251 (20) ثواب الأعمال ، ص213

اخرى
منذ سنة
2357

أين الرجبيون؟

بقلم: دعاء الربيعي افتتحت زهراء حديثها من زميلتها صفاء بقولها: (خاب الوافدون على غيرك وخسر المتعرضون إلّا لك) غاليتي صفاء، تلتمسين العذر مني ولا تلتمسيه من الله ونحن في شهر الرحمة رجب؟! صفاء: أجل منك أطلب المعذرة لأنني أخطأت في حقك وأسأت الأدب معك. زهراء: سامحتك، ولكن اطلبي العفو من الله لأن الباري (جل وعلا) أحق بالرضا مني، وارجعي لنفسك وانظري إلى ما اقترفتِ من ذنوب وخطايا، حملتِ بها نفسك المسكينة وأثقلتِ عليها، وسوف يطول وقوفها بين يدي الله في عرصات القيامة، صدّقيني أُخيّتي، جُلُّ ما أطلبه هو رضا الباري عنك، فنحن في أيام شهر رجب، وليس من الجميل أن يكون العبد غارقًا في الموبقات والمحرمات بدل أن يشغل نفسه في طاعة الله ورضاه. صفاء: جميل ما تحدثتِ به، لكنه ليس سهلا أبدًا، فمن أين أبدأ ومن أي ذنب أتوب وكيف يلهج لساني بالاستغفار والدعاء وقد تعوّد على قول المنكر من الحديث؟ فشهر رجب هذا إنما هو للطائعين العابدين لله وليس للمذنبين امثالي! زهراء: ومن قال ذلك؟! بل العكس تمامًا، أمَا سمعتِ هذه الآية المباركة التي فيها بشرى لكل عبد موحد لله (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.) وكذلك أحاديث الرسول وآل بيته (صلوات الله عليهم) فقد روي عنه أنه قال في فضل شهر رجب هو الشهر الأصب: يصب فيه الرحمة على من عبده إلا عبدا مشركًا. (وفي حديث آخر عن أحد الصالحين أنه قال لأحد عباد الله المذنبين: يا عبد الله، رجب ليس للعرفاء... رجب للغرقى، أما العرفاء فكل عامهم رجب) صفاء: حسنًا، ولكن من أي الأعمال أبدأ وأي المستحبات أؤدي؟ وكما تعلمين أن وقتي محدود ولدي التزامات كثيرة. زهراء: أولًا هناك الكثير من المستحبات الرجبية الخفيفة فعلاً والكثيرة أجراً، وثانيًا لابد لك عزيزتي أن تهيئي بعضًا من الوقت لكسب مرضاة الله وطلب مغفرته، فمشاغل الحياة لا تنتهي، لكن العمر ينقضي وساعات الحياة في نقصان، كما يقول الإمام الحسين (عليه السلام) (يا ابن ادم إنما أنت أيام، كلما مضى يوم ذهب بعضك) وقد أشار الإمام علي (عليه السلام) إلى ضرورة أن يجِدَّ الإنسان ويجتهد لنيل الأجر الأخروي الباقي ويترك الأجر الدنيوي الفاني بجملة من الأحاديث منها: (أنك مخلوق للآخرة فاعمل لها، إنك لم تخلق للدنيا فازهد فيها، استفرغ جهدك لمعادك تصلح مثواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، من جعل كل همه لآخرته ظفر بالمأمول). فعليك اختاه أن تلتزمي بذلك إذا أردتِ التوبة حقًا. أما سؤالك عن أعمال شهر رجب فهي كثيرة أهمها الاستغفار فعن الصادق (عليه السلام) قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): رجب شهر الاستغفار لأمتي فأكثروا فيه من الاستغفار)، والاستغفار عزيزتي لا يحتاج إلى بذل جهد فباستطاعتك أن تلهجي به في كل الأحوال. والعمل الآخر هو الدعاء، فهناك الكثير من الأدعية في بطون الكتب المعتبرة المذكور فيها خصوصية الدعاء في شهر رجب، كذلك الصلاة والصيام، فلِأيام شهر رجب صلوات خاصة ولكل صلاة كيفية وأجر عظيم لامثيل له، وللصيام أجر يفوق كل الأجور، فعن رسولنا محمد (صلى الله عليه وآله) قال: (ألا فمن صام يومًا من رجب استوجب رضوان الله الأكبر وابتعد عنه غضب الله، وأغلق عنه باب من أبواب النار) كما أن للصدقة ثوابًا جزيلًا في هذا الشهر المبارك، وهناك الكثير من الأعمال المندوبة في هذا الشهر يمكنك مراجعتها في الكتب الخاصة، اسأل الله أن يوفقك لمرضاته. صفاء: لا اعرف كيف اشكرك عزيزتي (زهراء) على كل ما قدمتيه لي من نصائح وتوجيهات تنقذني من بحور الغفلة التي كنت غارقة فيها، هنيئاً لك هذا الاخلاص لله، وهنيئاً لي هذه الصحبة، سبحان مسبب الأسباب، اليوم قرأت منشوراً عن الصحبة وكان فيه حديث لم افهم معناه ولم احط بمبتغاه وهو (خير إخوانك من دلّك على هدى وأكسبك تقى وصدك عن اتباع الهوى) وها أنا الآن فهمت المراد. زهراء: الشكر لله وحده، لأنه أتاح لي الفرصة للحديث معك وإرشادك إلى سبيل الحق، ما أجمل أن تكون صحبتنا لله وفي الله. اسأل الله أن يجعلنا ممن تُقبل تَوبتهم وتُستجاب دعوتهم وتُغفر خطيئتهم ويُنادى بهم يوم القيامة من بطنان العرش... أين الرجبيون؟

اخرى
منذ 9 أشهر
676

التعليقات

يتصدر الان

الطلاق ليس نهاية المطاف

رحلةٌ مثقلة بالألم في طريق يئن من وطأة الظلم! ينهي حياة زوجية فشلت في الوصول إلى شاطئ الأمان. ويبدد طموحات أطفال في العيش في هدوء نفسي واجتماعي تحت رعاية أبوين تجمعهم المودة والرحمة والحب. الطلاق شرعاً: هو حل رابطة الزواج لاستحالة المعاشرة بالمعروف بين الطرفين. قال تعالى: [ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227)].(١). الطلاق لغوياً: من فعل طَلَق ويُقال طُلقت الزوجة "أي خرجت من عصمة الزوج وتـحررت"، يحدث الطلاق بسبب سوء تفاهم أو مشاكل متراكمة أو غياب الانسجام والحب. المرأة المطلقة ليست إنسانة فيها نقص أو خلل أخلاقي أو نفسي، بالتأكيد إنها خاضت حروباً وصرعات نفسية لا يعلم بها أحد، من أجل الحفاظ على حياتها الزوجية، ولكن لأنها طبقت شريعة الله وقررت مصير حياتها ورأت أن أساس الـحياة الزوجيـة القائم على المودة والرحـمة لا وجود له بينهما. فأصبحت موضع اتهام ومذنبة بنظر المجتمع، لذلك أصبح المـجتمع يُحكم أهواءه بدلاً من الإسلام. ترى، كم من امرأة في مجتمعنا تعاني جرّاء الحكم المطلق ذاته على أخلاقها ودينها، لا لسبب إنما لأنها قررت أن تعيش، وكم من فتاة أُجبرت قسراً على أن تتزوج من رجل لا يناسب تطلعاتها، لأن الكثير منهن يشعرن بالنقص وعدم الثقة بسبب نظرة المجتمع، وتقع المرأة المطلّقة أسيرة هذه الحالة بسبب رؤية المجتمع السلبيّة لها. وقد تلاحق بسيل من الاتهامات وتطارد بجملة من الافتراءات. وتعاني المطلقة غالباً من معاملة من حولها، وأقرب الناس لها، بالرغم من أن الطلاق هو الدواء المر الذي قد تلجأ إليه المرأة أحياناً للخلاص من الظلم الذي أصبح يؤرق حياتها الزوجية، ويهدد مستقبلها النفسي، والله تعالى لم يشرع أمراً لخلقه إلا إذا كان فيه خير عظيم لهم، والطلاق ما شرّع إلا ليكون دواء فيه شفاء وإن كان مرّاً، وإن كان أمره صعباً على النفوس، حيث قال عز وجل: "وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا"، روي عن الرسول الأعظم (صلى الله عليه واله وسلم) ((أبغض الحلال إلى الله الطلاق) (٢). ورغم أن الشريعة الإسلامية أباحت الطلاق بشروط تلاءم لبناء المجتمع، وأولت أهمية في الإحسان دائمًا للطرف الأضعف والأكثر خسارة في هذه المعادلة وهي "المرأة"، إلا أن المجتمع الذي يدّعي الإسلام لا يرحمها، ويحكم عليها بالإدانة طوال حياتها دون النظر في صحة موقفها في الطلاق من عدمه! قال( تعالى ): [الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ] (٣). ولكن بعد كل هذا فالحياة لم ولن تتوقف بعد الطلاق! الطلاق ليس نهاية الحياة. - أخيتي. ليكن الطلاق بداية جديدة لحياة جديدة وللانطلاق. -قطار العطاء لن يتعطل. فإن كنت السبب في الطلاق فالحمد لله على كل حال وتلك أمة قد خلت وأيام ذهبت وانجلت فلست بالمعصومة من الخطأ. وعليك استدراك الأخطاء وتقوية مواطن الضعف في شخصيتك، واجعليها درساً مفيداً في الحياة لتطوير نفسك وتقويتها. وإذا كنتِ مظلومة فهناك جبار يُحصي الصغير والكبير وسيأتي يوم ينتصر لك فيه. -ومن الجميل أن تعطي نفسك الإحساس بالحب والاحترام، ولا تتأثري بأي نظرة سلبية من المجتمع وكون البعض يتعامل مع المطلقة على أنها حالة خاصة فعليكِ إثبات ذاتك حتى تفرضي على الكل شخصيتك. - نظرتك لنفسك اجعليها نظرة ايجابية مشرقة ولا تنزلقي في مستنقع نبذ الذات وظلم النفس. - ابحثي عن الصفات الجيدة فيك فإن ذلك سيشعرك بالثقة في ذاتك والتقدير لها. -حاولي مراجعة نفسك للخروج بإيجابيات حصلت لك من طلاقك. - خالطي الآخرين وإياك والعزلة بسبب وضعك الجديد فلست بأول من يبتلى بالطلاق. -استمتعي بالموجود ولا تتعلقي بالمفقود، حلقي بروح تعبق أملاً وتفاؤلاً، استمتعي بما وهبك الله من نعم (صحة وأولاد وأهل وصديقات وعمل وهوايات وغيرها من الأمور الجميلة) فما حصل لك حصل… ولابد أن تتقبليه برضا، وأعلمي أن ما أصابك لم يكن ليخطأك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وقال أصدق من قال: ( وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم). فالرضا سر السعادة الحقيقي. - اقتربي من صديقاتك الصالحات، واقضي معهن وقتاً طيباً تنسين به ألمك وحزنك. - احرصي على الصلوات وقراءة القرآن الكريم والذكر والاستغفار وأكثري من الطاعات قدر ما تستطيعين، ففيها السلوى والفرح والسعادة. ونعم سعادة القرب من الرحمن. - اشغلي نفسك بأعمال البر والإحسان بمساعدة محتاج. بكفالة يتيم. بتعلم الفقه والقرآن وتعليمه. - اجتهدي في عمل برنامج يومي لك يكون ممتلأ بكل ما هو مفيد لك. من قراءة وزيارة الأصدقاء وصلة الرحم. بحيث لا تكون هناك دقيقة أنت فارغة فيها. - وأسرعي بقاربك الجميل بمجذافين من إيمان بالله وثقة بالنفس وسوف تصلين بإذن الله نحو جزيرة السعادة والنجاح. لكي تتسلق جبال الإنجاز، وتصل لأعلى مراتب الاعجاز. وعندها جزماً سيكون للحياة معنى آخر. --------------------------------- (١)-سورة البقرة الآية (٢٢٦-٢٢٧). (٢)-الكافي (٢)-سورة البقرة الآية (٢٢٨) حنان ستار الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
22364

أساليب في التربية

عالم الطفولة كأنه طاولة، لا تجد فيه غير طعام لذيذ، ومنظر لطيف وجديد، فعالمهم فاكهة الوجود، وخضار الأرواح، ومياه الحياة تسقي القلوب... عالم صفاء وأحلام جميلة بسيطة وتافهة ولكن بنظرهِ هو عظيمة وكبيرة، فهو العالم الذي ينطلق منه الإنسان في بداية عمره. فالطفل في بداية حياته ينظر إلى الحياة بتفكيره البريء، فالطفل يعيش بعالم خاص به مملوء بالمحبة البريئة. هذه هي الصورة الجميلة التي يحملها الطفل، وكم يتمنى كل إنسان أن يعود لطفولته البريئة ليتأمل في أرجاء عالمها الذي كان يصور له حياة مختلفة تشد الإنسان إليها بجمالها، هذا هو عالم الطفولة وهذه أحلام من يعيشها، فلا ينفذ إلى ملكوت ذلك العالم ولا يدرك كنهه إلا من عاشه وجال في ربوعه. حيث يتذوق الطفل مع أحلام طفولته هذه لذة الحياة ولذة العيش فيها، ومهما حاولنا أن نعبر عن هذه الحقيقة فلن نستطيع تصويرها بالكلمات. وبعد هذا، فإن الاهتمام بمستقبل الطفل هو في الواقع ضمان لمستقبل شعب بأسره. قال اللَّه تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا". التحريم/6 أعتنى الإسلام بتربية الأبناء عناية فائقة، وألقى على عاتق الأهل ما سيكون عليه الولد في مسلكه الدنيوي ومصيره الأخروي إن هم قصروا في تربيته وإعداده. وقد ذكر العلماء أن شخصية الولد تتأثر في نموها بعوامل ثلاثة وهي: الوراثة، والبيئة، والتربية. إذا خضنا في مضمار التربية السليمة للأبناء... فعلى الأبوين أن يكون لهما الوعي التربوي الذي يبنى على أسس صحيحة ويتوفر لديهم فهم لأساليب التربية والتوجيه والرعاية وهذه نقطة البداية. فمثلاً في أسلوب التعامل مع الطفل تبرز أمامنا ثلاثة اشكال لتعامل الآباء مع الأبناء: الشكل الأول: أسلوب الدلال المفرط وهذا الأسلوب له نتائجه السلبية الخطيرة، فإنه يخلق شخصية هشة متميعة وشخصية اتكالية تحب الكسل والخمول مجردة من الهدف والإقدام، انهزامية غير قادرة على مواجهة التحديات وبمعنى أدق شخصية لا تثق بنفسها. شخصية متسيبة في ظل غياب المراقبة والمحاسبة وهذا التسيب يقود إلى الانفلات والانحراف. الشكل الثاني: فهو أسلوب التربية القاسية والعنف. وهذا الأسلوب أيضاً له نتائجه الخطيرة والسلبية التي يعاني منها الأبناء طوال حياتهم فهو يخلق شخصية قلقة ومتأزمة ومعقدة وخائفة وتحمل عقدة الخوف، شخصية حاقدة وعدوانية وقد تتأزم الأمور لتصبح شخصية منافقة وكاذبة خوفاً من العقاب والتعنيف ضمن حدود الأسرة ولكن يوماً من الأيام سينطلق هذا الشخص ليواجه المجتمع ككل، فلنتصور كيف سيتعامل مع المحيطين ضمن مجالات الدراسة والعمل وهو شخصية هاربة من أجواء الأسرة وقد يعرضها للتسيب والانحراف لأنها شخصية متمردة مما يعرضها للعقوق. الأسلوب الثالث: التوازن. الأسلوب الصحيح يعتمد على التوازن فمن شروط نجاح التربية التوازن في المعاملة ما بين الأمور التي تحتاج إلى شدة وحزم ليتربى على أن هذه الأمور خطوط حمراء طبعاً هنا يمكن أن يعترض أحد ويقول: لا للعنف الأسري ولا لاستخدام القسوة. نعم فهناك طرق غير استخدام العنف. يكفي ان يبدي الآباء انزعاجهم مثلاً. وهنا النقطة مهمة جداً، وهي: أن نوضح لهم سبب المنع والرفض لا تعتقدوا أن أبناءكم لا يدركون ولن يفهموكم. تخصيص الوقت للنقاش مهم جداً. وما بين أسلوب المرونة والحنان والاحتواء. التوازن في المعاملة. إن الإمام زين العابدين (عليه السلام) يصرح بمسؤولية الأبوين بتربية الطفل، ويعتبر التنشئة الروحية والتنمية الخلقية لمواهب الأطفال واجباً دينياً يستوجب أجراً وثواباً من الله تعالى، وأن التقصير في ذلك يُعرّض الآباء إلى عقاب الله. فيقول (عليه السلام): (وأما حق ولدك عليك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره. وأنك مسؤول عما وليته به من حسن الأدب والدلالة على ربه عز وجل والمعونة له على طاعته. فأعمل في أمره عمل من يعلم أنه مثاب على الإحسان إليه معاقب على الإساءة إليه ) مكارم الأخلاق للطبرسي ص٢٣٢ حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21813

الطفولة المقتولة بين الماضي والحاضر

رقية طفلة صغيرة هي الاصغر اذ سبقها ولدان محمد وعلي وبنت اسمها فاطمة. رقية هي المدلّلة عند أبيها يصحبها إلى محل عمله في دكانه الخاص الذي كان يعمل به. كانت كثيرا ما تشاكس الزبائن بخفة دمها وقد احب الكثيرون دلالها ومشاكستها. بل لعل البعض أخذ يشتاق لتلك اللمحات الجميلة التي تصدر منها فيأتي الى دكان أبيها ليرى رقية ويداعبها ويخرج. بل اصبحت واسطة جذب للزبائن وسط ضحكات أبيها وتقبيله لها . هكذا كانت حياتها جميلة حتى في البيت تكون الى جانب ابيها وتحاول ان تثير والدتها بان تعتنقه وتقول: هو لي وحدي! وسط ضحكات امها واخوتها، وعند سماعها الاذان تسرع لترتدي احرامها الجميل الصغير وتهيئ سجادة الصلاة لها ولأبيها. كثيرا ما حاول الاخرون اخذ مكانها ولكنها تغلبهم بخفة دمها وشقاوتها وعندما يقولون لها اتعبتِ اباك، تقول لهم: لا عليكم انا عزيزته انا حبيبته دعوني .... وفي يوم ربيعي جميل ومع نسمات الصباح الجميلة وهي مع ابيها في محل عمله دخل احد الزبائن الذي اعتاد على شقاوة رقية داعبها ثم قال لها: احضرت لكِ هدية جميلة. فقالت هل هي اجمل من ابي ؟ لا اعتقد هناك هدية اجمل منه. ضحكا بقهقهة وقال لها: نعم هو اجمل هدية . ولكن تعالي معي الى السيارة في الجانب الآخر من الشارع وسأريك مفاجأة . ذهبت معه بعد ان امسكت بيده بقوة خوف السيارات المارة وحين وصلت الى سيارة ذلك الرجل ودخلت بها لترى المفاجأة واذا بصوت انفجار يهز المكان وساد الظلام وهي ترتجف من الخوف والهلع... وبعد دقائق خرجت مسرعة نحو محل ابيها الذي اصبح ركاماً . فعثرت بشيء، دققت النظر، واذا برأس ابيها يشخب منه الدم! جلست وضعته في حجرها انحنت عليه تلثمه وتصرخ عالياً: بابا ...بابا .. بابا، حتى اغمي عليها. هرع إليها من كان قريب من المكان ليحملوها وهي بلا حراك. اوصلوها الى المستشفى وكان قلبها ينبض . اسعفوها، فتحت عينيها، ودارت بهما وسط الحاضرين وهي تتمتم بابا... بابا... وسط دموع الحاضرين وبهذه الاثناء حضرت امها لتعانقها وهي تبكي حبيبتي حبيبتي...اين ابوك؟ ووسط تلك الدموع وهي تردد بابا... لم تتمالك الطفلة مشاعرها وتنادي: أين أبي؟ أين أبي؟ وهي مذهولة مدهوشة لا تريد أن تصدق أن أباها رحل عنها وجسده تقطع اوصالا فأخذت تنادي: اريد ابي قبل قليل كان معي، أين أبي؟ اريد ابي، وسط دموع الحاضرين وآهاتهم، قالت لها امها: بنيتي ان اباك مات ورحل عنا! قالت رقيه: لا لا لا، قبل قليل كان معي، بكى كل من حضر عندها، وعلا الصراخ والبكاء في القاعة، جاء الطبيب والممرضون فشاهدوا ما يجري فاختنقوا بعبرتهم ونشيجهم، كتب لها الطبيب وصفة من العلاج المهدّئ واُخرجت من المستشفى ورجعت الى الدار ولكنها كانت ترفض أخذ العلاج المهدّئ وتقول: أين أبي؟ لقد كان وعدني بهدية أين هو؟ اين هو ابي؟ أبي، أبي، أين أنت؟ أخذت تركض الى غرفته علها تجده، أخذت تشم رائحته في ارجاء الغرفة، هذه ملابسه، هذا قميصه، وهذه حاجياته، وهي تدور مذهولة وتكلم اباها. واذا بجنازة ابيها جاؤوا بها استعداداً للتوديع الأخير، ليدفن في مثواه الاخير، شمت ريح والدها ركضت وهي تنادي: جاء ابي جاء ابي، تسمّرت قدماها وهي ترى اباها وسط التابوت وقد علا العويل والصراخ في أرجاء الدار، رمت بنفسها على الجنازة وهي تنادي أبي أبي الى أين أنت ذاهب؟ أتتركني وانا مدللتك؟ بابا من يلاعبني ويضاحكني؟ وصارت تنادي بابا بابا... ثم هدأت، والصراخ والعويل من اهلها والحاضرين يبكون لفقد عزيزهم ويبكون حال هذه الطفلة رقية، ولكنهم ذهلوا لأنها سكنت حملوها واذا بها قد التحقت بأبيها وفارقت روحها الطاهرة هذه الدنيا، لترفرف روحها مع أبيها الشهيد، لتكون قصة رقية الحاضرة بصمة تشابه ما جرى على السيدة رقية الماضي، فالقتلة هم نفس القتلة، والقلوب المتحجرة التي لا تعرف للرحمة معنى ولا للإنسانية معنى ولتكون مواساة رقية الحاضرة للسيدة الطاهرة رقية بنت الامام الحسين (عليه السلام)، لتشير الى مظلومية اهل البيت واتباعهم في الماضي والحاضر حنان الزيرجاوي

اخرى
منذ سنة
21646

لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع

يستشهد الكثير من الناس ــ وحتى بعض المثقفين ــ بقول:" لا تعاشر نفساً شبعت بعد جوع فإن الخير فيها دخيل وعاشر نفساً جاعت بعد شبع فإن الخير فيها أصيل" على أنه من أقوال أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، كما يستشهدون أيضاً بقولٍ آخر ينسبونه إليه (عليه السلام) لا يبعد عن الأول من حيث المعنى:"اطلبوا الخير من بطون شبعت ثم جاعت لأن الخير فيها باق، ولا تطلبوا الخير من بطون جاعت ثم شبعت لأن الشح فيها باق"، مُسقطين المعنى على بعض المصاديق التي لم ترُق افعالها لهم، لاسيما أولئك الذين عاثوا بالأرض فساداً من الحكام والمسؤولين الفاسدين والمتسترين عل الفساد. ونحن في الوقت الذي نستنكر فيه نشر الفساد والتستر عليه ومداهنة الفاسدين نؤكد ونشدد على ضرورة تحرّي صدق الأقوال ومطابقتها للواقع وعدم مخالفتها للعقل والشرع من جهة، وضرورة التأكد من صدورها عن أمير المؤمنين أبي الأيتام والفقراء (عليه السلام) أو غيرها من المعصومين (عليهم السلام) قبل نسبتها إليهم من جهة أخرى، لذا ارتأينا مناقشة هذا القول وما شابه معناه من حيث الدلالة أولاً، ومن حيث السند ثانياً.. فأما من حيث الدلالة فإن هذين القولين يصنفان الناس الى صنفين: صنف قد سبق له أن شبع مادياً ولم يتألم جوعاً، أو يتأوه حاجةً ومن بعد شبعه جاع وافتقر، وصنف آخر قد تقلّب ليله هماً بالدين، وتضوّر نهاره ألماً من الجوع، ثم شبع واغتنى،. كما جعل القولان الخير متأصلاً في الصنف الأول دون الثاني، وبناءً على ذلك فإن معاشرة أفراد هذا الصنف هي المعاشرة المرغوبة والمحبوبة والتي تجرّ على صاحبها الخير والسعادة والسلام، بخلاف معاشرة أفراد الصنف الثاني التي لا تُحبَّذ ولا تُطلب؛ لأنها لا تجر إلى صاحبها سوى الحزن والندم والآلام... ولو تأملنا قليلاً في معنى هذين القولين لوجدناه مغايراً لمعايير القرآن الكريم بعيداً كل البعد عن روح الشريعة الاسلامية ، وعن المنطق القويم والعقل السليم ومخالفاً أيضاً لصريح التاريخ الصحيح، بل ومخالف حتى لما نسمعه من قصص من أرض الواقع أو ما نلمسه فيه من وقائع.. فأما مناقضته للقرآن الكريم فواضحة جداً، إذ إن الله (تعالى) قد أوضح فيه وبشكلٍ جلي ملاك التفاضل بين الناس، إذ قال (عز من قائل):" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)"(1) جاعلاً التقوى مِلاكاً للتفاضل، فمن كان أتقى كان أفضل، ومن البديهي أن تكون معاشرته كذلك، والعكس صحيحٌ أيضاً. وعليه فإن من سبق حاجتُه وفقرُه شبعَه وغناه يكون هو الأفضل، وبالتالي تكون معاشرته هي الأفضل كذلك فيما لو كان تقياً بخلاف من شبع وكان غنياً ، ثم افتقر وجاع فإنه لن يكون الأفضل ومعاشرته لن تكون كذلك طالما كان بعيداً عن التقوى. وأما بُعده عن روح الشريعة الإسلامية فإن الشريعة لطالما أكدت على أن الله (سبحانه وتعالى) عادلٌ لا جور في ساحته ولا ظلمَ في سجيته، وبالتالي لا يمكن أن يُعقل إطلاقاً أن يجعل البعض فقيراً ويتسبب في دخالة الخير في نفوسهم، التي يترتب عليها نفور الناس من عشرتهم، فيما يُغني سواهم ويجعل الخير متأصلاً في نفوسهم بسبب إغنائه إياهم ليس إلا ومن ثم يتسبب في كون الخير متأصلاً في نفوسهم، وبالتالي حب الناس لعشرتهم. فإن ذلك مخالف لمقتضى العدل الإلهي لأنه ليس بعاجزٍ عن تركه ولا بمُكره على فعله، ولا محب لذلك لهواً وعبثاً (تعالى عن كل ذلك علواً كبيراً). كما إن تأصل الخير في نفوس بعض الناس ودخالته في نفوس البعض الآخر منهم بناءً على أمر خارج عن إرادتهم واختيارهم كـ(الغنى والشبع أو الجوع والفقر) إنما هو أمرٌ منافٍ لمنهج الشريعة المقدسة القائم على حرية الانسان في اختياره لسبيل الخير والرشاد أو سبيل الشر والفساد، قال (تعالى):" إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)"(2) بل إن الانسان أحياناً قد يكون فقيراً بسبب حب الله (تعالى) له، كما ورد في الحديث القدسي: "أن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى فلو أفقرته لأفسده ذلك و أن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر فلو أغنيته لأفسده ذلك"(3) وهل يمكن ان نتصور أن الخيرَ دخيلٌ فيمن يحبه الله (تعالى) أو إن معاشرته لا تجدي نفعا، أو تسبب الهم والألم؟! نعم، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"اِحْذَرُوا صَوْلَةَ اَلْكَرِيمِ إِذَا جَاعَ وَ اَللَّئِيمِ إِذَا شَبِعَ"(4) ولا يقصد به الجوع والشبع المتعارف عليه لدى الناس، وإنما المراد منه: احذروا صولة الكريم إذا اُمتُهِن، واحذروا صولة اللئيم إذا أكرم، وفي هذا المعنى ورد عنه (عليه السلام) أيضاً: "احذروا سطوة الكريم إذا وضع و سورة اللئيم إذا رفع"(5) وأما العقل السليم والمنطق القويم فإنهما يقتضيان أن تتأصل صفة الخير في الإنسان لملكاتٍ حميدة يتسم بها وصفات فضيلة يتميز بها، لا أن تتأصل صفة الخير في نفسه لمجرد أنه ولد في أسرة تتمتع بالرفاهية الاقتصادية ووجد في بيئة تتنعم بالثروات المادية! وعند مراجعتنا للتاريخ الصحيح نجد أن قادة البشر وصفوة الناس إنما كان أغلبهم ينتمي الى الطبقات الفقيرة من المجتمع، فهؤلاء الأنبياء ورسل الله (صلوات الله عليهم) منهم من كان نجاراً أو خياطاً أو راعياً، ومع ذلك فقد كانوا من أطيب الناس خلقاً، وأعظمهم شرفاً، وأرفعهم منزلةً، قد تأصّل الخير في نفوسهم تأصّلاً حتى غدوا قطعة منه، فكانوا هم الخير للبشر، وهم الرحمة للعالمين. وبالنزول إلى أرض الواقع نجد أن الكثير من الفقراء والمساكين طيبي الروح، كريمي النفس، يتألمون لألم المحتاج ولربما يؤثرونه على أنفسهم رغم حاجتهم. ولا نقصد من كلامنا هذا أن الأغنياء هم على نقيض ذلك، وإنما تأكيداً على مسألة عدم ارتباط تأصل الخير في النفوس وعدمه بمستواهم الاقتصادي الذي نشأوا فيه ارتباط العلة والمعلول، فكما إن بعض الفقراء أخيار، فإن بعض الأغنياء كذلك، والعكس صحيح أيضاً. ومن هنا يُفهم من بعض الروايات ضرورة عدم طلب الخير والحاجات ممن هم أهل للخير بقطع النظر عن مستواهم المعاشي الحالي والسابق، منها ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام):"أشد من الموت طلب الحاجة من غير أهلها"(5)، وعنه (عليه السلام) أيضاً: "فوت الحاجة أهون من طلبها إلى غير أهلها"(6) إذن فلا صحة لهاتين المقولتين من حيث الدلالة، حتى وإن تنزلنا وحملنا الجوع والشبع على المعنى المعنوي لا المادي؛ وذلك لأنه حتى من يفتقر الى الأخلاق المعنوية فإنه ما إن يتكامل بالفضائل ويقلع عن الرذائل حتى يتسم بالخير وتحسن عشرته وتطيب للناس صحبته، والعكس صحيحٌ أيضا.. ومن البديهي أن ما لا يوافق العقل والمنطق السليم، ويخالف صريح القرآن الكريم، لا يمكن أن يصدر من وصي الرسول الكريم (صلوات الله عليهما وآلهما)، وعليه لا تصح نسبة هذين القولين الى أمير المؤمنين (عليه السلام).. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) الحجرات 13 (2) الانسان 3 (3) عوالي الآلي ج2 ص29 (4) غرر الحكم ج1 227 (5) المدر السابق ج1 ص246 (6) ميزان الحكمة ج4 ص 238 رضا الله غايتي

اخرى
منذ سنة
21604

تأملات فتاة

تأملات فتاة في جوف الليل بعد أن هدأت الأنفاس وعاد كلٌّ إلى مكانه الذي يشعر فيه بالأمان والراحة، وبعد أن هدأت زقزقة العصافير وآوت إلى أعشاشها وانسل كل حبيب إلى حبيبه، في ساعة يخلو الإنسان مع ربه، لينظر كم هي نعم الله اللامتناهية، قد أغدقت عليه بين هذا وذاك، وبين نسمة هواء تدخل البهجة للنفس، ينسل زائر غريب إلى داخل النفس، هو معها، ولكن يبدو غريباً عنها، هو يرافقها ولكن ينأى بنفسه إن رأى أنها لاتخاطبه، ولكنه يحوم حولها، فإذا سبحت في فضاء الدنيا أصبح هو القارب الذي يحملها، ويوسوس لها، فتضعف أمام إصراره وحيله لتجده هو المنقذ والمخلص، فيسير في أغوار اللامعقول ليوصلها إلى أعماق التيه والضياع، يُجمّل لها الدنيا، نعم، في تلك اللحظات أخذتني نفسي مع ذلك المجنون، لأتسأل من انا؟ ماذا حققت في هذه الدنيا؟ أتراني فعلاً أعيش في هذه الدنيا؟ ترى هل يشعر من حولي بوجودي؟ أفعلاً أنا أعيش وسط هذا العالم الذي يأخذ كل شيء مني ولا يعطيني اي شيء؟ ولِمَ أنا هكذا؟ وأخذت الأسئلة تنهش بي من كل مكان، حتى خُيّل لي أني وسط بحر متلاطم الأمواج، كل موجة تحمل معها ألف سؤال وسؤال، وهو يخاطبني ويحفزّني ويجمّل لي صورة اللامعقول ويرسم أمامي لوحة البهجة الكاذبة، بزخارفها الخداعة، حتى كدت أُرافقه وخيّل لي أنه منقذي، ومددت يدي ليصطحبني لعالمه الجميل، كما زينه لي، وكما جعلني لا أرى إلا عالمه، وهممت بالنهوض معه، وأنا فرحة أكاد أحلق في سماء البهجة والسرور، ولمّا هممْتُ بالنهوض وإذا بصوت يأتي إلى مسامعي يهتف لي: رويداً رويداً أيتها الفتاة، أهكذا ينسى الإنسان حبيبه؟! أهكذا يخذل المعشوق معشوقه؟! أهكذا يترك الرفيق رفيقه؟! فأُصبتُ بقشعريرة في بدني وارتجاف في مفاصل جسمي، ودقات قلب كادت أن تُخرج صاحبها من قفصه الصدري، وخاطبت نفسي: ماذا تريدين ان تفعلين؟ أهكذا جزاء من أراد بك خيراً وروضّك؟ مهلاً أيتها النفس الأمارة بالسوء، عودي إلى رشدك، واعلمي أن عطاء الله ليس له حدود. فاقنعي بما قسم لك، ولا تخسري الدنيا والآخرة. حنان ستار رواش

اخرى
منذ سنة
10806

صاحبوا عيالكم بالمعروف

إن الأسرة التي تبنى على أسس اسلامية بناء صحيحاً ستكون حصناً حصيناً للمجتمع. بل هي أمنع حصونه على الإطلاق لأنها تحصِّن الأفراد من الزلل. والإسلام يحافظ على هذا الحصن من الداخل بتحمّل المسؤولية الملقاة على عاتق الزوج والزوجة. قال تعالى: ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]. إن البيت والأولاد أمانة ومسؤولية أمام الله عز وجل.. فالأمانات كثيرة وليست مقتصرة على الودائع فحسب وإنما لها مفهوم واسع كما بين القرآن الكريم. ومن ضمن هذه الأمانات: الزوجة والأولاد. إن الله عز وجل عرض الأمانة على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان. فقال تعالى: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]. أيها الأب إن التأسيس السليم للأولاد ليس لبناء جسم سليم فقط بل مع ذلك لابد من بناء قلب سليم , فتأسيس القلب الطائع لله يعود على سائر الجسم بسلامته . ومن الخطأ أن يعتقد الآباء أن مهمتهم تقتصر على تحمل الأعباء الاقتصادية فقط، فيهملون الجوانب التربوية الأخرى من تأديب وتربية ومصاحبة ومراقبة لأبنائهم. قال تعالى: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾ [النساء: 11]. وعن الإمام الصادق ( عليه السلام ) قال: "لا يزال المؤمن يورث أهل بيته العلم والأدب الصالح حتى يدخلهم الجنة" ميزان الحكمة ج١ هناك البعض من الأزواج يكثرون من الأولاد وربما يكثرون من الزوجات، ولكنهم يسيؤون سياسة عائلاتهم. ويكون الاهتمام بأسرته آخر هواجسه. فهو يترك لزوجاته وأولاده الحبل على الغارب. لايسأل عن زوجته ولايهتم لمستقبل أولاده وإنما همه ملاذه وراحته. هناك الكثير من الآباء يرون أنهم يملكون الحق الأوحد، وأن الأبناء دائما على خطأ، فيشعر الأبناء أن آباءهم لا يملكون لغة الحوار والتفاهم معهم، وأنهم يسيؤون إليهم دائماً؛ وهو ما يحدث فجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. عن رسول اللَّه( صلى الله عليه وآله ) قال: "أكرموا أولادكم وأحسنوا ادابهم يغفر لكم"ميزان الحكمة ج١ص٥٦ ثمة فئة من الآباء وبحجة التمسك بالدين، يحرمون على أولادهم ما يحلّلون لأنفسهم وذلك جهل بحقيقة الدين يحرمون ما أحل الله لعباده من ملذات ويجعلون من البيت سجناً مؤبداً للزوجة وللأولاد خاصة البنات. الإسلام لم يمنع من أخذ الزوجة والأولاد وترفيهم بما حلّل الله لأن الأصل في الإسلام الإباحة، فكل ما أنعم الله به على العبد محلل ومباح. ونعم الله لاتعد ولاتحصى، إلا ما ثبتت حرمته بالدليل لايجوز للأب أن يوفر لنفسه من راحة ونعيم ما لايوفرهما لزوجة وأولاده، إن أباً كهذا ليس أهلاً لأن يكون أباً، فإن هناك كثيراً من الأسر والمجتمعات تعاني من هذه المآسي ومن هذه الأوضاع والمشكلات اتجاه أولادها. إن أباً كهذا يدمر الأسس الأخلاقية والمفاهيم الدينية في الأسرة الإسلامية، وليتقِ الله أولئك الذين يضيقون على عيالهم باسم الدين.

اخرى
منذ سنة
9936